السيرة الذاتية
— 833 —

رسالةٌ من الأستاذ بخصوص زُوَّاره

اضطررتُ لبيان عذرٍ لأصحابي عامةً وللزوَّار خاصةً؛ وهو أني مثلما قضيتُ معظم حياتي في العزلة، فقد ظللتُ قرابة أربعين سنةً أعيش تحت المراقبة والملاحقة، حتى بتُّ أنأى بنفسي وأنفِرُ من لقاء الناس إلا لضرورة.
ثم إني كنتُ وما زلت أستثقل قبول الهدايا ماديةً كانت أو معنوية، وقد كَثُر في هذه الأيام عدد الزوَّار والأصحاب، وتوجَّبَ بذلك مكافأتهم معنويًّا، فكما تُمرِضني لقمةٌ من هديةٍ مادية، فكذلك القدوم لزيارتي ولقائي لا سيما تَجَشُّم عناء المجيء من أماكن بعيدة للسلام عليَّ ومصافحتي، فهذه هديةٌ معنويةٌ مُكلِفةٌ غير زهيدة الثمن، بل تفوق نظيرتها المادية ولا أستطيع مكافأتها، ولست أرى نفسي أهلًا لهذا الاحترام والتقدير.
ولهذا فإني كما منعني الإحسانُ الإلٰهيّ من قبول الهدايا المادية، منعني كذلك من قبول الهدايا المعنوية، أعني اللقاءات والزيارات إلا ما كان لضرورة؛ فبعضُها يُمرِضني كما تُمرِضني الهدايا المادية حين لا أكافِئ مُهديها، فلا يَسُؤْكم هذا ولا يَحْزُنكم.
إن قراءة رسائل النور أنفع من زيارتي عشرَ مراتٍ، ولا شكَّ أن زيارتي إنما هي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن، وبما أني قطعتُ علاقتي بالدنيا فإن زيارتي لأجل الدنيا لا معنى لها، أما زيارتي لأجل الآخرة والإيمان والقرآن فإن رسائل النور لم تُبق حاجةً إليّ، حتى إني لا أستطيع اللقاء بخواص إخواني القائمين على شؤوني إلا لضرورة، غير أني أرغب في اللقاء ببعض الإخوة الأفاضل لخدماتٍ تتعلق بنشر رسائل النور وفتوحاتها، فمتى كان اللقاء أو الزيارة لأجلها أمكن ذلك من غير أن يشُقَّ عليّ.
وأُعلِمُ مَن يأتون لزيارتي ممن لا يعرفون هذا الأمر، أني سبق أن أعلنتُ في بعض الصُّحُف أنني أخصُّ بدعواتي كلَّ مَن يرغب بزيارتي، لا سيما مَن يأتي من أماكن بعيدةٍ
— 834 —
ثم يرجع من حيث أتى دون أن يُتاح له اللقاء بي.. أدعو لهؤلاء دعاءً خاصًّا كلَّ صباح.. فلا يكن في صدورهم حرجٌ مني.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
وصلتْ لأستاذنا المريض بشدة رسالةٌ من أحد كبار المسؤولين يقول فيها: إن قياديين في الحزب الحاكم السابق - حزب الشعب الجمهوري - أوعزوا إلى رجال الحزب ذوي النفوذ في مفاصل الدولة بالعمل على منع نشر كتاب "سيرة بديع الزمان"، وأغرَوهم بتقديم امتيازاتٍ خاصةٍ لتحقيق هذا الغرض؛ وقد أجاب الأستاذ عن هذا بما مُفاده:
أولًا: إن أهم أجزاء هذا الكتاب قد سبق نشرُها عدة مرات، منها ما نشرته مجلة "سبيل الرشاد" ثلاثَ مرات، ومنها ما نُشِر أربعَ مراتٍ بالحرف العربي واللاتيني خلال أربعين عامًا، فضلًا عن أن بعض الدفاعات التي تضمَّنتْها هذه السيرة قد سبق أن طُبِعت بإذنٍ رسميٍّ وتُليَتْ في المحاكم، وقد أضيفَ مؤخَّرًا بعضُ الرسائل والمقالات التي كتبها علماء أفاضل من خارج البلاد على سبيل التعريف والشكر والتقدير، وعليه فلا يوجد سببٌ يسوِّغ للمحكمة التعرض بالمنع لشيءٍ مما سبق.
