الشعاعات العربية
— 21 —

المقام الثاني

إن الدلائل التي تقتضي -قطعا- التوحيدَ وتستلزم الوحدانيةَ وتوجب الوحدة وترفض الشرك وتردّ المشاركة ولا تسمح بهما قطعا.. لا تُعد ولا تحصى.
وحيث إن مئاتٍ بل ألوفا من تلك البراهين قد أثبتت إثباتا مفصلا في رسائل النور. يشار هنا إلى ثلاث فقط من المقتضيات إشارةً مجملة.
المقتضى الأول هذه المصنوعات إنما تُخلق وتوجد بالصفات المطلقة لحاكم حكيم، كبير كامل، وبأسمائه المطلقة وبعلمه غير المحدود وبقدرته غير المتناهية. يشهد على هذا ما هو ماثلٌ أمامنا من الأفعال الحكيمة والتصاريف البصيرة للأمور الجارية في هذا الكون.
نعم، يُفهم ويُعلم قطعا بحدس قطعي من هذه الآثار بل يُشاهد: أن ذلك الصانع له حاكميةٌ وآمريةٌ بدرجة الربوبية العامة، وله كبرياءٌ وعظمة بدرجة الجبروتية المطلقة، وله كمال واستغناء عن غيره بدرجة الألوهية المطلقة، وله فعالية وسلطنة لا تتناهى ولا يحدّها حدّ ولا يقيدها قيد.
فالحاكمية والكبرياء والكمال والاستغناء عن الغير والإطلاقُ والإحاطة وعدم التناهي وعدم الحدّ، كلُها تستلزم الوحدانيةَ وتضادّ الشرك.
فشهادة الحاكمية والآمرية على التوحيد والوحدانية قد أُثبتت في مواضعَ كثيرة من رسائل النور، نورد زبدة خلاصتها على النحو الآتي:
إن شأنَ الحاكمية ومقتضاها الاستقلالُ والانفراد وردُّ مداخلة الآخرين، حتى إن الإنسان المحتاج -فطرةً- إلى معاونة الآخرين لعَجزه، يردُّ مداخلةَ غيره في شؤونه بظلٍ من تلك الحاكمية حفاظا على استقلاله؛ لذا فلا يوجد سلطانان في بلد، ولا واليان في ولاية، ولا
— 22 —
مديران في ناحية، بل ولا مختاران في قرية. وإذا ما وُجد سلطانان في بلد فالأمور تضطرب ويختل النظام ويحدث الهرج والمرج.
فلئن كان ظلُّ حاكميةٍ في الإنسان العاجز المحتاج إلى المعاونة يردُّ مداخلة الآخرين ويرفض اشتراكَهم رفضا باتا إلى هذه الدرجة، فلا تَقبل -قطعا- حاكميةٌ في ربوبية مطلقة للقدير المطلق المنیزّه عن العجز مداخلةَ سواها واشتراكَه، بل تردّه ردّا قويا، وتطرد من ديوانها مَن يتوهم الشركَ ويعتقد به طردا عنيفا.
ومن هذه الحقيقة ينبثق الزجرُ العنيف الذي يزجر القرآنُ الكريم به المشركين ويردّهم.
أما شهادةُ الكبرياء والعظمة والجلال على الوحدانية، فهي الأخرى قد بُيّنت براهينُها الساطعة في رسائل النور. لذا يشار إلى فحواها في اختصار شديد.
مثال: كما أن عظمةَ نور الشمس، وكبرياءَ ضيائها لا تدعان حاجةً إلى أنوار ضعيفة أخرى بقربها وبلا حائل، ولا تمنح لها تأثيرا يذكر؛ كذلك عظمةُ القدرة الإلهية وكبرياؤها لا تدَعان حاجةً إلى أية قدرة أخرى وإلى أية قوة أخرى، ولا تفوّضان إليهما أيَّ إيجاد كان ولا أيَّ تأثير حقيقي كان، ولاسيما في ذوي الحياة والشعور من المخلوقات التي تتمركز فيها جميعُ المقاصد الربانية في الكون وتدور عليها. فلا يمكن أن تدع تلك العظمةُ والكبرياء شيئا منها إلى الأغيار قطعا. وكذا الأحوالُ والثمرات والنتائج التي هي في جزئيات ذوي الحياة والتي تتظاهر فيها غاياتُ خلق الإنسان وغاياتُ إيجاد النعم التي لا تعد ولا تحصى، فلا يمكن إحالتها إلى يد الأغيار قطعا.
