السيرة الذاتية
— 816 —

بيانٌ من طلبة النور الجامعيين ردًّا على الهجمات والحملات الكاذبة المغرضة التي شنَّها أعداء الدين

إخوتَنا الأعزاء الأوفياء..
نهنئكم على انقضاء هذه المحنة.. فمثل هذه الهجمات التي يتعرض لها طلاب النور الذين حازوا الإيمان الراسخ وترقَّوا في مراتبه بفضل دروس الإيمان التحقيقي التي تلقَّوها من رسائل النور، ما هي إلا امتحانٌ واختبارٌ من جهة، ومِحَكٌّ لتمييز الألماس النفيس عن الفحم الخسيس من جهةٍ أخرى.. أجل، وما السجون التي يُزَجُّون بها جزاءً على إيمانهم باللّٰه واتِّباعهم لرسوله وعملهم بكتابه إلا مدارسُ يوسفية.. وما الظلم والأذى الذي يَلقَونه إلا حوافزُ تدفعهم للمُضيِّ قُدُمًا في هذا الدرب.. وكأن القدَر الإلٰهي يومئ لنا من خلال هذه الهجمات قائلًا: هيا امضِ واعمل.. لا تتوقف.
لقد تمرَّس طلاب النور في مواجهة الصعاب، وباتت الدفاعات التي يُدلون بها في المحاكم أشبه بالأحاديث التي يتسامرون بها فيما بينهم، وكذا المخافر التي يُساقون إليها بين حينٍ وآخر، فلا فرق عندهم بين الذهاب إليها أو الذهاب إلى السوق، أما القيود التي توضع بأيديهم فليست سوى أساور الجهاد الأكبر تُزيِّن معاصمهم، وما الإدانات الظالمة التي وُجِّهت لهم إلا دليلٌ على براءتهم عند اللّٰه تعالى، وما الشدائد والمظالم التي ذاقوها إلا أوسمة شرفٍ على صدورهم، فما أسعدها من نعمةٍ نالها الرعيل الأول من طلاب النور خلال ثلاثين سنة، بينما فاتتنا وباتت بعيدة المنال إذ يوشك عهدها على الانقضاء!!
إن رسائل النور سِفرٌ إيمانيٌّ نفيسٌ حَقَّق لهذا الوطن وأبنائه الأمن والاستقرار، وأقام الوازع الحيَّ في القلوب؛ ولقد نالت الرسائلُ البراءةَ في شتى المحاكم التي رُفِعت فيها الدعاوى ضدها من قبل أعداء الدين، وصرَّحتْ خمسٌ وعشرون محكمةً بأنها لم تجد في رسائل النور جرمًا، وصدَّقت محكمةُ التمييز قرارَ البراءة بالإجماع، واكتسبتْ دعوى رسائل النور صفة القضية المُبْرَمة.
— 817 —
لقد مرت على هذا الوطن ثلاثون سنة لم تُسجَّل فيها أيَّةُ واقعةِ إخلالٍ بالنظام بحقِّ أحدٍ من طلاب النور مع أنهم يبلغون مئاتِ الآلاف، ولهذا فإن الذين يعملون على منع نشر رسائل النور إنما يعملون - بقصدٍ أو بدون قصد - لصالح أعداء الأمن والاستقرار، ولصالح الفوضوية الهدامة التي تَخون الوطن والشعب؛ والحال أن الذي يتعرض لرسائل النور ليس الحكومة، فلقد تبين لرجال الأمن والشرطة أنْ ليس لبديع الزمان ولا لطلاب النور أيُّ مأرَبٍ سياسي، وليس لهم من عملٍ يتوفرون عليه سوى خدمة الإيمان والإسلام؛ ألا إن الذين يتعرضون لرسائل النور ليسوا سوى أعداء الدين العاملين في الخفاء، وإن طلاب النور الذين تلقَّوا من الرسائل دروس الإيمان التحقيقي هم حزب القرآن المتين الذي لا يُغلَب، والقلعة الحصينة الصامدة التي تتكسَّر على أسوارها هجماتُ أعداء الدين، وكلما اشتدت هجمات هؤلاء ازداد طلابُ النور ثباتًا وفاعليةً وولاءً لرسائل النور وأستاذهم، حتى لقد كتب أحدهم يخاطب الأستاذ قائلًا: أستاذيَ العزيز البطل.. كلما ازداد معارضونا عددًا ازددنا قوةً!! فللّٰهِ الحمد بلا حد.
بلى.. كانت حقبةً سوداءَ حالكةً يخيم عليها الظلم والظلام، ويهيمن عليها العسف والاستبداد اللذان كَمَّما أفواه الجميع إلا رجلًا واحدًا لم يَسكت ولم يستطع أحدٌ إسكاتَه، بل لم يُمكن النَّيل حتى من طلابه.. ذلكم هو بديعُ الزمان الرجلُ الفذُّ البديعُ بحقٍّ.
لقد تمسَّك طلابُ النور برسائل النور باعتبارها تفسيرًا رفيعًا مُشرِقًا للقرآن الحكيم، وقرؤوها وأقرؤوها لإنقاذ إيمانهم أولًا، وإنقاذِ إيمانِ إخوانهم في الدين ثانيًا، وجَدُّوا في هذا المضمار، وعكفوا على خدمة القرآن والإيمان من خلال الرسائل لا يبتغون من وراء هذا شيئًا سوى مرضاة اللّٰه وحدَه، فلم يبالوا بما تعرضوا له في هذا السبيل من تحدياتٍ وتعدياتٍ، ولا بما شنه عليهم أعداء الدين العاملون في الخفاء من هجماتٍ وتشويه سمعة، بل عدُّوا جميع ذلك مُحفِّزاتٍ تحثُّهم على المضي قدمًا في نهج خدمة الإيمان والقرآن، وها هو حصادُ جهادهم في ثلاثين سنةً من الشدائد والمِحَن ماثلٌ أمام أنظار العالَم الإسلامي.
— 818 —
فهنيئًا لكم يا إخوتنا من طلاب النور الجدد الشغوفين برسائل النور.. نهنئكم من صميم قلوبنا إذِ انضويتم في هذا السلك المبارك تنهلون من مَعين الرسائل العذب، وتزدادون رسوخًا وثباتًا بقراءتها، وتنشرون أنوارها.. نبلغكم تحياتنا وندعو لكم ونرجو منكم الدعاء.
