— 966 —
محاضرة
حول رسائل النور
تشرين الثاني ١٩٥٠
جامعة أنقرة
مُحاضَرةٌ أُلقِيَت في شَهرِ تَشرِينَ الثّاني مِنَ سَنةِ (١٩٥٠) في مَسجِدِ الكُلِّيّةِ بجامِعةِ أَنقَرَة، واستَمَرَّت حتَّى مُنتَصَفِ اللَّيلِ بحُضُورِ عَدَدٍ مِنَ الدَّكاتِرةِ وأَعضاءِ مَجلِسِ الشَّعبِ، وكذا ضُيُوفُنا مِن باكِستانَ وطُلّابُ كُلِّيّاتٍ مُختَلِفةٍ؛ ونالَت أَهَمِّيّةً وتَقدِيرًا كَبِيرًا.
— 967 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
الحَمدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمينَ، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعِينَ
إِخوانِي الأَعِزّاءَ المُتَعطِّشِينَ لِإِكسِيرِ حَياةِ الإِيمانِ والإِسلامِ..
أَوَدُّ أن أُبيِّنَ لَكُم أوَّلًا أنَّ جُلُوسِي على كُرسِيِّ المُحاضَرةِ لا يُميِّیزُني بشَيءٍ عَنكُم، فما أَنا سِوَى أخٍ لَكُم لا أَكثَرَ.
وأَمّا هذه المُحاضَرةُ فهِي عِبارةٌ عن دَرسٍ مُفِيدٍ لي أَحتاجُه كَثِيرًا، أُخاطِبُ به نَفسِي أَوَّلًا، وسأَقرَؤُه لِإخوانٍ أَعِزّاءَ أَمثالِكُم مِن قَبِيلِ المُذاكَرةِ والمُناقَشةِ، فإن كانَت فيه عُيُوبٌ فهِي تَعُودُ إِلَيَّ، أَمّا الحُسنُ والكَمالُ فيَعُودانِ لِمُؤلَّفاتِ رسائِلِ النُّورِ الَّتي استَفَدتُ مِنها كَثِيرًا.
ستُقامُ مُحاضَراتٌ دِينيّةٌ دَوْرِيّةٌ كلَّ أُسبُوعٍ مَرّةً إن لم يَكُن ثَمّةَ مانِعٌ، ومُحاضَرَتُنا الأُولَى هذه حَولَ الإِيمانِ.. إذ إِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ أَكَّد في مَجلِسِ الشَّعبِ الأَوَّلِ قائِلًا: "إِنَّ أَعظَمَ حَقِيقةٍ في الكَونِ بَعدَ الإِيمانِ: الصَّلاةُ"، لِذا وَجَدْنا مِنَ الأَنسَبِ أَن تكُونَ مُحاضَرَتُنا الأُولَى عنِ القُرآنِ، والإِيمانِ، ونَبيِّنا ورَسُولِنا علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وستَكُونُ الثَّانيةُ عنِ الصَّلاةِ والعِبادةِ إن شاءَ اللهُ.
لقد بَذَلْنا وُسْعَنا في التَّحَرِّي عن مُؤلَّفاتٍ نَتَعلَّمُ مِنها هذه المَواضِيعَ، وفي نِهايةِ المَطافِ وَقَع اختِيارُنا على رَسائِلِ النُّورِ، لِأنَّها مُؤلَّفاتٌ دِينِيّةٌ قَيِّمةٌ نالَت ثِقةً كَبِيرةً وقَبُولًا عَظِيمًا مُنذُ ما يُقارِبُ نِصفَ قَرْنٍ، كما أنَّها تُعالِجُ حاجاتِنا الحَياتيّةَ والأَبَدِيّةَ بأُسلُوبٍ مُقنِعٍ يُناسِبُ مَدارِكَ العَصرِ.
وسنُوضِحُ الآنَ سَبَبَ اختِيارِنا مَوضُوعَ المُحاضَرةِ الأُولَى عنِ الإِيمانِ، ونُعرِّفُ بإِيجازٍ بمُؤلِّفِ هذه الكُتُبِ:
— 968 —
مِن بَينِ الأَولَوِيّاتِ الَّتي وَضَعَها أَعداءُ الدِّينِ والإِسلامِ في هذا العَصرِ ضِمنَ بَرامِجِهِم ومُخَطَّطاتِهِم: إِضعافُ الثَّوابِتِ الإِيمانيّةِ وهَدمُها مِنَ الأَساسِ، وخِلالَ الخَمسةِ والعِشرِينَ عامًا الأَخِيرةِ یی على وَجهِ الخُصُوصِ یی نُفِّذَت مُخَطَّطاتٌ هَدّامةٌ لِأَركانِ الإِيمانِ، وتَحتَ أَقنِعةِ نِفاقٍ مُتَنوِّعةٍ حَصَلَت تَخرِيباتٌ مُرَوِّعةٌ لم يُرَ لها مَثِيلٌ في التّارِيخِ.
والحالُ أنَّ أيّةَ شُبهةٍ تُثارُ حَولَ رُكنٍ واحِدٍ مِن أَركانِ الإِيمانِ، أو أَيَّ إِنكارٍ له، يُعَدُّ أَمرًا أَضَرَّ وأَخطَرَ مِن إِهمالِ الأُمُورِ الفَرعِيّةِ لِلدِّينِ.. لِذا فإِنَّ أَهَمَّ عَمَلٍ نقُومُ به اليَومَ هو تَقوِيةُ الإِيمانِ مِن خِلالِ تَحوِيلِه مِن إِيمانٍ تَقلِيدِيٍّ إلى إِيمانٍ تَحقِيقيٍّ، وتَعزِيزُ الإِيمانِ وإِنقاذُه.
ولَقَد باتَ العَمَلُ بأَساساتِ الإِيمانِ أَكثَرَ مِن كلِّ شَيءٍ آخَرَ لِزامًا قَطعِيًّا وحاجةً ضَرُورِيّةً، بل أَصبَحَت حالةً إِجبارِيّةً؛ فكَمَا هو الأَمرُ في تُركِيّا، كَذلِك هِي الحَالُ في العَالَم الإِسلَامِي بِرُمَّته.
أَجَل، مَا الفَائِدةُ المَرجُوّةُ مِن تَرمِيمِ وتَزيِينِ غُرَفِ بِناءٍ مُتَهالِكٍ مِن أَساسِه؟! وماذا يُجدِي نَفْعًا اتِّخاذُ التَّدابِيرِ ورَشُّ المُبِيداتِ على أَغصانِ وأَوراقِ شَجَرةٍ مُتَعفِّنةِ الجُذُورِ؟! وكَذلِك الإِنسانُ، فهُو عِبارةٌ عن بِناءٍ أَشبَهَ بِقَصرٍ أَساساتُه الأَركانُ الإِيمانيّةُ، وشَجَرةٍ جُذُورُها الأَساساتُ الإِيمانيّةُ؛ وأَهَمُّ أَركانِ الإِيمانِ: الإِيمانُ باللهِ، وبَعدَه الإِيمانُ بالأَنبِياءِ، وبالحَشرِ.. لِذا على مَن يَطلُبُ العِلمَ تَعَلُّمُ العُلُومِ الإِيمانيّةِ أَوَّلًا، إذ هي أَساسُ العُلُومِ وإِمامُها وسُلطانُها.
ولَيسَ الإِيمانُ مُجَرَّدَ تَصدِيقٍ إِجمالِيٍّ، بل له مَراتِبُ كَثِيرةٌ، فالإِيمانُ التَّقلِيدِيُّ مَثلًا تَنطَفِئُ جَذْوَتُه سَرِيعًا أَمامَ ضَلالاتِ هذا الزَّمانِ یی بِشَكلٍ خاصٍّ یی وبِدَعِه وأَعاصِيرِه؛ أَمّا الإِيمانُ التَّحقِيقيُّ فهُو القُوّةُ الَّتي لا تُزَعزَعُ ولا تَخبُو؛ فالمَرءُ الَّذي يَبلُغُ ويَنالُ الإِيمانَ التَّحقِيقيَّ مَهْما تَعرَّضَ دِينُه وإِيمانُه لِلأَعاصِيرِ العاتِيةِ، فإِنَّ هذه الأَعاصِيرَ
— 969 —
مَحكُومٌ علَيْها بالهَزِيمةِ أَمامَ قُوّةِ إِيمانِه، ولا يُمكِنُ لِأَعتَى الفَلاسِفةِ إِلحادًا أن يَبعَثَ في نَفسِه أَيَّ شَكٍّ أو شُبْهةٍ.
وبِناءً على هذه الحَقائِقِ، رَأَينا لُزُومَ المُداوَمةِ على مُطالَعةِ مُؤَلَّفاتٍ تُكَرِّسُ الحَقائِقَ الإِيمانِيّةَ والقُرآنِيّةَ، وتَعمَلُ على تَقوِيةِ الإِيمانِ مِن خِلالِ نَشرِ دُرُوسِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، وتَحقِيقِ السَّعادةِ والسَّلامةِ الأَبدِيّةِ لِلإِنسانِ.
وإلّا فإِنَّ الِابتِلاءَ في هذا الزَّمانِ بمَصائِبَ مُرَوِّعةٍ تَضُرُّ بالحَياةِ الأُخرَوِيّةٍ، باتَ حَقِيقةً لا مَفرَّ مِنها؛ والسَبِيلُ الأَوحَدُ لِلنَّجاةِ مِنها يَتَمثَّیلُ في الِاعتِصامِ بالقُرآنِ الحَكِيمِ وآياتِه الإِيمانيّةِ، وبالتَّمسُّكِ بتَفسِيرٍ قُرآنِيٍّ عَظِيمٍ يُخاطِبُ عَصرَنا هذا.
ولَعلَّ سُؤالًا يَدُورُ الآنَ في أَذهانِكُم، وتُبدِيه نَظَراتُكُم جَلِيًّا بمَشاعِرَ نُورانيّةٍ هَيّاجةٍ: هل يُوجَدُ في هذا العَصرِ مُؤَلَّفٌ كهذا؟
أَجَلْ، لقد بَذَلْنا وُسْعَنا في التَّحَرِّي الدَّقِيقِ عن مَصادِرَ ومُؤلَّفاتٍ تُلبِّي حاجَتَنا بشَكلٍ تامٍّ، وتُراعِي هذه الجَوانِبَ، وقد تَوَصَّلْنا أَخِيرًا إلى قَناعةٍ تامّةٍ أنَّ مُؤلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ "رَسائِلَ النُّورِ" يُمكِنُ أن تكُونَ دَلِيلًا قُرآنِيًّا ومُرشِدًا كامِلًا لِلشَّبابِ الأَتراكِ ولِلعالَمِ الإِسلاميِّ ولِلبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ؛ وإِنَّنا نَشهَدُ على هذه الحَقِيقةِ ويَشهَدُ مَعَنا كَذلِك مِئاتُ الآلافِ مِمَّن أَنقَذُوا إِيمانَهُم مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ.
وثَمّةَ خَصائِصُ رَأَينا مِنَ اللّازِمِ تَوَفُّرُها فِيمَن يُؤلِّفُ كُتبًا قُرآنيّةً مِن شَأْنِها النُّهُوضُ بمُهِمّةِ الهِدايةِ العامّةِ والشّامِلةِ في القَرنِ العِشرِينَ، وقد وَجَدْنا هذه الخَصائِصَ ذاتَها مُجتَمِعةً في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤلِّفِها بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، وهذه الخَصائِصُ هي:
أَوَّلًا: أنَّ يَتَّخِذَ المُؤلِّفُ القُرآنَ الحَكِيمَ وَحدَه أُستاذًا له..
ثانيًا: إنَّ القُرآنَ الحَكِيمَ هو كِتابُ اللهِ الأَقدَسُ، يَضُمُّ بينَ دَفَّتَيه العُلُومَ الحَقِيقيّةَ، وخِطابًا أَزَلِيًّا مُوَجَّهًا إلى جَمِيعِ فِئاتِ المُجتَمَعِ في كلِّ العُصُورِ، ولِكي يُعبِّیرَ المُفَسِّرُ عنِ الحَقِيقةِ بصُورةٍ صافِيةٍ نَقِيّةٍ لا شائِبةَ فيها، وحتَّى يكُونَ تَفسِيرُه تَفسِيرًا حَقِيقيًّا،
— 970 —
يَنبَغِي ألّا يَخضَعَ في أَثنائِه لِتَأثيرِ مَسلَكِه ومَشرَبِه الخاصِّ، ولا يَخلِطَه بمَشاعِرِه الشَّخصِيّةِ؛ وحتَّى يَتَمكَّن مِن إِيضاحِ تلك الحَقائقِ على نَصاعَتِها، ويَكشِفَ عن تلك المَعاني الواسِعةِ العَمِيقةِ على حَقِيقَتِها، يَجِبُ أن يكُونَ عَلّامةً حَقًّا، ومُتَخَصِّصًا في كلِّ عِلمٍ مِنَ العُلُومِ، وله فِكرٌ واسِعٌ، واطِّلاعٌ شامِلٌ، ونَظَرٌ ثاقِبٌ، وإخلاصٌ تامٌّ، وعَبقَرِيّةٌ عَظِيمةٌ، واجتِهادٌ عَمِيقٌ نافِذٌ، وله مِنَ القُوّةِ القُدسِيّةِ والعِنايةِ الرَّبّانيّةِ نَصِيبٌ وافِرٌ..
ثالثًا: يَجِبُ أن يُؤلَّفَ التَّفسِيرُ بإِخلاصٍ تامٍّ، بحَيثُ لا يَبتَغِي المُفسِّرُ وَراءَ عَمَلِه هذا سِوَى رِضاءِ اللهِ سُبحانَه، مِن دُونِ أن يَتَحوَّلَ نَظَرُه إلى أيِّ غَرَضٍ مِنَ الأَغراضِ الدُّنيَوِيّةِ، سواءٌ المادِّيّةُ مِنها أوِ المَعنَوِيّةُ، وهذه الحالةُ لا بُدَّ أن تكُونَ ظاهِرةً واضِحةً في أَحداثِ حَياةِ المُفَسِّرِ نَفسِه.
رابِعًا: إنَّ احتِفاظَ القُرآنِ الكَريمِ بجِدَّتِه وطَراوَتِه ونَضارَتِه وفُتُوَّتِه هو إِحدَى مُعجِزاتِه الكُبْرَى، إذ إنَّ لِلقُرآنِ الحَكِيمِ (وَجْهًا) لِكُلِّ عَصرٍ يَتَوجَّهُ إلَيْه لِسَدِّ حاجاتِ ذلك العَصرِ، حتَّى لَكَأنَّه قد أُنزِل لِذلِك العَصرِ بالذّاتِ وهو كذَلِك..
لِذا فإنَّ التَّفسِيرَ الأَمثَلَ لِهذا العَصرِ هو الَّذي يَكشِفُ ذلك وَجْهَ یی القُرآنِ الحَكِيمِ یی المُتَوجِّهَ المُطِلَّ على عَصرِنا هذا، ويَسُوقُ البَراهِينَ المُثبَتةَ بأُسلُوبٍ سَهلٍ وشائقٍ بحَيثُ يُفِيدُ الطَّبَقاتِ البَشَرِيّةَ كافّةً، ابتِداءً مِنَ العَوامِّ وانتِهاءً بالخَواصِّ..
خامِسًا: أنَّ يُدَرِّسَ المُفَسِّرُ حَقائِقَ الإِيمانِ والقُرآنِ مِن خِلالِ سَوقِ دَلائِلَ قَوِيّةٍ، وبَراهِينَ دامِغةٍ بحَيثُ لا يُمكِنُ أن تُجرَحَ أو تُفَنَّد أَبدًا؛ أي: يَجِبُ على المُفسِّرِ أن يَتَّخِذَ لِنَفسِه قاعِدةَ "الإِثباتِ"..
سادِسًا: يَنبَغي لتَفسِيرِه الَّذي يُدَرِّسُه أن يُنيرَ العَقلَ والقَلبَ والرُّوحَ والوِجدانَ معًا، ويَسكُبَ الطُّمَأْنينةَ في كلٍّ مِنها، كما يَجِبُ أن يكُونَ بَلِيغًا وقَوِيًّا ومُؤَثِّرًا إلى دَرَجةٍ بحَيثُ يُمسِكُ بزِمامِ النَّفسِ الأَمّارةِ بالسُّوءِ ويُسَخِّرُها، لا.. بل يُلزِمُ الشَّيطانَ إِلزامًا..
— 971 —
سابِعًا: يَجِبُ أن يُنقِذَ القاِرئَ مِنَ الأَنانيّةِ والغُرُورِ والعُجْبِ وغَيرِها مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمةِ الَّتي تَحُولُ دُونَ إِدراكِ الحَقائقِ، ويُرَسِّخَ بَدَلًا مِنها خِصالًا سامِيةً حَمِيدةً كالتَّواضُعِ والتَّضْحِيةِ وغَيرِهِما..
