— 355 —
رسالةٌ إلى إسبارطة
إخواني الأعزاء الأوفياء..
مثلما يدخل المرءُ بالتسبيح والذكر والتهليل بعد الصلاة دائرةَ خَتمٍ محمَّديةً عظيمةً، وحَلْقةَ تحميداتٍ أحمديَّةً ذاكرةً مسبِّحةً واسعةً سَعةَ وجه الأرض، يدخلها نيةً وتصوُّرًا فيكون دخولُه هذا مدارًا للفيوضات بسر تسبيحات الصلاة؛ فإننا سعداءُ سعادةً لا توصف لإشراكنا في الدعوات والأعمال الصالحة الصادرة عن آلاف الألسنة البريئة والشيوخ المباركين المتلقِّين دروس رسائل النور في دائرتها الواسعة، والعاملين في حلقة أنوارها؛ وسعداءُ كذلك لكوننا بجوارهم غيبًا بِطَيِّ المكان، بالخيال والنية والتصور، نُؤَمِّنُ على دعواتهم.
وإنه لمن حياةِ الجنةِ في الدنيا أن أحظى خصوصًا في آخر عمري بأمثال هؤلاء الأبناء المعنويِّين النجباء وبالمئات من أمثال عبد الرحمن؛ ولمَّا كنت قد شاهدتُ بعين اليقين وحقِّ اليقين إحدى النتائج العظيمة لعملِ ساعةٍ من كلِّ أخٍ من إخواني بسبب مرضي في شهر رمضان المبارك الفائت، فإن الأدعية التي خصَّني بها هؤلاء الذين لا يُرَدُّ دعاؤهم من الأبرياء والشيوخ المباركين والأساتذة، قد أظهرتْ لي في الدنيا نتيجةً أخرويةً باقيةً من نتائج خدمتي لرسائل النور.
الباقي هو الباقي
أخوكم: سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 356 —
فقرةٌ أُرسِلتْ إلى إسبارطة
إن ما تطلبه رسائل النور من تلاميذها الصادقين الثابتين ثمنًا مقابلَ ما تمنحهم من مكاسب وأرباح عظيمة، وما تُحقِّقه لهم من نتائج مهمةٍ جَمَّةٍ هو الوفاء التام الخالص، والثبات الدائم الراسخ.
نعم.. يشهد عشرون ألفًا من الأشخاص المحترمين الأفاضل بناءً على تجاربهم أن الإيمان التحقيقي القوي الذي يُنال في المدارس خلال خمس عشرة سنة، تُحقِّقه رسائل النور في خمسة عشر أسبوعًا، بل تُحقِّقه للبعض في خمسة عشر يومًا.
ثم إنها تَهَبُ كلَّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ من تلاميذها أدعيةً مقبولةً يلهج بها تلاميذُها بآلاف الألسنة المخلصة في كلِّ يومٍ، وتُنِيْلُه مثلَ أجور الأعمال الصالحة التي يقوم بها الآلاف من أهل الصلاح، وفقًا لدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، وبذلك تجعل كلَّ تلميذٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ من تلاميذها بمثابة آلاف الأشخاص من حيث العمل، والدليل على هذا إخباراتٌ ثلاثةٌ ذات كرامةٍ وتقديرٍ من الإمام علي رضي اللّٰه عنه، وبشارةٌ ذات كرامةٍ غيبيةٍ مشجِّعةٌ مستحسنةٌ من الغوث الأعظم، وإشاراتٌ قويةٌ من القرآن معجزِ البيان؛ فهي تُثبِت إثباتًا قطعيًّا أن أولئك التلاميذ المخلصين سيكونون من أهل السعادة وأهل الجنة بإذن اللّٰه؛ ولا شك أن مثل هذا الفوز يتطلب مثل ذلك الثمن.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فإنه يلزم مَنْ كان قريبًا من دائرة رسائل النور من أهل العلم وأهل الطريقة وأصحاب المشارب الصوفية أن يدخلوا في تيارها، ويُقَوُّوها بما عندهم من رصيدٍ آتٍ من العلم والطريقة، وأن يعملوا على توسعتها، ويشجعوا تلاميذها، وأن يُلقوا أنانيتهم الشبيهة بقطعة جليدٍ في حوض ماء الحياة الذي في دائرتها، ويذيبوها فيه، ليفوزوا بالحوض كاملًا.