٭ ٭ ٭
وإذا كانت هذه الهجمات قد ألحقت بالأنوار ضررًا واحدًا، فإنها قد عادت عليها بعشرين نفعًا، مما يجعل الضرر في حكم المعدوم؛ أجل، فهي لم تُفضِ إلا لازدهار الأنوار واتساع دائرة انتشارها، وأصبحت سببًا لقبولها والثقة بها بين أبناء العالَم الإسلامي؛ ولقد لمس أعداء الإسلام انتشار الرسائل الواسع وفتوحاتها وتأثيرَها العميق ماديًّا ومعنويًّا في تركيا والعالَم الإسلامي، بل في أوروبا وأمريكا، فراحوا من جديدٍ يتعرضون لها هنا وهناك، فعاد ذلك عليهم بنقيض ما أرادوا، وبحسب المعلومات التي وصلتنا فقد تضاعفت فتوحات الرسائل في المناطق الشرقية عشرةَ أضعافٍ عما كانت عليه قبل التعرض لها، ولَفَتَتْ هذه الإجراءات أنظارَ الناس إلى الرسائل ومؤلِّفها، وأيقظتِ الغافلين، ونبَّهتِ الكُسالى، ودفعتِ المتهاونين لأخذ الحيطة والحذر؛ ومع أن هذه الهجمات الأليمة زائلةٌ لا تدوم طويلًا، إلا أنها مناوراتٌ خبيثةٌ يُراد بها بثُّ الخوف والذعر في النفوس.
لقد دأب أعداء الدين الحمقى على تضليل الجهات الرسمية وتحريضها علينا واتخاذها وسيلةً لإرهابنا.. ألا يدري هؤلاء مَن طلاب النور؟!
والحقيقة أن هؤلاء الأعداء من ملاحدةٍ وماسونيين وشيوعيين هم في منتهى درجات الضعف، أما سبب رؤيتهم أقوياء في الظاهر فيعود إلى أعمالهم التخريبية الهدامة، وهي أشبه ما تكون بالعمل الذي يرتكبه فتى شرير إذْ يُحرِق بيتًا كاملًا بعود ثقابٍ واحد!! أجل، إنهم في منتهى درجات الضعف، لأنهم يركنون إلى نفوسهم التي لا يبلغ حظُّها من الاقتدار حظَّ العصفور، وهم في منتهى درجات الذلة والمسكنة
— 819 —
والدونية، لأنهم عبيدٌ لعبيدٍ أمثالهم، يتزلفون إليهم ويُراؤونهم ويتملَّقونهم، أما أهل الإيمان - لا سيما مَن حاز نصيبًا من الإيمان التحقيقي - فأقوياء أعزة، وكلُّ واحدٍ منهم عبدٌ عزيزٌ كُلِّيٌّ، لا يخضعون إلا للقدير ذي الجلال، الحاكمِ ذي الكمال، خالقِ الكائنات، ربِّ السماوات والأرض الذي بيده ملكوت كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.. فإليه يتوجهون بالعبادة، وإليه ينتسبون، وإليه يَركَنون.
لقد أدرك المنافقون وأعداء الدين العاملون في الخفاء أن طلاب النور أناسٌ حملوا أرواحهم على أكفِّهم، وتبيَّن لهم منذ زمنٍ بعيدٍ أنْ ليس بالمقدور إبعادهم عن رسائل النور أو تخذيلهم عن أستاذهم، فغيَّروا مخططاتهم ودسائسَهم الشيطانية، وسلكوا سبيل الخديعة والمكر عسى أن يظفروا منهم بنقطة ضعفٍ يتسللون منها أو يستغلوا بساطتهم وطِيبة قلوبهم، فدخل هؤلاء المنافقون أو رجالهم أو المخدوعون بهم في سلك طلاب النور في صورة أصدقاء وموالين أو في صورة طلاب نورٍ، وراحوا يرددون كلامًا من قبيل: ثمة خدمةٌ للإسلام سوى هذه.. وثمة جهادٌ لأعداء الدين سوى هذا.. وثمة كتبٌ أخرى سوى الرسائل قيمةٌ نافعة.. وتلك علومٌ أخرى إن حصَّلتَها قدَّمتَ خدمةً أفضل لرسائل النور.. ونحوِ هذا من الدسائس التي يكيدونها لصرف طلاب الرسائل عن الأنوار وشَغلِهم تدريجيًّا عن الخدمة التي يؤدونها، وتحويل أنظارهم إلى مسائل أخرى إلى أن يجد أحدهم نفسَه في نهاية المطاف مُستغرَقًا في مشاغل شتى لا يجد متَّسعًا من الوقت ينفقه في العمل للأنوار.
وربما سلكوا في خديعتهم سبيلًا آخر كإغرائهم بالمنصب والشهرة والمال والثروة، أو ثَنيِهم عن الخدمة بالتخويف والترهيب؛ إلا أن رسائل النور تمنح كلَّ مَن يقرؤها بدقةٍ وإمعانٍ نباهةً فكريَّةً ويقظةً روحيةً وصحوةً قلبيةً، فلا تنطلي عليه مثل هذه الخدع، بل تعود بنقيض ما أراد مُدبِّروها، بل تدفعنا - نحن طلابَ النور - وتشدُّنا أكثر نحو رسائل النور، فسبحان مَن ردَّ كيدهم في نحرهم، حتى لَيَجدُ المرءُ بين طلاب النور مَن تركوا دنياهم ووقفوا حياتهم لخدمةِ الأنوار، ولم يكن لهم من دافعٍ لهذا - بعد النية الخالصة الصادقة السامية - سوى مقارعة هذه الخطط والخدع الخبيثة،
— 820 —
وهم يرددون ما قاله أستاذهم من قبل: "إن الزمان زمان التضحية للإسلام"؛ فالحمد للّٰه على فضله وإحسانه.
ليس لنا علاقةٌ بالسياسة، بل هي من منظور خدمتنا الإيمانية ليست سوى حُطام زجاج، فكيف يُستَبدَل بالألماس النفيس؟! ولقد صرَّح تقرير لجنة الخبراء برئاسة الشؤون الدينية أنْ ليس في رسائل النور موضوعاتٌ تتعلق بالسياسة، وسبق أن أعلن المدّعي العام بی"أفيون" في لائحة ادِّعائه أن نشاط بديع الزمان وطلابه ليس نشاطًا سياسيًّا.
