الشعاعات العربية
— 238 —

المسألة الرابعة

سألني يوما إخواني الذين يتولون خدمتي قائلين:
لقد أخذت الحربُ العالمية باهتمام الناس وشغلت الكرة الأرضية وأوقعتها في اضطراب وقلق وهي ذات علاقة بمقدّرات العالم الإسلامي، إلّا أننا نراك لا تسأل عنها رغم مرور خمسين يوما على نشوبها -بل سبع سنين- [٭]: هذه الجملة المعترضة تعود إلى سنة ١٩٤٦م. في الوقت الذي نرى متدينين وعلماء يدَعون الجامع والجماعة مهرعين إلى استماع الراديو. فهل هناك قضية أعظم منها تشغل بالك؟ أم أن الانشغال بها فيه خسارة وضرر؟
فأجبتهم: إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان:
فابتداءً من دائرة القلب والمعدة والجسد والبيت والمحلة والمدينة والبلاد والكرة الأرضية والبشرية، وانتهاءً إلى دائرة الأحياء قاطبة والعالم أجمع، كلها دوائر متداخلة بعضها في البعض الآخر. فكل إنسان له نوع من الوظيفة في كل دائرة من تلك الدوائر. ولكن أعظم الواجبات وأهمها، بل أدومها بالنسبة له هي في أصغر تلك الدوائر وأقربها إليه. بينما أصغر الواجبات وأقلها شأنا ودواما هي في أعظم تلك الدوائر وأبعدها عنه. فقياسا على هذا: يمكن أن تتناسب الوظائف والواجبات تناسبا عكسيا مع سعة الدائرة، أي كلما صغرت الدائرة وقربت عظُمت الوظيفة، وكلما كبُرت الدائرة وبَعُدت قلّت أهميةُ الوظيفة.. ولكن لمّا كانت الدائرة العظمى فاتنةً جذابة، فهي تشغل الإنسان بأمور غير ضرورية له، وتَصرف فكرَه إلى أعمال لا تعنيه بشيء، حتى تجعله يهمل واجباته الضرورية في الدائرة الصغيرة القريبة منه، فيهدر -عندئذ- رأس مال عمره، ويضيّع حياته سُدًى. زد على ذلك قد يميل قلبُه وينحاز إلى إحدى الجهتين المتخاصمتين لتیتیبُّعه بلهفة أخبارَ الحرب الطاحنة بينهما. فلا يجد في نفسه إنكارا لمظالم تلك الجهة، بل يرتاح إليها، ويكون شريكا لها في ظلمها.
— 239 —
أما الجواب عن النقطة الأولى فهو أنَّ أمام كل إنسان -ولاسيما المسلم- مسألةً مهمة، وحادثة خطيرة، هي أعظم من الصراع الدائر بين الدول الكبرى لأجل السيطرة على الكرة الأرضية. تلك المسألة هي من الأهمية والخطورة ما لو امتلك الإنسان العاقل قوةَ الألمان والإنكليز وثروتهما معا، لَما تردد في أن يضعها كلَّها لأجل كسب تلك القضية المبتغاة.
تلك القضية هي التي أَعلنها مائةُ ألف من المُصطَفين الأخيار، ورفع رايتها ما لا يحد من نجوم البشرية ومرشديها المستندين إلى آلاف من مواثيق رب العالمين ومن وعوده وعهوده، بل لقد شاهدها قسم منهم عيانا، تلك القضية قضية مصيرية للإنسان وهي:
أنْ يكسب الإنسانُ بالإيمان أو يخسر دونه مُلكا عظيما خالدا ومساكنَ طيبة في جنات عدن عرضها السماوات والأرض. فمن لم يفز بشهادة الإيمان ولم يرعها حقّ رعايتها فسوف يضيّع حتما تلك القضية ويخسرها، وذلك هو الخسران المبين.
ولقد ضيّع الكثيرون في عصرنا هذا -ممن ابتُلوا بطاعون المادية- قضيتَهم هذه، حتى كشف أحدُهم وهو من أهل العلم والكشف، وشاهد أنَّ أفرادا قلائل فقط من كل أربعين شخصا -في مكان ما- هم الذين نجَوا بإيمانهم في سكرات الموت وخُتمت حياتهم بالحسنى، أما الباقون فهلكوا! تُرى لو عُوّض أحد هؤلاء سلطانَ الدنيا وملكها وزينتها بديلا عن تلك القضية العظمى، أفيكون هذا البديل كفوا لما فاته؟ أو يسد مسدّه بحال من الأحوال؟ كلا!
ولهذا فنحن معاشرَ طلبة النور نعلم يقينا أنّ ترْك خدمات عظيمة تكسب لنا تلك القضية، وإهمالَ مهماتِ وكيلها الذي يصونها لتسعين بالمائة، والانشغال عنها بما لا يعني من أمور خارجية واهتمامات تافهة كأنَّ الدنيا خالدة، ما هو إلّا من سخافة العقل وجنونه.
فنحن على يقين تام واطمئنان كامل من هذا، لذا لو ملَكَ أحدُنا عقلا وإدراكا للأمور أضعاف أضعاف ما يملكه الآن لبذَله كله فيما يلزم تلك القضية وفي سبيلها.
فيا إخوتي الحديثي العهد بمصيبة السجن! إنكم لم تطّلعوا بعدُ على رسائل النور كما اطّلع عليها إخواني السابقون الذين دخلوا السجن معنا، فإني أُسمعكم قولا وأُشهد عليه أولئك الإخوة جميعا أُلوفا من أمثالهم، وقد قلته مرارا، وأثبتّه تكرارا:
— 240 —
إن رسائل النور قد أكسبت تسعين بالمائة منهم تلك القضية العظمى، وهي التي سلَّمت وثيقة الفوز وشهادتَه -وهي الإيمان التحقيقي- لعشرين ألفا من الناس خلال عشرين سنة خلت. فلا غرو فقد نبعَت من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم وأصبحت في مقدمة وكلاء القضية العظيمة والمدافعين عنها في هذا الزمان، فرغم انقضاء ثماني عشرة سنة والأعداءُ والزنادقة والماديون يحيكون أنواعا من الدسائس والمكر الخبيث، ومازالوا يحرّضون قسما من الموظفين علينا مستغفلين إياهم في سبيل إبادتنا حتى زجّونا في غياهب السجون مثل هذه المرة. إلّا أنهم لم يفعلوا شيئا يُذكر، ولن يفعلوا بإذن اللّٰه، ذلك لأنهم لم يتمكنوا من أن يتعرضوا لقلعة رسائل النور الفولاذية ولا أن يمسوا أعتدتها البالغة مائة وثلاثين عتادا (رسالة) سوى رسالتين أو ثلاث منها.
لذا فمن أراد أن يُوكِل محاميا يدافع عن قضيته يكفي أن يتحصن بها ويقتبس من نورها.
فيا أيها الإخوة! لا تخافوا، إن رسائل النور لن تُمنَع عن الأنظار ولن تُحجَب عن الرؤية. ولن تُرفع من الأوساط بإذن اللّٰه، إذ يتداول أجزاءَها المهمة -ماعدا رسالتين أو ثلاثة- نوابُ البرلمان وأركان الدولة بحرية تامة.
وسيأتي ذلك اليوم الذي يوزِع فيه الموظفون والمدراء المحظوظون إن شاء اللّٰه رسائلَ النور على المسجونين كما يوزِعون عليهم الخبز والعلاج، وسيحولون السجون إلى مدارس إرشاد وتربية وإصلاح.