ثامِنًا: اتِّباعُ السُّنّةِ الشَّرِيفةِ یی ضِمنَ مَذْهَبِ أَهلِ السُّنّةِ والجَماعةِ یی هو الأَساسُ لِلعَلّامةِ الَّذي يقُومُ بالتَّفسِيرِ، فلا بُدَّ أن يكُونَ إذًا عامِلًا بعِلْمِه، عَظِيمَ التَّقوَى، عَظِيمَ الزُّهدِ، عَظِيمَ الإِخلاصِ، عَظِيمَ الثَّباتِ في خِدمةِ الدِّين، عَظِيمَ الصِّدقِ، وعَظِيمَ الوَفاءِ والتَّضحِيةِ، معَ اقتِصادٍ وقَناعةٍ عَظِيمَينِ.
وخُلاصةُ القَولِ: أَن يكُونَ المُفَسِّرُ یی برَسائِلِه القُرآنيّةِ یی أَهْلًا لِنَفَحاتِ الرِّسالةِ الأَحمَدِيّةِ الظّاهِرةِ بالعُبُودِيّةِ الخالِصةِ والتَّقوَى العَظِيمةِ، وأَن يكُونَ أَيضًا بقُوَّتِه القُدسِيّةِ مَظهَرًا لِلَمَعاتِ الوِلايةِ الأَحمَدِيّةِ حتَّى يُصْبِحَ أَهلًا بحَقٍّ لِأَن يُطلَقَ علَيْه صِفةُ: "خادِمِ القُرآنِ".
تاسعًا: على المُفَسِّر وهو يُوَضِّحُ المَسائِلَ القُرآنيّةَ أوِ الشَّرعِيّةَ ألّا يَبقَى تحتَ أَيِّ نَوعٍ مِن أَنواعِ الضَّغطِ أوِ التَّأثيرِ مِن أيِّ جِهةٍ كانَت، فلَيس له أن يُفتِيَ تَحتَ تَأثِيرِ تلك الضُّغُوطِ بفَتوَى، وإنَّما علَيْه أن يَستَهِينَ بالمَوتِ، وأن يَمتَلِكَ قُوّةً وصَلابةً إِيمانيّةً وشَجاعةً إِسلاميّةً بحَيثُ يَتَمكَّنُ وَحْدَه أَن يَتَحَدَّى العالَمَ بأَسرِه دُونَ تَرَدُّدٍ أو إِحجامٍ.
نعم، إِنَّ الَّذي يَنشُرُ رَسائِلَه القُرآنيّةَ في مَرْحَلةٍ عَصِيبةٍ جِدًّا، وأَحكامُ الإِعدامِ تُنَفَّذُ بالجُملةِ، بل تَرمِي إلى إِزالةِ الأَساسات القُرآنِيةِ والشَّرعِيّةِ وإِطفاءِ نُورِها، وتَحظُرُ حتَّى نَشرَ أَيّةِ رِسالةٍ كانَت حَولَ الدِّينِ وقَضاياه.. نعم، إنَّ الَّذي يَكتُبُ ويَنشُرُ رَسائِلَه في مِثلِ هذه الظُّرُوفِ وفي هذه المَرحَلةِ بالذّاتِ لَهُو بحَقٍّ: مُرشِدٌ فَذٌّ، ومُفَسِّرٌ عَظِيمٌ مَرمُوقٌ لِلقُرآنِ، ورائِدٌ مِقدامٌ كامِلٌ لِلإِسلامِ..
وتِلكُمُ الخَصائِصُ والشُّرُوطُ السّالِفةُ تَوَفَّرَت بعَينِها في هذا العَصرِ، في رَسائِلِ النُّورِ ومُؤلِّفِها سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ؛ ويَشهَدُ على ذلك بالِاتِّفاقِ والتَّواتُرِ والإِجماعِ عُلَماءُ
— 972 —
الإِسلامِ الحَقِيقيِّينَ المُتَبحِّرِينَ، وهو كَذلِك أَمرٌ مَعلُومٌ ومُصَدَّقٌ لَدَى أَورُوبّا وأَمرِيكا والأُمّةِ الإِسلامِيّةِ الَّتي شارَفَت على التَّيقُّظِ.
أَصدِقائي.. كُنّا نَبحَثُ عن تَفسِيرٍ قُرآنِيٍّ كهذا.. ونَطلُبُ مُفسِّرًا كهذا.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ: إِنَّ أَهَمَّ قَضِيّةٍ تُواجِهُ الإِنسانَ في عَصرٍ مُرَوِّعٍ كهذا هي الفَوزُ بالإِيمانِ أو خَسارَتُه، لقد بَعَثَتِ الحَربانِ العالَمِيَّتانِ اليَقَظةَ في نُفُوسِ البَشَرِ، فذَكَّرَتاهُم بفَناءِ الحَياةِ الدُّنيا، وحَرَّكَتا فِيهِم مَشاعِرَ الحَياةِ في عالَمٍ أَبدِيٍّ بِسَعادةٍ دائِمةٍ؛ فلِأَجلِ الفَوزِ بقَضِيّةٍ عَظِيمةٍ كَهذِه يَتَوجَّبُ علَيْنا یی بِطَبيعةِ الحالِ یی الدِّقّةُ الشَّدِيدةُ في التَّحَرِّي عن مُحامٍ نُوَكِّلُه (حاشية): إنَّ رسَائلَ النُّور وَكيلُ (مُحامي) قَضيّةٍ كَهذه في هَذا الزَّمان، ويَشهَدُ على ذَلك المَلايينُ مِمَّن أَنقَذُوا إِيمانَهم بها. في زَمَنٍ مُضِلٍّ وخَدّاعٍ كَهذِا.. لِذا سَوفَ نُعَمِّقُ تَدقِيقَنا أَكثَرَ، على النَّحوِ التّالِي:
إِنَّ ما أَلَّفَه فَطاحِلةُ عِلمِ الكَلامِ المُسلِمِينَ وأَئِمّةُ دِينِنا العِظامُ وعَباقِرةُ مُفَسِّرِي القُرآنِ الحَكِيمِ قَبلَ عَصرِنا هذا، لَيُعَدُّ مُؤَلَّفاتٍ قيِّمةً لا تُقَدَّرُ بثَمَنٍ، فهُم شُمُوسُ الإِسلامِ؛ لكِنَّ زَمانَنا هذا مُختَلِفٌ عنِ الزَّمَنِ الَّذي عاشَ فيه أُولَئِك السّادةُ العِظامُ.
كانَتِ الضَّلالةُ قَدِيمًا ناجِمةً عن الجَهلِ، لِذا كانَ مِنَ اليَسِيرِ إِزالَتُها؛ أَمّا في زَمانِنا هذا فالضَّلالةُ یی أي: الهُجُومُ على القُرآنِ والإِسلامِ والإِيمانِ یی آتِيةٌ مِنَ العِلمِ والفَلسَفةِ، فإِزالةُ هكذا ضَلالةٍ صَعبٌ عَسِيرٌ، وقد كانَ هذا القِسمُ الأَخِيرُ نادِرًا فيما مَضَى، ورُبَّما لا تَجِدُ مِنَ الأَلفِ إِلَّا واحِدًا يَضِلُّ بالعِلمِ؛ وإِذا ما وُجِدَ ضالُّونَ مِن هذا النَّوعِ فإِنَّ واحِدًا بالأَلفِ مِنهُم يَعُودُ إلى جادّةِ الصَّوابِ، ذلك لِأَنَّ أَمثالَ هَؤُلاءِ جاهِلُونَ ويَحسَبُونَ أَنَّهُم يَعلَمُونَ.
وتَعلَمُونَ جَيِّدًا أَنَّ العُلُومَ المُثبَتةَ "الإِيجابِيّةَ" في القُرُونِ السّالِفةِ ما كانَت على رُقيٍّ كافٍ كما في القَرنِ العِشرِينَ؛ لِذا فإِنَّ استِئْصالَ جُذُورِ الإِلحادِ والمادِّيّةِ المُنتَشِرَينِ في العالَمِ في هذا العَصرِ، وإِظهارَ طَرِيقِ الحَقِّ والحَقِيقةِ، والأَخذَ بِيَدِ البَشَرِيّةِ إلى الصِّراطِ المُستَقِيمِ، وإِنقاذَ إِيمانِهِم، لا تكُونُ إِلّا باكتِشافِ وَجهِ القُرآنِ الحَكِيمِ المُتَوجِّهِ إلى هذا العَصرِ، وتَفسِيرِه على النَّحوِ الَّذي يَستَفِيدُ مِنه الجَمِيعُ.
— 973 —
لَقَد وَجَدَ بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ في القُرآنِ الكَرِيمِ الحَقائِقَ الَّتي يَحتاجُها هذا العَصرُ، ونَجَح مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ في تَفسِيرِها وإِيضاحِها على النَّحوِ الَّذي يُمكِنُ أن يَستَفِيدَ مِنه الجَمِيعُ بحَسَبِ قابِليَّتِه.
لِذا تَمَّ التَّوَصُّلُ إلى قَناعةٍ أنَّ هذه الرَّسائِلَ عِبارةٌ عن مُؤَلَّفاتٍ لم يُوجَد لها نَظِيرٌ.
ولِأَجلِ هذه المَزِيّةِ المَوجُودةِ في رَسائِلِ النُّورِ، فإِنَّ مَلايِينَ المَحظُوظِينَ مِن بَينِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ المُبارَكةِ قدِ اختارُوا رَسائِلَ النُّورِ، وشَعَرُوا بحاجَتِهِمُ الماسّةِ إلَيْها، وقَرَؤُوها بشَوقٍ ولَهْفةٍ رَغمَ الظُّلمِ والِاضطِهادِ الواقِعِ مُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ عامًا.
ولِأَنَّ رَسائِلَ النُّورِ قد كُتِبَت في زَمَنِ الحاجةِ، فقدِ اتَّسَعَ نِطاقُها بسَعَةِ تُركِيّا والعالَمِ الإِسلامِيِّ، وأَظهَرَت لِلعِيانِ أنَّ لها مَزايا تَخُصُّ العالَمَ بِأَسْرِه.
إِخواني الأَعِزّاءَ.. عِندَما كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ في إِسطَنبُولَ قَبلَ أَربَعِينَ عامًا، أَحدَثَ ضَجّةً إِعلامِيّةً قائِلًا: "لِيَسْأَلْ مَن يَشاءُ، ما يُرِيدُ"، وعلى إِثرِ ذلك تَوَجَّه مَشاهِيرُ عُلَماء وعَلّاماتِ زَمانِه على هَيْئةِ مَجمُوعاتٍ إلى مَكانِ إِقامَتِه، ووَجَّهُوا له أَسئِلةً صَعْبةً ومُعَقَّدةً حَولَ عُلُومٍ ومَواضِيعَ مُختَلِفةٍ، فأَجابَهُم بَدِيعُ الزَّمانِ دُونَ أَيِّ تَرَدُّدٍ أو تَوَقُّفٍ.
إِنَّ إِحداثَ زَوْبَعةٍ إِعلامِيّةٍ دُونَ رَسْمِ حَدٍّ أو تَحدِيدِ حُدُودٍ لها، ودُونَ وَضْعِ قُيُودٍ لِلأَسئِلةِ كی: (لِيَسْأَلْ مَن يَشاءُ، في هذا العِلمِ المُحَدَّدِ، أو: في ذاك المَوضُوعِ المُعَيَّنِ)؛ والنَّجاحَ في هذا الأَمرِ في نِهايةِ المَطافِ، يَدُلُّ على أنَّه لا ولم يُوجَدُ یی إلى يَومِنا هذا، وعلى مَدَى تارِيخِ البَشَرِيّةِ یی عَبقَرِيُّ إِسلامٍ كهذا، يَملِكُ هذا القَدْرَ مِنَ العِلمِ المُحِيطِ الشّامِلِ (بِاستِثناءِ عَصرِ السَّعادةِ).
ووافَقَ وُجُودَه في إِسطَنبُولَ قُدُومُ أَحَدِ أَبرَزِ عُلَماءِ الأَزهَرِ إلَيْها في جَوْلةٍ له، وهُو الشَّيخُ "بَخِيتٌ المُطِيعِيُّ"، فطَلَب مِنه بَعضُ العُلَماءِ الَّذِينَ غُلِبُوا في المُناظَرةِ أن يُناظِرَ هذا الشَّابَّ القادِمَ مِن أَقاصِي جِبالِ "كُرْدِسْتانَ"، فأَجابَهُمُ الشَّيخُ إلى ما طَلَبُوه، وراحَ يَتَحيَّنُ الفُرصةَ إلى أَن سَنَحَتْ ذاتَ يَومٍ حِينَ انصَرَف الجَمِيعُ مِنَ الصَّلاةِ بمَسجِدِ "أَيا
— 974 —
صُوفْيا"، وجَلَسُوا في إِحدَى صالاتِ الشّايِ، فأَقبَلَ الشَّيخُ "بَخِيتٌ" نَحوَ بَدِيعِ الزَّمانِ بحَضْرةِ جَمْهَرةٍ مِنَ العُلَماءِ وسَأَلَه: ما تَقُولُ في حَقِّ الأَورُوبَّائيَّةِ والعُثْمانيّةِ؟
ولم يَكُن مُرادُ الشَّيخِ مِن هذا السُّؤالِ أن يَختَبِرَ عِلمَ النُّورْسِيِّ الزّاخِرَ ولا ذَكاءَه الوَقَّادَ، وإِنَّما أَرادَ الوُقُوفَ على مِقدارِ مَعرِفَتِه بشُؤُونِ العالَمِ السِّياسِيّةِ، ومَدَى استِشرافِه لِلمُستَقبَلِ.
فأَجابَه النُّورْسِيُّ قائِلًا: "إِنَّ أَورُوبّا حامِلةٌ بالإِسلامِيّةِ، فستَلِدُ يَومًا ما؛ وإِنَّ العُثْمانيّةَ حامِلةٌ بالأَورُبّائيّةِ، فستَلِدُ يَومًا ما".
فقال الشَّيخُ "بَخِيتٌ": إِنَّ هذا الشّابَّ لا يُناظَرُ، فإِنِّي أُوافِقُه الرَّأْيَ، إِلّا أنَّ التَّعبِيرَ بمِثل هذه البَلاغةِ والإِيجازِ لا يَكُونُ إِلّا مِن "بَدِيعِ الزَّمانِ".. ولَقَد تَحَقَّق كِلا الأَمرَينِ اللَّذَيْنِ أَخبَر عَنهُما بَدِيعُ الزَّمانِ فِعلًا كما قال، فمِمّا يُصَدِّقُ هذا الخَبَرَ أنَّه بَعدَ سَنةٍ أو سَنَتَينِ مِن إِعلانِ المَشرُوطِيّةِ، أُخِذَ الكَثِيرُ مِنَ العاداتِ الأَجنَبِيّةِ المُخالِفةِ لِلشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ، وفُرِضَتْ شَيئًا فشَيئًا في تُركِيّا، بَينَما يُشاهَدُ اليَومَ حُسنُ القَبُولِ لِلقُرآنِ والإِسلامِ في أَورُوبّا؛ وخاصّةً معَ وُجُودِ وَقائِعَ تُنبِئُ عن رَغبةِ الشَّعبِ الأَلمانِيِّ المَحظُوظِ في دُخُولِ الإِسلامِ أَفواجًا أَفواجًا.
لَقَد تَوَصَّل عُلَماءُ الإِسلامِ الأَجِلّاءُ والشُّيوخُ الكِرامُ الفُضَلاءُ، بَعدَ تَجارِبَ واختِباراتٍ عِدّةٍ، إلى القَناعةِ التّاليةِ: "كُلُّ ما يَتَحدَّثُ به بَدِيعُ الزَّمانِ هو حَقِيقةٌ، ومُؤَلَّفاتُه سُنُوحاتٌ قَلبِيّةٌ نالَت تَقدِيرَ واستِحسانَ جُمهُورِ العُلَماءِ".
فأَهلُ العِلمِ وأَربابُ التَّصَوُّفِ ورُوّادُ المَدارِسِ والجامِعاتِ يَستَفِيدُونَ ويَنهَلُونَ الفَيضَ مِن مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ.. أَجَل، لَقَد ظَهَر لِلقاصِي والدّانِي أنَّه نَجَح وأَفلَح في مُقتَبَلِ شَبابِه في إِلزامِ عُلَماءَ أَجِلّاءَ ومُرشِدِينَ عِظامٍ في جَمِيعِ مُناظَراتِه، وفي شَتَّى العُلُومِ، حتَّى العُلُومِ الحَدِيثةِ مِنها، وبزَخَمٍ إِعلامِيٍّ فَرِيدٍ؛ وهُو رَجُلٌ شِبهُ أُمِّيٍّ لَدَيه مِنَ التَّحصِيلِ العِلمِيِّ ثَلاثةُ أَشهُرٍ فَقَط، ولم يَنشَغِل مُنذُ أَربَعِينَ عامًا بكِتابٍ سِوَى القُرآنِ الكَرِيمِ، ويَشهَدُ كُتّابُه الَّذِينَ ما زالُوا على قَيدِ الحَياةِ اليَومَ أنَّه لم يُراجِع كِتابًا خِلالَ
— 975 —
تَألِيفِ كُتُبِه وهِي (١٣٠) كِتابًا بالتُّركِيّةِ و(١٥) بالعَرَبِيّةِ، ولم تَكُن لَدَيه مَكتَبةٌ أَصلًا، وصَدَّق المَسائِلَ المُتَّفِقةَ وصَحَّحَ الخِلافِيّةَ مِنها، وأَقرَّ العُلَماءُ بحَقِّه قائِلِينَ: "لَيسَ ثَمّةَ سُؤالٌ إِلّا وله جَوابٌ عِندَ بَدِيعِ الزَّمانِ"، وواجَهَ اعتِراضاتِ بَعضِ الحاقِدِينَ مِنَ الفَلاسِفةِ الأَورُبِّيِّينَ على المُتَشابِهاتِ مِنَ الآياتِ الكَرِيمةِ والأَحادِيثِ الشَّرِيفةِ، مُثبِتًا مِن خِلالِ مُؤَلَّفاتِه بأَنَّ هذه الآياتِ والأَحادِيثَ هي مُعجِزاتٌ بحَدِّ ذاتِها؛ فقَضَى بهذا على تلك الِاعتِراضاتِ مِن جُذُورِها، وأَنقَذَ كَذلِك بَعضَ أَهلِ العِلمِ الَّذِينَ تَوَلَّدَت في نُفُوسِهِمُ الشُّبُهاتُ، وأَفشَلَ جَمِيعَ أَشكالِ الهَجَماتِ الَّتي شُنَّت على الإِسلامِ.