أجل، فالوظيفة التي أَولاها تلاميذ النور اهتمامَهم هي أعظمُ من أعظمِ قضيةٍ دنيوية، فلا وقت لدينا للانشغال بالسياسة، ولو كان لنا مئة يد فهي بالكاد تكفي لخدمة النور، ولو كانت لنا ثروات دولٍ كأمريكا وبريطانيا لوَقَفناها على قضية إنقاذ الإيمان، ولا وقت لدينا للانشغال بالتيارات السياسية والأفكار الباطلة، فعمرنا قصير ووقتنا ضيق، والانشغال بالأمور السيئة يخلِّف على المرء أثرًا سيئًا، لا سيما في مثل هذا الزمان، حيث يصوَّر الباطلُ تصويرًا دقيقًا بحيث يُضلل الأذهان الصافية كما قال أستاذنا؛ نعم، فربما تعاطى أحدهم الأفكارَ والأمور السيئة بنيةٍ صافيةٍ قائلًا: سأتعلمها وأعرفها لأحاربها وأردَّ عليها، إلا أنه شيئًا فشيئًا يجد من نفسه ضعفًا في الارتباط بالدين والتمسك به والثبات عليه، وإذا به لم يعد كسابق عهده؛ غير أن ما تمتاز به رسائل النور هو أنها تبدد الظلمات بنشر النور، وتدفع المرء لترك القبائح والابتعادِ عن الشر بتعليمه الخير، وتُلقِّن قارئَها الحقيقةَ فتُنقذه من الباطل وتحميه منه.
خلاصة الكلام أننا مشغولون بالأنوار.. نشتغل بالمجوهرات القرآنية، ونعمل بحقائق القرآن الألماسية التي تستوعب الكون بأجمعه.. نخدم ما يبقى، ولا نكُدُّ لخدمة ما يفنى.. قد استغنينا بخدمتنا الإيمانية في رسائل النور فلم تَدَع لنا حاجةً للاشتغال بسواها بعد أن كَفَتنا كلَّ شيء.
إن أعداء الدين العاملين في الخفاء ما فَتِئوا يحاربون رسائل النور ومؤلِّفها، لكنهم لن يَجنوا من حربهم هذه سوى الهزيمة، وسيكون النصر والتوفيق حليفَ الرسائل ومؤلِّفها بإذن اللّٰه، على أن الطعن والتجريح الشخصي لن يَضرَّا رسائلَ
— 821 —
النور شيئًا، إذْ هي بذاتها حجةٌ وبرهان، بل إن الذين حملوا على عاتقهم مهمة الطعن والتشويه إنما حكموا على أنفسهم بها، والتاريخ شاهدٌ على هذا، وإن ما انطوت عليه رسائل النور من حقائق سامية سيُخلِّدها على مرِّ الزمان بإذن اللّٰه.
يومًا ما أعلن طلاب النور في محكمة الجنايات قائلين: "لا توجد قوةٌ بشريةٌ يمكنها أن تُفرِّق صفَّنا أو تُبعِدنا عن أستاذنا أو عن رسائل النور"؛ والأمر كذلك حقًّا، ولن ينجح المنافقون في تحقيق ذلك ولو استخدموا أعتى الأسلحة، بل حتى لو قتَّلونا وتفارقت أبداننا فإن أرواحنا ستمضي بسلامةٍ وسعادةٍ إلى عالَم الخلود؛ وإننا نقول كما قال أستاذنا في "المكتوبات": "حتى لو فرَّقتنا الأماكن فكان أحدُنا في الدنيا والآخَر في الآخرة.. أو كان أحدُنا في الشرق والآخَر في الغرب.. أو كان أحدنا في الشمال والآخَر في الجنوب.. فإننا برغم ذلك نبقى معًا".
إن أستاذنا لا يدَّعي لنفسه مقامًا معنويًّا، بل يرفض حتى ما يُنسَب إليه من مكانةٍ رفيعةٍ ووصفٍ استثنائي، إلا أن أحواله ومواقفه وسيرته كافيةٌ في التعريف به والبرهنة عليه، أجل، وحسبُنا أن نعلم أن خدمة القرآن والإيمان التي نهض بها بديع الزمان ورسائلُ النور حتى ترسخت في القلوب وانتشرت في كلِّ مكان، لا يمكن لأيَّةِ قوةٍ بشريةٍ أن تمنعها إلا أن تكون قوةً تستولي على مقاليد العالَم وتديرُه كيف تشاء.
ونقتبس هنا جُملًا من كتاب "الدفاع الكبير"، وهي كلماتٌ قالها أستاذنا في دفاعه أمام المحكمة التي سيق إليها وفق مخطَّطٍ يرمي للحكم عليه بالإعدام، يقول الأستاذ: إن طلاب رسائل النور ليسوا كغيرهم.. فليسوا ممن تُجدي معهم المكيدة والحيلة أو يستسلمون للّٰهزيمة.. أما رسائل النور فهي بضاعة القرآن ورشحةٌ من رشحاته.. والقرآن سلسلةٌ نورانيةٌ تَصِل العرش بالفرش.. فمَن بمقدوره أن يطولَها؟! لقد ترسخت رسائل النور في أرض الأناضول، وليس بمقدور أيَّة قوةٍ أن تقتلعها منها.
ويقول الأستاذ في كتابه الرائع الذائع الصِّيت "الآية الكبرى" ما نصُّه: إن رسائل النور لا تُصلِح إفساداتٍ جزئية، ولا تبني بيتًا متواضعًا، بل تُصلِح إفساداتٍ كُلِّيّةً شاملة، وتبني قلعةً عظيمةً محيطةً تَحوزُ الإسلامَ في داخلها، وتَعظُمُ عِظَمَ الجبال أحجارُها.
— 822 —
إنها لا تعمل على إصلاح قلبٍ خاصٍّ أو ضميرٍ خصوصيّ، بل تعمل على مداواة القلب العام الذي أثخنتْه جراحُ أدواتِ الإفساد المتراكمة منذ ألف عام، وتعمل على تطبيب الضمير والوجدان العمومي الذي مالَ إلى الفساد بعد أن دُمِّرت أسسٌ وتياراتٌ وشعائرُ إسلاميةٌ تمثِّل مرتكزًا للجميع خصوصًا لدى عوامّ المؤمنين؛ فهذا ما تقوم به رسائل النور مستعينةً بأدوية القرآن والإيمان، مستندةً إلى إعجاز القرآن؛ ولا ريب أن مثل هذه الجراحات الكُلِّیيَّة الغائرة والكُلوم الأليمة المفجعة تستدعي وجود أدواتٍ فعالةٍ، وحُججٍ قويةٍ راسخة، وأدويةٍ غير محدودة، ومضاداتٍ ناجعةٍ مجرَّبةٍ تملك خاصيَّة ألف ترياق؛ وتلك هي المهمة التي اضطلعت بها رسائل النور في هذا الزمان، فقد نبعت من الإعجاز المعنوي للقرآن المعجز البيان لتؤدي هذه الوظيفة السامية، وكانت بالإضافة إلى هذا وسيلةً للترقي والتزكي في مراتب الإيمان التي لا تُحَدّ.