فمثلا: الامتنان الحقيقي والرضى الحقيقي الذي ينبعث من كائن حي نتيجةَ شفاءٍ جزئي من مرض، أو رزق جزئي أتاه، أو اهتداء إلى اللّٰه، لا يمكن أن يتوجه إلا إليه تعالى. فتقديم الحمد والثناء إلى غيره تعالى يمسّ عظمةَ الربوبية وكبرياءَ الألوهية ويتجاوز على عزة المعبودية المطلقة والجلال.
أما إشارة الكمال إلى سر الوحدانية فهي الأخرى قد وُضّحت في رسائل النور ببراهينها الساطعة.
— 23 —
وخلاصة مختصرة لفحواها هي: أنَّ خلق السماوات والأرض يقتضي بالبداهة قدرةً مطلقة في منتهى الكمال، بل إن الأجهزة العجيبة لكل كائن حي تقتضي كذلك قدرةً في كمال مطلق. والكمال الذي هو في القدرة المطلقة المنیزّهة عن العجز والمبرّأة عن القيد يستلزم الوحدانيةَ بلا شك. إذ بخلافه يعتري كمالَه النقصُ وإطلاقَه القيدُ، ويعني إنهاءَ لا تناهيه، وإسقاطَ أقوى قدرةٍ إلى أضعفِ عجز، ويستلزم إنهاءَ قدرةٍ لا تتناهى وفي لا تناهيه بشيء متناهٍ. وهذا محال في محال بخمسة وجوه.
أما شهادة الإطلاق والإحاطة وعدم التناهي على الوحدانية فهي الأخرى قد ذُكرت مفصلا في رسائل "سراج النور" ومضمونها المختصر هو: أنَّ كل فعل من الأفعال الجارية في الكون، بانتشار أثره في جميع النواحي انتشارا مستوليا يبين أنه محيط وطليق ولا حدودَ له ولا قيدَ يقيده. وأن الشرك والاشتراك يجعل تلك الإحاطة تحت الانحصار وذلك الإطلاقَ تحت القيد وتلك اللامحدودية تحت الحد، فيفسد حقيقةَ الإطلاق وماهية الإحاطة.. فلابد أن الشرك محال في تلك الأفعال التي هي مطلقة ومحيطة بكل شيء، ولاوجود له حتما.
نعم، إن ماهيةَ الإطلاق ضدُّ الشرك، لأنَّ معنى الإطلاق حتى لو كان في شيء متناهٍ ومادي ومحدود، فإنه ينتشر انتشارَ استيلاءٍ واستقلال إلى جميع الأطراف. كالهواء والضياء والنور والحرارة بل حتى الماء، إذا ما نال أيٌّ من هذه الأشياء صفةَ الإطلاق فإنه ينتشر إلى جميع الأطراف والجهات.
فما دامت جهةُ الإطلاق -حتى لو كانت في الشيء الجزئي- تجعل الأشياءَ المادية والمحدودة مستوليةً على هذه الصورة، فلابد أن الإطلاقَ الحقيقي الكلي يمنح الصفات اللانهائية والمنیزّهة عن المادة والتي لا تحدّها حدود والمبرّأة عن القصور، يمنحها استيلاءً وإحاطةً كاملة إلى حدّ لا يمكن أن تقبل الشركَ والاشتراك بأية جهة كانت ولا يمكن أن يكون لهما احتمال قطعا.
حاصل الكلام: إن حاكميةَ ألوف الأفعال العمومية الجارية في الكون ومئاتِ الأسماء الإلهية المشهودةَ تجلياتُها وكبرياؤها وكمالُها وإحاطتها وإطلاقها ولا تناهيها، كلٌ منها برهان قوي للوحدانية والتوحيد.
