السيرة الذاتية
— 738 —

محكمة إسطنبول

كان بعض الشباب من طلاب الجامعة قد طبعوا رسالة "مرشد الشباب" في إسطنبول، بهدف تقديم خدمةٍ لجيل الشباب على صعيد الإيمان والأخلاق، إلا أنه بناءً على هذا الأمر أُحيل الأستاذ النُّورْسِيّ إلى محكمة الجنايات الأولى بإسطنبول من قِبَل المدعي العام استنادًا إلى المادة (١٦٣) من القانون التركي، وذلك بدعوى أن هذا الكتاب ضد العلمانية، وأنه يثير دعايةً تهدُف إلى جعل دستور الدولة منسجمًا مع الأسس الدينية.
وفي اليوم المقرر للمحاكمة، الموافق للثاني والعشرين من كانون الثاني / يناير ١٩٥٢ م، وصل الأستاذ إلى إسطنبول قادمًا من "إسبارطة"، وحضر إلى المحكمة التي غصَّتْ قاعتُها وامتلأت ردهاتُها بحشدٍ كبيرٍ من طلاب الأستاذ من الشباب الجامعيين.
تُلِيَتْ في البداية لائحة الادعاء ثم تقرير لجنة الخبراء، ثم استُجوِب الأستاذ؛ وكان تقرير لجنة الخبراء مفصَّلًا بإسهاب، وكان مما جاء فيه أن المؤلِّف عمل في هذا الكتاب على نشر الأفكار الدينية، وقدَّم أفكارًا يسترشد بها الشباب، ودعا إلى حجاب المرأة، وبيَّن أن خروج النساء كاسياتٍ عارياتٍ أمرٌ يخالف الإسلام وينافي فطرة المرأة، وأوضح أن ما يُجمِّل المرأة إنما هو التربية الإسلامية، وما يزيِّنها هو الآدابُ القرآنية، كما بيَّن أنه يؤيد تدريس العلوم الدينية، وأنه يطالِب بناءً على هذا بأن ينسجم نظام الدولة ودستورها مع الأصول الدينية.
وقد تولى مجموعةٌ من محامي إسطنبول الدفاع عن الأستاذ بديع الزمان، وهم: "سَنِيُّ الدين باشاق"، و"مِهري حلاو"، و"عبد الرحمن شرف لاچ".
وقد ردَّ الأستاذ النُّورْسِيّ على ما جاء في لائحة الادعاء وتقرير اللجنة مُبيِّنًا أنه لم تكن له علاقةٌ بالسياسة ولا بشيءٍ من التيارات الدنيوية أو الهدَّامة طَوالَ خمسٍ
— 739 —
وثلاثين سنةً من حياته، وأنه إنما سلك سبيل إنقاذ الإيمان بكلِّ قوته، ولم يشغل نفسه ولم يوجِّه اهتمامه إلا لأمرٍ وحيد، هو الحقائق الإيمانية والخدمة القرآنية، وذكَّر بقرارات البراءة وإعادة الكتب المُصادَرة التي صدرت بحقه من محاكم مختلفة.
كما أوضح أن طبع كتابه المسمَّى "مرشد الشباب" من قِبَلِ طلاب الجامعة ينبغي أن يكون محلَّ امتنانٍ وتقديرٍ لا استنكارٍ ومساءلة، وأن نشر أجزاء رسائل النور من أمثال رسالة "مرشد الشباب"، وإقراءَها للشباب والفتيان والنساء بشكلٍ عموميٍّ هو أهمُّ ما يلزم لتحقيق سعادة هذا الوطن وأبنائه، إذْ إنَّ هذه الرسائل تتصدى للتيارات الهدَّامة في هذا العصر، خصوصًا منها التيارات التي تنشر الإلحاد والرذيلة التي تهدد بنياننا الاجتماعي بالتقويض والخراب، ونوَّه في الختام إلى أن الطلاب طبعوا رسالةَ "مرشد الشباب" لهذا الغرض دون أن يكون له علمٌ بذلك.
رُفِعت الجلسة، وحُدِّد موعد الجلسة التالي بتاريخ ١٩/٢/١٩٥٢م، وعندما حَلَّ موعد الجلسة كان حشدٌ غفيرٌ من طلاب النور من أبناء الجامعات وغيرِهم من أهل الإيمان والعرفان قد توافدوا وحضروا مبكِّرين لسماع الجلسة، وغصَّت بهم ردهات المحكمة، ودخل الأستاذ قاعة المحكمة في أجواء من التصفيق يَحُفُّ به طلاب النور الشباب، وجلس على كرسي الاتهام، وجاء المحامون وأخذوا أماكنهم.
كان الازدحام الذي شهدتْه قاعةُ المحكمة يفوق الوصف.. آلافُ الأشخاص تدفقوا من الأبواب كأمواجٍ بشريةٍ يريدون الاستماع لسير المحاكمة؛ وقد كان لهذا المشهد أثرٌ بالغ المهابة والرهبة.. إذْ كان الشباب الذي نشأ محرومًا من الثقافة الدينية يُعبِّر في هذا المشهد عن عظيمِ امتنانه وتقديره لسعيد النُّورْسِيّ الذي يمثل نموذجًا مشخَّصًا لنور الإسلام، وكأن لسان حالهم يقول:
أيها المجاهد الكبير.. يا مَن مزَّقتَ بأنوار القرآن ظلمات القرن العشرين.. يا مَن جَلَوتَ آفاقَ النور والبشرى لأهل الإسلام.. ويا مَن دعوتَ الإنسانية إلى السعادة الأبدية العليا اللائقة بإنسانيتها.. لقد أسديتم لها خدمةً جليلةً.. وبالأخص لهذا الوطن وأبنائه، وإنا نشكركم على هذا أجزل شكر، وسيذكركم المستقبل بالتقدير والعرفان.
