— 723 —
بديع الزمان سعيد نور
كبلدٍ يُعَدُّ مهدًا للعظماء والأفذاذ، شهِدت تركيا عبر تاريخها الطويلِ الكثيرَ من المجاهدين الأبطال والمجددين النبغاء والرجال العظماء!! فظروف الحياة التي قضوها، ومعاني الاحترام والتقدير والإجلال التي تلقَّوها، لم تَنقُص مكانتَهم شيئًا، بل وفَّرت لهم كلَّ الدعم والتسهيل للمضي في طريق الحق الذي سلكوه.. ورغم أن السنوات الخمس والعشرين التي خلت كانت على عكس هذه الصورة تمامًا، إذ كانت حقبةً سوداء لقينا فيها أقسى أنواع الظلم، إلا أنها أهدت إلينا رجلًا يتحلى بعبقريةٍ فذَّةٍ وفضيلةٍ نادرةٍ ونورٍ وضَّاء؛ عَرَكتْه التجارب والمِحَن، وسَما بعَظَمةِ إيمانه، وبلغ بجلالة قضيته أصقاعَ الدنيا.. لقد أضاء نورُه الكثيرَ من الضمائر المظلمة، وألهمت قوتُه الشَّجاعةَ لكثيرٍ من أهل الإيمان الضعفاء، وألهبت عبقريتُه الكثيرَ من المواهب الخامدة.. فمَن عسى أن يكون هذا الرجل العظيم سوى بديع الزمان سعيد نور؟!
إن الرجال الذين تلقَّوا على يديه دروس الفضيلة والتضحية بعد أن ضلوا السبيل وجدوا أنفسهم في واحاتٍ من النور والسعادة، وإن هذا الرجل المهيب الذي يحمل بين جنبيه من قوة الإيمان بقدر ما يحمل من العبقرية والجَلَد، كان الشخصَ الوحيد الذي تصدى للظلم والاستبداد الممتد على مدى خمسٍ وعشرين سنةً من غير أن يُوجَف له قلب، وقارعَه بشجاعةٍ إيمانيةٍ لا تعرف الرهبة والوجَل.
ولم يستطع العالَم الإسلامي مقاومة جاذبية هذا القطب، فرجلُ النور هذا المولودُ في قريةٍ نائيةٍ مَنسيَّةٍ بشرقيِّ تركيا قد سطع ضياؤه حتى بلغ أقاصي باكستان وأندونيسيا، فازداد ألقًا وازددنا به تألُّقًا؛ إلا أن ما يثير الأسف والأسى أن هذا الرجل المبارك المبجَّل الذي عاش بين ظهرانينا، وكسانا المجد والشرف، وأنار قلوبنا المظلمة، وردَّ التائهين إلى جادة الحق والصواب، لم يلقَ من المسؤولين في هذا البلد سوى الظلم والأذى؛ لكنه برغم هذا لم يسأم ولم يَحِد عن طريقه، بل كان أدرى الناس بأن أيَّةَ قضيةٍ لن تضرب بجذورها عميقًا ما لم تُتعهَّد بالكفاح والمِحَن والتضحيات.
— 724 —
ألا إنه مهما اجتهدت المحاولات والمساعي فلن تفلح في إطفاء نور الشمس هذا، فقد بثَّه مشاعلَ لا تنطفئ، بل تضيء القلوب والعقول، وتلكم هي ثمرة دعوته وجهاده.. فَيَا هَناءَه!!
جواد رفعت أتيلخان
٭ ٭ ٭
بديع الزمان سعيد نور
إنه عَلَمٌ على عبقريٍّ فذٍّ ومرشدٍ جليلٍ وإنسانٍ بمعنى الكلمة، أنبتته أرض تركيا الطيبة، وقدَّمتْه أنموذجًا للناس؛ يُشرِقُ كلُّ يومٍ من أيام حياته - وهو الذي دخل في سنِّه التسعين - بهالةِ نورٍ، وضياءِ فضيلةٍ، وشعاعِ عزمٍ وإيمان؛ لقد ثوى في قلوب الشباب التركي وعقولهم، فأضاء بهذا النور أرواحَهم المعتِمة، ودلَّهم إلى الصراط البيِّن القويم.