— 24 —
فمثلا: كما أن قوة خارقة لدى شروعها بفعالية ما، تستولي على الجهات كلها، وتشتت القوى الأخرى. كذلك كلُ فعل من أفعال الربوبية وكلُ تجلٍّ من تجليات الأسماء الإلهية، تُظهر قوتَها الخارقة جدّا في آثارها بحيث لو لم تكن حكمةٌ عامة وعدالةٌ مطلقة ولم توقِفها عن حدّها لكان كلٌ من تلك القوى يستولي على الموجودات قاطبة. فالقوة التي تخلق شجرة الحَور في الأرض عموما وتدبّر أمورَها، لا تدع قطعا هذه القوةُ الكليةُ أفرادًا جزئية لأشجار الجوز والتفاح والمشمش المنتشرة بين أشجار الحَور والملاصقة لها، إلى قوى أخرى غيرها. ولا يمكن إلّا وتستولي عليها أيضا وتضمها بين تدبيرها للأمور.
نعم، إن مثل هذه القوة والقدرة المصرِّفة للأمور تُستَشعر في كل نوع من المخلوقات، بل في كل فرد من الأفراد، وتشاهَد أنها تتمكن من أن تستولي على الكائنات كلها وعلى الأشياء كلها، وتهيمن على الموجودات قاطبة.
فلاشك أن قوةً كهذه لا تقبل الاشتراك قطعا ولا تسمح بالشرك في أية جهة كانت.
وكذا إن أكثر ما يوليه صاحبُ شجرة مثمرة من اهتمام وأكثرَ ما يظهره من علاقة بها هو ثمراتُها المتدلية في نهايات أغصانها، ونواها الغائرة في قلب تلك الثمرات بل هي قلوبُها بالذات. ولا شك أنه لا يخل بمالكيته عبثا -إن كان راشدا- بتمليك تلك الثمرات المتدلية من الأغصان إلى الآخرين تمليكا دائميا.
كذلك الأمر في الشجرة المسماة بالكون، التي تمثل العناصرُ أغصانَها، وما في نهايات تلك العناصر من نباتات وحيوانات تمثل أزهارها وأوراقها، وما في قمم تلك الأغصان وفي ذروة تلك الأوراق والأزاهير من ثمرات تمثل الإنسانَ. فإنّ أجلَّ نتائج سعي تلك الثمرات البديعة ونتيجة خلقته هي العبوديةُ للّٰه وتقديم الشكر والحمد له وحده، ولاسيما ما ينطلق من النوى الجامعة لتلك الثمرات، تلك هي قلوب البشر وقواهم الحافظة المسماة بظهر القلب.. [٭]: انظر: البخاري، فضائل القرآن ٢٢، النكاح ١٤، ٣٥؛ مسلم، النكاح ٧٦؛ النسائي، النكاح ٦٢؛ الدارمي، فضائل القرآن ٣٣. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يَدَعها سبحانه لاغتصاب الأغيار فيهوّن من شأن عظمة ربوبيته وعزتها مخلا به معبوديته. تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.
— 25 —
وكذا، لما كانت مقاصدُ الربوبية قد تمركزت في الجزئيات التي هي في منتهى دائرة الممكنات والكثرة، بل تمركزت حتى في جزئيات أحوال تلك الجزئيات، وفي جزئيات أطوارها التي تمتد إلى المعبودية وتتوجه إلى المعبود سبحانه.. ولما كان جميعُ أنواع الامتنان والحمد والثناء وجميع أضراب الشكران والعبادات ناشئةً من تلك الجزئيات، فلا شك أنه سبحانه لا يسلّمها إلى الأغيار، فلا يفسد حكمتَه الجليلة بهذا التسليم، ولا يسقط ألوهيتَه المهيبة بهذا الإفساد. لأنَّ أهم المقاصد الربانية في خلق الموجودات هو تعريف وتحبيب نفسه سبحانه إلى ذوي الشعور، ودفعهم إلى تقديم حمدهم وشكرهم وثنائهم له وحده.