أَمامَ ذلك كُلِّه: لا شَكَّ أنَّ مُؤَلِّفًا كسَعِيدٍ النُّورْسِيِّ مُفَسِّرُ قُرآنٍ عَبقَرِيٌّ، وأنَّ عِلمَه هِبةٌ إلٰهِيّةٌ، ومُؤَلَّفاتِه المَوسُومةَ بی"رَسائِلِ النُّورِ" مُؤَلَّفاتٌ قَيِّمةٌ تَستَحِقُّ القِراءةَ مَدَى الحَياةِ.
إِخوانِي النُّجَباءَ.. ونَحنُ إِذ نَختارُ مُؤَلَّفًا سيُحَقِّقُ لنا الأَمنَ والأَمانَ، وسيُنقِذُ حَياتَنا وحَياةَ العالَمِ الإِسلامِيِّ الأَبدِيّةَ، وسيُنوِّرُنا ويُرشِدُنا ويَحفَظُنا مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ الضَّلالةِ؛ فمِنَ الضَّرُورِيِّ جِدًّا أَن نَكُونَ في غايةِ الدِّقّةِ والحَذَرِ، فإِنَّهُم يَسْعَونَ في هذا الزمان خُفْيةً، وبخُدَعٍ وأَلاعِيبَ شَتَّى، لِإِبعادِ شَبابِ المُسلِمِينَ عن جادّةِ الصَّوابِ.
وثَمّةَ قاعِدةٌ أَساسِيّةٌ يَجِبُ أَخذُها بِعَينِ الِاعتِبارِ لَدَى قِراءةِ أَيِّ كِتابٍ أوِ الِاستِماعِ إِلَيْه، وهِي: «مَن قَالَ؟ وَلِمَن قَالَ؟ ولِمَ قَالَ؟ وفِيمَ قَالَ؟» ، أَجَل، إِنَّ مَصدَرَ قُوّةِ الحَدِيثِ وسُمُوِّ مكانته ومُستَوَى حُسْنِه إِنَّما تُقاسُ بالأُمُورِ الأَربَعةِ التّالِيةِ: المُتَكَلِّمُ، المُخاطَبُ، المَقصَدُ، المَقامُ.. وإِلّا فلَيسَ مِنَ الصَّوابِ قِراءةُ أَيِّ كِتابٍ يَقَعُ في اليَدِ، أوِ إِلقاءُ السَّمْعِ إِلى كلِّ ما يُحكَى مِن كَلامٍ؛ فمَثلًا: ما الفارِقُ بَينَ الأَمرِ: (تَحَرَّكْ) الَّذي يُعطِيه القائِدُ لِلجَيشِ، وبَينَ الأَمرِ نَفسِه حِينَ يَصدُرُ مِن جُندِيٍّ بَسِيطٍ؟ فالأَوَّلُ يُحَرِّكُ جَيشًا جَرّارًا، أَمّا الثّاني فرُبَّما لا يُمكِنُه أن يُحَرِّك جُندِيًّا واحِدًا فَقَط.
فمِن أَجْلِ هذه الأَساساتِ الأَربَعةِ؛ وبِناءً على الِاهتِمامِ البالِغِ مِن مِئاتِ الآلافِ یی مِمَّن يَحمِلُون حُبًّا كَبِيرًا لِسَعِيدٍ النُّورْسِيَّ في قُلُوبِهِم یی بأَصغَرِ حالٍ مِن أَحوالِ أُستاذِهِم،
— 976 —
ورَغبَتِهِم بتَعَرُّفِ هذه الأَحوالِ واتِّباعِها وتَطبِيقِها؛ فقد طَلَب مِنّا بَعضُ إِخوانِنا هاهنا تَوفِيرَ مَعلُوماتٍ عن حَياةِ أُستاذِنا ومُؤَلَّفاتِه ومَسلَكِه ومَشرَبِه.
لكِن لَيسَ بإِمكانِي استِيفاءُ الحَدِيثِ عنِ سائرِ الجَوانِبِ المُتَعلِّقةِ بحَياةِ شَخْصِيّةٍ كَبِيرةٍ كبَدِيعِ الزَّمانِ ومُؤَلَّفاتِه وسَجاياه، وقدِ اعتَرَف بهذه الحَقِيقةِ أَيضًا الأُدَباءُ مِن أَهلِ العِلمِ وذَوِي البَصِيرةِ، فهذا الأَمرُ فَوقَ طاقَتِنا بكَثِيرٍ! غيرَ أَنِّي أُوصِي إِخوانِي الرّاغِبِينَ بالحُصُولِ على المَعلُوماتِ الخاصّةِ بِبَدِيع الزَّمانِ أن يُطالِعُوا "كُلِّيّاتِ رَسائِل النُّورِ" بدِقّةٍ وتَمَعُّنٍ ودَوامٍ، فبِغَيرِ هذه الوَسِيلةِ لن يَتَمكَّنُوا مِنَ الوُصُولِ إلى مِثلِ هذه المَعلُوماتِ.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ: إِنَّ الشَّخصِيّةَ المَعنَوِيّةَ لِرَسائِلِ النُّورِ مَظهَرُ عِنايةٍ ورِعايةٍ، ومَحَلُّ كَفاءةِ واقتِدارٍ على تَحرِيرِ هذا الوَطَنِ المُبارَكِ وشَعبِه وجَمِيعِ العالَمِ الإِسلامِيِّ، وتَوفِيرِ السَّعادةِ الأَبدِيّةِ لَهُم، وبالتّالي إِحلالِ السَّلامِ العادِلِ والشّامِلِ على وَجْهِ المَعمُورةِ؛ ولَقدِ اجتَمَع وامتَزَج في هذه الشَّخصِيّةِ القُوَى المَتِينةُ التّاليةُ:
الحَقِيقةُ الإِسلامِيّةُ، وهِي قُوّةٌ عَظِيمةٌ، وأُستاذةُ جَمِيعِ الكَمالاتِ..
الشَّهامةُ الإِيمانيّةُ، أي: عَدَمُ التَّذَلُّلِ لِلآخَرِينَ، وعَدَمُ التَّسَلُّطِ والتَّكَبُّرِ على المَساكِينِ..
العِزّةُ الإِسلامِيّةُ، وهِي أَهَمُّ عَوامِلِ السُّمُوِّ والعِزّةِ والشَّرَفِ والرُّقيِّ الَّتي مَنَحَها الإِسلامُ لِلإِنسانِ..
أَصدِقائي.. وَرَد في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ما مَعناه: "العُلَماءُ الحَقُّ هُم مَن يَصْدَعُونَ بالحَقِّ والحَقِيقةِ في وَجْهِ الحُكَّامِ الظّلَمةِ دُونَ خَوفٍ أو وَجَلٍ"، ونَحنُ لا يَسَعُنا إِلّا الوُثُوقُ والِاعتِمادُ على كَلامِ وكُتُبِ عالِمٍ تَقِيٍّ نَقِيٍّ كهذا.
وإِنَّ مِصْداقَ هذا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ في عَصْرِنا يَتَحقَّقُ في "رَسائِلِ النُّورِ" بمُؤَلَّفاتِها ووَقائِعِ حَياتِها یی وهِي في مُتَناوَلِ الجَمِيعِ یی وفي شَخصِ مُؤَلِّفِها بَدِيعِ الزَّمانِ، ذاك المُجاهدِ المُتَّبِعِ لِسُنّةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتَمامِها في جِهادِه الدِّينيِّ وفي عُبُودِيَّتِه وخِدمَتِه لِلقُرآنِ.
— 977 —
لَقَد صَلَّى الرَّسُولُ الأَكرَمُ (ص) صَلاةَ الجَماعةِ بالصَّحْبِ الكِرامِ مُتَناوِبِينَ في أَعظَمِ حادِثةٍ سِياسِيّةٍ في العالَمِ: "غَزْوةِ بَدْرٍ"؛ ما يَعنِي أنَّه فَضَّل صَلاةَ الجَماعةِ یی وهِي عَمَلٌ صالِحٌ غَيرُ واجِبٍ، ويُشرَعُ تَركُه في الحَربِ خاصّةً یی على أَعظَمِ حادِثةٍ سِياسِيّةٍ في العالَمِ، وعَدَّه أَسمَى مِنها، ولم يُفَوِّتْ أَجْرًا يَسِيرًا حتَّى في أَهوالِ جَبَهاتِ الحَربِ.
وكَذلِك بَدِيعُ الزَّمانِ حِينَ شارَك في الحَربِ الرُّوسِيّةِ كقائِدٍ لِفِرقةِ المُتَطوِّعِينَ، فعَلَى جَبَهاتِ القِتالِ وعلى خَطِّ النَّارِ ألَّف تَفسِيرَه الشَّهِيرَ بی"إِشاراتُ الإِعجازِ" الَّذي يُفسِّرُ جُزءًا مِنَ القُرآنِ؛ ولَقَد حَظِي هذا المُؤَلَّفُ بتَقدِيرِ عُلَماءَ أَجِلّاءَ في العالَمِ الإِسلامِيِّ وتَلَقَّوْه أَحسَنَ قَبُولٍ، واعتَرَفُوا بعَجْزِهِم عن إِدراكِ مَعانِيه، وأَنَّهُم لم يَرَوْا نَظِيرًا له مِن قَبلُ؛ وقد بيَّن هذا التَّفسِيرُ أَدَقَّ نِكاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ وأَعمَقَ مَسائِلِه، ولَفَت الأَنظارَ إلى إِعجازِه الفَرِيدِ وفَصاحَتِه وبَلاغَتِه السّامِيةِ الخارِقةِ، حتَّى إِنَّ مَدافِعَ الأَعداءِ وأَسلِحَتَهُم على خَطِّ التَّماسِ لم تَتَمكَّن مِن تَحوِيلِ نَظَرِ الأُستاذِ عن بَيانِ نُكتةِ أَحَدِ الحُرُوفِ، ولم تَستَطِع مُجرَياتُ الحَربِ وأَهوالُها صَرْفَه عن ذلك.
وفي الحِقْبةِ السَّوداءِ المُظلِمةِ الَّتي مُنِعَ فيها الأَذانُ المُحَمَّدِيُّ، وفُرِضَتِ البِدَعُ المُحدَثةُ على الجَمِيعِ بالإِكراهِ، لم يُرَدِّد أَحَدٌ مِن طُلّابِ النُّورِ ذلك الأَذانَ المُزَيَّفَ، وحافَظُوا على أَنفُسِهِم ببَسالةٍ في مُواجَهةِ البِدَعِ ولم يَخُوضُوا فِيها.
وتَحتَ تَضيِيقِ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ وشَدِيدِ مُراقَبتِهِم، ألَّف بَدِيعُ الزَّمانِ (١٣٠) كِتابًا إِيمانِيًّا، ونَشَرَها خُفْيةً في عُمُومِ النَّواحِي الَّتي نُفي إِلَيْها، وذلك في الحِقْبةِ الحالِكةِ الَّتي حاوَلُوا فيها القَضاءَ على الإِيمانِ والإِسلامِ، في حِينِ لم يَتَمكَّن عالِمٌ واحِدٌ مِن نَشرِ كِتابٍ دِينيٍّ واحِدٍ فقط وبالخَفاءِ.
وفَضْلًا عن ذلك كانَ يَنامُ قَلِيلًا مِن اللَّيلِ، ثمَّ يَقُومُ بَعدَها يَدعُو اللهَ تَعالَى ويَتَضرَّعُ، ويَلتَجِئُ إلى الحَضْرةِ الإلٰهِيّةِ لِأَجلِ صَلاحِ ونَجاةِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ الَّتي تَئِنُّ تَحتَ وَطَیآتِ الأَسْرِ والهَيْمَنةِ.
أَجَل؛ لَقدِ اقْتَدَى الأُستاذُ بسُنّةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ علَيْه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتَمامِها.
— 978 —
وإِنَّ حالَه هذه لَتُعَدُّ نَمُوذجًا وقُدْوةً لِمُجاهِدِي الإِسلامِ ولِجَمِيعِ المُسلِمِينَ، إذ جَمَع في عَمَلِه بَينَ الجِهادِ والمُجاهَدةِ المُتَمثِّلةِ في التَّعبُّدِ والتَّقوَى، فلَيسَ هو يَنهَضُ بواحِدٍ مِنهُما ويُهمِلُ الآخَرَ؛ ولم يَثْنِه عن مُتابَعةِ الكِتابةِ والتَّألِيفِ الزَّجُّ به في السُّجُونِ وَفْقَ مُخَطَّطاتِ أَعداءِ الدِّينِ الطُّغاةِ الظّالِمِينَ، وتَرْكُه وَحِيدًا في غُرْفةٍ بارِدةٍ، ورُزُوحُه تَحتَ وَطْأةِ البَردِ القارِسِ يُقاسِي أَعباءَ الشَّيخُوخةِ ويُعاني الأَمراضَ الشَّدِيدةَ.
يقُولُ الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ رَضِيَ الله عَنهُ: "لو يَكبَرُ جَسَدِي في جَهَنَّمَ حتَّى لا يُبقِي مَوْضِعًا لِأَهلِ الإِيمانِ!"، ويقُولُ بَدِيعُ الزَّمانِ مُقتَبِسًا مِن نَفَحاتِ هذه السَّجِيّةِ السّامِيةِ: "إِنَّني على استِعدادٍ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ حتَّى أُنقِذَ حَياةَ بِضْعةِ أَشخاصٍ"، وتَشهَدُ حَياتُه البالِغةُ ثَمانِينَ عامًا أنَّه ارْتَقَى إلى أَوْجِ مَراتِبِ التَّضحِيةِ، وأنَّه خادِمٌ فِدائيٌّ مُخلِصٌ لِلقُرآنِ والإِسلامِ.
وإِنَّ ما أَظهَرَه مِن أَعلَى دَرَجاتِ الصَّبْرِ والتَّجَلُّدِ والتَّحَمُّلِ أَمامَ كلِّ ما تَعَرَّضَ له مِن ظُلمٍ شَدِيدٍ واضْطِهادٍ مُجْحِفٍ، وإِزاءَ ما عاناه مِن مَصائِبَ وبَلايا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، لَهُو شاهِدٌ مُصَدَّقٌ على أنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ قد ضَحَّى بِجاهِه ومَكانَتِه، وبَذَلَ رُوحَه ونَفسَه وحَياتَه في سَبِيلِ القُرآنِ والإِيمانِ.
لَقَد تَخَلَّى بَدِيعُ الزَّمانِ عن راحَتِه الدُّنيَوِيّةِ في سَبِيلِ خِدْمةِ القُرآنِ والإِيمانِ والإِسلامِ، ولم يُؤْثِرْ نَفسَه بأَيِّ مَتاعٍ دُنيَوِيٍّ أو شَخْصِيٍّ، وأَمْضَى حَياتَه في الزُّهدِ والتَّقوَى والرِّياضةِ والقَناعةِ والِاقتِصادِ، وما زالَ يَعِيشُ على هذا النَّهْجِ برُسُوخٍ وثَباتٍ.
وأَصرَحُ مِثالٍ على هذا أنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ جَرَّدَ نَفسَه عن مَلاذِّ الدُّنيا، وبَقِيَ أَعزَبَ لِأَجلِ أن يُفرِّغَ كلَّ دَقِيقةٍ مِن دَقائِقِ عُمُرِه لِخِدْمةِ الإِيمانِ بإِخلاصٍ تامٍّ، وحِرصًا على سَعادةِ المُسلِمِينَ ورَفاهِيَّتِهم.. أَجَل، لَقَد قَدَّم بَدِيعُ الزَّمانِ كُلَّ هذه التَّضحِياتِ لِأَجلِ الإِيمانِ والإِسلامِ لا غَيرُ، إِضافةً إلى نَذْرِه نَفْسَه فِدّائِيَّ إِسلامٍ تارِيخِيًّا فَرِيدًا في العُبُودِيّةِ والزُّهدِ والتَّقوَى، والسُّمُوِّ إلى مَرتَبةِ الخادِمِ المُخلِصِ لِلقُرآنِ الحَكِيمِ.