ثانيًا: لقد انتشرت رسائل النور انتشارًا ذاتيًّا عجيبًا في العالَم الإسلامي برغم ضغوط رجال السياسة خلال الأربعين أو الخمسين سنةً خَلَت، فكيف تُمنَع ولها اليوم ملايين الناشرين؟! ألا إنه لَيَعجِز عن منعها لا رجالُ الحزب السابق فحسب، بل العالَم بأسره، بل ينقلب عملهم هذا دعايةً لها، فلا يبتئسْ طلابُ النور لهذا.
— 835 —
ثالثًا: لقد سامحتُ الحزب السابق عن كل مَظلمةٍ ظلمني إياها، فضلًا عن أن رسائل النور قد أسدَتْ خدمةً كبيرةً للأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، إذْ أقامت في قلبِ كلِّ امرئٍ رقيبًا هو بمثابة شرطيٍّ معنويّ، ورسَّخت العمل بالدستور القرآني القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، والذي بمقتضاه لا يجوز ولا يَصِحُّ إن ارتكب أحدٌ جريرةً أن تُحمَّل المسؤوليةُ على غيره أو حزبه أو أهله وأقربائه.
وبناءً على هذه النقطة فإن رسائل النور تمنع من تضخيمِ خطأٍ ارتكبه بضعةُ أشخاصٍ من رجال الحزب السابق، فهي لا تسمح بإحالةِ الخطأ الذي ارتكبه خمسةٌ بالمئة على الخمسة والتسعين الباقين، ولا تسمح بتضخيم الخطأ ذاته والتهويل من شأنه أضعافًا مضاعفة؛ وانطلاقًا من هذا فالأولى برجال الحزب السابق أن يكونوا مُمتنِّين لرسائل النور كما فعل رجال الحزب الحاكم الحالي، إذْ لولا تعليمُها هذا الدرسَ المستقى من الدستور القرآني لكان آلافُ الأشخاص متهمين اليومَ بجريرةٍ ارتكبها بضعةُ أشخاص.
رابعًا: لقد تبيَّن بشكلٍ قاطعٍ أن رسائل النور معجزةٌ معنويةٌ للقرآن الحكيم، تحفظ أبناءَ هذا الوطن وغيرهم من أبناء العالَم الإسلامي وتقيهم شرورَ الكفر المطلق القادم من الخارج، لدرجة أنه لم ينجح أحدٌ من الفلاسفة الملحدين في مواجهتها والردِّ عليها؛ وقد بلغَنا خبرٌ يقينيٌّ عن اجتماعٍ حاشدٍ جرى في إحدى بلدان العالَم الإسلامي وحضره مليونٌ من الشباب أعلنوا فيه أن رسائل النور ستكون هي من يحقق السلم العالَمي، وبلغَنا كذلك أن بعض البلاد الأجنبية التي تؤيد السلام العالَمي قد شرعت بترجمة رسائل النور.
خامسًا: إذا أساء بعضُ المسؤولين تفسيرَ بعضِ القوانين الجديدة ليمنعوا نشر الكتاب بناءً على سطرٍ أو سطرين منه، فقولوا لهم نيابةً عني: أيجوز أن يعاقَبُ أو يُسجَن بجريرةِ شخصٍ واحدٍ عشرون ألفًا من أهله وجيرانه؟ وهل في العالَم كلِّه قانونٌ يقضي بهذا؟!
فكذلك الأمر في كتابٍ مؤلَّفٍ من خمسمئة صفحة، في كلِّ صفحةٍ عشرون سطرًا، وَوَرَدَ في سطرٍ منه كلامٌ لاذعٌ بحقِّ شخصٍ ما.. فما دام لم يُذكَر اسمُه فلا مسؤولية تترتب على ذلك، وحتى لو ذُكِر اسمه، فإنه يُحذَف إنْ عمِلْنا بمبدأ الرقابة على المطبوعات؛
— 836 —
أما أن يُصادَر الكتاب ويُمنَع فذلك جورٌ وخروجٌ على القانون لم يُسمَع بمثله، وهو أشبه بسَجن عشرةِ آلاف شخصٍ بجريرةِ شخصٍ واحد؛ وفضلًا عن هذا فإن للعشرين ألف سطرٍ المتبقيةِ عشرين ألف حسنةٍ، إذِ استطاعت أن تقوِّي إيمانَ عشرين ألف رجل حتى يومنا هذا، وحريٌّ بهذه العشرين ألف حسنةٍ أن تمحو تلك السيئة الواحدة.