ولأجل هذا السر الدقيق فإن الأفعال والآلاء -الجزئية منها والكلية- المتمركزة في منتهى دائرة الكثرة، كالرزق والشفاء ولاسيما الاهتداء والإيمان وأمثالها من الأفعال والآلاء التي تُنتج الشكرَ وتبعث على العبادة والحمد والمحبة والعبودية والثناء؛ إنما هي إحسانٌ مباشر لرب العالمين وإنعامٌ مباشر لسلطان الموجودات وأثر مباشر لهدايته وفعله. ومن أجل إراءة ذلك يُسند القرآنُ الكريم مكررا الرزقَ والهداية والشفاء إلى الواجب الوجود، ويبين أن إحسانَ كلٍ منها إنما هو خاص به وحده ومنحصر به وحده، وفي الوقت نفسه يردّ ردا قويا تدخّلَ الأغيار في تلك الأفعال الجليلة. (٭): كقوله تعالى: (ان اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات:٥٨) (المؤلف).
نعم، إن نعمة الإيمان التي تُكسب دارَ سعادة أبدية لا تكون إلّا نعمةَ مَن خَلَق تلك الدار ومن جعل الإيمان مفتاحا لها، وهو اللّٰه ذو الجلال والإكرام، وليس غيرَه إطلاقا؛ إذ لا يمكن أن يكون غيرُه تعالى مُنعمَ مثلِ هذه النعمة العظمى، فيسد أعظم نافذة مطلة على المعبودية ويُغصب أجلّ وسيلة إليها.
حاصل الكلام: إن أدق الأحوال الجزئية والثمرات التي هي في أقصى نهايات شجرة الخلق تشهد وتشير إلى التوحيد والوحدانية بجهتين:
أولاها: لأنَّ مقاصدَ الربوبية في الكون تتجمع في الأحوال الجزئية، وغاياتها تتمركز فيها، وتجليات أكثر الأسماء الحسنى وظهورها وتعيناتها تجتمع فيها، ونتائج خلق الموجودات وفوائدها تبرز فيها؛ لذا فإن كلا منها تقول انطلاقا من نقطة التمركز والتجمع هذه: أنا مُلك مَن خلق الكون بأسره، أنا فِعلُه وأثره.
— 26 —
أما الجهة الثانية: فإن قلب تلك الثمرة الجزئية وذهنَ الإنسان المسمى حسب الحديث الشريف بظهر القلب، فهرسٌ مختصر لأكثر الأنواع، ونموذج مصغّر لخريطتها، وبذرة معنوية لشجرة الكون، ومرآة رقيقة لأكثر الأسماء الإلهية. فانتشارُ تلك القلوب والأذهان وأمثالها التي هي على نمط واحد انتشارا مستوليا ومهيمنا على وجه الكائنات كلها، يرنو بلا شك إلى مَن بيده مقاليد السماوات والأرض، فيقول كلٌ منها: أنا أثرُه وحدَه، أنا إتقانُه وحدَه.
زبدة الكلام: مثلما تتوجه الثمرة إلى مالك شجرتها من حيث كونها مفيدة، وترنو إلى جميع أجهزة تلك الشجرة وأغصانها وماهيتها من حيث نواها. وتنظر إلى جميع ثمار تلك الشجرة من حيث سكّتها المضروبة على وجهها والموجودة في مثيلاتها. فتقول جميعا: "نحن على نمط واحد، صَدَرْنا من يد واحدة، ونحن مُلك لمالك واحد، فالذي خلقَ واحدة منا هو خالقُ جميعنا بلا شك".
كذلك الأمر في الكائن الحي الذي هو في نهايات دائرة الكثرة، ولاسيما الإنسان، وبخاصة من حيث العلامات الفارقة الموجودة على وجهه، ومن حيث ما في قلبه من فهرس، ومن حيث ما في ماهيته من نتائج، تتوجه كلُها إلى الذي يمسك السماوات والأرضَ بربوبيته الجليلة وتشهد على وحدانيته جل وعلا.