— 740 —
لقد كنتم الطبيبَ الذي أدرك جيلًا كان على وشك الموت، فأغثتموه بماء الحياة، وأسديتم له خدمةً لا تضاهى عِظَمًا وسُموًّا؛ وجاهدتم وضحيتم بحياتكم لإنقاذِ أمةٍ وأجيالٍ أريدَ لها أن تُلقى في غياهب العدم والشقاء الأبدي، فجئتموها بنور القرآن، وأخذتم بيدها إلى درب السعادة الأبدية وطريق اللّٰه جل جلاله.
على دربكم أجيال الهدى والنور
على نهجكم طول العصور
لم يَعُد بمقدور المحكمة الاستمرار في جلستها لشدة الازدحام في القاعة، ولم يتمكن رجال الشرطة المكلفون بحفظ النظام من منع الناس من الاحتشاد، مما اضطر رئيسَ المحكمة لمخاطبة الناس قائلًا: إن كنتم تحبون فضيلة الأستاذ فأرجو أن تُفسِحوا المجال لتُكمل المحكمة عملها؛ وسرعان ما استجاب الناس لطلبه واستأنفت المحكمة سيرها.
استُمِع أولًا لإفادة صاحب المطبعة الذي طبع رسالة "مرشد الشباب"، تَلتْها إفادة رجال الشرطة، ثم تقدم الأستاذ باعتراضٍ على تقرير لجنة الخبراء، وطلب إذنًا بأداء صلاة العصر خشية فواتها، فوافق رئيس المحكمة على طلب الأستاذ وأنهى الجلسة.
وعندما كان الأستاذ يجتاز ممر المحكمة وقد أحاط به محبوه وطلابه الشباب، كانت أكُفُّ الآلاف تلتهب بالتصفيق بينما رفع الأستاذ يديه يحيي طلابه بحبٍ ومودةٍ، وعند باب المحكمة تجمَّع قرابة الأربعة آلاف شخصٍ ينتظرون رؤيته، نزل الأستاذ الدرج وسط طوفانٍ من التصفيق، وكان البعض يبكي من شدة التأثر؛ لم يكن من الممكن متابعة المسير، فأقلَّ طلابُ النور أستاذَهم في سيارةٍ إلى مسجد السلطان أحمد حيث صلَّوا الجماعة، ثم عادوا به إلى مقر إقامته.
٭ ٭ ٭
— 741 —
كانت آخر جلسات المحاكمة في الخامس من آذار/مارس ١٩٥٢م، دخل الأستاذ قاعة المحكمة يحف به حشدٌ من محبيه وطلابه الشباب؛ وكانت المحكمة قد اتخذت عدة إجراءاتٍ لمنع وقوع ازدحامٍ يعيق سيرها كما وقع في المرة السابقة، فزادت من عدد عناصر الشرطة ووزعتهم على الأبواب والممرات والأدراج، لكن برغم كل هذه الإجراءات فقد غصَّتْ قاعة المحكمة بالحضور.
بدأت الجلسة بالاستماع إلى إفادة الطالب الجامعي الذي قام بطبع رسالة "مرشد الشباب"، وقُدِّمَ بوصفه شاهدًا في القضية، وقد ذكر في إفادته أنه قرأ الكثير من الكتب التي تنتمي إلى ثقافة الشرق والغرب، إلا أنه لما وقعت بيده رسائل النور استفاد منها عظيمَ الفائدة في عقله وفكره وقلبه وروحه، ووجد فيها ما لم يجده في غيرها، وتركتْ فيه أثرًا بالغَ الأهمية في أخلاقه وإرادته، ووجد لرسالة "مرشد الشباب" أثرًا كبيرًا في تحقيق إيمان جيل الشباب وصَونِه وتعزيز أخلاقهم، فقام بطبعها رجاءَ أن يقدم لهم خدمةً وطنيةً نافعة، ولم يرَ في عمله هذا ما يستحق أن يوصَف بالجرم أو مخالفة القانون.
دفاع الأستاذ
أرجو أن تُرعوا سمعًا لما سأسرده بإيجازٍ شديدٍ من ظلمٍ طويلِ الأمد تعرضتُ له خلال حياتي.
(أفسحت المحكمة المجال للأستاذ ليتكلم بحريةٍ وراحةٍ، فشرع يسرد مدافعته بتفصيلٍ ورَويَّةٍ).
السادة القضاة..
لقد تعرضت خلال ثمانٍ وعشرين سنةً لصنوفٍ لا مثيل لها من الإهانة والإيذاء والمراقبة والسَّجن، كلُّ ذلك كان يجري بناءً على افتراءاتٍ واتهاماتٍ باطلةٍ تستند إلى بضع نقاط:
— 742 —
الاتهام الأول: يعتبرونني معارضًا للنظام؛ ومعلومٌ أن لكل حكومةٍ معارضين، وأنه لا يحاسَب أحدٌ على فكره ومنهجه الذي يتبناه بقلبه وضميره ما دام لا يمس الأمن والاستقرار، وهذا حقٌّ متعارفٌ عليه.