وفِيما يَخُصُّ قَضِيّةَ رَسائِلِ النُّورِ: كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ صاحِبَ طُمَأْنينةٍ وصِدقٍ ووَفاءٍ، وثَباتٍ ورُسُوخٍ، وعلى جانِبٍ عَظِيمٍ جِدًّا مِنَ الإِخلاصِ، فلم يَثْنِ عَزْمَه قِيدَ أَنمُلةٍ جَمِيعُ
— 979 —
ما قامَ به أَعداءُ الإِسلامِ مِن ظُلمٍ شَدِيدٍ واستِبدادٍ وتَعَسُّفٍ وهَجَماتٍ وتَضيِيقاتٍ مُتَوالِيةٍ، ولم يُبدِ أَدنَى تَرَدُّدٍ في المُثابَرةِ على قَضِيَّتِه إِزاءَ ما عاناه مِن فَقرٍ وقِلّةٍ وفاقةٍ.
لَقَد تَعَمَّق سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ في عُلُومِ الفَلْسَفةِ في عَهدِ شَبابِه الَّذي أَطلَقَ علَيْه اسمَ: "عَهدِ سَعِيدٍ القَدِيمِ"، وبِبَركةِ فُيُوضاتِ القُرآنِ الحَكِيمِ فاقَ في مَيدانِ الفَلْسَفةِ والحِكْمةِ فَلاسِفةَ الغَربِ الحَقِيقِيِّينَ أَمثالَ سُقراطَ وأَفلاطُونَ وأَرِسطُو، وسَبَق بأَشواطٍ عَباقِرةَ حُكَماءِ الشَّرقِ أَمثالَ ابنِ سِينا وابنِ رُشدٍ والفارابِيِّ، وأَعلَن أنْ لَيسَ ثَمّةَ مُنقِذٌ ومُرشِدٌ حَقِيقيٌّ سِوَى القُرآنِ، وأَثبَت ذلك في مُؤَلَّفاتِه المَوسُومةِ برَسائِلِ النُّورِ؛ ومَن كانَ في نَفسِه أَيُّ شَكٍّ أو رِيبةٍ حَولَ هذه الحَقائِقِ، فبِإمكانِه أن يُزِيلَ هذه الشُّبُهاتِ والشُّكُوكَ بنَفسِه قَبلَ رَحِيلِ الأُستاذِ إلى عالَمِ الآخِرةِ.
لَقَدِ اختارَ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ لِنَفسِه مَسلَكَ خِدْمةِ القُرآنِ والإِيمانِ، ولم يَبتَغِ مِن وَراءِ ذلك أيّةَ مَنافِعَ مادِّيّةٍ أو مَعنَوِيّةٍ، وأَدَّى خِدْمَتَه إِرضاءً لِلحَقِّ سُبحانَه وَحْدَه، ولم تكُنْ غايَتُه ومَقصَدُه المَقاماتِ المَعنَوِيّةَ كالصَّلاحِ والوِلايةِ أيضًا.. ولَقَد رَدَّ بَدِيعُ الزَّمانِ بشِدّةٍ جَمِيعَ المَراتِبِ العُلْيا الَّتي مَنَحَه إِيّاها أَهلُ العِلمِ ذَوُو البَصِيرةِ كی: "المُنقِذِ الدِّينيِّ والسِّياسِيِّ الَّذي يَنتَظِرُه جَمِيعُ المُسلِمِينَ"، وعَدَّ نَفسَه خادِمًا لِلقُرآنِ وطالِبًا مِن طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ لا أَكثَرَ.
قَبلَ بِضْعةِ أَيّامٍ قُمتُ برُفْقةِ أَصحابٍ لي یی هُم بَينَنا الآنَ یی بزِيارةِ عالِمٍ جَلِيلٍ مُوَقَّرٍ أَمضَى خَمْسًا وعِشرِينَ سَنةً في الخِدْمةِ بوِزارةِ الدِّفاعِ، فتَحَدَّث لنا عن بَدِيعِ الزَّمانِ قائِلًا: "لِأَجلِ مَعرِفةِ شَخصِيّةِ بَدِيعِ الزَّمانِ تَكفِي فقط مُلازَمةُ قِراءةِ كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ بدِقّةٍ وتَمَعُّنٍ؛ وأَذكُرُ لَكُم مِثالًا فحَسْبُ عن قُدْرَتِه القِيادِيّةِ والإِدارِيّةِ: لَدَى بَدِيعِ الزَّمانِ والشَّخصِ المَعنَوِيِّ لِرَسائِلِ النُّورِ مِنَ الكَفاءةِ والقُدْرةِ ما يكفِي لا لِإِدارةِ دَوْلةٍ واحِدةٍ فقط، بل لو سُلِّمَت لَهُ إِدارةُ جَمِيعِ أُمَمِ الأَرضِ لَوَجَدتَهُ قادِرًا على إِدارَتِها بسَلامٍ وسَعادةٍ". أَجَل، إِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ نادِرةٌ مِن نَوادِرِ الخِلْقةِ، إِلّا أنَّه مَنَع نَفسَه وطُلّابَه مِنَ الخَوضِ في السِّياسةِ مُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً، ولم يَنشَغِل بالأُمُورِ الدُّنيَوِيّةِ.
— 980 —
وأَثناءَ تَأْلِيفِه رَسائِلَ النُّورِ وقِيامِه بخِدمةِ القُرآنِ، كان بَدِيعُ الزَّمانِ على غايةٍ مِنَ الذَّكاءِ والفِطْنةِ، والتَّعقُّلِ والمَنطِق، وتَمامِ حُضُورِ الذِّهنِ والمُخيِّلةِ والقَرِيحةِ، وفي قِمّةِ التَّأمُّلِ والفِراسةِ، وبالِغِ الإِحساسِ والإِحاطةِ، معَ سُرعةِ العَرضِ والتَّنقُّلِ بحَواسَّ رُوحِيّةٍ وقَلبِيّةٍ ووِجْدانيّةٍ لَيسَ لها نَظِيرٌ، ومَشاعِرَ ولَطائِفَ مَعنَوِيّةٍ لا مَثِيلَ لها، مِمّا يُؤهِّلُه باقتِدارٍ لِلنُّهُوضِ بمُهِمّةِ خِدْمةِ القُرآنِ، ويَدُلُّ صَراحةً أَنَّ ذلك لم يَكُن بمَحْضِ إِرادَتِه ورِضاه، بل هو تَوفِيقٌ واجتِباءٌ مِن جانِبِ العِنايةِ الإلٰهِيّةِ؛ ويُصَادِقُ على هذا الأَمرِ أَهلُ العِلمِ وأَهلُ القَلبِ ذَوُو البَصِيرةِ وتَرتَضِيه نُفُوسُهُم.
نَشَر المَرحُومُ "عَبدُ العَزِيزِ چاوِيش" یی أَحَدُ عُلَماءِ مِصرَ الأَفاضِلِ یی مَقالةً في مِصْرَ، وَصَف فيها بَدِيعَ الزَّمانِ بأَنَّه فَطِينُ العَصرِ وصاحِبُ ذَكاءٍ وَقَّادٍ.
كما اهتَمَّ العالِمُ الجَلِيلُ شَيخُ الإِسلامِ "مُصطَفَى صَبْرِي" بأَمرِ رَسائِلِ النُّورِ في مِصرَ، وأَنزَل الكُلِّيّاتِ مَكانةً مَرمُوقةً ضِمنَ جامِعةِ الجامِعِ الأَزهَرِ.
إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ سَيفٌ مِن سُيُوفِ الإِسلامِ الأَلماسِيّةِ الحادّةِ، بدَلِيلِ تَبلِيغِ بَدِيعِ الزَّمانِ قَولَ الحَقِيقةِ لِقِياداتٍ جائِرةٍ ورُؤَساءَ ظَلَمةٍ دُونَ خَوفٍ أو وَجَلٍ، ومُواجَهَتِه لِقُوَى الإِلحادِ المُنتَشِرةِ في العالَمِ بنَشرِ الحَقائِقِ القُرآنيّةِ والإِيمانيّةِ مُستَهِينًا بالمَوتِ، ومُضَحِّيًا بنَفسِه في أَشَدِّ حِقَبِ الِاستِبدادِ، ونُهُوضِه لِخِدْمةِ هذه الحَقِيقةِ السّامِيةِ مِن صَمِيمِ قَلبِه.
وفي لائِحةِ ادِّعائِه يقُولُ عنه أَحَدُ المُدَّعِينَ العامِّينَ: "يَستَمِرُّ بَدِيعُ الزَّمانِ في النَّشاطِ الدِّينيِّ بكُلِّ طاقَتِه الَّتي تَزدادُ كُلَّما تَقَدَّم به العُمُرُ!"، كما وَرَد في تَقرِيرِ لَجْنةِ خُبَراءِ مَحكَمةِ دَنِزْلِي: "لَقَد تَمَّ التَّوصُّلُ إلى القَناعةِ التّالِيةِ: أَجَل، لَدَى بَدِيعِ الزَّمانِ طاقةٌ، لكِنَّه لم يُوَجِّهْها لِتَأْسِيسِ طَرِيقةٍ أو تَنظِيمٍ، بل صَرَفَها في بَيانِ حَقائِقِ القُرآنِ وخِدْمةِ الدِّينِ".
وفي أَثناءِ مُناقَشةِ القَوانِينِ غَيرِ الدِّيمُقْراطِيّةِ في بَعضِ اجتِماعاتِ مَجلِسِ الشَّعبِ يقُولُ عنه أَحَدُ وُزَراءِ الحُكُوماتِ السّابِقةِ المُعادِيةِ لِلدِّينِ: "لم نَستَطِعْ على مَدَى خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً وَقْفَ النَّشاطِ الدِّينيِّ لِبَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ".
— 981 —
ونَحنُ نقُولُ أَيضًا: أَجَل، إنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ شَخصِيّةٌ ذاتُ نَشاطٍ وحَيَوِيّةٍ لا مَثِيلَ لهُما، ويُقِرُّ مُعارِضُو بَدِيعِ الزَّمانِ المُعادُونَ لِلدِّينِ یی بل يُصادِقُونَ قَلْبًا یی بأَنَّه شَخصِيّةٌ عَظِيمةٌ.
وحِينَما يُكرِمُ بَدِيعُ الزَّمانِ أَحَدَ طُلّابِه في بَعضِ الأَحيانِ بقِراءةِ شَيءٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ يقُولُ: "هذا الدَّرْسُ يَلزَمُنِي، وإِنِّي أَقرَؤُه لِنَفسِي.. لَقَد قَرَأْتُ هذه الرِّسالةَ ما يَقرُبُ مِن مِئةِ مَرّةٍ، إِلّا أَنَّني أَشعُرُ الآنَ باشتِياقٍ واحتِياجٍ لِقِراءَتِها مَرّةً أُخرَى، وكَأنَّني أَراها لِأَوَّلِ مَرّةٍ".
ويقُولُ أَيضًا: "إِنَّما أَلَّفتُ هذه الكُتُبَ لِنَفسِي لا لِلآخَرِينَ، وبإِمكانِ كُلِّ راغِبٍ أَن يُطالِع أَدوِيَتِي هذه الَّتي استَخْلَصتُها مِنَ القُرآنِ"، أَجَل، ويُردِّدُ بَدِيعُ الزَّمانِ بكُلِّ قَناعةٍ: "إِنَّني بِحاجةٍ إلى الدَّرسِ، والتَّربِيةِ، وإِصلاحِ النَّفسِ".
لَقَدِ اجتَنَب بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ طَوالَ حَياتِه الشُّهرةَ وتَبجِيلَ النّاسِ وتَقدِيرَهُم، وعاشَ حَياةَ الِاستِغناءِ؛ ويَتَحدَّثُ عنِ الشُّهرةِ في أَحَدِ كُتُبِه العَربِيّةِ قائِلًا: "لَقَد شاهَدتُ أنَّ الشُّهرةَ عَينُ الرِّياءِ وعَسَلٌ مَسمُومٌ يَقتُلُ القَلبَ، ويَجعَلُ الإِنسانَ عَبدًا لِلنّاسِ، بِمَعنَى: أنَّ الرَّجُلَ الَّذي يَطلُبُ الصِّيتَ والسُّمْعةَ يَضطَرُّ لِلرِّياءِ والتَّمَلُّقِ، ويقُومُ بتَصَرُّفاتٍ مُصطَنَعةٍ كي يَنالَ حُبَّ النّاسِ وإِعجابَهُم؛ فإِن أَنتَ وقَعْتَ في هذا البَلاءِ والمُصِيبةِ فقُل: إِنَّا للهِ وإِنَّا إلَيهِ راجِعُونَ".
ورَغمَ أنَّ الأُستاذَ قدِ اجتَنَب الشُّهرةَ قَولًا وفِعلًا إلى هذا الحَدِّ، إِلّا أنَّ النّاسَ یی ولِحِكْمةٍ ما یی قد تَوَجَّهُوا نَحوَه يَطلُبُونَ مِنه العَونَ والمَدَدَ، وأَقبَلُوا علَيْه بما يُشبِهُ السَّوقَ الإلٰهِيَّ لَهُم؛ وإنَّ خَصْلَتُه الحَمِيدةَ هذه الَّتي هي الحَقُّ بعَينِه قد أَصبَحَت خادِمةً لِمُؤَلَّفٍ عالَمِيٍّ كرَسائِلِ النُّورِ.
كان بَدِيعُ الزَّمانِ مُنذُ صِغَرِه لا يَقبَلُ هَدايا النّاسِ دُونَ مُقابِلٍ، واتَّخَذ هذا الأَمرَ دُستُورًا له في حَياتِه؛ ورَغمَ أنَّه سِيقَ مِن سِجنٍ إلى آخَرَ، ونُفِيَ مِن بَلْدةٍ إلى أُخرَى، إِلّا أنَّه لم يُخالِف دُستُورَه هذا على مَدارِ ثَمانِينَ عامًا حتَّى في الضَّرُوراتِ الَّتي أَثقَلَتْها
— 982 —
الشَّيخُوخةُ! فما إِن يُقدِّمُ إِلَيْه أَحَدٌ یی ولو كانَ أَخَصَّ طُلّابِه یی هَدِيّةً ولو لُقْمةً واحِدةً، حتَّى يُبادِرَ لِمُكافَأَتِه علَيْها فَوْرًا، وإِلّا آذَتْه تلك اللُّقْمةُ.
ويُبيِّنُ أَحَدَ أَسبابِ عَدَمِ قَبُولِه الهَدِيّةَ بقَولِه: "زَمانُنا هذا لَيسَ كالزَّمانِ الماضِي، في الماضِي كانَتْ عَشَرةُ أَيادٍ تُحاوِلُ إِنقاذَ الإِيمانِ، أمَّا اليَومَ فقد تَقَلَّصَت إلى يَدٍ واحِدةٍ! والأَسبابُ الَّتي تَجُرُّ إلى الإِلحادِ كانَت عَشَرةً، بَينَما هي اليَومَ قد تَجاوَزَت إلى المِئةِ؛ لِذا فإِنَّني لم أَلتَفِتْ في زَمانٍ كهذا إلى أُمُورِ الدُّنيا، وابتَعَدتُ عنها بُغْيةَ خِدْمةِ الإِيمانِ.. لن أَجعَلَ مِن خِدْمَتِي الإِيمانيّةِ وَسِيلةً لِأَيِّ شَيْءٍ".
وكانَ إِن أَسْدَى إِلَيْه أَحَدُهُم خِدْمةً أو حتَّى واجَهَ بَعضَ الصِّعابِ لِأَجْلِه، يُبادِرُ لِدَفْعِ الأُجرةِ له، أو يقدِّمُ له هَدِيّةً مُتَواضِعةً لِقاءَ ما بَذَل؛ وإِلّا لم تَطِبْ نَفسُه وثَقُلَ الأَمرُ على رُوحِه إِن هو لم يَفعَل ذلك.
وخِلالَ مَسِيرَتِه في خِدْمةِ القُرآنِ والإِيمانِ والدِّينِ، ظَلَّ بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ تَحتَ الرَّقابةِ والتَّجَسُّسِ والمُتابَعةِ والتَّدقِيقِ الدّائِمِ على مَدَى خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً؛ وقد ثَبَت في مَحاكِمَ عِدّةٍ أنَّه لم يَجعَل خِدْمَتَه القُرآنيّةَ وَسِيلةً لِأَيِّ شَيءٍ، وأنَّه يَخدُمُ الإِسلامَ في سَبِيلِ مَرضاةِ اللهِ وَحْدَه، ولِأَجلِ الحَقِيقةِ وَحْدَها لا غَيرُ.
فلو وُجِدَت أَيُّ أَمارةٍ صَغِيرةٍ تُغايِرُ هذه الحَقائِقَ السّامِيةَ، وتُبايِنُ تلك المَزايا الرَّفِيعةَ الَّتي وَقَف علَيْها أَهلُ الحَقِّ مِمَّن بَلَغُوا الحَقَّ والحَقِيقةَ في مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ ووَجَدُوها فيه.. لَرَأَيتَ أَعداءَ الدِّينِ قد سارَعُوا بنَشرِها، ولَأَضافُوا إلَيْها الكَثِيرَ الكَثِيرَ، ونَشَرُوها خِلالَ هذه الأَعوامِ الخَمسةِ والعِشرِينَ، وأَسمَعُوها سائِرَ أَقطارِ المَعمُورةِ.