المقتضى الثاني للوحدانية هو أن في الوحدانية سهولةً ويسرا بدرجة الوجوب، وفي الشرك صعوبةً ومشكلاتٍ بدرجة الامتناع.
وقد أُثبتت هذه الحقيقة إثباتا قاطعا وأُظهرت ببراهينَ دامغةٍ في رسائل عديدة من "سراج النور" ولاسيما في "المكتوب العشرين"، حيث وضّحت مفصلا، وفي "النكتة الرابعة من اللمعة الثلاثين"، حيث وضّحت مجملا، وعلى النحو الآتي:
إذا فُوّض أمرُ جميع الأشياء إلى ذات الواحد الأحد فإن خلقَ الكونِ كله وتدبيرَ أمره يكون سهلا كسهولة خلق شجرة، ويكون خلقُ الشجرة وإنشاؤها سهلا كسهولة خلق ثمرة واحدة، ويكون إبداعُ ربيع كامل وإدارتُه سهلا كسهولة إدارة زهرة واحدة، وتكون تربيةُ نوعٍ يضم ما لا يحد من الأفراد وتدبيرُ أمرها سهلًا وبلا مشكلات كسهولة إدارة فرد واحد.
— 27 —
بينما إذا فوّض في طريق الشرك خَلقُ فرد واحد إلى الأسباب والطبيعة فإنه يكون صعبا كصعوبة خلق النوع بل الأنواعِ، ويكون إبداع زهرة واحدة إيجادا حيويا كإبداع ربيع بل عدة ربوع، وإنشاء ثمرة واحدة وإحيائها عسيرا كخلق الشجرة بل مائة شجرة، ويكون إيجاد شجرة وإنشاؤها وإحياؤها وإدارتها ورعايتها وتدبير أمورها ذاتَ مشكلاتٍ عويصة كإدارة الكون كله بل أكثر منها.
وحيث إن هذا الأمر قد أُثبت في "سراج النور" على هذه الصورة، ونحن نشاهد وفرةً في المخلوقات مع منتهى الإتقان والجودة، حتى إن كل ذي حياة وهي كماكنة خارقة تضم أجهزة كثيرة يُخلق بوفرة مطلقة وبسهولة متناهية بلا معالجة ولا تكلف وفي لمح البصر، مما يبين لنا بالضرورة وبالبداهة أن تلك الوفرة وتلك السهولة ناشئتان من الوحدانية، ومن كونهما أفعالَ واحدٍ أحد. إذ خلافَ ذلك لا ينعدم الرخص والوفرة والسرعة والسهولة والإتقان وحدها، بل لا يمكن أيضا شراءُ ثمرة قيمتها خمس بارات [٭]: بارة: كلمة معربة من الفارسية، وهي قطعة من النقد تساوي ربع من القرش، وهي نقد صغير من النحاس. (المعجم الاقتصادي الإسلامي). فقط بخمسمائة ليرة، [٭]: ليرة: عملة ذهبية مقسمة إلى مائة قرش (المعجم الاقتصادي الإسلامي). بل تكون نادرة جدّا إلى حدّ العدم.
وإن السهولة المشاهَدة في إيجاد الأحياء واليُسرَ في إيجادها المنظَّم كيُسرِ تشغيل الساعة وانتظامِها أو المكائن الكهربائية التي تعمل بمجرد مَسِّ مفتاحها.. أقول هذه السهولة المشاهَدة في إيجاد الأحياء ويسرُ إيجادها تصبح -في طريق الشرك- من الصعوبة والمشكلات بدرجة الامتناع.
وإن الأحياء التي تُولَد في يوم أو في ساعة بل في دقيقة واحدة، وتأتي إلى الحياة والدنيا مع كامل أجهزتها وشرائط حياتها، لا تأتي إلى الوجود -في طريق الشرك- في سنة بل ولا في عصر بل ولا تأتي إليه أصلا.