فها هم الإنكليز الذين عُرِفوا بتعصُّبهم لدينهم وسطوتهم في حكمهم، يعيش أكثرُ من مئةِ مليون مسلمٍ تحت حكمهم منذ مئة عام، ويرفضون نظام حكمهم الكافر، ويردُّونه بمقتضى القرآن، ومع هذا لا تتعرض لهم محاكم الإنكليز بشيءٍ في هذا الخصوص.
وها هم اليهود والنصارى عاشوا منذ زمنٍ بعيدٍ في ظل حكوماتٍ إسلاميةٍ سواءٌ هنا أو في أماكن أخرى، وكانوا معارضين لدين البلاد التي يَتْبعون لها، مُضادِّين لنظام حكمها القدسي، ومع هذا لم تتعرض لهم تلك الحكومات يومًا ما، ولم تمسَّهم قوانينُها بشيء.
وفي أيام خلافة عمر بن الخطاب حدث أن تحاكم هو ورجلٌ نصرانيٌّ من عامة الناس، ومع أن الرجل كان معارِضًا لنظام الحكم الإسلامي ومقدساته ودينه وقوانينه، إلا أن المحكمة لم تنظر إلى شيءٍ من ذلك بعين الاعتبار، مما يبين بوضوحٍ أن مؤسسات القضاء لا تخضع لأي تيار، ولا تنحاز أي انحياز.
فحرية الدين والضمير هذه عمدةٌ لا يختلف عليها أحد، بل تجري وتَحكُم بمقتضاها مؤسسات القضاء في العالَم أجمع من شرقه إلى غربه باستثناء البلدان الشيوعية.
أفإن رفضتُ الجانبَ الفاسدَ في المدنية الغربية، والاستبدادَ المطلقَ المتخفِّي خلف ستار الحرية، والضغوطاتِ التي تُمارَس على الدين وأهله خلف قناع العلمانية.. وعارضتُ ذلك ثقةً مني بعُمدةِ حرية الدين والضمير، واستنادًا إلى مئات الآيات القرآنية.. أفأكون خارجًا على القانون؟! أم أكون مدافعًا عن دستور البلاد دفاعًا حقيقيًّا صادقًا؟!
إن معارضة الباطل والظلم واللامشروعية لا يمكن أن تُعدَّ جرمًا لدى أية حكومة، لا بل على العكس، فالمعارضة المشروعة الصادقة هي العنصر الذي يحفظ توازن العدالة.
أما الاتهام الثاني الذي اتهمني به رجالُ العهد السابق، ورأوا أني أستحق بموجَبه الظلمَ والنكال، فهو الإخلال بالأمن والاستقرار؛ ولقد أنزلوا بي من جراء هذا الاتهام
— 743 —
الكاذب والهاجس المزعوم عقابًا على مدى ثمانٍ وعشرين سنة لم يُذيقوه لأحدٍ غيري، فنفوني من بلدةٍ إلى بلدة، وساقوني من محكمةٍ إلى محكمة، وسجنوني من زنزانةٍ إلى زنزانة، وعزلوني عن العالَم الخارجي، وسمَّموني، وأنزلوا بي صنوفًا من الأذى والهوان.
والحق أننا نحن طلابَ النور البالغ عددنا خمسمئة ألف طالبٍ مُضَحٍّ مُتفانٍ، نحن مَن يتبوأ مقام المحافِظ المعنويِّ الفخريِّ على أمنِ واستقرارِ هذا البلد، وإن من أعظم الذنوب أن يتهمونا بمثل هذه الاتهامات؛ بل إننا برغمِ كلِّ تعدِّياتهم الظالمة بحقنا، ترفَّعنا عن كل مشاعر الضغينة والرد بالمثل، ولم نتخلَّ يومًا عن العمل في سبيل غرس الأمن والاستقرار في القلوب، وخدمةِ الإيمان والقرآن، وإنقاذِ مَن وقعوا بغفلةٍ في مستنقع الفوضى الآسن.
السادةُ القضاة..
أعرض عليكم فيما يلي معلوماتٍ قطعيةً مؤكدة، لا مجرد ادعاءاتٍ لا دليل عليها، وهي أنه بعد تدقيقاتٍ مطوَّلةٍ مفصَّلةٍ أجرتْها ستُّ محاكم في ست ولاياتٍ لقينا فيها ما لقينا من الظلم والنفي، تبيَّن أنه لم تُسجَّل بحقِّنا أيُّ واقعةِ إخلالٍ بالأمن والاستقرار؛ وهذا يُثبِت أن طلاب مدرسة النُّور - وهي مدرسة علمٍ وعرفان - إنما يعملون على صعيد القلوب، ويقيمون فيها وفي العقول الرقيبَ الذي يرعى الأمن والاستقرار.