ومِن الأَدِلّةِ الظّاهِرةِ: أنَّه حِينَما كان يُحالُ إلى المَحاكِمِ بِدَسائِسَ مِن أَعداءِ الدِّينِ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ، وبِاتِّهاماتٍ وافتِراءاتٍ واهِيةٍ، تَجِدُ الصَّفَحاتِ الأُولَى لِلجَرائِدِ تُسارِعُ لِإِعلانِها بَعدَ تَضخِيمِها مِئةَ ضِعْفٍ؛ بَينَما تَجِدُ السُّكُوتَ والكِتْمانَ سَيِّدَ المَوقِفِ عِندَ إِعلانِ بَراءَتِه بَعدَ التَّحقِيقِ والمُحاكَمةِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أيِّ تُهْمةٍ بحَقِّه.
— 983 —
لَقَد كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ شَفُوقًا جِدًّا على إِخوانِه في الدِّينِ، يَتَألَّمُ لِآلامِهِم، ويَضطَرِبُ لِأَوْجاعِ المُجاهِدِينَ المُسلِمِينَ الَّذِينَ يُضَحُّونَ بأَنفُسِهِم في سَبِيلِ نَيلِ العالَمِ الإِسلاميِّ حُرِّيَّتَه واستِقلالَه؛ وكانَ يَشعُرُ على الفَورِ بالضَّرَباتِ المُوَجَّهةِ إلى القُرآنِ والإِسلامِ، وتَحتَ تَأْثيرِ هذه الوَقائِعِ كانَ يَنقَطِعُ عن تَناوُلِ حَسائِه الَّذي ما كانَ يَأْكُلُ مِنه یی أَصلًا یی إِلّا القَلِيلَ.
يُعانِي غالِبَ أَيّامِه مِنَ المَرَضِ والِاضطِرابِ، وقد كَتَب أَحَدُ طُلّابِ النُّورِ: "أُستاذِي الشَّفُوقَ الَّذي لم يَلْقَ الرّاحةَ في الدُّنيا في سَبِيلِ رَفاهِيةِ الأُمّةِ الإِسلامِيّةِ وسَعادَتِها.. إنَّ أَمراضَك المُستَمِرّةَ لَيسَت بأَمراضٍ جَسَدِيّةٍ، فلن يَهْدَأَ اضطِرابُك هذا ما لم يَتَوقَّفِ الظُّلمُ والِاستِبدادُ المُخَيِّمُ على دِينِنا، وما لم يَنَلِ العالَمُ الإِسلاميُّ استِقلالَه". أَجَل، كُلُّنا على قَناعةٍ مِن ذلك أَيضًا.
إِلّا أنَّ جَمِيعَ تلك الآلامِ المُوجِعةِ لم تَتَمكَّن مِن إِدخالِ اليَأْسِ في نَفسِ بَدِيعِ الزَّمانِ يَومًا، بل على العَكسِ مِن ذلك، دَفَعَتْه إلى التَّمَسُّكِ بالعُبُودِيّةِ والدُّعاءِ، وبالجِهادِ الدِّينيِّ الشّامِلِ أَكثَرَ وأَكثَرَ، حتَّى إنَّه يقُولُ: "الحَلُّ الوَحِيدُ هو الِاعتِصامُ بالقُرآنِ"، وقد فَعَل ذلك، إِذ دَوَّن جَمِيعَ ما استَخْلَصَه مِنَ الأَدوِيةِ والوَصَفاتِ القُرآنيّةِ، وأَصْدَر مُؤَلَّفاتِه "رَسائِلَ النُّورِ" لِأَجلِ إِسعادِ البَشَرِيّةِ وإِنقاذِ حَقائِقِ الإِسلامِ في هذا الزَّمانِ.
لم تَتَمكَّنِ القُوّةُ والسُّلْطةُ الدُّنيَوِيّةُ الَّتي يَملِكُها أَعداءُ الدِّينِ الظّالِمُونَ مِن إِيقافِ بَدِيعِ الزَّمانِ، فلم يَتَخَلَّف عن نَشاطِه ولو لِلَحْظةٍ واحِدةٍ، فلَقَد آمَنَ بأَنَّ: "وَظِيفَتِي خِدْمةُ القُرآنِ، أَمّا النَّصرُ والهَزِيمةُ فهِي أُمُورٌ تَعُودُ إلى تَقدِيرِ الحَقِّ سُبحانَه"، أَجَل، يَملِكُ الأُستاذُ عَزِيمةً عَظِيمةً جِدًّا، وأَمامَ هذا الصَّرْحِ الشّامِخِ كانَ جَمِيعُ ما يَلْقاه مِن ظُلمٍ شَنِيعٍ مَحكُومًا علَيْه بالبُطْلانِ والفَشَلِ.
كانَ بَدِيعُ الزَّمانِ يُطالِعُ الكائِناتِ المَوجُودةَ في الأَرضِ والسَّماواتِ بحَيْرةٍ وعَجَبٍ، ويَجُولُ كَثِيرًا في البَرارِي والجِبالِ وخاصّةً في فَصلِ الرَّبِيعِ؛ وفي تلك الأَماكِنِ تَجِدُه مُنشَغِلَ الذِّهنِ ودَقِيقَ الفِكْرِ وفي سَكِينةٍ دائِمةٍ! يَتَأمَّلُ في الأَشجارِ والنَّباتاتِ
— 984 —
والأَزهارِ بنَظَراتِ العِبْرةِ، ويُرَدِّدُ عِباراتِ: "مَا شَاءَ اللهُ.. بَارَكَ اللهُ.. فتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخالِقِينَ.. ما أَجمَلَ خَلْقَه!"، كانَ يَقَرَأُ كِتابَ الكَونِ، فعَينُه كسائِرِ أَعضائِه وحَواسِّه تَعمَلُ لِأَجلِ الحَقِّ سُبحانَه، وضِمنَ دائِرةِ مَرضِيّاتِه؛ مُطالِعًا كِتابَ الكَونِ الكَبِيرِ هذا، ومُشاهِدًا مُعجِزاتِ الصَّنْعةِ الرَّبّانيّةِ في هذا العالَمِ، كنَحْلةٍ مُبارَكةٍ بَينَ أَزاهِيرِ الرَّحْمةِ المَبثُوثةِ في بُستانِ الكُرةِ الأَرضِيّةِ.
كانَ مُتَواضِعًا في حَياتِه اليَومِيّةِ، وَقُورًا عِندَما يكُونُ على رَأْسِ عَمَلِه، مِثالًا يُحتَذَى في التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفسِ، وعن هذا يقُولُ: "حِينَما يكُونُ الجُندِيُّ في نَوبةِ حِراسَتِه فلَيسَ له أن يَضَع سِلاحَه حتَّى وإِن حَضَرَ القائِدُ العامُّ، وأَنا كَذلِك: خادِمٌ لِلقُرآنِ وجُندِيٌّ مِن جُنُودِه، وعِندَما أَقُومُ بوَظِيفَتِي فلْيَبْرُز إِلَيَّ مَن شاءَ أَن يَبْرُزَ، فإِنِّي صادِعٌ بالحَقِّ لا أَحنِي رَأْسِي ولا أَلِينُ".
ونقُولُ باختِصارٍ: إِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ مُفَسِّرُ قُرآنٍ حَقِيقيٌّ عَجِيبٌ، وصاحِبُ إِخلاصٍ كامِلٍ، كما أنَّه خادِمُ قُرآنٍ مِقدَامٌ فَرِيدٌ، حازَ الإِخلاصَ التّامَّ؛ وباعتِبارِه مُؤَلِّفَ رَسائِل النُّورِ فإِنَّه مُتَكلِّمٌ جَلِيلٌ، وعَلّامةٌ مُدَقِّقٌ ومُحَقِّقٌ، وراسِخٌ في العِلمِ ومُتَبحِّرٌ فيه، وأُستاذٌ فَذٌّ رَفِيعُ القَدْرِ في عِلمِ المَنطِقِ؛ فما كِتابُه المَوسُومُ بی"التَّعلِيقاتُ" إِلّا سِفرٌ نَفِيسٌ في المَنطِق؛ كما أنَّه عَبقَرِيٌّ مُمتازٌ مُحِبٌّ لِلحَقِّ والحَقِيقةِ، وفَيلَسُوفٌ حَقِيقيٌّ في الفَلسَفةِ السَّوِيّةِ المُتَصالِحةِ معَ القُرآنِ، وكذا طَبِيبٌ نَفسِيٌّ ومُرَبٍّ اجتِماعِيٌّ مُنقَطِعُ النَّظِيرِ، ومُؤَلِّفٌ وأَدِيبٌ جَلِيلٌ عَبقَرِيٌّ فَرِيدٌ، يَتَرنَّمُ بذِكرِ الحَقِيقةِ على الدَّوامِ.
ثَمّةَ مَن لا يَعرِفُ الكَثِيرَ مِن هذه الصِّفاتِ، ففَضْلًا عن أنَّ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ كانَ يَستُرُ كَمالاتِه الشَّخصِيّةَ ويُخفِيها، إِلّا أنَّه لم يكُن يَسمَحُ لِأَحدٍ بأن يُعَرِّفَ به بالصُّورةِ الَّتي يَستَحِقُّها، فلَقَد وُضِعَ تَحتَ نَيرِ الِاستِبدادِ والقُيُودِ الشَّدِيدةِ على مَدَى سَنَواتٍ؛ وإِنَّ هذا الَّذي قُلْناه وكذا ما تَحَدَّثْنا به حَولَ خَصائِصِ رَسائِلِ النُّورِ إِنَّما يُعَبِّیرُ عن قَناعاتِنا القَطْعِيّةِ مِن جِهةٍ، ومِن جِهةٍ أُخرَى هو أَحكامُ بَعضِ أَهلِ اللهِ وتَقرِيراتُ عُلَماءِ الحَقِّ الصّادِقِينَ الأَفاضِلِ، وبقُوّةِ اتِّفاقِهِم وإِجماعِهِم.
— 985 —
وإِنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ هو نَفسُه الدَّلِيلُ الأوَّلُ والأَبرَزُ على امتِلاكِه كلَّ هذا العِلمِ وهذه الصِّفاتِ المَذكُورةِ، ومَن كانَ في نَفسِه شَكٌّ مِن ذلك فلْيَقْرَأ رَسائِلَ النُّورِ.. أَجَل، إِنَّنا نُعلِنُ هذه الحَقائِقَ العَظِيمةَ السّابِقةَ واللّاحِقةَ بكُلِّ صَراحةٍ لِلعالَمِ الإِسلامِيِّ والبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ.. إِنَّ مُؤَلَّفاتٍ كرَسائِلِ النُّورِ يَحتاجُها الجَمِيعُ على مَدَى أَلفِ عامٍ.
كانَ بإِمكانِ بَدِيعِ الزَّمانِ أَن يُؤَلِّفَ كُتُبًا في شَتَّى العُلُومِ، إِلّا أنَّه وَقَف كُلَّ جُهدِه وعَمَلِه وحَياتِه لِتَألِيفِ العُلُومِ الإِيمانيّةِ ونَشرِها قائِلًا: "هذا الزَّمانُ زَمانُ إِنقاذِ الإِيمانِ".
أَجَل، لَقَد أَحْيا الأُستاذُ العالَمَ الإِسلامِيَّ والإِنسانِيَّ، وبَعَث فِيهِمُ النُّورَ بنَشرِه العُلُومَ الإِيمانيّةَ.. نَسأَلُ الحَقَّ سُبحانَه أَن يَرضَى عنِ الأُستاذِ الجَلِيلِ رِضًا أَبدِيًّا، وأَن يَمنَحَه العُمُرَ المَدِيدَ.. آمِينَ.. آمِينَ.. آمِينَ.
إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِيرٌ رَفِيعٌ باهِرٌ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ في هذا العَصرِ، ومُعجِزةٌ مَعنَوِيّةٌ له.. أَجَل، إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ فاتِحُ القُلُوبِ ومَحبُوبُها، وسُلطانُ الأَرواحِ، ومُعلِّمُ العُقُولِ، ومُزَكِّي النُّفُوسِ ومُرَبِّيها؛ وقد ذُكِرَ أَحَدُ خَصائِصِ رَسائِلِ النُّورِ في الصَّحِيفةِ (١٢٩) مِنَ المُجَلَّدِ الأَوَّلِ لِكِتابِ "المَكتُوبات" على النَّحوِ التّالي: "لِبَيانِ الفُرُوقِ بَينَ الَّذِينَ يَستَلهِمُونَ نَهجَهُم مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ یی ذلك المَنهَجَ الأَقوَمَ یی والَّذِينَ يَسلُكُونَ نَهجَ عُلَماءِ الكَلامِ، شَبَّهْنا في كَلِماتٍ أُخرَى مِن "رَسائِلِ النُّورِ" بمِثالٍ هو:
إنَّه لِأَجلِ الحُصُولِ على الماءِ، هُنالِك مَن يَأْتي به بواسِطةِ أَنابِيبَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ يَحفِرُه في أَسفَلِ الجِبالِ، وآخَرُونَ يَجِدُونَ الماءَ أَينَما حَفَرُوا ويُفَجِّرُونَه أَينَما كانُوا؛ فالأوَّلُ سَيرٌ في طَرِيقٍ وَعْرٍ وطَوِيلٍ والماءُ مُعَرَّضٌ فيه لِلِانقِطاعِ والشُّحّةِ، بَينَما الَّذِينَ هُم أَهلٌ لِحَفرِ الآبارِ فإنَّهُم يَجِدُونَ الماءَ أَينَما حَلُّوا دُونَما صُعُوبةٍ ومَتاعِبَ.
فعُلَماءُ الكَلامِ يَمضُونَ في طَرِيقٍ طَوِيلٍ، إِذ يَقطَعُونَ سِلسِلةَ الأَسبابِ بإِثباتِ استِحالةِ الدَّوْرِ والتَّسَلسُلِ في نِهايةِ العالَمِ، ومِن بَعدِه يُثبِتُونَ وُجُودَ واجِبِ الوُجُودِ.
— 986 —
أمّا المَنهَجُ الحَقِيقيُّ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ فيَجِدُ الماءَ في كلِّ مَكانٍ ويَحفِرُه أَينَما كان، فكُلُّ آيةٍ مِن آياتِه الجَلِيلةِ كعَصا مُوسَى تُفَجِّرُ الماءَ أَينَما ضَرَبَت.. وتَستَقرِئُ كلَّ شَيءٍ القاعِدةَ الآتِيةَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ وَاحِدُ
ثمَّ إنَّ الإِيمانَ لا يَحصُلُ بالعِلمِ وَحْدَه، إذ إنَّ هُنالِك لَطائِفَ كَثِيرةً لِلإِنسانِ لَها حَظُّها مِنَ الإِيمانِ، فكما أنَّ الأَكلَ إذا ما دَخَل المَعِدةَ يَنقَسِمُ ويَتَوزَّعُ إلى مُختَلِفِ العُرُوقِ حَسَبَ كلِّ عُضوٍ مِنَ الأَعضاءِ، كَذلِك المَسائِلُ الإِيمانيّةُ الآتِيةُ عن طَرِيقِ العِلمِ إذا ما دَخَلَت مَعِدةَ العَقلِ والفَهْمِ، فإنَّ كلَّ لَطِيفةٍ مِن لَطائِفِ الجِسمِ یی كالرُّوحِ والقَلبِ والسِّرِّ والنَّفسِ وأَمثالِها یی تَأخُذُ مِنها وتَمَصُّها حَسَبَ دَرَجاتِها؛ فإن فَقَدَتْ لَطِيفةٌ مِنَ اللَّطائِفِ غِذاءَها المُناسِبَ، فالمَعرِفةُ إذًا ناقِصةٌ مَبتُورةٌ، وتَظَلُّ تلك اللَّطِيفةُ مَحرُومةً مِنها"، فرسائلُ النُّورِ تَجِدُ الماءَ في كُلِّ مَكانٍ وتُفَجِّرُه، وتَختَصِرُ الطَّرِيقَ السّابِقَ الطَّوِيلَ، وتَجعَلُه مُستَقِيمًا آمِنًا.
وقد وَصَف الحُكَماءُ القُدامَى بَعضَ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ والعَقائِدِ الإِيمانيّةِ بالقَولِ: "إِنَّها نَقْلِيّةٌ، نُؤْمِنُ بها، ولا يُمكِنُ لِلعَقلِ أن يَجِدَ لَها سَبِيلًا"، والحالُ أَنَّ مَقالِيدَ السُّلْطةِ في هذا العَصرِ بِيَدِ العَقلِ، أَمّا بَدِيعُ الزَّمانِ سَعِيدٌ النُّورْسِيُّ فيقُولُ: "جَمِيعُ الأَحكامِ الشَّرعِيّةِ والحَقائِقِ الإِيمانيّةِ عَقْلِيّةٌ، وإِنَّني على استِعدادٍ تامٍّ لِإِثباتِ ذلك"، وقد أَثبَت ذلك فِعلًا في رَسائِلِ النُّورِ.