إخوتَنا الأعزاء.. في زمنٍ هائجٍ عاتٍ هَيمَنَ فيه الإلحاد والكفر المطلق.. وفي عهدٍ مروِّعٍ شُرِعَ فيه بتنفيذ مخططات محو الإسلام والإيمان والقرآن.. وفي حقبةٍ رهيبةٍ لم يسبق لها مثيلٌ في التاريخ شُنَّت فيها حربٌ شعواء على علماء الدين وكُمِّمَت أفواههم ومُنِعوا من أداء وظيفتهم الشرعية في نشر العلوم الدينية وبيان الحقائق القرآنية وتبليغها.. في هذه المرحلة بالتحديد برز بديع الزمان سعيد النُّورْسِيّ بمفرده إلى ميدان الجهاد الديني مضحِّيًا شجاعًا ومدافعًا ثَبْتَ الجَنان يَذود عن القرآن والإيمان والإسلام.. ووقف وحدَه يتحدى لا الفراعنة المحليين فحسب، بل جميع ملاحدة أوروبا، فكان رجلًا بأمة، وراح ينشر حقائق القرآن في ظلِّ ظروفٍ قاهرةٍ ساد فيها الظلم الشديد والاستبداد المطلق، ولقي في سبيل ذلك ما لقي من الأذى والتضييق والمراقبة والملاحقة والمنع من أبسط الحقوق، وكان شعاره على الدوام: إن وظيفتنا هي السعي والعمل، أما النصر والهزيمة، والتوفيق والقبول، فبِيَدِ اللّٰه تعالى وحده، ولسنا نتدخل في الشؤون الإلهية. ولاقى معاملات ظالمة وظلمًا شديدًا ليس له مثيل، ووُضِع على بابِه شرطة وعناصرُ أمنٍ، ومنع من الخروج حتى لصلاةِ الجمعة، واتُّخِذَت إجراءاتٌ صارمة لستر جميع هذه التصرفات المُشينة كيلا يَسمَع بها أحدٌ.
— 823 —
لقد ألَّف أستاذنا رسائل النور بعنايةٍ إلٰهيةٍ في ظلِّ تلك الظروف الصعبة، ونشَرَ معظمَها كتابةً بخط اليد وبالحروف العربية القرآنية في الوقت الذي استُبدِلت بها رسميًّا حروفٌ لاتينية، وبذلك حافظ الأستاذ على خط القرآن، وحظي مئاتُ الآلاف من الشباب التركي بنعمةِ وشرفِ تعلُّم خط المصحف الشريف قراءةً وكتابةً؛ ولقد عبَّر الأستاذ في هذه الرسائل - بما آتاه اللّٰه من قوة إيمانٍ وإخلاصٍ تامٍّ - عن الحقائق القرآنية والإيمانية، وبيَّنها بأسلوبٍ جديدٍ تمام الجِدَّة يناسب أفهام العصر، ويتيح لجميع طلابه الاستفادة منها سواءٌ كانوا من العامة أو من الخاصة؛ وبهذا وُفِّق بفضل اللّٰه لإخراج تفسيرٍ قرآنيٍّ رفيعِ المستوى مشرقِ المعنى يفيض حيويةً كرسائل النور، ولقد كان من الآثار الجليلة لهذه المؤلَّفات الرائعة حِفظُ الوطن والشعب من الإلحاد والشيوعية.
وفي زمنٍ أُزيلت فيه الشعائر الإسلامية بالقوة، وكثُر فيه علماء السوء الذين قدَّموا مصالح الدنيا وظنوا أنفسَهم مجبَرين، فتنازلوا عن تلك الشعائر القدسية، وتصرفوا بما يعود على الدين بالضرر، واستجابوا لما طُلِبَ منهم من مسايرة البدع وإصدار فتاوى تخالف الإسلام.. في ذلك الزمن بالتحديد ثبت بديع الزمان ثباتًا راسخًا بلسان حاله ومقاله وأفعاله، فلم يغير ولم يبدِّل برغم كلِّ الأذى الذي لَقِيَه والذي وصل إلى درجة التهديد بالإعدام، بل خاض نضاله بكل إقدامٍ قائلًا: "إن الأجل واحدٌ لا يتغير، وإن الموت ما هو إلا تذكرة ذهابٍ من عالَم الفناء هذا إلى عالَم البقاء وعالَم النور"، وأخذ ينشر سِرًّا وخلال ثلاثين سنةً مؤلفاتٍ تُحذِّر من البدع وتحاربها، وتحافظ على الشعائر الإسلامية، وتُحيي السُّنة السَّنيَّة، وبذلك سَرَت في محيطه نفحةٌ من نفحات عصر النبوة، وسطعت فيه جَلوةٌ من جلواته.
لقد اختار الأستاذ العيش في عزلةٍ يكتنفها القهر والأذى لئلا يقع في مخالفةِ سنةٍ نبويةٍ واحدة، وعَجَزَ الاستبدادُ الإلحادي المطلق الذي لم يسبق له مثيلٌ في تاريخ البلاد، والذي فرَضَ حكمه على الملايين طَوالَ ثلاثين سنة.. عجز عن فرض حكمه على بديع الزمان بأيِّ شكلٍ من الأشكال، بل ظلَّ هؤلاء الظَّلَمَة المستبدون مهزومين في مواجهته.
— 824 —
إن رسائل النور تقوي إيمان المرء إذْ تنقله من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي، وبذا ينال سعادة الدارَين وحُسن الخاتمة، وهي في الوقت نفسه تُلزِم أعتى الفلاسفة الملحدين الحجةَ، بل إن إحدى خصوصياتها هي أنها - خلافًا لأسلوب المتكلمين - تلقي على قارئها الدرس الإيماني نقيًّا صافيًا دون الخوض في شبهات أهل الضلال وزيغهم، فتداوي أدواءَه المعنوية دون أن تُخلِّف في نفسه شيئًا من جراح الشبهات ونُدوبِها، وبهذا تقضي على الوساوس والأوهام، وتجيب على الأسئلة والإشكالات بأسلوبٍ يُلزِم النفس ويُطمئن القلب.
