— 358 —
رسالةٌ من "محمد فيضي" الذي خدم الأستاذ بديعَ الزمان ثماني سنواتٍ في "قسطموني" و"أمين" أحدِ طلاب النور النجباء
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد رسائل النور المقروءة والمكتوبة
حضرةَ أستاذنا الحبيب الغالي المشفِق.. نبارك لكم أولًا ليلة المعراج، ونقبِّل يَدَيكم، ونرجو العفو عن تقصيرنا؛ ونقول لمن يسأل عن حال أستاذنا:
لقد بيَّن القرآنُ الحكيم حقيقةَ حالِ أستاذنا وحالِ رسائل النور، وذلك بإشاراتٍ معجزةٍ في ثلاثٍ وثلاثين آيةً منه، كما بيَّنها الإمام علي بكرامةٍ غيبيةٍ منه رضي اللّٰه عنه، وبَيَّنها
— 359 —
كذلك الغوثُ الأعظم الشيخ الگيلاني قُدِّس سِرُّه بياناتٍ مبشرةٍ، فمن أراد معرفة الشخص المعنوي لأستاذنا فليتتبَّع بدقةٍ رسائل الإشارات القرآنية والكرامات العَلَوية والكرامات الغوثية لرسائل النور، وسائرَ أجزائها الأخرى.
أما ما نعلمه يقينًا عن أستاذنا المتفنِّن بديعِ الزمان، فهو أنه علَّامةٌ يُبيِّن للناس المعارف والحقائق التي نالها من خزينة القرآن الحكيم بمظهريته لاسمَي "النور" و"الحكيم"، وهو يُعلِنها تحدثًا بنعمة اللّٰه؛ لقد تخلق بالأخلاق المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، واجتاز برازخ النفس والهوى، وغدا في هذا العصر أنموذجًا فريدًا لمكارم الأخلاق، وعاش حياته بعلوِّ همةٍ وفناءٍ عن النفس وتعففٍ وسكينةٍ تثير الإعجاب.
لقد ضرب أروعَ الأمثلة في التوكل والقناعة وغنى القلب، فبينما تجده في لباسه وعيشه في منتهى البساطة، تجده في مكارم الأخلاق فردًا لا يجارى؛ ليس له إلى الدنيا مقدار ذرةٍ من ميلٍ أو رغبة.
ثم إنه قد حافظ طَوالَ حياته على عزَّته العلمية أيَّما محافظة، فجعل أهم دستورٍ له في حياته ألَّا يعرض فاقته على أحد، فأستاذنا الذي صرف وجهه عن الدنيا وإنْ هي أقبلتْ عليه، محافظٌ أبدًا على تَعَفُّفه ونزاهته بإحالة أمر معاشِه إلى عناية اللّٰه سبحانه، فلا يأخذ صدقةً ولا زكاةً ولا هدية، ونعلم يقينًا أنه حين كان في "قسطموني" لم يقبل هديةً بأيِّ صورةٍ جاءت، حتى لقد باع لحافَه ليسدد إيجار منزله.
ثم إنه لا يُسَرُّ بالتكلُّف والتعظُّم، بل يأمر طلابه بالتحرر من قيود التكلُّف، ويبين ذلك بقوله: إن التكلُّف سيِّئٌ شرعًا وحكمةً، لأن حب التكلف يدفع المرء إلى تجاوز حد المعروف، ولا ينجو المتكلف من الوقوع في التظاهر والتفاخر مع الإعجاب بالنفس، ومن التلبُّس برياءٍ باردٍ مؤقت، والحال أن كِلا الأمرين يُخِلَّان بالإخلاص.
وأستاذنا كذلك متواضع غاية التواضع، يَحذَر أشد الحذر من حب الشهرة ودواعي التميُّز والتفوق، فمشربه الصافي الخاص أسمى من تلك الأمور التي تضايق الروح.. يعامل الجميع، لا سيما كبارَ السن والأطفالَ والفقراء، بخالص الرفق
— 360 —
والملاطفة والأُخُوَّة.. ويشرِق نور الوقار من مُحيَّاه المبارك، وتمتزج فيه البشاشة بالمهابة، فترى فيه ملامح الأنس والألفة مع الهيبة.