تَمتَلِكُ رَسائِلُ النُّورِ بَلاغةً وأَدَبًا وإِيجازًا فَرِيدًا مِن نَوعِه، وأُسلُوبًا أَصِيلًا جَذّابًا مُنقَطِعَ النَّظِيرِ، أَجَل، فبَدِيعُ الزَّمانِ صاحِبُ أُسلُوبٍ خاصٍّ، ولا يُمكِنُ قِياسُ أُسلُوبِه أو مُوازَنتُه معَ الأَسالِيبِ الأُخرَى، فإِن وُجِدَ في بَعضِ مَواضِعَ مِن مُؤَلَّفاتِه مَقطَعٌ يُظَنُّ أَنَّه غَيرُ مُوافِقٍ لِقَواعِدِ النُّصُوصِ الأَدَبِيّةِ أو غَيرُ مُتَناسقٍ قِياسًا على الأَسالِيبِ الأُخرَى، فلا بُدَّ أنَّ في ذلك المَقطَعِ نُكْتةً أو إِيماءً رَفِيعًا أو مَعنًى وحِكْمةً دَقِيقةً، لِذا فإِنَّ الأُسلُوبَ البَيانِيَّ هذا مُناسِبٌ لِهَذا المَوضِعِ؛ ولَقَد أَقرَّ حتَّى أَهلُ العِلمِ واعتَرَفُوا أَنَّهُم لم يُدرِكُوا
— 987 —
تلك الدِّقّةَ الدَّقِيقةَ لِأَوَّلِ وَهْلةٍ؛ لِذا لا يُمكِنُ لِمَن لم يَشتَغِل برَسائِلِ النُّورِ بعِنايةٍ بالِغةٍ أن يَنتَقِلَ مُباشَرةً إلى الخَصائِصِ والمَسائِلِ الدَّقِيقةِ المَبثُوثةِ في ثَنايا مُؤَلَّفاتِ بَدِيعِ الزَّمانِ.
وفي جَلْسةٍ معَ بَعضِ الأُدَباءِ يقُولُ شاعِرُنا الجَلِيلُ ومَبعَثُ فَخرِنا في الأَدَبِ المَرحُومُ "مُحمَّد عاكِف": "يُمكِنُ لِفِيكْتُور هُوغُو وشِكسْبِير ودِيكارْت أن يكُونُوا طُلّابًا لَدَى بَدِيعِ الزَّمانِ في الأَدَبِ والفَلسَفةِ".
لَقَد بَكَى الأُدَباءُ والشُّعَراءُ مِن يَدِ الزَّوالِ والفِراقِ وقالُوا: "يا وَيْلَنا مِنَ المَوتِ!"، وصَوَّرُوا فَصلَ الخَرِيفِ بالحُزنِ والأَسَى، حتَّى إِنَّ أُدَباءَ العَرَبِ المَشاهِيرَ عالَمِيًّا قالُوا:
لَوْلَا مُفَارَقَةُ الأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ لَهَا المَنَايَا إِلَى أَروَاحِنَا سُبُلَا
أَمّا بَدِيعُ الزَّمانِ فيقُولُ: "إِنَّ الزَّوالَ والفِراقَ والعَدَمَ مَوجُودةٌ في الكَونِ ظاهِرِيًّا، أَمّا في الحَقِيقةِ فلا يُوجَدُ فِراقٌ بل هُنالِك وِصالٌ؛ لا يُوجَدُ زَوالٌ وعَدَمٌ بل هُنالِك تَجَدُّدٌ؛ وكُلُّ شَيءٍ مَوجُودٍ في الكَونِ مُظهِرٌ بصُورةٍ مّا لِلبَقاءِ.. فالمَوتُ هو الرَّحِيلُ مِن هذا العالَمِ الفانِي إلى العالَمِ الباقِي، المَوتُ لِأَهلِ الهِدايةِ وأَهلِ القُرآنِ وَسِيلةٌ لمُلاقاةِ الأَحِبّةِ والأَصدِقاءِ القُدامَى الرّاحِلِينَ إلى عالَمِ الآخِرةِ، وواسِطةٌ لدُخُولِهِم وَطَنَهُمُ الحَقِيقيَّ، ودَعْوةٌ كَرِيمةٌ مِن سِجنِ الدُّنيا إلى بَساتِينِ الجِنانِ، وانتِظارٌ لِأَخذِ الأُجرةِ لِلخِدْماتِ تَفَضُّلًا مِنَ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ، وتَسرِيحٌ مِن تَكالِيفِ الحَياةِ وإِجازةٌ مِن وَظِيفَتِها، وإِعلانُ الِانتِهاءِ مِن واجِباتِ العُبُودِيّةِ وامتِحاناتِ التَّعلِيمِ والتَّعلِيماتِ.. فلو أَتَى عِزْرائِيلُ عَليهِ السَّلام اليَومَ لَاسْتَقبَلتُه مُبتَسِمًا وقُلتُ له: أَهلًا وسَهلًا بك".
فعِندَما يُحاوِلُ بَدِيعُ الزَّمانِ إِنقاذَ النّاسِ مِنَ الرَّذِيلةِ والضَّلالةِ مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ، فإِنَّه لا يَتَّبِیعُ سَبِيلَ التَّخوِيفِ والتَّرهِيبِ والتَّروِيعِ؛ بل يَهزِمُ الأَحاسِيسَ بإِظهارِ مِئةِ أَلَمٍ في ثَنايا لَذّةٍ واحِدةٍ غَيرِ مَشرُوعةٍ؛ ويَحمِي القَلبَ والرُّوحَ مِنَ الهَزِيمةِ أَمامَ هذه الأَحاسِيسِ، ويُثبِتُ بالمُقارَناتِ والمُوازَناتِ أنَّ في الكُفرِ والضَّلالةِ بِذْرةَ زَقُّومِ جَهَنَّمَ، وأَنَّها تُذِيقُ عَذابَ جَهَنَّمَ حتَّى في الدُّنيا، وأنَّ في الإِيمانِ والإِسلامِ والعِبادةِ بُذُورَ ثَمَراتِ الجَنّةِ، ولَذائِذَ وأَذْواقًا مُستَطابةً، ويَمنَحُ نَوعًا مِنَ المُكافَأةِ حتَّى في الدُّنيا.
— 988 —
تَطرَحُ رَسائِلُ النُّورِ النِّفاقَ والشِّقاقَ والتَّفرِقةَ والفِتنةَ والفَسادَ، وتُقِيمُ مَحَلَّها الأُلفةَ والأُخُوّةَ الدِّينيّةَ والتَّسانُدَ والتَّعاوُنَ، وهذا أَحَدُ أُسُسِ مَسلَكِ رَسائِلِ النُّورِ؛ كما أنَّها تُنقِذُ مِنَ الغُرُورِ والتَّكبُّرِ وتَسوِيقِ الذّاتِ والذِّلَّةِ، وتُحِلُّ مَكانَها الأَخلاقَ الحَمِيدةَ كالتَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفسِ والعِزّةِ والوَقارِ.
تُشعِرُ رَسائِلُ النُّورِ الإِنسانَ الحَقَّ بعَجْزِه وفَقْرِه، وفي هذا يقُولُ بَدِيعُ الزَّمانِ: "يكُونُ الإِنسانُ مُسلِمًا وعَبدًا تامًّا عِندَما يُدرِكُ عَجْزَه وفَقْرَه".
ولِلقائِلِينَ بوُجُوبِ تَعَلُّمِ العُلُومِ الحَدِيثةِ أَيضًا لِإِلزامِ المُلحِدِينَ الحُجّةَ، وحتَّى الَّذِينَ حَصَّلُوا هذه العُلُومَ، نقُولُ لَهُم: يُمكِنُكُم بُلُوغُ هَدَفِكُم هذا بمُطالَعةِ رَسائِلِ النُّورِ بشَكلٍ مُستَمِرٍّ ودائِمٍ، ولَيسَ ثَمّةَ حَلٌّ آخَرُ؛ عِندَئِذٍ تَتحَوَّلُ مَعلُوماتُهُمُ المَدرَسِيّةُ الحَدِيثةُ إلى مَعارِفَ إلٰهِيّةٍ أَيضًا.
إِخوانِي أَصحابَ الأَرواحِ البَطَلةِ، وأَحفادَ الأُمّةِ الَّتي حَمَلَت لِواءَ الإِسلامِ على مَدَى أَلفِ عامٍ.. إِنَّنا ومُسلِمِي هذا العَصرِ والعُصُورِ المُقبِلةِ نَحتاجُ مُرشِدًا جَلِيلًا يُفسِّرُ القُرآنَ العَظِيمَ الشَّأنِ، كي نَسمُوَ بدُرُوسِه في الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ونَرتَقِيَ في مَراتِبِ الإِيمانِ، ويُنقِذَنا مِن مَقُولةِ: "وما شَأْني بغَيرِي!"، ويُرَبِّيَ مُسلِمِينَ یی كطُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ یی مُجاهِدِينَ، صادِقِينَ، مُخلِصِينَ، عامِلِينَ لِمَرْضاةِ اللهِ وَحْدَه لا يَعرِفُونَ الكَلَلَ والمَلَلَ، مُضَحِّينَ لا يَعرِفُونَ الخَوفَ والوَجَلَ، أَقوِياءَ، أَبطالًا، عَمَلِيِّينَ، صالِحِينَ، مُتَديِّنينَ، مُتَّقِينَ، وفَوقَ هذا كُلِّه يُضَحُّونَ براحَتِهِم ومَنافِعِهِمُ الشَّخصِيّةِ في سَبِيلِ إِنقاذِ الإِيمانِ والإِسلامِ.
نَحتاجُ مَن يُعِدُّ مُسلِمِينَ عُظَماءَ وخُدّامًا لِلإِسلامِ أَمثالَ طُلّابِ النُّورِ، لا يُوَلُّونَ الأَدبارَ وَقتَ الزَّحفِ في جَبَهاتِ الإِسلامِ والقُرآنِ أَمامَ الهُجُومِ والتَّعذِيبِ واحتِمالاتِ المَوتِ، وذلك بما يَمتَلِكُونَ مِن شَجاعةٍ نابِعةٍ مِن قُوّةِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، ولِسانُ حالِ أَحَدِهِم يقُولُ: "إِن مِتُّ أَمُوتُ شَهِيدًا، وإِن حَيِيتُ أَحيا خادِمًا لِلقُرآنِ".
أَجَل، إِنَّ هذا العَصرَ يَحتاجُ تَفسِيرًا یی كرَسائِلِ النُّورِ یی يُحَرِّكُ العَقلَ والفِكرَ
— 989 —
والمَنطِقَ، ويُنِيرُ الرُّوحَ والقَلبَ والوِجْدانَ، ويُوقِظُ المُسلِمِينَ والبَشَرَ، ويُنبِّهُهُم ويُنقِذُهُم مِنَ الغَفْلةِ، ويُظهِرُ لَهُمُ الصِّراطَ المُستَقِيمَ: جادّةَ القُرآنِ، ويُرشِدُهُم إلى اتِّباعِ السُّنّةِ النَّبوِيّةِ، مُمَيِّزًا لها عَمّا شاعَ وأُحدِثَ مِن مُخالَفاتٍ لِلشَّعائِرِ الإِسلامِيّةِ والسُّنَنِ النَّبوِيّةِ، ومُحَرِّكًا في النُّفُوسِ مَشاعِرَ إِحيائِها.
وإِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِيرٌ قُرآنِيٌّ يَتَميَّیزُ بهذه الخَصائِصِ، بتَصدِيقِ أَهلِ الحَقِيقةِ یی وهِي مُتَداوَلةٌ مُنذُ ثَلاثِينَ عامًا یی وبِدَلِيلِ دِفاعاتِ طُلّابِ رَسائِلِ النُّورِ في المَحاكِمِ الَّتي سِيقُوا إِلَيْها بمُخَطَّطاتِ أَعداءِ الدِّينِ الظَّلَمةِ، وصَبْرِ هَؤُلاءِ الطَّلَبةِ واحتِمالِهِمُ المَشاقَّ الَّتي عانَوْها أَثناءَ خِدْمَتِهِم لِلإِسلام دُونَ سَأَمٍ أو مَلَلٍ رَغمَ مُؤامَراتِ أَعداءِ الإِسلامِ الظَّلَمةِ في الخَفاءِ؛ ومُقاوَمَتِهِم لِلظُّلمِ الشَّدِيدِ ووُقُوفِهِم في وَجهِه بصِدقٍ وإِخلاصٍ وثَباتٍ، وتَضحِيَتِهِم براحَتِهِمُ الشَّخصِيّةِ في سَبِيلِ سَعادةِ المُسلِمِينَ ورَخائِهِم، دُونَ أن يُفَكِّرُوا حتَّى بأَنفُسِهِم.
أَجَل، إِنَّ إِخوانَنا الكِبارَ مِن أَبطالِ النُّورِ الَّذِينَ وَقَفُوا حَياتَهُم لِخِدْمةِ رَسائِلِ النُّورِ ونَشرِها مُنذُ خَمسةٍ وعِشرِينَ عامًا، وهُم مُنذُ ذلك الحِينِ في خَلْوةٍ مِنَ النّاسِ مُنقَطِعُونَ لِلخِدْمةِ، لم يَثنِهِم عن أَداءِ عَمَلِهِم ما تَعَرَّضُوا ويَتَعرَّضُونَ له حتَّى اليَومِ مِن شَدِيدِ المُضايَقةِ والِاعتِداءِ والِاضطِهادِ والتَّحقِيقِ مِن قِبَل الظَّلَمة أَعداءِ الدِّينِ..
حَقًّا إِنَّهُم فِدائيُّو الإِيمانِ والإِسلامِ وقُدْوَتُنا الحَسَنةُ.. ونَحنُ المُسلِمِينَ كُنّا نَبحَثُ عن تَفسِيرٍ لِلقُرآنِ كرَسائِلِ النُّورِ، ونَنتَظِرُ هادِيًا مِثلَها!
إِنَّ هَؤُلاءِ الطُلّابَ النُّورِيِّينَ المُخلِصِينَ يُرَدِّدُونَ على الدَّوامِ: "الحَقُّ سُبحانَه خَيرُ حافِظٍ لي، وأَنا في كَنَفِ رِعايَتِه وعِنايَتِه، فما مِن شَيءٍ يُصِيبُني إِلّا وفيه الخَيرُ"، ويُؤمِنُونَ بهذا الأَمرِ قَولًا وعَمَلًا، ويَستَمِرُّونَ في خِدْمةِ الإِيمانِ غَيرَ آبِهِينَ بالأَضرارِ الَّتي ستَلحَقُ بهم، غَيرَ أنَّهُم يَحتاطُونَ لِئَلّا يَكشِفَ أَعداءِ الدِّينِ أَمرَهُم، أو تَقَعَ بأَيدِيهِم رَسائِلُ النُّورِ الَّتي يَعُدُّونَها أَغلَى مِن أَرواحِهِم؛ وإِنْ زُجَّ بهم في السُّجُونِ وتَعَرَّضُوا لِلظُّلمِ والتَّعذِيبِ، بادَرُوا أَيضًا إلى الِاهتِمامِ بأَمرِ أُستاذِهِم بَدِيعِ الزَّمانِ، ولم يُفَوِّتُوا أيّةَ
— 990 —
فُرصةٍ سانِحةٍ لِلِاشتِغالِ خُفْيةً برَسائِلِ النُّورِ، حتَّى بَلَغ الأَمرُ بِبَعضِ الطُّلّابِ أن يَحفَظُوا الأَنوارَ عن ظَهرِ قَلبٍ تَحَسُّبًا، فی"رُبَّما يُزَجُّ بي في السِّجنِ، وتُصادَرُ مِنِّي رَسائِلِي النُّورِيّةُ، فأُحرَمُ مِنَ الِاشتِغالِ بِها".
وعِندَما يُطلَقُ سَراحُ أَحَدِ هَؤُلاءِ الطُّلّابِ المُخلِصِينَ، فإِنَّه يُبادِرُ لِصُحْبةِ أُستاذِه ومُلازَمَتِه، ويَبذُلُ جُهْدَه في خِدْمةِ الأَنوارِ ونَشرِها بِهِمّةٍ وعَزِيمةٍ أَشَدَّ مِن ذِي قَبلُ؛ فكَأَنَّ ذلك السِّجنَ المُمتَلِئَ بشَتَّى أَنواعِ العَذابِ والِاضطِهادِ قد أَصبَحَ له مَبعَثَ قُوّةٍ ومَصدَرَ طاقةٍ، وكأَنَّ السَّوطَ الَّذي تَعَرَّضَ له تَرَك في نَفسِه أَثَرًا وتَأثُّرًا يَدفَعُه لِلسَّعيِ في خِدْمةِ النُّورِ بتَفانٍ ونَقاءٍ ووَفاءٍ.