ورسائل النور تنير العقل والقلب معًا، وتُملِّك المرءَ زمامَ نفسه، ولهذا يتمسك بها الفريقان، فريقُ المشتغلين بالعلوم والفلسفة الآخذين بالعقل وحدَه، وفريقُ أهل التصوف السالكين سبيل القلب، إذْ يعي الفريق الأول أن التنوير الحقيقي إنما يكون بالمزج بين ضياء العقل ونور القلب، وأن الأخذ بالعقل وحدَه يَنزل به إلى مستوى العين فلا يُقِرُّ إلا بما ترى، وشأنُ هذا شأنُ طيرٍ مكسور الجناح لا يستطيع الطيران، وإن طار لم يلبث أن يقع؛ ويعي الفريقُ الآخَر أهلُ التصوف الخالصون المخلِصون أن الزمان الحاضر ليس كالماضي، وأنه لا بد لنا في هذا الزمان من طريقٍ قرآنيٍّ يسلك بنا سبيلَ الحقيقة ويبلِّغنا إياها بالقلب والعقل معًا فنكون من ذوي الجناحين.
(حاشية): يؤكد أهل العلم والتحقيق الذين وقفوا على كتاب "المثنوي العربي النُّوري" أن المراتب التي يَبلغها أقلُّ القليل من الكُمَّل الذين حازوا القطبية والغوثية بالسير والسلوك سبعين أو ثمانين عامًا، ويصلون إلى نقطةٍ يقولون عنها: إنها المنتهى ولا سبيل وراءها؛ هي مراتبُ قد بَلَغها بديع الزمان بواسطة العلم والطريق الذي وجده في القرآن الكريم، ويُشيدون بالفوائد التي تحصَّلت لهم من الحقائق السامية العميقة الواسعة التي انطوى عليها هذا السِّفرُ النفيس.
لقد لاحظ رجال المدارس التقليدية الذين وعَوا الأمر جيدًا أن الحصيلة الإيمانية والإسلامية التي يمكن تحقيقها خلال خمس عشرة سنةً وفق المناهج المتبعة في المدارس التقليدية، أصبح من الممكن تحصيلها في هذا الزمان خلال خمسة عشر أسبوعًا بواسطة رسائل النور، وفي هذا الصدد يقول أستاذنا: إن مَن يتوفَّر سنةً على
— 825 —
قراءة دروس رسائل النور بفهمٍ وقبولٍ يصلح أن يكون عالِمًا ذا حقيقةٍ وشأنٍ في هذا الزمان.
ورسائل النور خزينةُ مددٍ ونورٍ تُقرِّب المشرب النوراني لنبيِّنا المصطفى (ص)، وتُبيِّن السجايا العالية لصحابته الكرام رضي اللّٰه عنهم، وهذه المزية تُضفي على عالَم اليوم حياةً نورانيةً دفاقة، وتكشف عن وجهٍ جديدٍ مشرق، إذْ تجمع رسائلُ النور أهلَ العلوم الحديثة مع أهل العلوم التقليدية وأهل المسالك الصوفية، وتوحِّدهم في صفٍّ واحد بعد أن ساد الظنُّ لأزمانٍ طويلةٍ أن هؤلاء فُرقاء متعارضون؛ ويرى كثيرٌ من ذوي الشأن أن رسائل النور هي أبرز من يعمل لتحقيق اتحاد العالَم الإسلامي؛ أجل، بل يمكننا القول بأنها تحقق كذلك السلامَ بين الشرق والغرب وهما اللذان عُهِد بينهما الخلاف والشقاق؛ وإننا لنجد اليوم تياراتٍ في أوروبا وأمريكا تَجِدُّ في البحث عن كشوفاتٍ علميةٍ جديدةٍ تَحُلُّ مشاكلَ العالَم، وتُبيِّن الحق والحقيقة لإنسان هذا الزمان الذي بلغ ما بلغ من الرقي العلمي والفكري، ولو أمكن لهؤلاء أن يتأمَّلوا ويدركوا لوجدوا بُغيتهم في رسائل النور، وثمة علائم تشير إلى تحقُّق شيءٍ من هذا لدى الشعب الألماني المحظوظ.
(حاشية): ومن الأمثلة على هذا دخول خمسة وستين شابَّا في الإسلام، والتزامهم بنهج رسائل النور، وذلك في بلدةٍ ألمانيةٍ واحدةٍ وفي محيطٍ مسيحيٍّ خالص.
لقد تناولتْ رسائل النور العُقَد المستعصية التي عجز عن حلها فلاسفة الغرب فيما مضى، والتي قال عنها فلاسفة اليوم إنها لم تُحلَّ بعد، فحَلَّتْها بفيض القرآن الكريم ومَدده، وأقامت على ذلك الدليلَ العقليَّ المنطقي؛ وكذلك الأمر في قضايا إشكاليةٍ اجتهد حكماء الشرق في إيضاحها وتفهيمها، فكتبوا فيها أربعين صفحة، بينما عبَّرت عنها رسائل النور بأسلوبٍ بالغ الإيجاز في صفحةٍ واحدة، ونقتبس بهذا الصدد بعضًا مما قاله الأستاذ بديع الزمان عام ١٩٣٥م في دفاعه أمام محكمةِ جناياتِ "أسكي شَهِر"، وهي محكمةٌ دُبِّرت له بُغيةَ أن يُقضى عليه بالإعدام، يقول الأستاذ: إن رسائل النور لا
— 826 —
تُطفأ ولا تنطفئ.. إنها نورٌ لا تزيده محاولات الإطفاء إلا سطوعًا.. وإنها كَشَّافٌ يميط اللثام عن طلسم الكون ويحلُّ لغزه.
ومن هذا القبيل مسألة الحشر الجسماني، التي قال فيها أحد عباقرة الحكماء كابن سينا: "إنها ثابتةٌ بالنقل، نؤمن بها ولكن لا سبيل للعقل إليها"؛ فقد أثبتتْها رسائل النور إثباتًا عقليًّا بفيض القرآن الكريم، وأوضحتْها بأسلوبٍ فريدٍ بحيث يَسهُل فهمها حتى على العوام.
وقريبٌ من هذا أيضًا الاعتراضاتُ التي أثارها فلاسفة أوروبا وطلابهم الغارقين في الضلال حول بعض الآيات والأحاديث المتشابهة لعدم وقوفهم على معناها، فقد أجابتْ عنها رسائلُ النور إجابةً عقليةً منطقية، وبيَّنت وجه إعجازٍ في كلِّ نصٍّ من نصوص هذه الآيات والأحاديث، وبذلك واجهت الشبهات والضلالات الواردة من العلوم والفنون فاستأصلتها من جذورها متبعةً في ذلك منهجيةً علميةً رصينة.