ومع أنه دائم التبسُّم، إلا أنه تظهر عليه علائم المهابة والجلال بمقتضى بعض التجليات، فينعقد لسان مَن يريد التكلم بحضرته فلا يُفْهَم مرادُ قوله، ولقد شاهدنا نحن العاجزين كثيرًا من هذه الحالات.
وهو في العادة قليل الكلام، يوجز القول في كلامٍ جامعٍ شاملٍ بليغٍ كأنه دستور حكمة.. لا يذم أحدًا، ولا يسمح بغيبة أحدٍ في مجلسه، بل لا يُسرُّ بذلك أصلًا، وإنما يستر العيوب والزلات والأخطاء، وقد بلغ من حسن الظن أنه يقول لمن نقل إليه كلامًا قِيْلَ بحقه: "حاشا، هذا كذب، فذلك الفاضل لا يقول مثل هذا الكلام".
ولأستاذنا اختصاصٌ ورسوخ بمجاهدة النفس، فليس ممن يخدم حظوظه النفسية أصلًا، بل هو متقَلِلٌ في مأكله ونومه فلا يأكل من الطعام إلا اليسير الذي لا يكاد يكفي شخصًا واحدًا، ويقوم ليله متعبِّدًا حتى الصباح بخشوعٍ عجيب، ولا يتخلَّف عن عادته هذه في صيفٍ ولا شتاء، ولا يترك شيئًا من تهجده أو مناجاته أو أوراده، حتى إنه أَلَمَّ به مرةً مرضٌ شديدٌ في شهر رمضان، فلم يحمله ذلك على ترك مجاهداته في العبودية، بل واصَلَ الصيامَ أيامًا لم يذق فيها طعامًا إلا لقيماتٍ يسيرة.
قال عنه جيرانه: "كنا على مدى ثماني سنوات نسمع صوت مناجاة أستاذكم بصداه الحزين الملتاع يتردد كلَّ مرةٍ في موعده من الليل حتى الصباح، فتتملَّكنا الحيرة إزاء هذه المجاهدات الدائمة التي لا تَفتُر في صيفٍ ولا في شتاء".
وكان مراعيًا أتمَّ الرعاية للطهارة والنظافة الشرعية، محافظًا على وضوئه في كل حين، ولا ينفق وقته المبارك سدًى، بل هو إما مشغولٌ بتأليف رسائل النور وتصحيح نُسَخها، وإما قائمٌ في محراب العبودية يردِّد الأدعية والمناجاة، وإما مستغرقٌ في بحر التفكُّر في الآلاء الإلٰهية.
كنا نذهب معه إلى جبلٍ بعيدٍ عن المدينة تكسوه الغابات حيث يقضي معظم الصيف هناك، فكان وهو في الطريق يشغل وقته بوظيفة، فيصحح رسائل النور، ويُرعي
— 361 —
انتباهَه في الوقت نفسه إلى ما يقرؤه طلابه العاجزون من رسائل، فينبِّههم إلى أخطائهم، وربما أعطى درسًا من أحد مؤلفاته القديمة.
أجل، وإننا لنعترف بأن عذوبة منطقه وحسن معاشرته كانا يمنحاننا من المدد ما لو ظل المرء على تلك الحال من الصباح حتى المساء يتلقَّى درسه أو يسايره في الطريق ما اعتراه شيءٌ من الملل.
وكان يقدِّم خدمةَ رسائل النور على ما سواها، ويقول: "لم أطالع كتابًا منذ عشرين سنة، وما وُجِد بحوزتي كتابٌ سوى القرآنِ الحكيم ورسائلِ النور، فرسائل النور تكفي".
أجل، فمن كان يتلقى حقائق القرآن إلهامًا بقلبه المنوَّر، وتُفاضُ عليه بإلقاءٍ كليٍّ من الفيّاض المطلق سبحانه، أفيحتاج إلى شيءٍ سوى القرآن معجزِ البيان؟! حاشا؛ ومن كان عنده شبهة في هذا فليتمعَّن في رسائل النور.