وفي أَثناءِ وُجُودِ بَدِيعِ الزَّمانِ في سِجنِ أَفيُونَ، حَدَثَ أنِ استُجْوِبَ أَحَدُ طُلّابِ النُّورِ مِن مُعَلِّمِي المَدارِسِ أَمامَ الِادِّعاءِ العامِّ، فقَدَّمَ أَجْوِبةً قَوِيّةً حَولَ رَسائِلِ النُّورِ وأُستاذِه، فأَغضَبَ ذلك المُدَّعِيَ العامَّ، فجَعَل يُهَدِّدُه قائِلًا: "سأُلقِي بك في السِّجنِ الآنَ!"، فأَجابَه بَطَلُ الإِسلامِ هذا قائِلًا: "أَنا بكامِلِ الجاهِزِيّةِ وعلى أَتَمِّ الِاستِعدادِ، أَلْقِ بي في السِّجنِ على الفَورِ".
مِثالٌ آخَرُ: صَدَر حُكمُ التَّوقِيفِ بحَقِّ أَحَدِ طُلّابِ النُّورِ، وحِينَ قَدِمَت دَوْرِيّةُ الشُّرطةِ لِاعتِقالِه لم تَجِدْه، فما كانَ مِن هذا الطّالِبِ حِينَ بَلَغَه الخَبَرُ سِوَى أن سَلَّمَ نَفسَه، ودَخَل السِّجنَ قائِلًا: "كَيفَ لي أَن أَبقَى خارِجَ السِّجنِ وبِداخِلِه أُستاذِي وإِخوانِي؟!".
وأَخْلَوْا مَرّةً سَبِيلَ أَحَدِ طُلّابِ النُّورِ مِن هذا السِّجنِ خَطَأً، فقالَ في نَفسِه: "ما زالَ أُستاذِي وإِخوانِي في السِّجنِ، وثَمّةَ رَسائِلُ نُورٍ جَدِيدةٌ يَلزَمُني إِكمالُ استِنساخِها"، فذَهَب إلى مُدِيرِ السِّجنِ وقال له: "إِنَّ مُدّةَ تَوقِيفِي لم تَنتَهِ بَعدُ! يَجِبُ أن يُخلَى سَبِيلِي بَعدَ أَربَعِينَ يَومًا"، فحَسَبُوا المُدّةَ ووَجَدُوه صادِقًا في قَولِه، فأَعادُوه إلى السِّجنِ.
إِخوانِي المُتَفهِّمِينَ، مُستَحِقِّي مَزِيّةَ الحَمِيّةِ الدِّينيّةِ.. لو أَنَّ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ اطَّلَع على هذه المَعلُوماتِ المُسَطَّرةِ حَوْلَه فحَتْمًا سيَقُولُ: "لِمَ يَفعَلُونَ هذا؟! لا أَهَمِّيّةَ
— 991 —
لِشَخصِي! إِنَّني لا شَيءٌ، القِيمةُ والأَهَمِّيّةُ تَعُودُ لِرَسائِلِ النُّورِ المُتَرشِّحةِ مِنَ القُرآنِ الحَكِيمِ وهِي بِضاعَتُه".
لَقَد أَصبَحَ الأُستاذُ مَظهَرًا لِلحَقائِقِ القُرآنيّةِ وأَنوارِها الَّتي يَنشُرُها عَبْرَ دُرُوسِ الإِيمانِ والإِسلامِ الَّتي يُلقِيها، وبِخِدْمةِ القُرآنِ والدِّينِ الَّتي يُؤَدِّيها بإِخلاصٍ تامٍّ وعلى أَوسَعِ نِطاقٍ؛ ولِذا فإِنَّ التَّقدِيرَ والثَّناءَ المُوَجَّهَ له لا يَبقَى مَحصُورًا بشَخْصِه بالمَعنَى الحَرفِيِّ، وإِنَّما يَعُودُ لِلقُرآنِ والإِسلامِ ولِأَجلِ اللهِ وَحْدَه؛ وما العَداوةُ والهَجَماتُ المُوَجَّهةُ إلَيْه مِن قِبَلِ أَعداءِ القُرآنِ إِلّا بِهَدَفِ القَضاءِ على القُرآنِ والإِسلامِ الَّذي وَقَفَ بَدِيعُ الزَّمانِ نَفسَه لِخِدْمَتِه.
وإِذ قد أُحسِنَ إلَيْه بمُؤَلَّفاتٍ عالَمِيّةٍ كرَسائِلِ النُّورِ المُتَضَمِّنةِ لِلحَقائِقِ القُرآنيّةِ والإِيمانيّةِ، فإِنَّ مُعارِضِي الدِّينِ وأَعداءَه المُنافِقِينَ المُقَنَّعِينَ المُتَستِّرِينَ يَعرِفُونَ هذه الحَقِيقةَ البَدِيهِيّةَ، وهُم لم يَتَمَكَّنُوا مُنذُ قُرابةِ نِصفِ قَرنٍ مِن تَفنِيدِ حُجَجِ بَدِيعِ الزَّمانِ، لِذا يَسعَوْنَ لِلنَّيلِ مِن شَخْصِه بالأَكاذِيبِ والأَقاوِيلِ المُزَيَّفةِ، وغَرَضُهُم بذلك أَلّا تَلْقَى رَسائِلُ النُّورِ انتِشارًا وإِقبالًا، وأَلّا يَنالَ الإِسلامُ والإِيمانُ أَيَّ حَظٍّ مِنَ الرُّقيِّ؛ والحالُ أنَّهُم كُلَّما تَعَرَّضُوا لِبَدِيعِ الزَّمانِ سَطَع نَجمُ رَسائِلِ النُّورِ أَكثَرَ، واتَّسَعَ نِطاقُ انتِشارِها؛ وخَيرُ مِثالٍ على ذلك الحَوادِثُ الَّتي وَقَعَت خِلالَ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً، وهِي حَوادِثُ يَعرِفُها الجَمِيعُ.
ولَقَد ظَلَّ أَعداءُ الإِسلامِ مُستَمِرِّينَ بِهُجُومِهِم ودِعاياتِهِمُ المُلَفَّقةِ مِن جِهةٍ، حَرِيصِينَ یی مِن جِهةٍ أُخرَى خَفِيّةٍ یی على مَنعِ انتِشارِ دِفاعاتِ طُلّابِ النُّورِ المُتَضَمِّنةِ لِعِباراتِ التَّقدِيرِ والثَّناءِ لِأُستاذِهِم ولِرَسائِلِ النُّورِ، والمُعَبِّرةِ عن شُكرِهِم وامتِنانِهِم لِما أَفادُوه ونالُوه یی كُلٌّ حَسَبَ قابِليَّتِه واستِعدادِه یی مِن هذا الفَيضِ الوافِرِ والمَنهلِ الزّاخِرِ؛ لِذا كانَ أُولَئِك الأَعداءُ يُظهِرُونَ أَنفُسَهُم أَصحابًا حَقِيقيِّينَ لِبَعضِ السُّذَّجِ مِن أَصدِقاءِ الأَصدِقاءِ، أو حتَّى لِبَعضِ الأَصدِقاءِ، فيَدفَعُونَهُم إلى تَردِيدِ أَقاوِيلَ كَثِيرةٍ أَمثالَ: "إِنَّیكُم تُبالِغُونَ كَثِيرًا!"، وذلك بِهَدَفِ إِخافَتِنا وإِسكاتِنا، وتَرهِيبِنا بافتِراءاتٍ خَبِيثةٍ ومُزَيَّفةٍ.
— 992 —
فهل يُعقَلُ أن يقُومَ أَعداءُ الدِّينِ بنَشرِ أَكاذِيبِهِم وافتِراءاتِهِم جِزافًا ونَسكُتَ نَحنُ عن إِظهارِ الحَقِيقةِ دِفاعًا عن أَنفُسِنا؟ وهل يُمكِنُ لنا یی ونَحنُ نَرَى هَؤُلاءِ الظَّلَمةَ أَعداءَ الإِسلامِ يُلفِّقُونَ الأَكاذِيبَ ويَنشُرُونَ الأَباطِيلَ ويَرتَكِبُونَ الظُّلمَ الشَّنِيعَ الغادِرَ بحَقِّ الأُستاذِ بَدِيعِ الزَّمانِ یی ألّا نُبادِرَ إلى تَفنِيدِ تلك الأَكاذِيبِ العَجِيبةِ مِن خِلالِ إِعلانِ أَحَقِّيّةِ الأُستاذِ وأَحَقِّيّةِ رَسائِلِ النُّورِ؟ ألا يكُونُ بَلاهةً وسَذاجةً التِزامُنا الصَّمْتَ عن بَيانِ الحَقِّ والحَقِيقةِ وأَعداءُ القُرآنِ الظّالِمُونَ المُستَبِدُّونَ يَرفَعُونَ أَصواتَهُم عالِيًا ضِدَّ بَدِيعِ الزَّمانِ بافتِراءاتٍ مُستَمِرّةٍ، وهُو القائِمُ على واجِبِ المُحافَظةِ على القُرآنِ والدِّفاعِ عنِ الإِسلامِ والدِّينِ مِن خِلالِ رَسائِلِ النُّورِ؟ ألا يَنبَغِي فَضْحُهُم والتَّشهِيرُ بهم بَدَلًا مِن مَدِّ يَدِ العَونِ یی بِالتِزامِنا الصَّمْتَ یی لِلمُلحِدِينَ الَّذِينِ يَعمَلُونَ في الخَفاءِ ومِن وَراءِ الحُجُبِ؟!
كلَّا! لن نَسكُتَ أَبدًا، ولن يَتَمكَّنُوا مِن إِسكاتِنا! لن نَتَوقَّفَ مُطلَقًا، ولن يَتَمكَّنُوا مِن إِيقافِنا! سَوفَ نَقرَأُ رَسائِلَ النُّورِ ونَنشُرُها حتَّى آخِرِ رَمَقٍ فينا، وحتَّى تُفارِقَ أَرواحُنا الأَجسادَ.. وسَوفَ نُظهِرُ لِلجَمِيعِ ورَغمَ كلِّ ما يقُومُ به أَعداءُ الدِّينِ الظَّلَمةُ مِنِ افتِراءٍ وتَلفِيقٍ، أنَّ رَسائِلَ النُّورِ مَحْضُ حَقٍّ وعَينُ حَقِيقةٍ، وأنَّ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ مُنزَّهٌ ومُبَرَّأٌ مِن كلِّ التُّهَمِ المُوجَّهة إِلَيْه.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ.. لَقَد ظَهَرَت شَخصِيّاتٌ عَظِيمةٌ وفَرِيدةٌ حازَتِ المَكانةَ المُشرِّفةَ مِنَ الصَّفَحاتِ الذَّهَبِيّةِ للتّارِيخِ الإِسلامِيِّ؛ وتَفاسِيرُ هذه الشَّخصِيّاتِ الفَذّةِ ومُؤَلَّفاتُهُم مُنقَطِعةُ النَّظِيرِ، لا يُمكِنُ مُقارَنَتُها بأَيِّ كِتابٍ مِن كُتُبِ الفَلاسِفةِ الأَورُبِّيِّينَ.. لَقَد وَفَّى هَؤُلاءِ الجَهابِذةُ العِظامُ والمُؤلِّفُونَ المُسلِمُونَ الكِرامُ بواجِبِ خِدْمةِ القُرآنِ والإِسلامِ بإِخلاصٍ تامٍّ، دُونَ أن يَقَعُوا تَحتَ إِسارٍ أَلِيمٍ، أو يَرزَحُوا تَحتَ استِبدادٍ شَدِيدٍ مِن أَيِّ حُكُومةٍ مِنَ الحُكُوماتِ وعلى مَدَى سِنِينَ؛ أمّا بديعُ الزَّمانِ سعيدٌ النُّورْسِيُّ فقد تَعَرَّضَ یی بِما يُمَثِّلُه مِن شَخصِيّةٍ مَعنَوِيّةٍ یی لِاستِبدادٍ مُطلَقٍ وظُلمٍ شَدِيدٍ وإِسارٍ أَلِيمٍ لم يُشهَد لها مثيلٌ عَبْرَ التَّارِيخِ، غَيرَ أنَّه ظَلَّ واقِفًا في وَجهِ أَعداءِ الدِّينِ الَّذِينَ حاوَلُوا القَضاءَ علَيْه وعلى مُؤَلَّفاتِه، وأَدَّى الجِهادَ الدِّينيَّ الأَكبَرَ، مُتَّبِعًا سُنّةَ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) بحَذافِيرِها، ونالَ مُقابِلَ هذا كُلِّه تَوفِيقًا ونَصْرًا مُبِينًا لم يُذكَر مِثلُه في التّارِيخِ.
— 993 —
فأَيُّ شَخصِيّةٍ عَبْرَ التّارِيخِ حازَت حَظًّا وافِرًا مِثلَ مُؤَلِّفِ رَسائِلِ النُّورِ بَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ، إذِ اجتَمَعَت فيه كُلُّ هذه الخِصالِ الحَمِيدةِ المَذكُورةِ، وهُو صاحِبُ تَقوَى وعُبُودِيّةٍ عَظِيمةٍ؛ وألَّفَ (١٣٠) رِسالةً إِيمانِيّةً خُفْيةً وتَحتَ استِبدادٍ وتَضيِيقٍ وقُيُودٍ صارِمةٍ، وحارَبَ یی فَضْلًا عن هذا كُلِّه یی كفِدائيٍّ معَ جُنُودِه المُتَطوِّعِينَ في جَبَهاتِ الحَربِ، وألَّفَ فيها یی كُلَّما سَنَحَت له الفُرصةُ یی وعلى خَطِّ التَّماسِ تَفسِيرًا قُرآنِيًّا يُبيِّنُ أَدَقَّ نِكاتِ القُرآنِ وإِعجازَه الخارِقَ؛ وانتَصَر في الوَقتِ نَفسِه في جِهادِه معَ نَفسِه، ووَظَّفَها خادِمةً لِلدِّينِ، ونَشَر مُؤَلَّفاتٍ كرَسائِلِ النُّورِ خُفْيةً خَلفَ الحُجُبِ تَماشِيًا معَ قاعِدةِ: "سِرًّا تَنوَّرْتُ"، وسُلِبَت مِنه حُرِّيَّتُه، ونُفِي إلى قَريةٍ نائِيةٍ، ووُضِع تَحتَ التَّجرِيدِ المُطلَقِ والرَّقابةِ الصّارِمةِ، وضُيِّقَ علَيْه الخِناقُ مِن قِبَلِ قُوّةٍ حاكِمةٍ أَشبَهَ ما تكُونُ بمَحاكِمِ التَّفتِيشِ، بل هي أَشَدُّ ظُلْمًا مِنها، وتَعَرَّضَ لِشَتَّى أَنواعِ الِاضطِهادِ والتَّعذِيبِ مِن قِبَلِ الجُناةِ والوُحُوشِ الضّارِيةِ، وأَخَذ بِيَدِ جَماعةٍ بَلَغ اليَومَ تَعدادُها المِلْيُونَ، وسارَ بِهِم بِعِنايةِ اللهِ إلى جادّةِ القُرآنِ الحَكِيمِ الكُبْرَى بصِفَتِه خادِمًا لِسُنّةِ الرَّسُولِ الأَكرَمِ (ص) الفاتِحِ المادِّيِّ والمَعنَوِيِّ لِلعالَمِ؛ وأَصبَح مِن خِلالِ مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ وَسِيلةً لِتَحقِيقِ السَّعادةِ الدُّنيَوِيّةِ لِلمُؤمِنِينَ ولِلبَشَرِيّةِ جَمْعاءَ، بل وحتَّى السَّعادةِ الأَبدِيّةِ..
أَجَل إِخوانِي.. رَسائِلُ النُّورِ مَظهَرُ لُطْفٍ إلٰهِيٍّ، تَنشُرُ ضِياءَ الحَقِيقةِ وبَراهِينَ التَّحقِيقِ، وتُعَلِّمُ حَقائِقَ القُرآنِ والإِيمانِ الَّتي تُوَفِّرُ سَعادةَ الدّارَينِ، حتَّى إنَّ العَوائِلَ والشُّيُوخَ والشَّبابَ، والنِّساءَ والرِّجالَ، والفَلاسِفةَ والعُلَماءَ، والمُعَلِّمِينَ والطُّلّابَ، وأَتباعَ الطُّرُقِ الصُّوفِيّةِ وغَيرَهُم مِن شَتَّى طَبَقاتِ المُجتَمَعِ ومُنذُ خَمسٍ وعِشرِينَ سَنةً قد استَنارُوا بِها، فأَقبَلُوا نَحوَها، وتَحَلَّقُوا حَولَ مَعِينِها، وارتَمَوْا في أَحضانِ عُلُومِها، وشُغِفُوا حُبًّا بأَنوارِها، والْتَمَسُوا الهِدايةَ مِن مَعارِفِها؛ وثَمّةَ جَماعةٌ عَظِيمةٌ مَحظُوظةٌ تَبلُغُ المَلايِينَ قدِ استَنارُوا بِها، وأَنقَذُوا أَنفُسَهُم بفَيضِ هَدْيِها.
أَجَل إِخوانِي.. إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ تَفسِيرٌ حَقِيقيٌّ لِكِتابِ اللهِ الَّذي هو مَخزَنُ المُعجِزاتِ والمُعجِزةُ الكُبْرَى، وهِي تُوَضِّحُ المَسائِلَ وتُلقِي دُرُوسًا عن حَقائِقَ
— 994 —
عَظِيمةٍ تُثِيرُ الفُضُولَ وتَخلُبُ العُقُولَ، حتَّى إِنَّها أَصبَحَت وستَظَلُّ مَبعَثًا لِفُتُوحِ الإِيمانِ ونَشرِ الإِسلامِ على نَطاقِ المَعمُورةِ.