إن دروسنا الإيمانية هي ضدَّ الإفساد والفوضوية المتمردة، وضدَّ الماسونية والشيوعية؛ فلتُسأل جميعُ دوائر الأمن والشرطة في هذا البلد: هل وقعت حادثةُ إخلالٍ بالنظام والانتظام ولو من طالبٍ واحدٍ من طلاب مدرسة النور والعرفان البالغ عددهم خمسمئة ألف؟ كلا بلا شك، لأن في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم رقيبَ الإيمان الذي هو أفضل مَن يحفظ النظام والانتظام؛ ولقد أوضحتُ هذه الحقائق بشكلٍ مفصَّلٍ في مقالتي المسماة "الحقيقة تتكلم"، والتي نشرتْها مجلة سبيل الرشاد في عددها السادس عشر بعد المئة.
إنه لمن الظلم والإجحاف البالغِ غاية الشناعة والفداحة، البعيدِ عن الحق والإنصاف بُعدَ الأرض عن السماء، أن يؤتى برجلٍ تشهد سنوات عمره بأنه ضحَّى
— 744 —
بدنياه، بل بحياته وآخرته إن لزم الأمر فداءً لدينه، وترَكَ السياسة منذ خمسٍ وثلاثين سنة، ولم تعثر المحاكم على أيِّ دليلٍ يُدينه بهذا الصدد رغم تدقيقاتها وتحرياتها، وقد تخطى الثمانين من عمره، وبلغ باب القبر، ولم يملك شيئًا من متاع الدنيا ولم يولِه أهميةً.. فيقالَ في حقه بعد هذا كلِّه: إنه يتخذ الدين أداةً للسياسة!!
إن درس الحقيقة الذي تلقَّيناه من القرآن الحكيم نحن تلاميذَ مدرسة النور والعرفان، هو أنه لو وُجِد في بيتٍ أو مركبٍ شخصٌ واحدٌ بريءٌ وعشرةُ جناةٍ، فإن العدالة القرآنية تمنع تدمير ذلك البيت أو المركب صونًا لحقِّ ذلك البريء من الضرر، فكيف لو كان الموجود عشرة أبرياء في مقابل جانٍ واحدٍ، أفيجوز تدمير البيت أو المركب لأجله؟! أفلا يكون ذلك - إنْ وقع - ظلمًا فادحًا، وخيانةً كبرى، ووحشيةً بالغة؟!
فلأجل هذا مَنَعتِ العدالةُ الإلٰهيةُ والحقيقةُ القرآنيةُ منعًا شديدًا من تعريضِ حياةِ تسعين بالمئة من الناس الأبرياء للخطر والضرر، بجريرةِ عشرةٍ بالمئةِ جناةٍ أخلُّوا بالأمن والاستقرار، ولأجل هذا نرى أنفسَنا مُكلَّفين شرعًا بالحفاظ بكلِّ قوتنا على الأمن والاستقرار اتباعًا لهذا الدرس القرآني.
ومن هنا، فلا ريب أن أعداءنا العاملين في الخفاء في العهد السابق، والذين اتهمونا هذه الاتهامات الباطلة، إما أنهم يريدون أن يجعلوا السياسة أداةً بيد الإلحاد، أو أنهم يعملون ما بوسعهم - بعلمٍ أو بجهلٍ - على توطين الأيديولوجيات الفاسدة في بلدنا؛ وقد بات واضحًا أنهم هم وليس نحن مَن كان يضرب النظام، ويُخِلُّ بأمنِ البلاد واستقرارها المادي والمعنوي.
إن المسلم الحقيقي والمؤمن الصادق لا يمكن أن يؤيد في يومٍ من الأيام الفوضى والفساد والفتنة، فدينه يمنعه من ذلك أشد المنع، لأن الفوضوية لا تعرف الحقوق، بل تُحيل السجايا الإنسانية والقيم المدنية إلى طباعٍ حَيَوانيةٍ كالتي لدى الحيوانات المتوحشة، حتى إن القرآن الحكيم قد أشار إليها على أنها جماعات يأجوج ومأجوج التي ستظهر في آخر الزمان.
— 745 —
أيها القضاة المحترمون..
لقد أذاقوني وطلابي الأذى والنكال طَوالَ ثمانٍ وعشرين سنة، ولم يتردد المدعون العامون في تشويه سمعتنا والطعن بنا في المحاكم، لكننا صبرنا وتحملنا وواصلنا سيرنا في درب خدمة الإيمان والقرآن، وعفونا عن الظلم والأذى الذي أنزله بنا رجال العهد السابق، فلقد لقوا عاقبتهم التي يستحقونها، ونِلنا حقوقنا وحريتَنا، ونشكر اللّٰه أنْ يسَّر لنا فرصة الحديث أمام قضاةٍ عادلين مؤمنين أمثالكم؛ وهذا من فضل ربي.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
مقتطفاتٌ من دفاع المحامي "مِهري حلاو"
إن مؤلف رسائل النور رجلٌ لا تعرف ساحةُ المؤلفين والكُتَّاب رجلًا أكثر تواضعًا منه، فهو عدوٌّ كبيرٌ للشهرة والتكبر، قد أعرض عن متاع الدنيا وولاه ظهره، ولم يجد المالُ ولا الشهرةُ ولا النفوذُ سبيلًا لإغوائه، إنه رجلٌ لا نظير له في هذا الميدان، بل حتى "غاندي" نفسه لم يستطع أن يتجرد عن الدنيا كما تجرد هو.