لقد أنعم اللّٰه تعالى على أستاذنا باقتدارٍ عجيب في تأليفه لرسائل النور، وليس هذا الاقتدار من الخصال التي تتأتى لكل شخص، فلقد ظهرت كل رسالةٍ من هذه الرسائل البديعة في ظروفٍ صعبةٍ مريرةٍ لا تُحتَمل من الغربة والمرض وعدم توفُّر الكُتَّاب، وأُمْلِيَتْ في الجبال وفي البساتين، وبرزتْ بالرغم من عقباتٍ كثيرةٍ ظاهرة، وهبَّتْ لنجدة المؤمنين، فللّٰه الحمد والشكر إذْ أَوْلتِ العناية الإلٰهيةُ أستاذَنا توفيقًا لا مثيل له، وأحسنتْ إليه أيَّما إحسان، فآتاه اللّٰه بِسِرِّ ذلك اقتدارًا قرأ به الكونَ كشفًا وشهودًا بحق اليقين كأنه كتابٌ سماوي، وقرأ به الأرض كأنها صحيفة، وجعله اللّٰه تعالى بمحض عنايته صاحبَ مؤلَّفاتٍ قدسيةٍ كهذه.
أجل، ولقد كان الحريُّ بالناس أن يفخروا بوجود هذا الرجل السعيد الذي ينشر الحقائق برسائل النور.. تلك المؤلَّفات البديعة التي حظيت بالقبول والانتشار، والتي تُبيِّن من القرآن المعجِزِ البيان والحاوي للآيات التشريعية: حقائقَه ومعارفَه، وتبيِّن من كتاب الكائنات الكبير الشامل للآيات الكونية: وظائفَه ومعانيَه، والتي تُرغِّب نوع البشر في العروج إلى أعلى درجات معرفةِ اللّٰه، بل لقد أنعشتْ بفضل اللّٰه قلوبًا خيَّم
— 362 —
عليها اليأس والموت.. وإن ما يثير الاستغراب حقًّا بعد هذا كلِّه أن نجد أهل الشقاوة يتجاسرون على دسِّ السم لهذا الرجل، بل يتجرؤون على رميه بالحجارة!!
بلى.. فإنه لما كان أشدَّ الناس ابتلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، كان من مقتضى الحكمة الإلٰهية أن تتوالى على ورثة الأنبياء صنوف البلاء، ولقد كان أستاذنا عرضةً لابتلاءاتٍ كثيرة، شأنه في ذلك شأن تلك الزمرة المباركة؛ ومن ذلك أنه توجه مرةً إلى النبع ليتوضأ، وكان ذلك في أول مَقدَمِه إلى "قسطموني"، فرماه الصبيان بالحجارة بتحريض بعض الأشقياء، لكنه لم يكن يقابل ما يلقى من الجفاء والأذى إلا بالصبر والتحمل متمثلًا هديَ أولي العزم، فلم يغضب من فَعْلة هؤلاء الصبيان وهو مَنْ هو في صفاء الصدر وسلامة القلب، بل دعا لهم وقال: "لقد كان هؤلاء سببًا في كشف نكتةٍ مهمةٍ لآيةٍ من سورة يس"!! ثم آلَ أمر هؤلاء الصبيان إلى حالةٍ تثير العجب ببركة دعائه لهم، فكانوا متى رأوه من بعيدٍ أو من قريبٍ سارعوا إليه فقبَّلوا يدَه المباركة ونالوا دعواته.
وما أكثر ما لأستاذنا من أحوالٍ عجيبةٍ وشؤونٍ غريبةٍ تثير الحيرة، وفي مقدمتها رسائل النور!!
أجل، إننا نعترف بأنه يقرأ خاطرات قلوبنا أكثر منا، وكثيرًا ما نبَّهَنا إلى أمرٍ لم يكن في حسباننا، فنظل في حيرةٍ من ذلك، وما هو إلا زمنٌ يسير حتى نواجه ما نبَّهَنا إليه بعينه، فَنَتَنَبَّه.
وعندما كنا نذهب بصحبته إلى الجبل، كان في بعض الأحيان ينهض من مكانه فجأةً، ويطلب منا أن نتأهب للعودة إلى المدينة قبل أن يحين الوقت، فإذا سألناه عن السبب أجاب: "إنهم ينتظروننا لأمرٍ في خدمة رسائل النور، فلنذهب بسرعة"!! والحق أننا عند عودتنا إلى المدينة كنا نجد أحد تلاميذ النور المُهمِّين في انتظارنا، أو يخبرنا الجيران بأن أحدهم قد تردد إلى البيت مرارًا ثم مضى.
