— 233 —
المسألة الثالثة
وهي حادثة ذات عبرة، سبق ذكرها في "مرشد الشباب" مفصلا، وخلاصتها هي:
كنت في أحد أيام عيد الجمهورية جالسا أمام شباك سجن "أسكي شهر" الذي يطل على مدرسة ثانوية.. وكانت طالباتها اليافعات يلعبن ويرقصن في ساحة المدرسة وفنائها ببهجة وسرور، فتراءت لي فجأةً على شاشة معنوية ما يؤول إليه حالهن بعد خمسين سنة. فرأيت: أن نحوا من خمسين من مجموع ما يقارب الستين طالبة يتحولن إلى تراب ويعذَّبن في القبر، وأن عشرة منهن قد تحولن إلى عجائز دميمات بلغن السبعين والثمانين من العمر، شاهت وجوههن وتشوه حسنهن، يقاسين الآلام من نظرات التقزز والاستهجان من الذين كنّ يتوقعن منهم الإعجاب والحب، حيث لم يصنّ عفتهن أيام شبابهن!.. نعم، رأيت هذا بيقين قاطع، فبكيت على حالهن المؤلمة بكاء ساخنا أثار انتباه البعض من زملاء السجن، فأسرعوا إليّ مستفسرين.
فقلت لهم: "دعوني الآن وحالي... انصرفوا عني.."
أجل، إن ما رأيتُه حقيقة وليس بخيال، إذ كما سيؤول هذا الصيف والخريف إلى الشتاء، فإن ما خلف صيف الشباب ووراء خريف الشيب، شتاءَ القبر والبرزخ. فلو أمكن إظهار حوادث ما بعد خمسين سنة من المستقبل مثلما يمكن ذلك لحوادث الخمسين سنة الفائتة -بجهاز كجهاز السينما- وعُرضت حوادثُ أهل الضلالة وأحوالُهم في المستقبل، إذن لتقززوا ولتألموا ولبكوا بكاء مرا على ما يفرحون منه الآن ويتلذذون به من المحرّمات في الوقت الحاضر.
وبينما كنت غارقا في التأمل، ومنصرفا إلى مشاهد الشاشة المعنوية المعروضة أمامي في سجن "أسكي شهر" إذ انتصب أمامي شخص معنوي كأنه يمثل الشيطان الإنسي يدعو إلى السفاهة، ويروّج للضلالة قائلا لي: "نحن نريد أن نستمتع بجميع لذائذ الحياة ونمتّع الآخرين بها دعنا وشأننا، وإليك عنا".
فأجبته قائلا: "مادمتَ ترمي بنفسك في أحضان الضلالة والسفاهة حصولا على لذة جزئية وذوق ضئيل متناسيا الموت غير آبهٍ به، إذن فاعلم: أنَّ "الماضي" كله -حسب ضلالتك-
— 234 —
قد مات واندثر وانتهى إلى العدم، فهو مقبرة عظيمة موحشة مرعبة، قد رَمّت فيها الجثثُ وبَليت فيها الآثار، لذا إن كانت لك مُسكة من عقل أو كنت تملك قلبا ينبض بالحياة فإن الآلام المتولدة -بمقتضى ضلالتك- من الموت الأبدي، ومن أنواع الفراق غير المحدود لأقاربك وأحبابك غير المعدودين تزيل تلك اللذة الجزئية المسكرة التي تتذوقها في فترة قصيرة جدّا.
وكما أنَّ "الماضي" معدوم بالنسبة لك، فی"المستقبل" معدوم لك كذلك. وذلك بسبب انعدام إيمانك، بل هو ساحة موحشة رهيبة مظلمة ميتة.. فما من أحد من الموجودات المسكينة يأتي ويبرز إلى الوجود -مارا بالحاضر- إلّا ويقبضه جلادُ الموت ويقذفه إلى العدم، وأنت لكونك مرتبطا بتلك العوالم -بحكم عقلك- فإن المستقبل يصب على رأسك الملحد مطرَ السوء من الآلام الموجعة والقلق الشديد والاضطرابات العنيفة، حتى يجعل جميع لذائذك الجزئية السفيهة أثرا بعد عين.