وإن هذا الرجل العظيم الذي يكفيه لِقوتِ يومه رغيفُ خبزٍ وطبقُ حَساء إن عاش فإنما يعيش لخدمة القرآن والإيمان لا غير، فلا قيمة ولا أهمية عنده لشيءٍ سوى هذا.
إلا أنه برغم هذا كلِّه يجري العمل على إدانته وتجريمه وإيقاعه في شَرَك المادة (١٦٣) لمجرد أنه أشاد بمؤلفاته!! أيتفق هذا مع الحق والعدل والإنصاف؟! أم ينسجم مع العلم والفكر؟! أم يتوافق مع القانون والعقل والمنطق؟!
أُحيل الأمر إلى مقام محكمتكم الموقرة.

.......

— 746 —
أريد أن أختِم دفاعي بكلماتٍ حول مسألة معارضته للنظام فأقول:
إن هذا الرجل المحترم الذي ينتظر قراركم العادل، هو إنسانٌ نقيُّ السريرة صادقُ اللّٰهجة، قد مَخَضته التجارب والسِّنون، ولم يتنزَّل في حياته قط لأن يقول خلاف الحقيقة، وقد أعرب في أول جلسات المحكمة عن تقديره للحكومة الحالية وإعجابه بها، ودعا لها بالتوفيق، وأعلن صريحًا أن الحكومة التي انتقدها إنما هي الحكومة السابقة.
والحقيقة أن موكِّلي قد ناضل مع أبناء هذا الوطن ضد الاستبداد، وسعى لتأسيس الحرية وحاكمية الأمة، وهو اليوم يشعر بالسعادة والامتنان للنجاح الذي تحقق في هذا المجال؛ ولا يخفى أن إحدى غايات رسائل النور هي غرس النظام والانتظام الاجتماعي في القلوب، فإذا كان رجال السياسة يعملون على الصعيد السياسي لتحقيق هذه الغاية، وتأمين الحقوق والحريات لهذا الشعب، فإن مؤلف رسائل النور يقوم بالأمر نفسه، لكن على الصعيد المعنوي؛ فالغاية إذًا مشتركة.
إن مؤلف رسائل النور وتلاميذَها - والرسائلُ مدرسةُ نورٍ وعرفان - هم حُرَّاسٌ معنويون ومحافظون فخريُّون يَرعَون الأمن والنظام والاستقرار، ويعملون على الصعيد المعنوي لإزالة الفساد والفوضوية الهدامة من القلوب والأذهان، ويقومون بعملهم هذا بكلِّ صدقٍ وتفانٍ دون انتظار أيِّ مقابلٍ أو عِوَضٍ أو غرضٍ، ولا يبتغون من وراء هذا سوى مرضاة اللّٰه تعالى ونفع البلاد والعباد؛ وليس في هذا ما يوصَف بأنه جرمٌ أو جناية، بل هو خدمةٌ للوطن والشعب تستحق التقدير لا المؤاخذة؛ ومن حقنا أن نطالب ببراءتهم.
والقرار للمحكمة الموقرة.
٭ ٭ ٭
— 747 —
دفاع المحامي "سَنِيُّ الدين باشاق"
بعد ذلك قام الوكيل الثاني المحامي "سَنِيُّ الدين باشاق" فأدلى بكلماتٍ موجزةٍ قال فيها:
لقد باتت المسألة واضحة، وتجلَّت الحقيقة كالشمس، وأصبحت المحكمة الموقرة على علمٍ بكلِّ ما يتعلق بالأمر، فليس لدي ما أضيفه.
كنت أود إطلاعكم على عقليةِ الجهةِ التي جاءت بهذا الرجل الفاضل إلى هنا وساقته إلى قفص الاتهام، وحسبكم بهذا الرجل قيمةً وفضيلةً وتضحيةً وتفانيًا في خدمة الوطن وأبنائه من غير مقابلٍ ولا عوضٍ سوى ابتغاء مرضاة اللّٰه تعالى.. نعم كنت أودُّ إطلاعكم على عقليةِ هؤلاء، لكن ليس هنا محل هذا الكلام، بل يتطلب الأمر تأليف كتابٍ مستقلٍ بهذا الخصوص، لأن التصدي لهذه العقلية من واجب كل فرد.
إن ما تتحلى به محكمتكم الموقرة من ضميرٍ سامٍ قد منحني طمأنينةً جعلتْني أستغني عن الدفاع.
أتشرف بطلب براءة موكِّلي.
٭ ٭ ٭
دفاع المحامي "عبد الرحمن شرف لاچ"
عَقِب ذلك تقدم المحامي البارز "عبد الرحمٰن شرف لاچ" بدفاعه، وهو محامٍ قديرٌ متمرِّسٌ تطوَّعَ - كسائر إخوانه المحامين الأفاضل - بالدفاع عن الأستاذ، وقد استهل دفاعه بالمقدمة التالية:
المحامي "شرف لاچ": لقد تَبيَّن تمامًا أن هذا السيد الفاضل المبارك الذي تجاوز الثمانين من عمره، والذي يَمثُل في محكمتكم متَّهَمًا، ليس له أيَّةُ علاقةٍ أو صلةٍ بأيِّ
— 748 —
جُرمٍ، وآمُلُ أن يكون لدى محكمتكم الموقرة قناعةٌ تامةٌ بهذا الأمر فتقضي ببراءته؛ أما إن كان ثمة احتمالٌ ولو واحدٌ بالألف لأن تقضي بخلاف ذلك، فإني أعدُّ نفسي مُقصِّرًا ومهملًا إنْ تهاونتُ في الدفاع عن موكِّلي البريء.