وإذا شئنا الحديث عن رسائل النور من منظور أدبيٍّ لقلنا: إنها تتمتع بسموٍّ أدبيٍّ فريد، ويمتاز أسلوبها المتفرِّد ببلاغةٍ وفصاحةٍ وعذوبةٍ وإيجازٍ لا نجده حتى في المؤلفات المشتهرة بين الناس، ويجدر بنا أن نذكر في هذا المقام أنه حين طُلب من بعض العلماء الأجلاء ترجمة كتابَ "عصا موسى" إلى العربية وذلك بإلحاحٍ شديد من العالم الإسلامي، فلما اطلعوا عليه شهدوا للأستاذ ورسائله بالفضل والمزية قائلين: لا يترجِم كتبَ بديع الزمان إلا بديعُ الزمان نفسه.. فنحن عاجزون عن ترجمة رسائل النور ترجمةً تحيط بما فيها من العلم، وتحافظ على ما فيها من بلاغةٍ وفصاحةٍ وإيجاز.
إن منهج بديع الزمان في مؤلفاته هو أنه - خلافًا لمعظم الكُتَّاب والأدباء - يولي المعنى أهميةً أكثر من اللفظ، فلا يُضحِّي بالمعنى لأجل اللفظ، بل يجعل اللفظ خادمًا للمعنى تابعًا له، ولا يراعي في أسلوبه هوى القارئ، وإنما يتخذ الحقيقة والمعنى عمدةً وأساسًا، فهو إذْ يفصِّل ثوبًا للبدن يقصُّه بما يناسب البدن وليس العكس؛ وتلك هي الجاذبية الربانية التي تنطوي عليها رسائل النور، والتي تسوق العقول والقلوب
— 827 —
والأرواح والضمائر نحو الحقيقة فتخضع لها وتنقاد، حتى لَتجدُ الصغار والكبار، والشباب والشيوخ، والعوام والخواص ينجذبون نحوها كما ينجذب الفراش إلى النور؛ وخير مثالٍ على هذا هو الإقبال الشديد الذي شهدته الرسائل من شريحةٍ واسعةٍ من أبناء المجتمع مما أفزع أعداء الدين وأثار مخاوفهم.
وكما هي الحال مع شتى جوانب رسائل النور فليس بالمقدور وصفُ الجانب الأدبي فيها وبيانُ قيمته وأهميته كما يليق به، خصوصًا لأمثالنا ممن لم يبلغوا شأو الأدباء، ولئن جاءت عباراتنا في هذا المقام قاصرةً لا تفي بالمطلوب كما هو شأن جهد المُقِلِّ، إلا أنها تبقى عباراتٍ صادقةً تعبر عما في مكنون القلب من شكرٍ وامتنانٍ لا يتناهيان تجاه الفائدة العظمى التي حصَّلناها من الرسائل، وإلا فإن أَولى مَن يحكم في هذه المسألة إنما هو مؤلِّف الرسائل نفسه.
لقد شهد علماء أجلاء منصفون لرسائل النور بأنها تفسيرٌ قرآنيٌّ متفرِّدٌ يُلبِّي حاجة العصر، وأثنوا عليها ببالغ التقدير والاستحسان، كما سبق أن شهد علماء أفاضل قبل قرابة نصف قرن على عظمة مؤلفات بديع الزمان وعلى علو كعبه في العلم والدراية حيث وصفه الصحف والجرائد المصرية بی: "فطين العصر".
ولا يفوتنا في هذا المقام التذكير بالدستور الذي التزمه بديع الزمان طَوالَ حياته، ألا وهو الترفُّع عن قبول الأُعطيات، وعدم قبول الهدية إلا بشرط المكافأة عليها، وقد شهد له بذلك حتى خصومُه، وأقروا له بأنه فنَّد بموقفه العملي هذا التهمةَ التي لطالما رددها أعداء الإسلام عن أهل العلم، وضرب مثلًا يُحتذى في صون العلم عن الابتذال والتكسُّب به، وحافظ على عزة الإسلام والإيمان في وجه أعتى الطغاة الظَّلَمة، ولم يُخِلَّ بقاعدة الاستغناء التي سار عليها حتى في أشد ظروفه قسوة، فاستغنى عن أموال الناس قائلًا: إن الاقتصاد والقناعة كنزان عظيمان تكفيني بركاتُهما.
إن ما تعرض له بديع الزمان على مدى السنين الطِّوالَ، من سجونٍ أُدخِلَها، وزنازين زُجَّ بها، ومَنافٍ سيق إليها، وظلمٍ وتضييقٍ وأذًى لَقِيَه، ومحاولاتِ تسميمٍ
— 828 —
تعرض لها حتى بلغت سبع عشرة محاولة.. كلُّ ذلك دليلٌ ساطعٌ وبرهانٌ حيٌّ على صدقه وأحقِّيةِ دعوته؛ ونستشهد في هذا الباب بموقفٍ جرى لأحد الأفاضل في الهند إذْ سُئل أمام جمعٍ من الناس: من هو بديع الزمان؟ فأجاب: هو رجلٌ صاحبُ دعوةٍ، عزيزٌ متعففٌ لا يقبل صدقةً ولا هدية، وقد أنهكه المرض، وطعن في السن، وعاش حياته في الغربة، وعانى الفقر، وقاسى الظلم، لكنه برغم هذا كلِّه ما يزال منذ ستين سنةً ثابتًا على دعوته لم يَحِد عنها!! فقالوا له: إنَّ مَن هذه حالُه لا بد أن يكون رجلًا يصدع بالحق، ويخدم القرآن والإسلام خدمةً كُليَّةً جادةً مؤثِّرة، ولا ينحني للكفر والإلحاد والزندقة، لا يرائي ولا يتزلف، ولولا ذلك لما لقي كلَّ هذا الظلم والأذى.
ومن هنا يمكننا القول بأن عبارات الثناء والتقدير التي تقال بحق الأستاذ وتتردد على ألسنة رجالٍ أفاضل ليست عبارات مدحٍ وثناء تُزجى، بل هي وصفٌ لواقعٍ مشهود، وتعبيرٌ قاصرٌ عن جزءٍ يسيرٍ من العمل العظيم الذي نهض به بديع الزمان؛ وكذلك الأمر بخصوص ما يكتبه طلاب رسائل النور من مقالاتٍ ورسائل، فليست هذه مديحًا يُدبَّج، بل هي دفاعٌ رصينٌ يجابِه أعداءَ الدين الذين لا ضمير لهم ولا إنصاف، ويقارعهم في مسعاهم لضرب خدمة الأستاذ الإيمانية والتعرُّض لشخصه.
(حاشية): إحدى الدسائس التي يُردِّدها الملاحدة وشياطين الإنس والجن، ويبثونها على ألسنة مخدوعيهم هي قولُهم: إن أستاذَكم لا يولي أهميةً لشخصه، لكنكم تخالفون منهجه وتكتبون بحقه رسائل تقديرٍ وإجلال!!