وذات يومٍ أرسلت إليه سيدة مباركة (حاشية): وهي السيدة "آسية". من ذرية "العاشق الصغير" تلميذِ "مولانا خالد" جبةً لمولانا خالد كانت تحتفظ بها سنينَ طويلة، أرسلتها إليه مع
— 363 —
"فيضي" لتظلَّ عنده مدة شهر رمضان المبارك على سبيل التبرك، فما إن وصلت الجبة لأستاذنا حتى أخذ يحمد اللّٰه ويشكره، وطلب من أخينا "أمين" أن يغسلها، فتعجب "فيضي" من ذلك وقال في نفسه:
لقد أرسلَتْ هذه السيدة الجبةَ معي لتظل عند الأستاذ عشرين يومًا، فلماذا يتصرف بها كأنها مِلكٌ له؟!
ثم لقي "فيضي" تلك السيدة بعد حين، فأخبرتْه بما أزال حيرتَه قائلةً: "إنما قلتُ لك بشأن الجبة ما قلتُ لعلمي أن الأستاذ - فِداه أرواحنا - لا يقبل الهدية، فرجوتُ أن يقبلها بهذه الصورة، وإلا فإنما هي أمانةٌ له".
نعم، يُقال: إنما قَبِل أستاذنا المبارك الجبة لأنه عدَّها علامةً على انتقال وظيفة التجديد إليه بعد "مولانا خالد"؛ وينبغي أن يكون الأمر كذلك حقًا، فقد ورد في الحديث الصحيح: إن اللّٰه يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ مَن يُجدِّد لها دينها، فولادة "مولانا خالد" كانت في سنة ألفٍ ومئةٍ وثلاث وتسعين، أما ولادة أستاذنا فكانت سنةَ ألفٍ ومئتين وثلاث وتسعين؛ وفي "الرسالة الغوثية" إيضاحٌ تامٌ لهذا الحديث.
وكان الأستاذ يُخبرنا أحيانًا بصورةِ ملاطَفةٍ قائلًا: ستُعاقَبون.. ستنزل بكم مصيبة.. ستدخلون السجن..، وكان بذلك يكاشفنا بحادثةٍ مهمةٍ قبل أن تقع، وينبِّهنا ويخبرنا رمزًا عن سَجننا في "دَنِزْلي"، وفعلًا لم يمضِ وقت طويلٌ حتى تحقق ما قاله.
وقال أيضًا قبل أن تقع حادثة سجن "دَنِزْلي": "إخواني.. إنني منذ مدةٍ بعيدةٍ لم أمكث في مكانٍ ما أكثر من ثماني سنوات، ولقد مضى على مجيئي إلى هنا ثماني سنوات، فأنا في هذه السنة إما متوفى وإما منتقلٌ إلى مكانٍ آخر لا محالة"، فأخبر بذلك عن مغادرته "قسطموني".
وكان يقول أيضًا: "إخواني.. أشعر بهجومٍ على رسائل النور من جهاتٍ عدة، فخذوا حِذركم"، ولم يمضِ على هذا زمنٌ يسيرٌ إلا وشيخٌ في إسطنبول يعترض بغير علمٍ على مسألةٍ في رسائل النور، فردَّ عليه المرحوم الشيخ "علي رضا" أمين الفتوى السابق، وبيَّنَ له صواب ما جاء في رسائل النور.
— 364 —
.......
وحصل أن جَفَلَتْ دابةٌ فآذت الأستاذ في ساقه، وعانى من ذلك شهورًا، لكنْ لم تمنعه الآلام والمشاقُّ عن أداء وظيفة عبوديته، والقيام بخدمة رسائل النور القدسية.
ثم وقعت حادثة سجن "دَنِزْلي"، وكان حينها مريضًا مرضًا شديدًا من جرَّاء تعرُّضه لتسمُّمٍ حادّ في الجبل، إلا أن هذا الفرد الفريد كان برغمِ هذه الحال الشاقة العصيبة ثابتًا بصبرٍ وجَلَدٍ لا يعتريه فتور، عاليَ الهمة في أداء وظائف عبوديته والقيام بالخدمة الإيمانية والقرآنية بعزمٍ لا يلين.
وكان كثيرًا ما يقول قبل توقيفنا: "لِيَحْذرْ أهل الدنيا من التعرض لرسائل النور، وإلا كانوا سببًا في تسلُّط الآفات".
