— 17 —
ثمرة التوحيد الثالثة
هذه الثمرة متوجهة إلى ذوي الشعور، ولاسيما إلى الإنسان.
نعم، إن الإنسان بسر التوحيد، صاحبُ كمال عظيم بين جميع المخلوقات، وهو أثمنُ ثمراتِ الكون، وألطفُ المخلوقات وأكملُها، وأسعدُ ذوي الحياة ومخاطبُ رب العالمين وأهلٌ ليكون خليلَه ومحبوبه. حتى إن جميعَ المزايا الإنسانية وجميعَ مقاصد الإنسان العليا مرتبطةٌ بالتوحيد وتتحقق بسر التوحيد، فلولا التوحيد لأصبح الإنسان أشقى المخلوقات وأدنى الموجودات وأضعفَ الحيوانات وأشدَّ ذوي المشاعر حزنا وأكثرَهم عذابا وألما. ذلك
— 18 —
لأن الإنسان يحمل عَجزا غير متناه، وله أعداء لا نهاية لهم، وينطوي على فقر دائم لا حدود له وحاجات لا حدود لها. ومع هذا فإن ماهيتَه مجهّزة بآلاتٍ ومشاعرَ متنوعة وكثيرة إلى درجة يستطيع أن يستشعر بها مائة ألف نوع من الآلام وينشد مئات الألوف من أنواع اللذائذ. فضلا عن أن له من المقاصد والرغبات ما لا يمكن تلبيتُها إلّا من قِبَل مَن ينفذ حكمُه في الكون بأسره.
فمثلا: في الإنسان رغبةٌ ملحّةٌ شديدةٌ للبقاء. فلا يحقق له هذه الرغبة إلّا من يتصرف في الكون كله بسهولة مطلقة، يفتح بابَ دار الآخرة بعد أن يسد بابَ دار الدنيا كفتح بابِ منیزلٍ وغلقِ آخرَ.
ففي الإنسان أُلوفٌ من الرغبات الإيجابية والسلبية أمثال هذه الرغبة، رغبة البقاء. تلك الرغبات ممتدةٌ إلى جهة الأبد والخلود ومنتشرةٌ في أقطار العالم كله. فالذي يُطَمئِن هذه الرغباتِ ويهدهدُها ويضمد جرحَي الإنسان الغائرَين؛ العجزَ والفقر، ليس إلّا الواحد الأحد الذي بيده مقاليد كل شيء.
وكذا في الإنسان من المطالب الدقيقة الجزئية والخفية جدّا تخص راحةَ قلبه وسلامته، وله أيضا من المقاصد الكلية المحيطة ما هو مدارٌ لبقاء روحه وسعادتها، بحيث لا يمكن أن يحققها له إلّا من يبصر ما لا يُرى من أرقِّ حجب القلب ويهتم بها، ويسمع ما لا يُسمَع من أخفى الأصوات ويستجيب لها، ومن له القدرةُ على تسخير السماوات والأرض في وظائفَ جليلة كتسخير الجندي المنقاد للأوامر. وكذا فإن جميع أجهزة الإنسان ومشاعره تأخذ مكانةً رفيعة بسر التوحيد، في حين تسقط إلى هاوية سحيقة بالكفر والشرك.
فمثلا: العقل الذي هو أفضلُ أجهزة الإنسان وأرقاها، إنْ استُعمل بسر التوحيد، فإنه يصبح مفتاحا ثمينا بحيث يفتح الكنوزَ الإلهية السامية وألوفا من خزائن الكون؛ بينما إذا تخبّط ذلك العقل في وحل الضلالة والكفر فإنه يصبح آلةَ تعذيبٍ ووسيلةَ إزعاج، بما يجمع من آلام الماضي الحزينة ومخاوف المستقبل الرهيبة.
ومثلا: الشفقةُ والحنان، وهي ألطفُ سجية من سجايا الإنسان وأحلاها، إن لم يسعفها سرُّ التوحيد، تتحول إلى ألم الحُرقة وعذاب الفراق وجرح العطف، فتتحول إلى مصيبة كبرى تدفع بالإنسان إلى درك الشقاء.
— 19 —
نعم، إن الوالدة الغافلة عن اللّٰه والفاقدة لوحيدها إلى الأبد تستشعر هذه الحرقة شعورا كاملا.
ومثلا: المحبة التي هي ألذُّ شعور في الإنسان وأطيبُه وأسماه، إذا ما أعانها سرُّ التوحيد تجعل الإنسانَ الصغير واسعا سعةَ الكون وعظيما وكبيرا كبرَه حتى تجعله سلطانا محبوبا على المخلوقات كافة؛ بينما المحبةُ نفسها إذا ما تردت إلى الشرك والكفر -والعياذ باللّٰه- فإنها تنقلب إلى مصيبة عظيمة بحيث تمزّق قلبَ الإنسان الضعيف كل حين وآن بفراق أحبته غير المعدودين فراقا أبديا حيث يمحوهم الزوالُ والفناء دائما. بيد أن أنواع اللهو والغفلة تحُول دون استشعار الإنسان بهذا الألم، إذ تُبطل شعورَه وحسّه مؤقتا وظاهرا.