ولولا أنني أعاني من شدة المرض لتكلمتُ أكثر، ويمكنكم - أنتم الذين تتولون القيام على شؤوني - أن تُجروا التصحيحات والتعديلات المناسبة إن رأيتم ذلك؛ لقد كان المفترض برجال الشرطة أن يكونوا أكثرَ الناس نصرةً وتأييدًا لرسائل النور إذْ أسدتْ خدمةً جليلةً بإرساء الأمن والاستقرار، وأدتْ وظيفة الشرطة المعنوية، إلا أن تكليف رجال الشرطة اليوم بمهمة التحري والملاحقة للرسائل وخِدمتها أمرٌ ينافي وظيفتهم من جهة، ويثير استياءنا من جهةٍ أخرى، بلِّغوهم على أيةِ حالٍ أنني قد سامحتهم.
سادسًا: كنا نرجو الفرَجَ والقُربة في ليلة المعراج وفي هذه الشهور الثلاثة المباركة، فإذا بخبر ملاحقة الكتاب ومنعِه يعكِّر صفوَنا بكلِّ أسف.
وإننا - أخذًا بمعنى الحديث الصحيح القائل بأن الصدقة تدفع البلاء - نَعُدُّ رسائل النور صدقةً تدفع البلاء عن بلاد الأناضول، وثمة وقائع كثيرةٌ تشير إلى هذا المعنى بحيث إنه كلما صدر قرارٌ ببراءتها ورَفعِ الحظر عنها رُفِع البلاء، وكلما هوجِمت حلَّت بلاءاتٌ كثيرةٌ، منها ما حصل في السابق من زلزالٍ وعواصف شديدة، وقد وقع في أثناء ملاحقتها والتعرُّض لها هذه المرة بردٌ شديدٌ غير مسبوق بلغ درجة ثماني عشرة تحت الصفر.
لم يستطع الأستاذ إكمال حديثه لشدة مرضه، فقال للقائم على خدمته: بلِّغ هذه المعلومات لبعض الإخوة والمسؤولين لئلا يقلقوا بهذا الخصوص.
وكتبه: القائم على خدمة الأستاذ في مرضه.
نعم، ما كَتَبه صحيح
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 837 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أستاذَنا الجليل.. ها هي رسائل النور تنال حريةَ الانتشار لتؤتي دعوتُكم الإيمانية القدسية أُكلَها طيبًا مباركًا مكافأةً لكم من اللّٰه تعالى على جهادكم المعنوي وصبركم الجميل.. لقد انطلقت هذه الدعوة القدسية في ظروفٍ بالغة الشدة، ومضتْ ترفع قضيتها السامية وتخوض كفاحها المرير، وها هي اليوم تكُلَّل بالنجاح والظَّفَر، فتَنفُذُ إرادةُ اللّٰه، وتتحقق أمنياتنا وآمالنا، وينتصر الإيمان على الكفر، مُمزِّقًا حُجُبَ الظلام، وناشرًا النور في الآفاق.
لقد أحسنت إلينا رسائل النور نحن أبناء تركيا - بل معنا الإنسانية جمعاء - إذْ حَقَّقتْ لنا هذا النصر والنجاح، وعرَّفتْنا نعمةَ الإيمان فبلَّغتْنا به سعادةَ الأبد، وشرفتْنا بحُظوة القرب من اللّٰه تبارك وتعالى، وقد باتت اليوم السلاحَ الأقوى والأمضى الذي سيحسم معركة الإيمان والكفر.
