— 720 —
لقد سَمَّموا بديع الزمان
قبل سبع سنواتٍ من الآن، وفي حقبةٍ سوداء من تاريخ البلاد، حيثُ القوانينُ منتهَكة، وحقوقُ الناس مُستلَبة، والحريَّات مقموعة، والمصالح والأغراض الشخصية تعلو على القانون، نُفِي عالِمٌ جليلٌ طاعنٌ في السن قد ناهز الثمانين إلى "أميرداغ" بولاية "أفيون"، وسُجِّل رسميًّا في سجلات نفوسها، وفُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية فيها.
أجل، نُفِيَ رجلُ علمٍ وفكرٍ جعل تبليغَ أحكام القرآن الكريم وإرشادَ الناس إلى طريق الحق والخير والفضيلة غايةَ حياته؛ ولقي على أرض وطنه الذي قاتَل على جبهاته وسقى ثراه من دمه ظلمًا وأذًى يُذكِّرنا بمحاكم التفتيش، ولم يترك الظَّلَمةُ شأنًا من شؤونه إلا تعرَّضوا له وضيَّقوا عليه فيه بما في ذلك هيئتُه وزِيُّه!! وسِيقَ إلى الموت تحت فوهات البنادق، ولم يذق راحةً حتى في منفاه، غير أن أبناء هذه البلدة "أميرداغ" شأنهم شأن كل الأتراك الذين ورثوا عن أجدادهم إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ومساعدة الشيوخ وأبناء السبيل، هبوا لنجدة هذا العالِم الجليل ومساعدته، وعدُّوا ذلك واجبًا يُمليه عليهم ضميرهم وأخلاقهم.
لم تعرف سيرةُ هذا الرجل صلةً بأيِّ حزبٍ أو تنظيمٍ سياسي، وإنما هو عالِمٌ يحافظ على عزة الإسلام ويصون شرف العلم ووقارَه، ويترفع عن الدخول تحت مِنَّةِ أحدٍ في سبيل نيل منافع أو لذائذ دنيويةٍ فانية؛ وقد لقي ما لقيَه كلُّ صاحب إيمانٍ وفكرٍ ومبادئ في تركيا، فقد اقتُحِم منزله مراتٍ عديدةً للتفتيش، وصودِرت جميع
— 721 —
كتبه ومؤلفاته بل حتى مراسلاته الشخصية، وسيقَ إلى المحاكم، وزُجَّ به في غياهب السجون دون جريرةٍ اقترفها؛ أجل، نقول: دون جريرةٍ اقترفها، لأن إلحاقَ الأذى بالأستاذ النُّورْسِيّ وتشويهَ سمعته كان محلَّ مفاخرةٍ ومباهاةٍ من الجميع، من الوالي إلى مدير الناحية إلى أصغر عنصرٍ في الشرطة، وكان كذلك وسيلتَهم للتقرب من رؤسائهم، وفرصتَهم التي لا تعوَّض للحصول على ترفيعٍ في مناصبهم.
إن ما حصل في تلك الحقبة الكالحة من ظلمٍ وأذًى، وتحيُّزٍ ضدَّ الدين وأهله، وتضييقٍ على حرية الفكر وممارسة الشعائر لَأمرٌ يستحق البحث والتحري في أسبابه ودوافعه، وإذا كنا اليوم نستنكره ونستفظعه، فإنه كان في تلك الحقبة أمرًا عاديًّا لا يُستغرَب ولا يُستَنكَر؛ أجل، فبينما كان يُراد للبلاد في تلك المرحلة أن ينشأ فيها جيلٌ ماديٌّ متحلِّلٌ من دينه، يعيش بروح العبيد، لا همَّ له سوى اللّٰهاث خلف شهواته البهيمية، إذْ هبَّ هذا الرجل لمواجهة الخطر غير مبالٍ بحياته، وعمل جاهدًا على إخراج جيلٍ مفعمٍ بالإيمان والأخلاق والحرية، لا تأسِره الشهوات ولا النَّزَوات؛ وبدهيٌّ أن هذا لن يروق للظَّلَمة الجاثمين فوق صدر هذا الشعب الآخذين بخناقه كالأخطبوط، ينتهكون حقوقه وينهبون خيراته، بل سيثير مخاوفهم وتوجساتهم.