يجب أن نأخذ بعين الاعتبار وجهةَ نظرِ محكمة التمييز العليا والقناعةَ التي توصلتْ إليها، مراعاةً لأصولِ سيرِ المحكمة، وتجنُّبًا لوقوع أيِّ نقصٍ أو خللٍ في إجراءاتها، ومن هنا أطلب من محكمتكم الموقرة السماح بالإدلاء بدفاعي.
هيئة المحكمة: حسنًا سيد عبد الرحمن.. تفضل بدفاعك الأخير، فنحن نستمع.
المحامي "شرف لاچ": بما أن الكتاب المسمَّى "مرشد الشباب" هو عبارةٌ عن تفسيرٍ للقرآن الكريم وأوامره؛ وبما أنه يحتوي على نصائح وتوجيهاتٍ دينيةٍ مستقاةٍ من تعاليم الإسلام؛ وبما أن المادة السبعين من الدستور تنص على أن الحصانةَ الشخصية، وحريةَ الفكر والضمير، وحقَّ التعبير والنشر، هي من الحقوق الطبيعية للمواطن التركي؛ وبما أن المادة الخامسة والسبعين من الدستور تنص على أنه لا يجوز محاسبة المرء على دينه أو مذهبه الذي ينتسب إليه؛ فإن حرمانَ موكِّلي من حرية الدين والنشر التي كَفَلها له الدستور وإبقاءَه تحت الملاحقة القانونية أمرٌ يخالف صريح الدستور.

.......

وإذا فرضنا أنه لم يؤخذ بعين الاعتبار شيءٌ من الوجوه القانونية التي أوردناها آنفًا، وجازت ملاحقةُ موكِّلي وَفقًا لتلك المادة التي تصادم الديمقراطية صراحةً، أعني المادة (١٦٣) من قانون العقوبات التركي، فإننا حينئذٍ سنُبرِّر الجرم المنسوب إليه ونقول:
كان ثمة رجلٌ مسلمٌ كبيرُ السن.. نقيٌّ وضَّاء القسَمات.. كلَّل الشيبُ هامتَه، وجلَّل السَّنا مُحَيّاه، وغمر نورُ اللّٰه كيانَه.. وَقَف حياتَه التي أنعم اللّٰه بها عليه خالصةً لصلاح أبناء هذا الوطن وسعادتهم الحقيقية.. وعزم أن يسير في دربه الذي اختاره فلا يحيد عنه حتى يسلِّم الروح لبارئها.. مسلمٌ عظيمٌ لم يعرف الضعف سبيلًا إليه، فما
— 749 —
نحُلَ إلا في سبيل اللّٰه جسدُه.. حين دعا إلى اللّٰه في يومٍ من الأيام التي يقال عنها: إنها أيام الديمقراطية.. أجل، دعا إلى اللّٰه وحدَه.. واقتدى برسوله (ص).. وبلغ كتابَه.. ونبَّه شبابَ وطنه.. فما إن فَعَل ذلك حتى لاحقه مُدَّعٍ عامٌّ قائلًا: تعال تعال.. لقد أجرمتَ!! وخيم على الآفاق ظلامٌ حالك.
ولكن.. انظروا إلى هذا المسلم الأصيل الكبير سِنًّا وقدرًا كيف تعلوه السكينة والطمأنينة!! ذلك أنه رجلٌ مُوحِّدٌ لم تستغرقه الكثرة.. لا يمل من ظلمات اليالي ولا من بلايا النهار.. وإنما جعل هَمَّه واحدًا فكفاه اللّٰه سائر الهموم.
إنه مظهرُ تجلٍّ من تجليات اللّٰه سبحانه.. يعاين المِنَح من قلب المِحَن.. ويشهد السراء من قلب الضراء.. أجل، فقد خَبَر حقيقة الأشياء فنفذ من الكثافة إلى اللطافة.. يجري في عروقه التي أريقت دماؤها إمدادُ اللّٰه تعالى وتأييدُه ونورُه.. ذلكم هو المسلم الذي رفع مُدَّعٍ عامٌّ دعوى بحقه، وأوثق يديه بالقيود وساقه إلى السجن.
لماذا؟ ما الذي فعله هذا الشيخ وقد بلغ من السن ما بلغ؟! ما الجرم الذي اقترفه؟!
بالنسبة إلى ذلك المدعي العام فقد فعل هذا الشيخ الكثير الكثير..
فأولًا: أصدر كتابًا بعنوان: مرشد الشباب!!
وثانيًا: تصرف بما يُضادُّ العَلمانية!!
هل الإلٰه والدين والإيمان قضايا ضد العَلمانية؟ ربما، وماذا بعد؟
سعى یی ثالثًا یی لإقامة الركائز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية للدولة على أساسٍ ديني!!
كيف؟ ولماذا يفعل ذلك؟
رابعًا: سعى لتحقيق نفوذٍ شخصي!!
حسنًا.. أكان يبتغي من وراء ذلك مصلحةً سياسية؟ كلا.. فلجنة الخبراء لم تلحظ شيئًا من هذا القبيل، ولم يقل ذلك حتى المدعي العامُّ نفسُه.
