السيرة الذاتية
— 733 —

رسالةٌ من عالِمٍ فاضلٍ من أهل القلوب أنعم اللّٰه عليه بنشر الأنوار في أنقرة

إلى حضرة صاحب الإخلاص والنور والكمال والإرشاد، المجاهد الكبير بديع الزمان..
أشهد لكم شهادةً للّٰه باقيةً أبدَ الدهر، ويشهد لكم بها أهل الإسلام، والإنس والجن، والأرض والسماوات، والأملاك والأفلاك، والعرش والكرسي واللوح والقلم، أنكم منذ أن دخلتم ميدان الابتلاء والامتحان وخضتموه في اللّٰه وللّٰه دافعتم عن حقوق اللّٰه وحقوق العباد وصُنتموها، وسعيتم في هذا المضمار ليلَ نهارَ بكل همةٍ وعزيمةٍ في أشدِّ الظروف والأحوال، وبذلتم في سبيل نصرةِ الحقِ وهدايةِ الخلقِ كلَّ ما حباكم اللّٰه إياه من مؤهِّلات العلم والكمال والنور والإرشاد.
بديعَ زماننا يا صاحب النور..
إن أخاكم العبد الفقير الذي يكتب إليكم هذه السطور هو صديقٌ قديمٌ لكم، وهذه الصداقة ليست من قبيل الصداقات العابرة المحكومة بالزوال، بل هي صداقةٌ ثاويةٌ في أعماق القلب والروح، قد انعقدت أزلًا في عالَم المعنى منذ عهد أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وتَوثَّقت أواصرُها يومًا بعد يومٍ في عالَم الشهود بدروسِ العبرة والحكمة التي تَلقَّيتُها من أقوالكم وأحوالكم وحركاتكم وسكناتكم على مدى نصف قرن؛ ومن الابتلاءات والمِحَن والمشاق التي عانيتموها طَوالَ هذه المدة، منذ عهد الاستبداد، ثم المشروطية، وصولًا إلى عهد الجمهورية؛ ومن المحاكم العسكرية والمدنية التي دخلتموها في أزمانٍ مختلفةٍ وظروفٍ بالغة الصعوبة؛ ومن مواقفكم في الانقلابات وفي ساحات الوغى؛ ومن مناقشاتكم ومباحثاتكم العلمية الفائقة التي جرت بينكم وبين أقرانكم ونُظَرائكم؛ ومن مؤلفاتكم الجليلة البديعة ذائعةِ الصِّيت؛ ومن أعمالكم الصالحة الخالصة وأفكاركم النيرة؛ ومما شاهدتُه وطالعتُه من جهادكم الأصغر
— 734 —
والأكبر؛ وحُقَّ لمثل هذه الصداقة أن تبلغ أسمى درجات المتانة والإحكام، بل وتبلغ درجة المحبة والوجد.
وإنني انطلاقًا من هذا الحب والحماس، ووفاءً بما تمليه عليَّ هذه الصداقة من واجباتٍ ماديةٍ ومعنويةٍ، فقد عملتُ منذ عهد السلطان عبد الحميد وما زلت أعمل للحفاظ على حقوقكم وحقوق طلاب النور الخاصة والعامة، وحمايتِها والدفاعِ عنها، وسأظل على هذا ما بوسعي وحيثما أمكنني، وإني - يعلم اللّٰه - لست أقوم بهذا إلا حسبةً للّٰه تعالى، وهذا أمرٌ يعرفه الناس وفريقٌ مهمٌ من طلاب النور.
إنني على أملٍ كبيرٍ من أنه بعون اللّٰه تعالى، وبالمدد النبوي، وبإخلاصكم المنقطع النظير في الجهاد الأكبر والأصغر في هذا الزمان؛ سينتصر الحق عما قريبٍ، وسيُهزَم الباطل، وسيَدخُل الناس في دين اللّٰه أفواجًا، وستبزغ شمسُ الحضارة المحمدية من جديد، وسنحتفل - ومعنا الكون كلُّه - بهذا العيد الأكبر، ونسأل اللّٰه تعالى أن يَمُنَّ عليكم بشهود هذا العيد الذي يَعُمُّ الدنيا بأسرها وأنتم في أتمِّ الصحة والعافية، ونرجوه سبحانه أن يستجيب دعاءنا بحرمة نبيِّه المصطفى (ص)، آمين ثم آمين.
صديقي العزيز المبارك.. لا أدري إن كنتم تتذكرون أخاكم العبد الفقير هذا، لكن دعوني أذكِّركم به على أيَّةِ حال.. فأنا صديقكم القديم من أنقرة: "عثمان نوري"، الذي تشاورتم معه يوم التقينا في موعدٍ محددٍ في مقر إقامتكم بإسطنبول، وكان التشاور حينها بخصوص الاستجابة للدعوة التي وَجَّهَتْها إليكم وإلى نحو ثماني عشرة شخصيةً الهيئةُ التي تقود حرب الاستقلال من أنقرة، وطلبَتْ منكم الانضمام إليها في حرب الاستقلال التي كانت رحاها تدور في شتى أنحاء البلاد، وكنتُ حينها مفتيَ فرقةٍ من المتطوعين، ثم عُيِّنتُ بعدها مفتيًا في وزارة الدفاع، وبقيت في هذا المنصب قرابة خمسٍ وعشرين سنةً، وقد أُحِلتُ إلى التقاعد قبل ثلاث سنوات.
أقيم الآن بأنقرة، وأقضي حياتي داعيًا بالخير لكم ولأهل الإسلام وبني الإنسان؛ وأعظم ما أتمناه وآمله قبل أن يأتيني الموت هو أن أحظى بزيارتكم ورؤيتكم وأُجالسَكم في اللّٰه لا غير، فهذا ما أرجوه من صميم قلبي.
— 735 —
أُرسِل إليكم يا أعز الأعزاء، وإلى طلاب النور سلامي الحار وتحياتي العاطرة مشفوعةً بالتكريم والإجلال والاحترام، وأسأله تعالى ضارعًا أن يجعلكم أعزاء في الدارين.. أقبل أياديكم الكريمة المباركة ببالغ الشوق واللّٰهفة، وأرجو خالص دعواتكم منتظرًا رسالتكم الجوابية.
سيدي صاحبَ النور والعزم والإرادة والإرشاد.. أستودعكم اللّٰه الذي لا تضيع ودائعه.
الباقي هو اللّٰه
صديقكم مع خالص الود والتفاني
عثمان نوري
٭ ٭ ٭