والحق أن هذا هو أحد أساليبهم في خداع طلاب النور وتشويشهم، إذ يغالطونهم بمثل هذه الأفكار التي تلقى رواجًا لدى البسطاء لمنعهم من الدفاع عن الأستاذ والرسائل دفاعًا عادلًا نزيهًا؛ ونحن نقول: أجل، إن إحدى سجايا أستاذنا العالية الرفيعةِ النابعةِ من إخلاصه هي أنه لا يولي أهميةً لشخصه، لكنَّ هذا لا ينبغي أن يدفعنا لإغفال قيمته ومكانته السامية، بل إن إبرازها والاعتراف بها لَیمِن مقتضى البصيرة والإنسانية؛ ذلك أنَّ من لُطف اللّٰه بنا أن قيَّض لنا هذا الرجل الفذَّ الذي قدَّم لنا تفسيرًا قرآنيًّا بديعًا كرسائل النور التي تُعنى بالقضايا الجوهرية المصيرية، وهي قضايا لا تخص أبناء العالَم الإسلامي اليومَ فحسب، ولا المجتمع الإنساني المعاصر فحسب، بل يمتد أثرها ودورها لأجيال المستقبل.
— 829 —
وبالرغم من أن عبارات التقدير والثناء هذه لا تجافي الحقيقة، إلا أن الأستاذ لا يتردد في إبداء انزعاجه منها وإنْ جرَحَ بذلك مشاعر قائليها، بل كثيرًا ما يؤكِّد أ ن الزمان ليس زمان الشخص الفرد، بل هو زمان الشخصية المعنوية.. وليس في رسائل النور شخصٌ فرد، بل فيها شخصيةٌ معنوية.. أنا لا شيء.. فالرسائل بضاعةُ القرآن، منه ترشَّحتْ، وإليه يعود الحسن والشرف.. لقد وقع الخلط بيني وبين رسائل النور، وإنما المزية لها وليست لي.. أما التوفيق العجيب في نشرها فيعود لطلابها.. وإنما القضية أن اللّٰه جلَّ شأنه قد تفضَّل عليَّ لشدة حاجتي، وأنعم عليَّ بأدويةٍ من القرآن الحكيم فدوَّنتُها، ووقعتْ على عاتقي بشكلٍ أو بآخر وظيفةُ ترجمتها والتعبير عنها.. أنا أحد طلاب رسائل النور.. ولقد قرأتُ إحدى الرسائل مئة مرة، وما أزال أشعر بالحاجة إليها من جديد.. فأنا زميلكم في الدرس والتلقي.
إن خدمة القرآن والإيمان والإسلام التي نهض بها بديع الزمان ليست عملًا محليًّا محدودًا، بل هي خدمةٌ تعمُّ أرجاء المعمورة، وتحظى بتوفيقٍ ونجاحٍ باهرَين، وما سرُّ هذا النجاحِ والتوفيقِ وقوةِ التأثير التي تتمتع بها رسائل النور إلا الإخلاصُ التام لدى بديع الزمان، إذْ لم يكن له من أساسٍ يَعتمد عليه ولا مقصِدٍ يرنو إليه سوى مرضاة اللّٰه تعالى، وله بهذا الصدد كلامٌ يقول فيه: "إن أساس مسلكنا الإخلاص الأعظميُّ وترك الأنانية، فدِرهمُ عملٍ خالصٍ خيرٌ من قنطارِ عملٍ غير خالص.. إنني أفرُّ أشدَّ الفرار من الشهرة ومن هدايا الناس المادية والمعنوية، ومن إقبال العامة وتوقيرهم"؛ ولا شك أن هذا هو أحد أسباب امتناعه عن استقبال الزوار، وليس أدلَّ على منزلة الإخلاص لديه من أنه خصَّ "رسالة الإخلاص" من بين رسائله المئة والثلاثين بعبارةٍ صدَّرَها بها قائلًا: "تُقرأُ هذه الرسالة مرةً على الأقل كلَّ خمسةَ عشر يومًا"، ويقول في كتابه "الدفاع الكبير": "إن غايتنا مرضاةُ اللّٰه عز وجل، وإن رسائل النور لا تُتَّخَذُ أداةً لشيءٍ من الدنيا، بل ولا للكون بأجمعه".
فذلكم هو سرُّ الإخلاص الذي لَمسَهُ أحدَ العلماء الأجلَّاء المحققين ممن يُعنَون بقراءة مؤلفاتِ كبار الأئمة الحكماء الأعلام كالإمام الغزالي وغيره.. فجعله
— 830 —
يقول: إن الفائدة التي أُحصِّلها بقراءة صفحةٍ من رسائل النور، تفوقُ ما أُحصِّله من عشرِ صفحاتٍ من غيرها من المؤلفات.
ويقول أحد المهتمين بالعلوم الفلسفية: لقد عُنيتُ بالمؤلفات العلمية والآثار الفلسفية سنين طويلة، فلم أجد مؤلَّفًا يُقنعني، ويداوي جروحي التي سببتْها الفلسفة والمؤلَّفات الغربية، ويُلبِّي احتياجاتي في هذا الزمان: كرسائل النور.
ويقول أحد الأدباء: كان قلبي مؤمنًا، لكنْ كان عقلي مُظلِمًا، فجاءت رسائل النور فنوَّرَتْهما معًا، وأقامت الحجةَ على نفسي، وأنقذتني من عذابٍ جهنمي.
ويقول أحد الأطباء: ذلك اليوم الذي بدأتُ فيه الاستفادة من رسائل النور هو يومُ ولادتي بحق.
ويقول شابٌّ موفَّقٌ من طلاب الجامعة: لَأَن أؤدي خدمةً من قبيل توصيلِ رسالةٍ من رسائل النور ونقلِها من موضعٍ لآخَر في إسطنبول أحبُّ إليَّ من أن أكون نائبًا في البرلمان.
وقبل ثلاثين سنةً قال رجلٌ جليل القدر كبير السن فاضلٌ مُخلِصٌ من أهل التصوف، عن شابٍّ يُدعى لطفي: إن طالب النور هذا قد سبقني بأشواط.