— 750 —
إذًا، بما أنه لا توجد مصلحةٌ سياسية، فما الذي ينتظره هذا الشيخ الطاعن في السن من الدنيا حتى يصيب منها نفوذًا شخصيًّا؟
يجيب المدعي العام بأن هذا كلامٌ لا يعنيه، وأن الرجل يسعى لنفوذٍ سياسي على أيِّ حال.. والأمر نفسُه تقوله لجنة الخبراء.
حسنًا.. فلنسأل كيف ارتكب هذا المسلم هذه الأفعال؟
يقولون: إنه اتخذ الدين والمشاعر والمقدسات الدينية أداةً لأغراضٍ أخرى.
ما هي هذه المقدسات؟ الإسلام.. المشاعر الإسلامية.. خشيةُ اللّٰه التي محلها القلب.. القرآن.. التفسير..؟ هذه أمور يعرفها المدعي العام نفسه ويؤمن بها على أنها مقدسات.
حسنًا.. هل معرفة هذه الأمور والإيمان بها ثم ترديدها يُعَد من قبيل اتخاذها أداةً لأغراضٍ أخرى؟
أجل، هو كذلك بالنسبة للمدعي العام الذي رفع هذه الدعوى.. وما دام الأمر كذلك فالمدعي العام نفسه يتخذ المقدسات نفسها أداةً لقانونٍ سياسي، ويوظفها لإدانة شخصٍ مسلمٍ يؤمن بها!! وبالتالي أفلا يرتكب المدعي العام نفسه جرمًا بحسب المادة (١٦٣)؟!
ينكر المدعي العام هذا ويقول: كلا.. فأنا لا أقوم بحملةٍ دعائية.. بينما الرجل يقوم بحملةٍ دعائيةٍ توجيهية.
ماذا قال الرجل؟ هذا هو نصُّ كلامه الذي قاله:
"إن أخطر فرقةٍ تُجنِّدها جهات الزندقة والإضلال في حربها على الإسلام في هذا الزمان، هي فرقة النساء الكاسيات العاريات اللواتي سَوَّلتْ لهن نفوسُهنَّ الأمارةُ تسليمَ قيادِها للشيطان، فرُحنَ يتعرضن لأهل الإيمان بخناجر مفاتنهن، ويضيِّقن سبيل العفة والنكاح، ويُسهِّلن سبيل الرذيلة والفاحشة، ليقع كثيرٌ من الناس أسيرَ هوى نفسه الأمارة، ويقارِف الكبائر ملحقًا الضرر - وربما الموتَ - بقلبه وروحه".
— 751 —
أفي هذا الكلام كذب؟ كلا. هل يُنكَر وجود العاهرات اللواتي يحاربن العفة ويشجعن الرذيلة؟ كلا.
ألم تكافح الدولةُ الدعارةَ السريةَ منها والعلنيةَ؟ ألا يكافح قانونُ العقوبات والشرطةُ الأخلاقية هذه الظاهرة ليل نهار؟!
يقول المدعي العام: بلى.. ولكن نحن من يكافحها وليس اللّٰه.
حسنًا.. لِيَقُل ذلك.. ولكنَّ القانون والشرطة والمدعي العام يلقون القبض على مرتكب الجرم والمحرِّض عليه بعد وقوع الجرم.. يعني بعد الانتهاء من ارتكاب الفعل.. بعد أن يُنتهَك العِرض ويموت الشخص.. ولا يمكن قانونًا اتخاذ أي إجراءٍ قبل وقوع الفعل.. لكنه ممكنٌ دينًا.. وذلك بالتدين والخشية من اللّٰه.. فبهذه الخشية يمكن التوقِّي من هذه الرذائل على اختلاف أنواعها، والإسلام يأمر بهذا ويدعو إلى اتخاذ التدابير المسبقة.. كيف؟
بالنصيحة.. بالتنبيه.. بالتعريف باللّٰه.. بزرع محبة اللّٰه وخشيته في قلب الإنسان.. بالترهيب من النار والجحيم والعذاب الأبدي، وبالترغيب بالجنة والنعيم الأبدي.. حتى يجتنب المرء هذه القبائح والمساوئ ويُنقذ نفسَه.. وحتى يعيش المجتمع والدولة والشعب والحكومة والمدعي العام نفسُه في راحةٍ وطمأنينة.. فلأجل هذا اغرِسوا في قلوب الناس محبةَ اللّٰه وخشيتَه.
وكيف نفعل ذلك؟
اكتبوا وألِّفوا وعلِّموا..
حسنًا.. سيقولون عندئذٍ: هذه حملةٌ دعائيةٌ توجيهية.
وليكنْ.. أليست هذه أوامرَ اللّٰه وتعاليمَ القرآن؟! أليس الدين أحدَ أهمِّ حقوقكم الطبيعية؟! فمن يمنعكم من هذا؟ يقولون عن هذا: إنه جريمة؛ أليس كذلك؟ اِقرؤوا أمر اللّٰه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللّٰهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ.
— 752 —
حسنًا.. فإن لم يُصغوا لنا؟
أعيدوها على مسامع من يصغي إليها، وعلى مسامع المؤمنين؛ لأن ما تقومون به عملٌ صالحٌ نافع، يعود بالخير على الفرد والمجتمع والشعب والحكومة والدولة، ويقيهم الشرورَ والمصائب.
