— 754 —
رسالةٌ كتبها أحد طلاب النور الجامعيين إلى أحد زملائه بمناسبة قدوم الأستاذ إلى إسطنبول
أشكركم على تهنئتكم التي بعثتم بها إلينا وإلى إسطنبول بمناسبة قدوم أستاذنا الحبيب إليها.. لقد ازدانت هذه المدينة العظيمة بمَقدمه وخرجَتْ لاستقباله في هذا الحدث الفريد المهيب كأنها في عيد.. لقد سارع أهلُها، عالِیمُهم وجاهلُهم، غنيُّهم وفقيرُهم، شيوخُهم وشبابُهم.. سارعوا إلى المحكمة وإلى الفندق لرؤيته والاستماع إليه.
لقد عمَّنا السرور والفرح.. حتى أحلامُنا ازدهرت وتلألأت.. أما أعداؤنا فاسودَّتْ وجوهُهم واربَدَّتْ.. وتبيَّن لهم أن نفاقهم الذي سوَّدوا به صفحات أعمالهم لم يُغنِ عنهم شيئًا، ولن يُجديَ لهم نفعًا.
لقد أعاد أستاذُنا الحياةَ لكلِّ مَعْلمٍ من معالم إسطنبول المجيدة، فتَغير مشهدها في عيون إخواننا.. تغيَّر كلُّ شيءٍ بلمحةٍ واحدة.. أشرق وجه "أيا صوفيا".. صدحت المآذن بالأذان المحمدي من جديدٍ.. وانبعثت من المساجد أصواتُ القُرّاء حَمَلَةِ القرآن تتلو آيات الذكر الحكيم بأصواتها العذبة.. وكأني بالسلطان محمدٍ الفاتح يقوم من مثواه كلَّ يوم، ويرحِّب بمن حلَّ على مدينته ضيفًا عزيزًا مباركًا.. وأصبحنا كأننا نرى من الآن طوفان النور المنبعث من شُرُفات مسجد "يَني جامع" يبلغ أقاصي
— 755 —
حي "بَي أوغلو" ويَنفُذُ إلى أشدِّ زواياه ظلمةً وقتامةً.. لقد أماط بمَقْدَمِه المباركِ الحجابَ الذي رانَ على وجه إسطنبول المسلمة ومساجدِها البهية.. مسجدِ أيا صوفيا والفاتح والسلطان أحمد وأيوب والسليمانية.. فأصبحتْ تتراءى لنا أشدَّ بهاءً ورونقًا وحميميةً.. لقد بات أستاذُنا شمسَ هذه المدينة.. فإنْ هو غادرها لَحِقتْ به شمسُ الأفق وخيَّم على أرجاء هذه المدينة الهائلة الظلام.. وليس لنا من سُلوانٍ سوى الأملِ بأن تستنير مدينة الفاتح وتَسطَع برسائل النور.
عندما أخبرني الإخوة هاتفيًّا بقدوم الأستاذ شعرت لوهلةٍ كأن تيارًا كهربائيًّا سرى في كياني الخامد.. لم يكن تيارًا مميتًا ولا صاعقًا.. بل كان تيارًا يبعث الحياة والروح.. شعرت فجأةً بقوةٍ تسري في كياني المادي والمعنوي، وبقوةٍ مغناطيسيةٍ هائلةٍ تجذبني.. وعندما وصلت إلى المحكمة تبيَّن لي أن المشاعر التي انتابتني هي نفسُها قد انتابت الجميع.
كانت المحكمة قد غصَّت بالحضور في الداخل والخارج.. وبينما كنت أحاول الدخول من بين الجموع المحتشدة إذ لمحتْ عيناي الأستاذَ يمشي بين اثنين من طلابه الجامعيين..كان متميزًا تمامًا في مَظهره وزيِّه ومُحيَّاه مثلما هو متميزٌ تمامًا في مَخبَره وجوهره ومعناه.. وبدا هذا الرجل الاستثنائي الذي تتوجه إليه ملايين الأنظار وكأنه لا يعبأ بشيء ولا يلقي بالًا لشيء.
.......
أنا الآن داخلَ قاعة المحكمة، وعندما تُلي اسمُه الأثير دخل هذا الرجل العظيم ممثِّلًا لشعبٍ كريم ودينٍ عظيم وتاريخٍ مجيد.. حَصَلتْ جَلَبةٌ للحظاتٍ تلاها صمتٌ مطبِق.. وخيَّم على الجميع شعورٌ برهبةِ الموقف ووقْعِ اللحظة.
وبرغم مرضه انبرى كالرعد يدافع ويعترض بقوةٍ وثباتٍ أثار إعجاب هيئة المحكمة.. وفي الجلسة الثانية كانت الجموع أكثر من ذي قبل.. وقد تولى بنفسه الردَّ على تقرير لجنةِ الخبراء عديمةِ الخبرة، فردَّ عليها بإجاباتٍ بارعةٍ مُحكَمة.. وحين
— 756 —
أُعلِنَ رَفْعُ الجلسة إلى تاريخ الخامس من آذار/مارس، تقدمتُ نحوه بخطًى متردِّدةٍ مستشعرًا ضعفي وتقصيري.. وأكببت على يديه المباركتين أقبلهما بشوقٍ جارف.. وفي لحظةٍ من صفاء الباطن ونقاء السريرة استجمعت نفسي ونظرت إلى عينيه.. تلك اللحظاتُ وذلك اليومُ.. ستبقى أجمل وأروع ما تحتفظ به ذاكرتي.. أما إخواني الآخرون من طلاب الجامعة فقد نالوا شرفًا عظيمًا بملازمته وخدمته.
أسأل اللّٰه تعالى أن يجزي عنا أستاذنا خير الجزاء، ويرضى عنه رضاءً لا سَخَط بعده، ويَمُنَّ على طلابه - لا سيما الضعفاء البسطاء أمثالي - بالفهم والدراية والعزم والإخلاص، آمين.
نعم يا أخي.. نشكر اللّٰه جزيلَ الشكر أن قيَّضَ لنا - نحن المحتاجين - هذا الأستاذ الذي أثبت بمواقفه وكتبه أنه سلطانٌ معنويٌّ لهذا العصر، ويَسَّر لنا رسائلَ النور التي هي أنجعُ دواءٍ وأنفعُ بلسمٍ لجِراحِ هذا الزمان، وأسطعُ نورٍ يتسلح به المسلم في مواجهة الظلمات، وخيرُ دليلٍ يرشد التائهين في مهاوي الضلال؛ وحقُّها علينا أن نواظب على قراءتها ونَشرِها ما حَيِينا بإذن اللّٰه.
الباقي هو الباقي
كامل
من طلاب النور بجامعة إسطنبول
٭ ٭ ٭