فهذه نماذج يسيرةٌ من اعترافاتٍ كثيرةٍ تشير إلى ما ذكرناه من سرِّ الإخلاص؛ ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد سرَّ الإخلاص هذا لدى طلاب النور، فبه يوفَّقون في خدمة الإيمان والإسلام تحت وطأةِ قيودٍ كثيرةٍ وتهديداتٍ جمَّةٍ وظروفٍ صعبةٍ، ويَقفون حياتهم لخدمة الرسائل والسير على نهج أستاذهم، وقد جعلوا قضيَّة رسائل النور رأسَ مالِ عمرهم وغاية حياتهم، ولما كان مقصَدُ رسائل النور مرضاةَ اللّٰه تعالى، فقد حاز المحامون ذوو الغيرة الإيمانية نعمةً عظيمةً وشرفًا عاليًا بالعمل لها، إذْ باتوا محامين فخريِّين لها تفيض جوانحهم ولاءً للإسلام، وكذا الحال مع نُظرائهم من الكتاب والمحرِّرين الذين أخذوا يجاهدون بأقلامهم في نصرة الحق والدفاع عن الدين؛ إن الانتشارَ الذي تحظى به رسائل النور، والفتحَ الذي تُحقِّقه، والأثرَ الذي
— 831 —
تتركه، هو أشبه بالموجودات التي تنتشر في فصل الربيع وتتفتح بأبهةٍ وجلالٍ من غير ضجيج.
فيا إخوة النور الأعزاء..
لقد حظيتم بنعمةٍ عظمى جديرةٍ بكلِّ مدحٍ وثناءٍ كرسائل النور.. وتتلمذتم على يد بطلٍ من أبطال الإسلام كبديع الزمان.. ذلك المفكر العبقري، والعالِم المتبحِّر، والمجاهد الفذّ، والعبد الكُلِّي الذي تجسدتْ فيه الحقائق الإيمانية، وتجلَّتْ فيه معاني الزهد والتقوى، والذي وقف حياتَه تلميذًا للقرآن وخادمًا للإسلام بتجرُّدٍ وإخلاصٍ لا يبتغي شيئًا سوى مرضاة ربه سبحانه، وهو المُنقِذ الإيماني القائل: إنني أرضى بدخول جهنم لإنقاذِ إيمانِ شخصٍ واحد؛ وهو الذي أُحيل على المحكمة العسكرية لتقضي بإعدامه، فلما وُجِّهت له تهمة الرجعية أجاب قائلًا: إذا كانت المَشْروطِيَّة استبدادَ فئةٍ من الناس فليشهد الثقلان أني رجعيّ، ولو كانت لي ألفُ روحٍ لما ترددتُ في التضحية بها فداءً لحكمٍ واحدٍ من أحكام القرآن، ثم لما قضتِ المحكمةُ ببراءته غادرها من غير أن يتقدم لها بشكرٍ، وتوجَّه إلى الميدان القريب منها هاتفًا بأعلى صوته في الناس: عاشت جهنم للظالمين!! وهو الذي أعلنها مدوية في المحاكم التي سَعَتْ لتصفيته قبل أربعٍ وعشرين سنةً فقال: أيها الملاحدة.. أيها الزنادقة.. لقد قلتم: إن لسعيدٍ قوةَ خمسين ألف رجل.. ألا لقد أخطأتم.. فإنني في خدمة القرآن والإيمان بقوة خمسين مليونًا لا خمسين ألفًا.. فلتحسبوا للأمر حسابه.. وإن كان بوسعكم أن تتعرضوا لي فافعلوا إن استطعتم.. إن إعدامي سينفجر قنبلةً على رؤوسكم فلا يبقي منها ولا يَذَر.. وإن القضاء عليَّ سيكون بمثابة دفن حبةٍ تحت التراب لا تلبث أن تُنبِت مئات السنابل.. وعندها ستجدون مئة سعيدٍ وسعيدٍ يَجهرون بالحقيقة السامية في وجوهكم بدلًا مني؛ وهو الذي قال قبل خمسَ عشرةَ سنةً: لو كانت لي رؤوس بعدد شعر رأسي يُقطَع في كلِّ يومٍ واحدٌ منها ما تراجعتُ عن خدمتي الإيمانية، ولو جعلتم العالَم بأسره نارًا تَتَّقد فوق رأسي لما أحنيتُ هذا الرأس الذي نذرتُه للحقيقة القرآنية، وما طأطأتُه أمام
— 832 —
الزندقة؛ وهو الذي جابَهَ قبل خمسين سنة الإمبراطوريةَ البريطانية المتجبِّرة الظالمة التي احتلت بلدان العالَم الإسلامي ونهبت خيراته، وأعلن موقفه منها في المطبوعات قائلًا: ابصقوا في وجوه هؤلاء الظَّلَمة الأنذال؛ وهو الذي خاطب رئيس الجمهورية أمام مجلس الشعب قائلًا: "إن أسمى حقيقةٍ في الكون بعد الإيمان هي الصلاة.. وإن الذي لا يصلي خائن.. وحُكمُ الخائن مردود.. ولو كان ثمة حقيقةٌ بعد الإيمان أعظم من الصلاة التي أمر اللّٰه بها في مئة موضعٍ من كتابه لأمر بها"؛ وهو الذي سَنَّ سنةَ أداء الصلاة جماعةً في مجلس الشعب بعد أن أصدر بيانًا بهذا الخصوص؛ وهو الذي استهان بالموت واستقبل الإعدام رميًا بالرصاص غيرَ هيَّابٍ ولا وَجِلٍ قائلًا: "لقد كان يلزمني جوازُ سفرٍ أمضي به إلى الآخرة"، وذلك حين وقع أسيرًا بيد الروس، بعد أن قاد فرقةً من المتطوعين في الحرب العالمية الأولى.
أجل يا إخوة النور.. لقد حَظينا بنعمةٍ عظمى لو ضحَّينا في سبيلها بأرواحنا، ووقفنا لها حياتنا، وقاسينا لأجلها ظلمًا بعد ظلم، وسجدنا لها العمرَ سجدةَ شُكرٍ ما وفَّيناها حقَّها.
إن أستاذنا يؤكد باستمرارٍ أن مسلكنا عملٌ إيجابيٌّ بَنّاء، وأن القرآن قد منَعَنا من أيِّ تصرُّفٍ ضارٍّ هدّام؛ أجل يا أستاذَنا الحبيب.. يا سيِّدَنا وسندَنا وتاجَ رؤوسنا.. ويا من هو أعزُّ علينا من قلوبنا وأرواحنا وحياتنا.. ما دمتم لا تأذنون لنا بأيِّ عملٍ ضارٍّ هدَّام فإننا نعاهدكم راجين من اللّٰه العون والتوفيق أننا سننتقم من الظَّلمة الفجَرَة أعداء الدين الذين ظلموكم أشدَّ الظلم.. سننتقم منهم بنشر رسائل النور وخدمتها وتعليمها والثبات عليها والولاء لها حتى الممات.. وسنكتبها بحروفٍ من ذهبٍ بإذن اللّٰه.
بقلم
طلاب النور الجامعيين
٭ ٭ ٭