ولكن ما إن تنبذ طريق الضلالة وتترك سلوك السفاهة داخلا حظيرة الإيمان التحقيقي، مستقيما عليه حتى ترى بنور الإيمان أنَّ ذلك الماضي السحيق ليس بمعدوم وليس بمقبرة تُبلي كلَ شيء وتفنيه، بل هو عالم نوراني موجود فعلا، الذي ينقلب إلى المستقبل، وهو ساحة انتظار الأرواح الباقية المترقبة للبعث، دخولا إلى فردوس السعادة الأبدية المعدّة لهم؛ لذا يذيقك -وأنت مازلت في الدنيا- لذةَ الجنة المعنوية حسب درجة إيمانك. كما أن المستقبل ليس مؤلما ولا مقلقا وليس محلا للوحشة ولا واديا مظلما مخيفا، بل هو بنور الإيمان منازلُ سعادة أبدية للرحمن الرحيم ذي الجلال والإكرام الذي وسعت رحمته كل شيء وأحاط كرمه بكل شيء. فكما فرشَ سبحانه الربيع والصيف مائدتين مملوءتين بأنواع النِعم والمطعومات، فقد بسط سبحانه موائد ضيافته الفاخرة في تلك القصور العوالي وفتح معارض إحسانه وآلائه العميمة هناك، والناس يشوّقون إليها بل يساقون.
نعم، هكذا يراها المؤمن بالشاشة الإيمانية -كل حسب درجته- وبوسعه أن يشعر شيئا من لذائذ ذلك النعيم المقيم.
فإذن اللذة الحقيقية الصافية التي لا يكدرها ألَم، إنما هي في الإيمان، وبالإيمان وحده يمكن الفوز بها.
— 235 —
وهناك ألوفٌ من الثمرات اللذيذة للإيمان في هذه الدنيا، وألوف من الفوائد والنتائج، إلّا أننا سنبين واحدة منها بمثال:
تصور -أيها الأخ- أن ابنك الوحيد الذي تحبّه كثيرا جدّا طريحُ الفراش يعاني من سكرات الموت، وأنت تغوص في تفكير يائس مرير وتتألم ألما موجعا شديدا من فراقه الأبدي المؤلم.. تصوَّر -وأنت في هذه الحالة اليائسة- إذا بطبيب حاذق -كالخضر أو لقمان عليهما السلام- يأتي ويسقي الطفل دواءً مضادا للسموم، وإذا به يفتح عينيه فرحا جذلا ببهجة الحياة، وقد نجا من قبضة الموت. كم يكون يا ترى فرحُك وسرورك اللذان يغمرانك؟
كذلك الحال في أولئك الملايين المدفونين في مقبرة الماضي الذين تحبهم -كهذا الطفل- حبا كثيرا وترتبط معهم بوشائج. فبينما هم على وشك أن يُبادوا ويفنوا من الوجود في مقبرة الماضي -في نظرك- إذا بحقيقة الإيمان تَبعث من شباك القلب نورا -كما فعل لقمان الحكيم مع ذلك الطفل- إلى تلك المقبرة الواسعة التي يُظن أنها مقر الإعدام. وإذا الأموات قيام أحياء بذلك النور -في عالم البرزخ- ينادون بلسان الحال" : لسنا أمواتا.. ولن نموت أبدا.. وسنلتقي عما قريب".
نعم، مثلما يَبعث شفاءُ الطفل فرحا وبهجة لا حدّ لهما بعد اليأس والقنوط، كذلك الأمر هنا مما يجعلنا نتيقن أن الإيمان -ببثه هذا الفرح والسرور في دنيانا هذه- يثبت أن حقيقته بذرةٌ تحمل من الحيوية ما لو تجسّمت لنبتت عليها جنة خاصة لكل مؤمن، ولأصبحت له شجرةَ طوبى.
هكذا قلت لذلك الشيطان الإنسي العنيد، إلّا أنه انبرى لي قائلا: "دعنا نحيا ولو كالحيوان، غافلين عما يدور حولنا من هذه الأمور الدقيقة، ولنمض حياتنا بلذة اللهو ونشوة اللعب".
فأجبته: إنك لا تقاس بالحيوان، ولن تكون مثلَه. إذ ليس للحيوان ما يفكّر به من ماض ومستقبل. فلا يجد الحيوان مما مضى ألما ولا أسفا ولا يأتيه قلقٌ ولا خوف من المستقبل، لذا يجد لذته كاملة فيشكر خالقه الكريم. بل حتى الحيوانُ المعدّ للذبح لا يحس إلّا بألم السكين وهي تمر على حلقومه، وسرعان ما يزول هذا الإحساس، فينجو من ذلك الألم.