وقد أُثبت في "سراج النور" في أكثر من مائة موضع إثباتا جازما، يُلزِم حتى أعتى معاندٍ مكابر، أنه: إذا أُسنِدتْ جميعُ الأشياء إلى ذات الواحد الأحد جلّ وعلا، فإن الخلقَ والإيجاد يكون كخلق شيء واحد ويتم في سرعة فائقة وفي رخص وموفورية؛ بينما إذا أُسندت وأُعطيت حصةٌ إلى الأسباب والطبيعة، فإن إيجاد شيء واحد يكون صعبا معضلا وبطيئا وتافها لا أهمية له، باهظا غاليا، كجميع الأشياء.
— 28 —
وإنْ شئت أن ترى براهين هذه الحقيقة فانظر إلى "المكتوب العشییرين" و"المكتوب الثالث والثلاثين"، وانظر إلى "الكلمة الثانية والعشرين" و"الكلمة الثانية والثلاثين"، وانظر إلى "اللمعة الثالثة والعشییرين" الخاصة بالطبيعة و"اللمعة الثلاثين" الخاصة بتجليات الاسییم الأعظم، ولاسيما النكتة الرابعة والسادسة منها الباحثة عن اسییم "الفرد" واسم "القيوم"، تَییرَ أن هذه الحقيقة قد أُثبتت في تلك الرسیییائل إثباتا يقينا كضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا.
أما هنا فسنشير إلى برهان واحد من تلك المئات من البراهين. وعلى النحو الآتي:
إن إيجاد الأشياء إما من العدم أو بالإنشاء أي بالتركيب، حيث تُجمع من العناصر وتجمع من الموجودات.
فإذا أُسند الإيجاد والخلق إلى الواحد الأحد، فلابد أن يكون للذات الجليلة علم محيط بكل شيء، وقدرة مهيمنة على كل شيء. لذا فإن إعطاءَ وجود خارجي للأشياء التي صورتُها ووجودها العلمي في علمه سبحانه، وإخراجَها من عدمٍ ظاهري أمرٌ سهل جدا، لا أسهلَ منه، كسهولة إمرار مادة كيمياوية على كتابة مخفية لأجل إظهارها أو نقلِ الصورة من عدسة الكاميرا إلى الورق الحساس. وهكذا الأشياء التي تصاميمُها وبرامجها ومقاديرُها المعنوية موجودة في علم الصانع الجليل يخرجها جل وعلا بأمرِ كن فيكون من عدم ظاهري إلى وجود خارجي.
أما إن كان الخلقُ إنشاءً وتركيبا، وليس من العدم، فإن جمعَه من العناصر والموجودات هو الآخر سهل جدا، إذ كما أن اجتماع الجنود المتفرقين المنتمين لطابور معين بصوت من بوق، وأخْذَ كلٍ منهم وضعا منتظما أمر سهل، وأن الجنود كلهم يكونون بمثابة قوة ساندة لقائدهم وقانونِه النافذ وعينه الباصرة لأجل تسهيل عملية السَوق العسكري والحفاظِ على وضع معين.. كذلك تُساق الذراتُ المنضويةُ تحت قيادة رب العالمين بدساتيرِ قدَره وعلمه وبقوانين قدرته المهيمنة، وتصبح الموجوداتُ التي لها مساس مع تلك الذرات بمثابة قوة ذلك السلطان وقانونه وموظفيه ووسائلَ تسهيل وتيسير. فتأتي تلك الذرات لتشكيل وجودِ كائن حي، فتدخل ضمن مقدارٍ معين كقالب معنوي علمي وقَدَري، وتقف هناك.
— 29 —
ولكن إذا أُسند خلقُ الأشياء إلى أيیدٍ متفرقة عديدة، وإلى أمثال الأسیباب والطبيعة، فإن أيَّ سبب كان لا يقدر على إيجاد شيء من العدم ومن أية جهة كانت. وهذا ما يتفق عليه جميعُ أهل العقل، لأن ذلك السبب لا يملك علما محيطا بكل شيء ولا قدرةً مهيمنة على كل شيء؛ لذا لا يكون ذلك العدمُ عدما ظاهريا وخارجيًّا وحده بل يكون أيضا عدما مطلقا. والعدم المطلق لا يكون -قطعا- منشأً لوجود، لذا لابد أن يُركّب.