والحقيقة كما يعلم الجميع، أنه ما إن حدثَ توقيف تلاميذ رسائل النور حتى توالت الآفات والزلازل والأمراض من كل جهة، واستمرت الزلازل في "قسطموني" إلى أن صُدِّق بحقانية رسائل النور ونفعِها، حتى إن قلعة "قسطموني" الشامخة التي أصبحتْ بمثابة مدرسةٍ نورية أقامت مأتمًا حسرةً واشتياقًا لرسائل النور ومؤلفها، فألقت ببعض أحجارها المُحْكَمَة البناء إلى الأسفل مُصدِّقةً تصديقًا عمليًّا بما أخبر به أستاذنا.
وقال لنا مرةً قبل توقيفنا: "ثمة مخططٌ لهجومٍ رهيبٍ على رسائل النور، لكن لا تقلقوا، فالعناية الإلٰهية ستتداركنا؛ فإني فتحتُ اليوم الحزبَ القرآنيَّ الأكبر لأقرأه، فظهرتْ أمامي فجأةً الآية: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وخاطبتْني معنًى: اُنظر إليَّ، فنظرتُ فرأيتها تبشرنا، وتشير إلى مصيبة سَجننا، ثم نجاتنا، إشارةً من بين طبقات معناها الكثيرة، خصوصًا بمعناها الإشاريِّ والجِفريِّ".
وبذلك أظهر بغير ترددٍ الجوهرةَ التي أخذها من كنز هذه الآية قبل أن تُصدِر محكمة "دَنِزْلي" قرار البراءة بتسعة أشهر، وكشف عن نكتةٍ إعجازيةٍ مهمةٍ لهذه الآية الكريمة، وأدخل السرور على قلوبنا بما بشَّرنا نحن طلابَه الضعفاء المحتاجين إلى القوة المعنوية؛ وفي دفاع "دَنِزْلي" وملحقِها إيضاحٌ تامٌّ لهذه الآية.
— 365 —
هذا، وإن أستاذنا نادرةَ العصر لسانُ حقٍّ بغاية الشجاعة والقوة، وصاحب جسارةٍ فذَّةٍ تتأسى بهدي أولي العزم، فلا يهاب قولةَ الحق، ولا يخاف في سبيله لومة لائم؛ وقد رأى مرةً شواهد قبورٍ مكتوبًا عليها البسملة، يراد استعمالها في إنشاء مجارٍ للصرف الصحي، فتكلم بكلامٍ شديدٍ لاذعٍ لا يتجرأ على قوله أحد، ولم يُبالِ بوجودِ شخصياتٍ مهمةٍ بنظر أهل الدنيا، ووقف سدًّا منيعًا في وجه ذلك العمل وأمثاله من الأعمال الباطلة.
وما تجرأ أحدٌ في بلادنا على إيذائه أو إلحاق الضرر برسائل النور إلا تعرَّض لسوء العاقبة، فمنهم من عاد إلى رشده وطلب العفو، ومنهم من لقي جزاءه، وقد ذُكِرت بعض هذه الوقائع في "الملاحق".
والحاصل أنه ليس بمقدور العاجزين من أمثالنا أن يُعرِّف أو يُصوِّر بحقٍّ ما لأستاذنا المبارك من أوصاف الكمال ومحاسن الأحوال، فقد خَلَقَه ذو الجلال والجمال فريدًا، وأقامه للتوفيق الإلٰهي مَظْهرًا، فيا سعادة من تعلَّم من رسائل النور!! ويا سعادة من تبوَّأ لنفسه موقعًا في خدمة القرآن والإيمان برسائل النور!! تلك الخدمة التي اشتغل بها أستاذنا وحثَّ عليها وأوصى بها ببالغ الأهمية.
لقد نشر أستاذنا الحقائقَ مدة وجوده في مدينتنا دون انقطاع، وصرف أنفاسه المباركة لأجل سعادتنا، فنسأل اللّٰه تعالى وهو أرحم الراحمين، ونتضرع إليه من أعماق قلوبنا أن يحشرنا في يوم الحشر مع هذا العلَّامة كنزِ العلومِ والفنون، بديعِ البيان، مظهرِ الحديث الشريف: "السعيدُ من سُعِدَ في بطن أُمِّه"، حتى يأخذنا في يوم الفزع الأكبر بيده المباركة المشفقة النورانية إلى حضرة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، إن شاء اللّٰه.
من تلاميذ رسائل النور
فيضي، أمين
٭ ٭ ٭