— 236 —
فيا للرحمة الإلهية والشفقة الربانية ما أعظمَها تجليا في إخفاء الغيب وسَتر المصائب والبلايا.. ولاسيما في الحيوانات والبهائم.
ولكن أيها الإنسان لقد خرج شيء من ماضيك ومستقبلك من الغيب بحكم ما تحمله من عقل، فأنت محروم كليا مما تتنعم به الحيوانات من راحة واطمئنان بانسدال ستار الغيب أمامها، فالحسرات والآهات الناشئة مما مضى، وأنواع الفراق الأليم والمخاوف الناجمة من المستقبل تزيل لذتك الجزئية وتبيدها وتهوي بك في درجة أدنى بكثير من الحيوان من حيث اللذة. فما دامت الحقيقة هكذا فما عليك إذن إلّا أن تتبرأ من عقلك وترميه خارجا وتعدّ نفسك حيوانا فتنجو، أو تنوّر عقلَك بنور الإيمان وتنصت إلى الصوت العذب للقرآن الكريم فتكونَ أرقى من الحيوان وأرفع، مغتنِما لذائذ نقية صافية طاهرة وأنت مازلت في هذه الدنيا الفانية.
فألزمتُه بهذه الحجة
ولكنه اعترض قائلا: "سنعيش في الأقل مثل ملاحدة الأجانب"
فقلت له جوابا: "لن تكون حتى مثل أولئك الملاحدة الأجانب، لأنهم إن أنكروا نبيا واحدا فإنهم يؤمنون بسائر الأنبياء. وحتى إذا لم يعرفوا أحدا من الأنبياء، فقد يكون لهم إيمان باللّٰه. وإن لم يكن لهم هذا الإيمان أيضا فلربما لهم ما يوصلهم إلى الكمال من سجايا حميدة وخصال إنسانية.. أما إذا أنكر المسلمُ خاتمَ النبيين (ص) وجحد بالدين الذي لا دين غيرَه في الحق والشمول، وفسق عن دائرة هدايته، وحلّ رقبته منها، فلا يرضى بنبي آخر، بل لا يقبل الإيمان باللّٰه، لأنه ما عرف سائرَ الأنبياء ولا اهتدى إلى الإيمان باللّٰه إلّا عن طريقه (ص) وبتبليغه وإرشاده وهديه.. لذا لا يبقى في قلبه شيء من أولئك دون الإيمان به (ص). ومن هنا كان الناس من سائر الأديان منذ زمن سحيق يدخلون دين الإسلام أفواجا، بينما لم يحدث أن أصبح مسلم واحد قط يهوديا حقيقيا ولا مجوسيا ولا نصرانيا، وربما يصبح ملحدا فاسد الأخلاق والسجايا مضرا بالبلاد والعباد".
هكذا أقمتُ الحجة على ذلك العنيد من أنه لا يستطيع التشبه حتى بملاحدة الأجانب.. ولمّا لم يجد ما يستند إليه، خَنَس وولى إلى جهنم وبئس المصير.
فيا زملائي المجتمعين في هذه المدرسة اليوسفية! مادامت الحقيقة هي هذه، ورسائل النور قد نشرت نورَها -ولا تزال- منذ عشرين سنة وهي تكسر عناد المتمردين وترغمهم على
— 237 —
الإيمان، فعلينا إذن التمسك بالإيمان والصراط المستقيم السهل النافع السليم لدنيانا ومستقبلنا وآخرتنا وبلادنا وأمتنا. وذلك بأن لا نقتل أوقاتنا فيما لا يعني من ترهات الخيال وسفساف الآمال، بل نحييها بتلاوة ما نعلمه من سور القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وبتعلم معانيها من إخواننا العالمين بها، وبقضاء ما فاتنا من الصلوات المكتوبة، وبكسب الأخلاق الحميدة من بعضنا البعض، فلعل اللّٰه سبحانه يجعلنا ممن يغرسون في هذا السجن الغراسَ لتخرج منه أشجارٌ مثمرة نافعة. ونسعى جاهدين ليكون مسؤولو السجن أساتذة مرشدين يهيئون في هذه المدرسة اليوسفية رجالا إلى الجنة، ومشرفين طيبين يتولون حسن توجيههم، وليسوا زبانية عذاب على جناة قتلة.