أجل، لقد عَمَرتْ رسائلُ النور أرواحنا، وقوَّتْ إيماننا، وأخذت بمجامع قلوبنا، وإننا نعبِّر لكم - أستاذَنا الحبيب - عن جزيل شكرنا وامتناننا بهذا الخصوص.. لقد عشتم حقبةً فظيعةً ملأى بالشدائد والمِحَن والاضطرابات، ولم تَخلُ صفحةٌ من صفحات حياتكم المباركة التي ناهزت قرنًا من الزمان من الجهاد والكفاح والأذى والتضييق والظلم والنفي، إلا أنكم قابلتم ذلك بعزمٍ وشجاعةٍ وتجرُّدٍ وإخلاصٍ وإيمانٍ أقوى من الفولاذ، وجسَّدتم أنموذجًا يُحتذى في فهم الإسلام واستيعاب قيم الإنسانية، وتركتُم أبلغ الأثر لمن بعدَكم، لا سيما مؤلَّفاتكم البديعة رسائل النور، وإننا من هذا المنطلق نؤكد لكم - نحن الملايين من طلاب النور - سيرَنا على نهجكم المبارك، ونعبر لكم عن عميق التقدير والعرفان.
أستاذَنا العزيز.. كونوا في راحةٍ وطمأنينةِ بالٍ بعد هذا الامتحان العسير الذي أفضى إلى النجاح والتوفيق رغم كل المتاعب والعناء وكِبَرِ السن، فلقد نشأ جيلٌ من
— 838 —
الشباب الواعد كلُّ واحدٍ منهم "سعيدٌ" شابّ، ولسوف يواصلون هذه الدعوة القدسية والخدمة الإيمانية والقرآنية في قادم الأيام بإذن اللّٰه، وسيواصلون السير على هذا الدرب بنور الإيمان، وسيحملون المهمة جيلًا بعد جيلٍ إلى أن يرث اللّٰه الأرض ومَن عليها.
أستاذَنا الحبيب.. نحن في فرحةٍ تضاهي فرحة العيد بعد أن أصبح كتاب "السيرة" قيد الطبع بأنقرة، وجديرٌ بهذه السيرة الجديدة المفصَّلة أن تُذكَر بفخرٍ واعتزازٍ في أنصع صفحات التاريخ، وحُقَّ لنا أن نفرَح بها كلَّ الفرح، فهذه السيرة ذات أهميةٍ بالغةٍ لما تتضمنه من مراحل جهادكم ونضالكم في سبيل دعوة "إنقاذ الإيمان" التي نذرتُم لها عمركم وجعلتموها غاية حياتكم، ولما تحكيه من بلوغكم الغاية التي عملتم لها بإرادةٍ واثقةٍ وعزمٍ لا يلين رغم آلاف المشاق والعقبات، ولما تَسرُده كذلك من معلوماتٍ وافيةٍ بخصوص تأليف رسائل النور وترتيبها ونشرها.
إن بحر النور هذا الذي أضرم الحماس في نفوس الملايين وأوصلهم إلى برِّ الأمان، سيبقى مائجًا على الدوام يُغرِق الكفر ويبدد الظلمات، وسيبقى في الوقت نفسه منقذًا ومخلِّصًا لبني الإنسان.
لم نوفِّكم حقَّكم من الشكر أستاذَنا الحيبيب الموقَّر.. نُكِنُّ أعمق مشاعر المحبة والاحترام، ونبلغكم سلامنا وتحياتنا الحارة، ونقبل أيديكم الطاهرة، ونرجو دعواتكم المباركة.
طلاب النور بإسطنبول
٭ ٭ ٭
— 839 —
﴿ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾
يا اَللّٰه، يا رَحْیمَنُ، يا رَحِيیمُ، يا فَیردُ، يیا حَیيُّ، يا قَیيُّومُ، يا حَیكَمُ، يا عَدْلُ، يا قُدُّوسُ
نسألك بحق اسمك الأعظم، وبحرمة القرآن معجز البيان، وبمقام الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، أن تجعل مَن قاموا بهذا العمل ومَن أعانهم من إخوةٍ مباركين، وسائرَ طلاب النور مظهرًا للسعادة الأبدية في جنة الفردوس.. آمين.
اللّٰهم ووفقهم دائمًا في الخدمة الإيمانية والقرآنية.. آمين؛ واكتب لهم بكل حرفٍ من هذا الكتاب ألف حسنةٍ في دفتر حسناتهم.. آمين؛ وأكرمهم بالإخلاص والدوام والثبات في نشر الأنوار.. آمين.
اللّٰهم يا أرحم الراحمين أسعِد جميع تلاميذ النور في الدارين.. آمين؛ واحفظهم من شَرِّ شياطين الجن والإنس.. آمين؛ واعفُ عن تقصير سعيدٍ العاجز المسكين.. آمين.
باسمِ عامَّةِ تلاميذ النور
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