والحال أن تركيب وإنشاءَ جسم ذبابة واحدة أو زهرةٍ واحدة يقتضي جمعَ جميع ذراته من سطح الأرض كافة بعد تصفيتها وتنقيتها بمصافٍ معينة دقيقة، ولا يمكن ذلك إلّا بعد مشكلات عديدة، وحتى بعد مجيئها فإن المحافظة عليها في وضع منتظم دون أن تتبعثر وتتشتت داخلَ ذلك الجسم أمرٌ عسير آخَر، لعدم وجود قوالب معنوية علمية، إذ يلزم وجود قوالب مادية وطبيعية بعدد أعضاء ذلك الكائن، كي يتشكل ذلك الجسم للكائن..
وهكذا فإن إسناد خلق جميع الأشياء إلى واحد أحد يولّد سهولة متناهية بدرجة الوجوب واللزوم، بعكس إسناده إلى الأسباب العديدة يولد مشكلات وصعوبات بدرجة المحال. فلو فُوّض أمرُ كل شيء إلى الواحد الأحد جل وعلا لأصبح الموجود في غاية النفاسة مع الوفرة المطلقة، وفي غاية الإتقان مع منتهى الحكمة والقوة، بينما لو أُسند في طريق الشرك إلى الأسباب المتعددة والطبيعة يكون الموجودُ في منتهى الغلاء مع أنه في منتهى التفاهة والتشوه والضعف. لأن شخصًا واحدًا بصفة الجندية يحمل قوةً معنوية بانتسابه إلى قائد عظيم واستناده إليه، إذ يمكن أن يُحشِّد له جيشا عظيما إذا لزم الأمر. فضلا عن أن قوة ذلك القائد والجيش تكون قوة احتياطية له، فتتضاعف قوتُه الشخصية إلى ألوف الأضعاف فيكسب قدرة مادية علاوة على عدم اضطراره إلى حمل منابع تلك القوة التي انتسب إليها ولا إلى حمل مخازنِ عتادِه حيث الجيش ينقلها، لذا يستطيع ذلك الجندي أسر مشير لدى العدو، وعلى تهجير مدينة كاملة، وتسخير قلعة عظيمة، فيكون أثرُه خارقا وذا قيمة واعتبار. ولكن إذا ما تَرك ذلك الشخص الجندية وأصبح سائبا، فإنه يفقد -كليا- تلك القوةَ المعنوية الخارقة وتلك القدرة الخارقة والاقتدار الخارق، ويصبحُ إنسانا اعتياديا لا يقدر على شيء إلّا بقدر قوته الشخصية من أمور بسيطة جزئية لا أهميةَ لها، فيصغُر تأثيرُه بتلك النسبة.
— 30 —
وعلى غرار هذا تماما، ففي طريق التوحيد يستند كلُّ شيء وينتسب إلى القدير الجليل، لذا فكما تغلب نملةٌ فرعونا وبعوضةٌ نمرودا وجرثومةٌ جبارا عنيدا وكما تحمل بذيرةٌ صغيرةٌ على كتفها شجرةً ضخمة كالجبل، فضلا عن كونها منشأ ومخزنَ جميع آلات تلك الشجرة وأجهزتها، فإن كل ذرة أيضا يمكن أن تؤدي وظائفَ لا تحد بذلك الاستناد والانتساب كتشكيل الصور والأجسام التي تحمل مئات الألوف من الإتقان والأنواع والأنماط والأشكال. وتصبح الآثار التي تؤديها تلك المأمورات اللطيفات وهذه المجنّدات الصغيرات في منتهى الكمال والإتقان والنفاسة والجودة؛ لأن الذي يصنع تلك الآثار هو القدير ذو الجلال قد وضع في يد تلك الموظفات هذه الآثارَ وجعلهن ستارا لقدرته.
ولكن إذا ما أُسند الأمر إلى الأسباب -كما هو في طريق الشرك- فإن تأثير النملة يصبح تافها ضئيلا كالنملة نفسها وإتقانَ الذرة لا يعدّ شيئا كالذرة نفسها، بمعنى أن كل شيء يسقط معنًى كما يسقط مادةً أيضا بحيث لا تُشترى الدنيا عندئذٍ بشروى نقير.