— 357 —
وإلا فإنهم بشَقِّهم طريقًا آخر يُلحقون الضرر بأنفسهم، كما يُلحقونه من حيث لا يشعرون بهذه الجادة القرآنية المستقيمة المتينة، بل ربما قدموا بذلك نوعًا من العون للزندقة من حيث لا يشعرون.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاء الأوفياء..
حَذَارِ حَذَارِ من تيارات الدنيا خصوصًا تيارات السياسة، وبالأخص منها التيارات المرتبطة بالخارج، أنْ تلقي بكم في مهاوي التفرقة، أو تُذْهِبَ ريحَكم وتُشَتِّت شملكم أمام فِرَق الضلالة المتحدة ضدكم، أو تُشْرِككم في جريمتها معنويًّا بأن تُظهِروا الرضا عن ظُلمها نتيجة التحزب والانحياز، فتأخذوا بالدستور الشيطاني: الحبُّ في السياسة والبغض للسياسة، بدلًا من الدستور الرحماني: الحبُّ في اللّٰه والبغض في اللّٰه!! فتُعادوا أخا حقيقةٍ أشبهَ بالمَلَك، وتوالوا رفيقَ سياسةٍ أشبهَ بالشيطان الخنَّاس.
أجل، فالسياسة في هذا الزمان تفسد القلوب وتُلقي الأرواح القلِقة في العذاب، فمن أراد سلامة القلب وراحة الروح فليترك السياسة.
نعم، فكل إنسانٍ على وجه الكرة الأرضية اليوم مشتَّتٌ مضطربٌ يعاني نصيبًا من عذاب المصيبة النازلة، ويقاسيه إما قلبًا وإما روحًا وإما عقلًا وإما بدنًا، لاسيما أهل الضلالة وأهل الغفلة، فإنهم لجهلهم بالرحمة الإلٰهية العامة والحكمة السُّبحانية التامة، ولعلاقتهم بنوع البشر نتيجةَ الرِّقَّة الموجودة في جنسهم، يقاسون الآلامَ الشديدة الرهيبة للنوع البشري اليوم فضلًا عن آلامهم هُم؛ ذلك أنهم تركوا وظائفَهم الحقيقية وألزمَ أعمالهم من غير موجبٍ لذلك، وأرعَوا سمعهم للصراعات السياسية والآفاقية، والحوادث الجارية في العالم، وتدخلوا فيها على سبيل الفضول والاشتغال بما لا يعني، حتى غدت أرواحهم حائرة، وعقولهم هاذِرة.
— 358 —
فحرَموا أنفسَهم حقَّ الشفقة وأهليةَ الرحمة وفقًا للقاعدة الأساسية القائلة: «الراضي بالضرر لا يُنْظَر له» ، أي من رضي الضرر لنفسه لم يُشْفَق عليه، فلا يُشْفَق عليهم ولا يُرثى لحالهم، إذ هم مَن جلبوا المصائب لأنفسهم من غير داعٍ لذلك.
وأحسب أنه لم يحافظ أحدٌ على سلامة قلبه وراحة روحه ولم ينقذها من نيران الحريق وأهوال العواصف التي تشهدها الكرة الأرضية سوى أهل الإيمان وأهل التوكل والرضا الحقيقيين، ولهذا كان الداخلون إلى دائرة رسائل النور بالتزامٍ وثباتٍ أكثرَ الناس إنقاذًا لأنفسهم، لأنهم ينظرون بنورِ دروس الإيمان التحقيقي التي تلقَّوها من رسائل النور، وينظرون بعينها، فيرون في كل شيءٍ وجهَ الرحمة الإلٰهية وأثرَها، ويشاهدون في كل شيءٍ كمالَ حكمتها وجمال عدالتها، ويقابلون المصائب الآتية من إجراءات الربوبية الإلٰهية بالرضا والتسليم مبتسمين، ويُظهِرون الرضا، ولا يُقدِّمون شفقتهم على الرحمة الإلٰهية فيقاسوا العذاب والألم.
وبناءً على هذه الحقيقة، فمن أراد السعادة واللذة لا في الحياة الأخروية فحسب، بل في الحياة الدنيا كذلك، أمكنه أن يجدها، بل وجدها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية كما برهَنَتْ على هذا تجاربُ لا تُحد.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