﴿ قولوا للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ. ﴾
وقولوا لمن لا يؤمن بهذا: إن الخطر داهمٌ على الجميع.. على وطنكم وشعبكم.. الخطر ليس في الدين ولا في الدعوة إليه.. بل في الكفر به والتحلُّل منه؛ وقد صرح رئيس الوزراء بأن التيار اليميني لا يشكل خطرًا على البلاد، ولا يوجد اليوم ما يمنع من الدعوة إلى الدين أو يستدعي اتخاذ تدابير ضده.
السادةُ القضاة.. أرجو منكم أن تطرحوا على المدعي العام الذي رفع هذه الدعوى سؤالًا أنتم أدرى بجوابه، لكن سَلوه لننظر هل سيمكنه النفي؟ أرأيت إن لم تُبلَّغ أوامرُ اللّٰه ولم تُبيَّن تعاليم القرآن للشباب، ومُنِعَت باعتبارها جريمةَ دعوةٍ وتوجيه، أيمكن حينئذٍ بقانون العقوبات وحدَه الحيلولةُ دون وقوع التحلُّل والرذيلة والتسيب وجرائم الزنى والقتل؟ وبماذا يمكن مواجهة التدمير المنهجي الذي يجري على قدمٍ وساقٍ وبشكلٍ خفيٍّ ومعلنٍ معًا على يد فِتَنٍ جائحةٍ تهدِّد العالَم بأسره كالشيوعية؟!
أيها السادة القضاة أبناءُ الوطن الأُصلاء المحبون له.. المؤمنون باللّٰه ودينه.. انظروا إلى حملات الدعاية الرهيبة التي تنشر الكفر.. انظروا إلى السموم التي ينفثها أعداء الدين في أفئدة الأجيال الفتية النقية الطاهرة المسلمة من أبناء هذا الوطن وأدمغتهم.. انظروا كيف يدمرونهم ويقضون عليهم بها!! ياله من تناقضٍ صارخٍ نعيشه!! ويالها من تهديداتٍ حقيقيةٍ نواجهها!!
لكن المدعي العام الذي رفع هذه الدعوى لا يرى شيئًا من هذا.. ولا يلقي بالًا للّٰهجوم والإهانة التي يتعرض لها الإسلام وسائر الأديان السماوية.. لا.. بل يلقي القبض على مَن ينصح الشباب ويرشدهم ويحميهم من هذا الهجوم.
أيها السادة القضاة المحترمون.. أيها القضاة الأتراك المسلمون.. لا يمكنكم إدانة موكِّلي بتهمةِ رسالة النور المسماة "مرشد الشباب" التي تفيض بأنوار القرآن وتُجلِّيه للناس.
— 753 —
أيها القضاة المحترمون.. أيها القضاة الأتراك الأُصلاء المسلمون.. تعلمون جيدًا أن العلماء ورثة الأنبياء.. وهؤلاء السادة العلماء الأفاضل مكلفون بنشر وتبليغ ما وَرِثوه بالنصح والإرشاد كما أمرهم القرآن المبين.. لا يطلبون في مقابل وظيفتهم هذه عوضًا ولا أجرًا.. بل يؤدونها في سبيل اللّٰه لا يبتغون شيئًا سوى مرضاة اللّٰه ورسوله.. ويَمضون في وظيفتهم القدسية على هذا النهج حتى آخر رمقٍ من حياتهم.. لأن هذه الوظيفة أمانةٌ من اللّٰه ورسوله في أعناقهم.. فكيف يُلاحَق موكِّلي ويُدان على أدائه الأمانة إلى أهلها؟! كيف يؤتى بهذا الشيخ الطاعن في السن ذي البنية الضعيفة النحيلة ويزجُّ به في السجن؟! هذا ظُلمٌ مُريع.. وإنَّ منع هذا الظُّلم أمانةٌ في أعناقكم.
وحدَه النور هو الذي سيمحو السيئاتِ والآثامَ والتحللَ والرذيلةَ والفسادَ والفِتَن.

.......

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّٰهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
المحامي
عبد الرحمن شرف لاچ
وعقب هذه المرافعة وجَّه رئيس المحكمة سؤالًا إلى الأستاذ سعيدٍ النُّورْسِيّ حول ما إذا كان لديه كلامٌ آخر يقوله، فنهض الأستاذ قائلًا:
- أرجو السماح لي ببضع كلماتٍ لا غير.
- تفضل.
- أنا لست أهلًا لكلمات الثناء التي قالها بحقي مُحاميَّ الأفاضل، وإنما أنا رجلٌ ضعيفٌ أعمل في خدمة القرآن والإيمان؛ وليس لديَّ شيءٌ أقوله سوى هذا.
— 754 —
-إعلان قرار البراءة:
بعد هذا خُتِمت الجلسة، واجتمعت هيئة المحكمة للتشاور، ثم أصدرت قرارَ البراءة بالإجماع، وقد قوبِل هذا القرار باستحسانٍ بالغٍ وتصفيقٍ حارٍّ مِن قِبَل الحضور في القاعة؛ ونال القرار صفة القطعية لعدم إحالته على التمييز من قِبل الادعاء العام.
٭ ٭ ٭