لم يَسلَم أحدٌ من الضغوط والملاحقات التي استمرت سنين طويلة، وطالت كلَّ مَن تكلَّم مع الأستاذ أو راسله أو ساعده، فدُهِمت بيوتهم، وزُجَّ بهم في السجون، وتفرَّق شمل عائلاتهم وأُسَرِهم إلى مصيرٍ مجهول.
وصادر الظَّلَمة نسخةَ الأستاذ من القرآن الكريم المكتوبة بخط اليد، وصادروا معها تفسيرَه المسمَّى رسائل النور، وقدَّموها للمدعي العام على أنها منشوراتُ خيانةٍ وطنية؛ وتذرَّعوا بذريعة التوقيف لأجل المحاكمة، فأبقوَا على الأستاذ في السجن عشرين شهرًا من غير جريرة؛ واستمرت الاعتقالات على هذا المنوال حتى أتى على سجن "أفيون" زمانٌ امتلأ حتى آخره بمواطنين أبرياء لم يكن لهم ذنبٌ سوى الإيمان باللّٰه والتزام أوامره؛ وقد لقُوا من الاضطهاد والأذى الوحشيَّين ما يحار منه الشيطان
— 722 —
نفسُه؛ فإذا كانت مدينة القدس قد اشتهرت في تاريخها ببطش اليهود وظلمهم لأنبيائهم فيها، فإن مدينة "أفيون" في تلك الحقبة نالت نصيبًا وافرًا من انتهاك الحقوق والتعدي عليها.
وجاءت انتخابات الرابع عشر من أيار ١٩٥٠ م لينتهي ربعُ قرنٍ من الاستبداد وتتهاوى أركانه، وفرِحَ الناس فرحًا لا حدَّ له وكأنهم في عيد، إذ شعروا بأنهم هم أصحاب القرار المتحكِّمون بمقدَّراتهم، وبينما كان المأمول أن يتغير كلُّ شيءٍ إذا بنا نرى والي "أفيون" ومدير ناحية "أميرداغ" لم يغيرا شيئًا من سيرتهما الأولى، وظلَّت عناصر مخابراتهما تلاحق كلَّ تجمُّعٍ ولو كان من شخصَين أو ثلاثة، وتضع بيت بديع الزمان تحت المراقبة، ويصبح بمقدور أصغر عنصرٍ من عناصر الشرطة أن يُداهم البيوت من غير إذنٍ رسمي وينتهك حرماتها، خلافًا لقانون الجمهورية التركية الذي يقرر مراعاة حرمة البيوت، ثم لا يلقى هذا العنصر المغوار عقوبةً على فعلته الشنيعة هذه، وعاد القوم يتعرضون من جديدٍ لزيِّ الأستاذ وهيئته، ويُسجِّلون أسماء مَن يزورونه ويستدعونهم إلى المخافر كما كانوا في سابق عهدهم.
.......
كان المطلوب تصفيةَ عالِمٍ جليلِ القدر كبيرِ السن، وقفَ نفسَه لخدمة هذا الشعب على مدى ثمانين سنة؛ ومتى تقرر تنفيذ هذه المهمة الوضيعة؟ في شهر رمضان المبارك.. ليلة عيد الفطر، من خلال دسِّ السُّمِّ في طعام إفطاره!! أجل، وحسبكم بهذا شناعةً ووضاعةً لا يقبلها خُلُقٌ ولا ترضاها إنسانية!! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أقيم عند باب بيته الشبيهِ بالزنزانة الانفرادية عنصرٌ من الحرس يمنع دخول أيِّ فرد، وتُرِك الأستاذ وحدَه يصارع الموت!! فواأسفاه على هذه الحال!! إنها لتُبكي كلَّ مَن في قلبه إيمانٌ وإسلام.. لكن ليس بتذراف الدموع والعويل نتصدى لهذا الأسى.. بل بالجِدِّ والعمل في سبيل اللّٰه.
نهاد يازار
٭ ٭ ٭