فإذا ما قِسْتَ المئات من أجهزة الإنسان ومشاعره على هذه الأمثلة الثلاثة، تدرك عندئذٍ إلى أيّ مدى يكون التوحيدُ محورا للكمالات الإنسانية.
نكتفي بهذه الإشارة القصيرة إلى هذه الثمرة الثالثة حيث إنها فُصّلت تفصيلا وافيا مع دلائلها في أكثرَ من عشرين رسالة من "سراج النور".
إن الذي أوصلني إلى هذه الثمرة وساقني إليها هو الشعور الآتي:
كنتُ يوما على قمة جبل، تراءى لي القبرُ بكل معناه، وبدا لي الموتُ بكل حقائقه، وظهر لي الزوالُ والفناء بلوحاته الحزينة المبكية، وذلك بوساطةِ يقظةٍ روحية بددت ظلمةَ الغفلة. فاحتدّ عشقُ البقاء المغروز في فطرتي -كما هو في الآخرين- احتدّ غاضبا أمام هذا المنظر، فشق عصا الطاعة إزاء الزوال. وفار ما فيّ من العطف على بني الجنس والرأفة على نوع البشر وطغى إزاء القبر وفناءِ الأنبياء المكرّمين وأهل الفضل الموقرين من الأولياء والأصفياء، الذين أكنّ لهم حبا شديدا وتبجيلا عظيما وتقديرا لائقا وأرتبط بهم بعلاقة وثيقة.
وإزاء هذا الأمر توجهتُ إلى الجهات الست لأستمدّ منها العونَ، فلم أجد ما يسلّيني أبدا؛ حيث إن جهة الماضي قد تحولت إلى مقبرة كبرى واسعة، وجهةَ المستقبل مظلم مخيف، وجهة الفوق مخيفةٌ رهيبة، وجهةَ الأسفل وكذا اليمين والشمال كلها جهاتٌ تورث حالات أليمة حزينة. فرأيت كأن الأشياء المضرة التي لا تحد تَنقضّ عليّ انقضاضا، فأغاثني سرُّ التوحيد من حالتي التي كنت فيها ورَفَع السیتار من أمام بصيرتي وأراني حقيقةَ هذه الجهات
— 20 —
قائلا: "انظر". فنظرتُ أولَ ما نظرت إلى وجه الموت المخيف، ورأيت أن الموت لأهل الإيمان تسريحٌ من الوظيفة، والأجَل هو بطاقته. فالموتُ إذن تبديلُ مكان، ومقدمةُ حياة باقية، وبابٌ إليها. وهو انطلاق من سجن الدنيا إلى بساتين الآخرة. وهو انتظارُ زمن الوصول إلى ديوان الرحمن الرحيم لاستلام أجرة العمل، وهو دعوة إلى دار السعادة..
ولمّا فهمتُ حقيقةَ الموت فهما يقينا أحببتُه.
ثم نظرت إلى الزوال والفناء، ورأيت أن زوالَ الأشياء إنما هو تجديدٌ لها ولأمثالها، فهو تجديد ممتعٌ ملذّ، شبيهٌ بتجدد مشاهد السينما، وشبيه بتجدد جمال حباب النهر الجاري تحت ضوء الشمس. لذا علمت يقينا أن زوال الأشياء وفناءها إنما هو تجديد للتجليات الجميلة للأسماء الحسنى، ووظيفة يؤديها ضمن سيرٍ وتجوال في عالم الشهادة بعد مجيئها من عالم الغيب، وهو مظاهر حكيمة لجمال الربوبية، فالموجودات تؤدي به وظيفةَ المرآة إزاء الحسن السرمدي.
ثم نظرت إلى الجهات الست ورأيت أنها نورانية بسرّ التوحيد بل نورانية إلى حدّ يكاد سنا نورِها يخطف الأبصار، حتى رأيت أن الزمان الماضي لم يعُد مقبرةً عظيمة بل انقلب إلى المستقبل ليكون مجالسَ نورانية ومجامعَ أحبابٍ ومناظرَ نورانيةً تزيد على الألوف.
وهكذا على غرار هاتين المادتين نظرت إلى الوجوه الحقيقية لألوف المواد، ورأيت أنها لا تورِث إلّا السرورَ والشكر.
إن شعوري هذا وتذوقي الروحيَّ هذا في الثمرة الثالثة قد وضّحا مع الدلائل القاطعة الكلية والجزئية في "سراج النور" بل في أربعين من أجزائها ولا سيما في "اللمعة السادسة والعشرين" (رسالة الشيوخ) في رجاياها الثلاث عشرة. إذ قد وضّحت هناك وضوحا كافيا لا إيضاح فوقه، لذا اختصرت هذه المسألة الطويلة في هذا المقام.