ولقد أنعمت العناية الإلٰهية على بديع الزمان سعيد نور بذكاءٍ خارق، فوجَّه هذا الذكاءَ وصرفه بعزم المؤمن وجَلَدِه إلى ما فيه خيرُ أبناء هذا الوطن ورُقيُّهم، ولم تبق أنواره حبيسة هذا البلد، بل تخطَّت الحدود حتى بلغت باكستان وأندونيسيا.
إن النور الذي بثَّه هذا الرجل، ومشاعلَ الأخلاق والفضيلة التي أسرجها للناس لا يمكن أن تقيِّمها معاييرنُا المحدودة، وإن ما تحلَّى به من عزمٍ وإرادةٍ وما انطوى عليه من يقينٍ راسخٍ وخلقٍ كريم لَيُمثِّیلُ أنموذجًا يحتذى، ليس لنا نحن أبناءَ تركيا فحسب، بل لأبناء العالَم الإسلامي وللإنسانية عامةً؛ وإنه لجديرٌ بأبناء هذا البلد أن يفتخروا بأن وطنهم كان مهدًا لهذا الإنسان النقي الطاهر صاحب الذكاء الرباني النادر والشخصية الفريدة.
بالأمس جرت محاكمةٌ لهذا الرجل، وقد كشفت لنا هذه المحاكمة عن أمرين:
أحدهما: أنها كشفت عن معدن الشباب التركي الأصيل الذي يُكِنُّ عميق الاحترام والتقدير للأخلاق العالية والإيمان السامي وللفضيلة والإرادة؛ والآخر: أنها كشفت عن حقيقة تلك الفئة الوضيعة التي لا يُعرَف لها حسَبٌ ولا نسَبٌ، والتي تبحث
— 725 —
عن الثراء والرفاهية والمناصب على حساب إذلال الشعب التركي وإبقائه متخلفًا، وتتلقى التعليمات والتوجيهات والدعم من المنظمات العالمية السرية الهدامة التي تعادي هذا الشعب؛ ولقد استشعرتْ هذه الفئةُ الخوفَ والخطرَ على نفسها من جموع الشباب التركي المثقف، فراحت تهاجمهم بأقلامٍ تقطر خبثًا ولؤمًا، وتعمل على الحط من شأنهم وتشويه صورتهم بأساليب ملتويةٍ بان عوارُها وانفضح كذبها.
يمكننا أن نجري مقارنة بين أستاذنا الجليل وبين معاصره "المهاتما غاندي"، ذلك الرجل العظيم الذي قاد استقلال الهند، فلقد ثار هذا الأخيرُ على جبروت الإنكليز وإمبراطوريتهم واحتلالهم الذي نهب بلاده وأذل شعبها، وثَبَت هذا الرجل على قضيته يومًا بعد يوم ولم يتراجع عنها قيد أنملة، حتى أجبر بريطانيا بعظَمَتها وجبروتها أن ترضخ خاضعةً ذليلةً لإرادته العظيمة.
إن ابن وطننا هذا - أعني أستاذَنا النُّورْسِيّ - لَيشبه ذلك الرجل في كفاحه ونضاله وأسلوب حياته إلى حدٍّ بعيد، ويفوقه في الإسلام والإيمان الذي شرَّفه اللّٰه به، وأنارَ به روحَه كالشمس فطاف به في أنحاء العالم الإسلامي؛ إلا أن بين الرجلين فرقًا عظيمًا يبعث على الحسرة والأسف، وهو أن الأول لقي الدعم والثقة والاحترام والالتفاف حولَه من أربعمئة مليون شخصٍ من أبناء مجتمعه، بينما لقي صاحبنا الحطَّ والطعن والإزراء من زمرةٍ وضيعةٍ عديمة الأصل.
حنانَيك ربي.. كيف هَوَينا إلى هذا الدَّرْك الذي يجعلنا نستحقر أثمن ما لدينا ونستخِفُّ به؟! إننا نُقِرُّ بين يديك بفداحة جُرمنا، فحسبُنا هذا السقوط.. حسبُنا.
جواد رفعت أتيلخان
٭ ٭ ٭