فما دامت الحقيقة هي هذه، وأن كل شيء في غاية النفاسة والإبداع والقوة والمغزى العميق كما هو مشاهَد، فلا ريب أنه لا طريق غير طريق التوحيد. وإذا ما وجد طريقٌ غيره فيلزم تبديلُ الموجودات وإفراغُ الدنيا في العدم وإملاؤها مجددا بأمور تافهة بدلا منها، ليفتح طريقا أمام الشرك ليسلكه!!
وها قد سمعتَ مجمل برهان واحد يخص التوحيد من مئات البراهين الموضحة في رسائل النور، فلك أن تقيس البقية.
المقتضى الثالث للتوحيد إن الخلق في كل شيء -ولاسيما في الأحياء- هو في منتهى الإبداع وغاية الإتقان. زد على ذلك، فالنوية الصغيرة نموذجُ الثمرة، والثمرة نموذج الشجرة، والشجرة نموذج النوع، والنوع نموذج الكون ومثالُه المصغر، وفهرسه المختصر، وخريطته المجمَلة، وبذرتُه المعنوية، ونقطةٌ جامعة مترشحةٌ من الكون، وقطرةُ خميرةٍ جُمعت منه محلوبةً بدساتير علمية وبموازين حكيمة.
— 31 —
لذا فالذي يخلق واحدا مما ذُكر لا شك أنه وحدَه خالق جميع الكون. نعم، إن الذي يخلق نواةَ البطيخ هو خالق البطيخ بالبداهة، ولا يمكن أن يكون غيره، بل محال قطعا.
نعم، إننا نشاهد أن كل ذرة في الدم منتظمةٌ إلى حدّ بعيد، وتؤدي من الوظائف الجليلة ما لا يقل في الأهمية عن أداء النجوم لوظائفها، وكذا كل كريّة حمراء وبيضاء في الدم تقوم بوظائفها تجاه الجسم بشعور تام من حيث إعاشته والحفاظ عليه وصيانته بحيث تسبق في الكمال أعظمَ مأموري توزيعِ الأرزاق وأخلصَ جنود المحافظة.
وإن حجيرات الجسم نفسها تنال كلٌ منها من الواردات والمصاريف المستهلكة وتُجري من المعاملات المنتظمة والفعالية الدائمة في الجسم بحيث تسبق إدارةَ أكملِ جسد وأبدع قصر. وكل فرد من أفراد الحيوانات والنباتات يحمل من العلامات الفارقة في وجهه والأجهزة في صدره بحيث لا يمكن أن يضع تلك العلاماتِ إلّا الذي خلق الحيوانات والنباتاتِ جميعَها.
وكل نوع من أنواع الأحياء منتشرٌ في وجه الأرض انتشارا منظما، ومختلطٌ مع سائر الأنواع اختلاطا ملائما، بحيث لا يمكن أن يَخلق ذلك النوعَ ويدير شؤونَه إلّا مَن خلق جميعَ تلك الأنواع ويديرُها ويدبرُ شؤونَها ويرعاها دفعة واحدة حتى جعل تلك الأنواع الملونة كزرابيّ حيوية منسوجة من أربعمائة ألف نوع من أنواع الحيوانات والنبات مبثوثة على سطح الأرض كافة.
فإذا ما قيست أُمور أخرى على ما ذكرنا، يُفهم أن الكون برمّته من حيث الخلق والإيجاد كلٌّ لا يقبل التجزئة، ومن حيث الربوبية وتدبير الشؤون كليٌّ لا يمكن أن ينقسم قطعا.
هذا المقتضى الثالث قد بُحث في كثير من أجزاء "سراج النور" ولاسيما في "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين"؛ إذ قد وُضح هناك وضوحا رائعا وأُثبت إثباتا دامغا بحيث ينعكس من كل شيء برهانُ وحدانيةٍ وحجةُ توحيد، كما ينعكس ضوءُ الشمس في مرآة كل شيء. لذا نختصر هنا مكتفين بذلك الإيضاح.