أَجَل، لَقَد بَثَّت رَسائِلُ النُّورِ في القُلُوبِ مَحَبّةً وعِشقًا، وفي الأَرواحِ وَجْدًا ولَهْفةً، وأَقنَعَتِ العُقُولَ والأَفهامَ، ومَنَحَتِ الطُّمَأْنينةَ لِلقُلُوبِ، حتَّى استَقْرَأَت واستَكْتَبَت نَفسَها لِمَلايِينَ مِن طُلّابِ النُّورِ، وحَمَلَتْهُم على مُطالَعَتِها طَوالَ حَياتِهِم، فكَأَنَّها نَشَرَت نَفسَها بِنَفسِها مُنذُ سِنِينَ.
إِخوانِي الأَعِزّاءَ.. لَقَد أَقدَمَت مُنَظَّماتُ الزَّندَقةِ الَّتي تُدارُ بأَيادٍ أَجنَبِيّةٍ على القَضاءِ على الإِسلامِ في الدُّوَلِ الإِسلامِيّةِ وخاصّةً تُركِيّا، وذلك مِن خِلالِ المُؤامَراتِ والدَّسائِسِ والمُخطَّطاتِ الخَبِيثةِ، وعَبرَ ارتِكابِ الظُّلمِ الشَّنِيعِ، وتَنفِيذِ المُخَطَّطاتِ الشَّيطانيّةِ المَقِيتةِ، واتِّباعِ أَسالِيبَ إِبلِيسِيّةٍ خَسِيسةٍ، بخِداعِ النَّاسِ، وافتِعالِ الفِتَنِ بَينَ الإِخوةِ، ونَشرِ دِعاياتٍ وأَكاذِيبَ مَكّارةٍ، وزَرْعِ بُذُورِ الفِتنةِ والفَسادِ والتَّفرِقةِ.. حتَّى أَحدَثَت هذه المَكائِدُ جِراحًا غائِرةً في الجَسَدِ الإِسلامِيِّ، وخَلَّفَت دَمارًا هائِلًا في بُنيانِه.
إِلّا أنَّ هذه المَصائِبَ كُلَّها كانَت سَبَبًا لِظُهُورِ مُؤَلَّفاتٍ عالَمِيّةٍ شافِيةٍ، وجالِبةٍ لِلرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ، وقادِرةٍ على تَحَدِّي العالَمِ بأَسرِه، هي: رَسائِلُ النُّورِ؛ وعلى يَدِ شَخصِيّةٍ مُخلِصةٍ كبَدِيعِ الزَّمانِ سَعِيدٍ النُّورْسِيِّ الَّذي يَعمَلُ ويُوَدِّي واجِبَ الخِدْمةِ بعَونٍ وتَوفِيقٍ إلٰهِيٍّ.
ولَقَد أَيقَظَت هذه البَلايا المُسلِمِينَ، ودَفَعَتْهُم لِلبَحثِ عن سُبُلِ النَّجاةِ والخَلاصِ، وحَرَّكَت فِيهِمُ الحاجةَ الماسّةَ لِدُرُوسِ الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ كي يُنقِذُوا حَياتَهُمُ الأُخرَوِيّةَ الأَبدِيّةَ، ووَجَّهَتْهُم نَحوَ الِالتِجاءِ إلى اللهِ وإِطاعةِ أَوامِرِه، وذَكَّرَتْهُم بالخَدِيعةِ والتَّقصِيرِ الكَبِيرِ بهذه المَعانِي المَذكُورةِ.. وهذه هِي الحِكْمةُ الحَقِيقيّةُ مِن وُقُوعِ المَصائِبِ والبَلايا الَّتي حَلَّت بالمُسلِمِينَ وسائِرِ البَشَرِ.
أَجَل، إِنَّ الظُّلمَ الشَّنِيعَ الَّذي مارَسَه الأَجانِبُ كالوُحُوشِ الضَّارِيةِ بحَقِّ
— 995 —
العالَمِ الإِسلامِيِّ، والمُعامَلةَ السَّيِّئةَ الَّتي عامَلُوهُم بها، عَجَّلَت ظُهُورَ تَيّاراتِ الحُرِّيّةِ والِاستِقلالِ والِاتِّحادِ الإِسلامِيِّ، وانتَهَت بقِيامِ دُوَلٍ إِسلامِيّةٍ مُستَقِلّةٍ.. وإِنَّنا على غَايةِ الأَمَلِ والرَّجاءِ بعَظِيمِ الرَّحْمةِ الإلٰهِيّةِ الواسِعةِ أن يَتَأَسَّسَ اتِّحادٌ لجَماهِيرِ الأُمَمِ الإِسلامِيّةِ المُتَّفِقةِ، ويَغدُوَ الإِسلامُ حاكِمًا لِلعالَمِ بأَسْرِه إِن شاءَ اللهُ تَعالَى.
إِنَّ مُؤَلِّفَ رَسائِلِ النُّورِ بَدِيعَ الزَّمانِ سَعِيدًا النُّورْسِيَّ مُجاهِدٌ إِسلامِيٌّ عَظِيمٌ، ومُؤَلَّفاتُه المَوسُومةُ برَسائِلِ النُّورِ مُؤَلَّفاتٌ عالَمِيّةٌ أَيَّما مُؤَلَّفاتٍ، فهِي تَشتَمِلُ على أَدَواتِ الفِطْنةِ، وتَمتَلِكُ أَسبابَ النَّجاةِ؛ ولَقَد قَصَمَت ظُهُورَ جَمِيعِ المُنَظَّماتِ المُعادِيةِ لِلدِّينِ، وأَفشَلَت عُمُومَ مُخَطَّطاتِهِمُ الخَبِيثةِ المُضِرّةِ الآنِفةِ الذِّكْرِ، وحَطَّمَت حَجَرَ أَساسِ الإِلحادِ، واقتَلَعَتْه مِن جُذُورِه، ونَقَلَتِ الفُتُوحاتِ الإِسلامِيّةَ والإِيمانيّةَ سِرًّا مِن قَلبٍ إلى آخَرَ، وهَيَّأَتِ البِيئةَ المُناسِبةَ لِلحاكِمِيّةِ المُطلَقةِ لِلقُرآنِ العَظِيمِ الشَّأنِ.
أَجَل، إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ كانَت وستَظلُّ تَعمُرُ وتُصلِحُ تلك التَّخرِيباتِ بحَقائِقِها القُرآنيّةِ الأَلماسِيّةِ، وبأَسرَعِ الطُّرُقِ القُرآنيّةِ وأَسلَمِها، وتُضَمِّدُ وستُضَمِّدُ تلك الجُرُوحَ الغائِرةَ بالأَدوِيةِ الَّتي استَخْلَصَتْها مِن صَيدَلِيّةِ القُرآنِ الحَكِيمِ العَظِيمةِ.
لَقَد أَجمَعَ عُلَماءُ الدِّينِ ومُجاهِدُو الإِسلامِ ذَوُو البَصِيرةِ، وبقَناعةٍ قَطْعِيّةٍ مُستَنِدةٍ إلى الأَفعالِ والشُّهُودِ: أنَّ المُعجِزةَ المَعنَوِيّةَ لِلقُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ، والمُتَمَثِّلةَ في "مُؤَلَّفاتِ رَسائِلِ النُّورِ" هِي الحَلُّ الفَرِيدُ في هذا العَصرِ لِلقَضاءِ على الطُّفَيلِيِّينَ والِاتِّكالِيِّينَ والوُحُوشِ الضَّارِيةِ ومَصّاصِي دِماءِ المُسلِمِينَ الأَبرِياءِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ صَنَعُوا ثَرَواتِهِم مِن دِماءِ الشُّعُوبِ المُتَجمِّدةِ نَتِيجةَ الإِمبِرياليّةِ والِاستِعمارِ البَربَرِيِّ، وهِي كَذلِك السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِسَحْقِ أَعوانِهِمُ المُنتَشِرِينَ بَينَنا مِنَ المُستَبِدِّينَ الظّالِمِينَ، الطُّغاةِ الجَشِعِينَ، اللّاهِثِينَ وَراءَ المَنافِعِ الشَّخصِيّةِ.
أَجَل، لم يَذكُرِ التّارِيخُ البَشَرِيُّ مُؤَلَّفًا كرَسائِلِ النُّورِ، ما يَعنِي أنَّها تَفسِيرٌ فَرِيدٌ لِلقُرآنِ.
— 996 —
أَجَل، لَيسَ العالَمُ الإِسلامِيُّ وَحْدَه مَن يُقَدِّرُ أَمرَ بَدِيعِ الزَّمانِ ويَمتَنُّ له، بل حتَّى العالَمُ المَسِيحِيُّ أَيضًا، حتَّى إِنَّ البابا في رُوما أَرسَلَ رِسالةَ شُكرٍ وتَهنِئةٍ رَسمِيّةً له نَتِيجةَ تَوفِيقِه وانتِصارِه في جِهادِه العامِّ الشّامِلِ ضِدَّ الإِلحادِ.
وسَوفَ أَقرَأُ لَكُمُ الآنَ مُقتَطَفاتٍ مِن كُلِّيّاتِ رَسائِلِ النُّورِ حَولَ الإِيمانِ والقُرآنِ والنَّبِيِّ (ص)، ويُمكِنُكُمُ الحُصُولُ على المُؤَلَّفاتِ كامِلةً ومُطالَعَتُها فِيما بَعدُ.. وقد يَطلُبُ بَعضُ الإِخوةِ تَوضِيحاتٍ حَولَ بَعضِ المَسائِلِ أَثناءَ القِراءةِ، فأَوَدُّ أَن أَتَحدَّثَ بشَيءٍ حَولَ هذا الأَمرِ: عِندَما كانَ أُستاذُنا بَدِيعُ الزَّمانِ يَتَكرَّم أَحيانًا بقِراءةِ شَيءٍ مِن رَسائِلِ النُّورِ لِأَحدِ طُلّابِه، ما كانَ يَشرَحُ شَيئًا، ويقُولُ: "لَقَد وَضَّحَت رَسائِلُ النُّورِ المَسائِلَ الإِيمانيّةَ على قَدْرِ الضَّرُورةِ، وإنَّ أُستاذَ رَسائِلِ النُّورِ هو رَسائِلُ النُّورِ ذاتُها، لم تَدَع حاجةً لِتَلقِّي الدُّرُوسِ وتَعَلُّمِها مِنَ الآخَرِينَ، يُمكِنُ لِكُلِّ أَحَدٍ أن يَستَفِيدَ مِنها بقَدْرِ استِعدادِه وقابِليَّتِه؛ حتَّى وإِن لم تُدرِكِ العُقُولُ كلَّ مَسأَلةٍ مِن مَسائِلِها، لكِن يَنالُ كلٌّ مِنَ الرُّوحِ والقَلبِ والوِجْدانِ حَظَّه ونَصِيبَه مِنها؛ فأَيًّا كانَ مِقْدارُ استِفادَتِكُم مِنها فهُو رِبحٌ عَظِيمٌ لَكُم"، فإِن كانَ إِيضاحُ رِسالةٍ تُركِيّةٍ أو عَرَبِيّةٍ في رِسالةٍ أُخرَى فإِنَّه يَتَناوَلُها على الفَورِ ويَشْرَعُ بقِراءَتِها.
ويقُولُ لِلعُلَماءِ ذَوِي البَصِيرةِ الَّذِينَ أَدرَكُوا النِّیكاتِ الدَّقِيقةَ في رَسائِلِ النُّورِ: "يُمكِنُ أن يكُونَ العالِمُ صاحِبَ عِلمٍ رَفِيعٍ، إِلّا أنَّه عِندَما يَقرَأُ رَسائِلَ النُّورِ لِلجَماعةِ ويَخُوضُ في التَّفاصِيلِ، ويَستَرسِلُ في التَّوضِيحِ بِحَسَبِ ما لَدَيْه مِن مَعلُوماتٍ مَخزُونةٍ، فيُمكِنُ أن يكُونَ تَوضِيحُه هذا سِتارًا يَحُولُ دُونَ إِدراكِ ماهِيّةِ رَسائِلِ النُّورِ، وحِجابًا عن فَهْمِ الحَقائِقِ الَّتي تَضَمَّنَتْها والَّتي تُناسِبُ فُهُومَ عَصرِنا وتُلَبِّي حاجاتِه كامِلةً؛ لِذا كانَ الأَفضَلُ تَأثُّرًا والأَكثَرُ تَأثِيرًا قِراءَتُها كما هي معَ ذِكرِ مَعانِي بَعضِ المُفرَداتِ مِنَ القَوامِيسِ والمَعاجِمِ، وإِخوانُنا في جامِعةِ إِسطَنبُولَ يَقرَؤُونَ على هذا النَّحوِ أَيضًا".
ونَحنُ أَيضًا نقُولُ بِاختِصارٍ: إِنَّ رَسائِلَ النُّورِ فَصِيحةٌ ووَجِيزةٌ جِدًّا، وخَيرُ
— 997 —
الحَدِيثِ ما قَلَّ ودَلَّ؛ فعِندَ تَدرِيسِ مَسأَلةٍ إِيمانيّةٍ وقُرآنيّةٍ لِلعُمُومِ فإِنَّ الِاستِفادةَ تكُونُ أَكبَرَ والفَيضُ أَوفَرَ ما دامَ الدَّرسُ مُجمَلًا.
أُستاذَنا وسَيِّدَنا.. سيَذكُرُكُم ورَسائِلَ النُّورِ إلى الأَبدِ جَمِيعُ المُنصِفِينَ وبكُلِّ إِجلالٍ وتَقدِيرٍ، إِنَّنا نُحِبُّ ونُجِلُّ رَسائِلَ النُّورِ القَيِّمةَ النَّفِيسةَ مِن صَمِيمِ قُلُوبِنا وأَرواحِنا، فلَقَد أَنقَذَت إِيمانَنا بدُرُوسِها في الإِيمانِ التَّحقِيقيِّ، وسيَنتَقِلُ ما نَحمِلُه تِجاهَها مِنَ العِشقِ والمَحَبّةِ والتَّبجِيلِ والِاحتِرامِ مِن جِيلٍ إلى آخَرَ، ومِن عَصرٍ إلى آخَرَ، ومِن حِقْبةٍ إلى أُخرَى إِن شاءَ اللهُ تَعالَى.
أَجَل، إِنَّ الحَقائِقَ الإِيمانيّةَ الَّتي في رَسائِلِ النُّورِ ذاتُ قُوّةٍ عَظِيمةٍ وقُدْرةٍ فائِقةٍ، حتَّى إِنَّ رَكائِزَ الكُفرِ المُطلَقِ ودَعائِمَ الإِلحادِ تَتَهدَّمُ أَمامَها، وتَنجَرِفُ إلى الوِدْيانِ السَّحِيقةِ وتَمُوتُ، وسيَنجُو مَن تَبقَّى مِن أَصحابِها ويُنقِذُونَ أَنفُسَهُم بنُورِ الإِيمانِ والقُرآنِ.
أَجَل، إِنَّ هذه القُوّةَ القُرآنيّةَ عَظِيمةٌ جِدًّا لِدَرَجةٍ تُمَكِّنُها مِن تَسيِيرِ الجِبالِ والصُّخُورِ كالعِهنِ المَنفُوشِ، وإِذابةِ الحَدِيدِ والصَّوّانِ كالزَّيتِ.. سيَعُمُّ الدُّنيا النُّورُ والسَّعادةُ، وسيُنقِذُ هذا النُّورُ القُرآنِيُّ الإِيمانَ، ويكُونُ حاكِمًا لِلدُّنيا بأَسْرِها.
وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
٭ ٭ ٭
— 998 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
يَا اَلله، يَا رَحْمٰنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحقِّ الِاسمِ الأَعظَمِ وبحُرمةِ القُرآنِ المُعجِزِ البَيانِ وبكَرامةِ الرَّسُولِ الأَعظَمِ (ص)، أَدخِلِ الَّذين قامُوا بطَبعِ هذه المَجمُوعةِ ومُعاوِنيهم المَيامِينَ جَنّةَ الفِردَوسِ والسَّعادةِ الأبدِيّةِ.. آمين. ووَفِّقْهم في خِدمةِ الإيمانِ والقُرآنِ دَومًا وأَبدًا.. آمين. واكتُب في صَحِيفةِ حَسَناتِهم أَلفَ حَسَنةٍ لكلِّ حَرفٍ مِن حُرُوفِ كتابِ "الكَلِماتِ".. آمين. وأَحْسِنْ إلَيهمُ الثَّباتَ والدَّوامَ والإخلاصَ في نَشرِ رسائلِ النُّورِ.. آمين
يا أَرحَمَ الرّاحِمين، آتِ جَميعَ طُلّابِ النُّورِ في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخِرةِ حَسَنةً.. آمين. واحْفَظْهُم مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ.. آمين. واعْفُ عن ذُنُوبِ هذا العَبدِ العاجِزِ الضَّعِيفِ سَعِيدٍ.. آمين
باسم جميع طُلّاب النور
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