— 68 —
المسألة الثالثة
جبل قاف
اعلم أن العلمَ بوجود شيء غيرُ العلم بنوعيته وماهيته. فلا بد من التمييز بين هاتين النقطتين. فكم من يقين الأصل تصرّف فيه الوهمُ حتى أخرجه من الإمكان إلى الامتناع... فشاوِر فيه "المقدمة السابعة" تُجبْك بلسان فصيح.
نعم، وكم من قطعي المتن تزاحمت الظنونُ في دلالته، بل تحيرت الأفهامُ بالإجابة عن السؤال: ما المراد؟. فشقق صَدَف "المقدمة الحادية عشرة" تجد هذه الجوهرة.
تنبيه: ولما كان هذا الأمر هكذا.. فلا يشير من قطعي المتن إلى "قاف" إلّا ق والقرآن المجيد . بينما يجوز أن يكون ق كی ص، فليس هو في شرق الدنيا بل في غرب الفم. فيسقط الدليل من اليقين بهذا الاحتمال.
ثم إن دليلًا آخر بعدم وجود قطعي الدلالة غير هذا، قولُ أحد مجتهدي الشريعة وهو القرافي: "لا أصل له". [٭]: انظر: ابن حجرالهيتمي، تحفة المحتاج ١/٤٢٧؛ الآلوسي، روح البيان ٢٦/١٧١، ١٧٢.
أما نسبة كيفيته المشهورة إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنه، [٭]: انظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٤/٢٢٢؛ السيوطي، الدرر المنتثرة ٧/٥٨٩؛ الشوكاني، فتح القدير ٥/٧٣. فانظر في مرآة "المقدمة الرابعة" ليتمثل لك وجه نسبتها. علمًا أن كلَّ ما قاله ابن عباس كما لا يلزم أن يكون حديثًا، كذلك لا يلزم قبوله لكل ما نقله، لأن ابن عباس قد التفتَ قليلًا أيام شبابه إلى الإسرائيليات عن طريیق الحكايیات إظیهیارًا لبیعیض الیحیقیائیق.
وإذا قلت: إن لعلماء الصوفية تصويرات كثيرة حول "قاف". [٭]: انظر: ابن عربي، الفتوحات المكية، ٥/١٠٩.
أقول جوابًا: إن عالَم المثال المشهور هو ميدان جولانهم، فكما نتجرد من ملابسنا، فهم يتجردون من أجسادهم ويشاهدون ذلك المعرض الحاوي للعجائب والغرائب بالسير الروحاني، فی"قاف" متمثل في ذلك العالم كما يعرّفونه. إذ كما تتمثل السموات والنجوم في مرآة صغيرة، يتمثل أصغر الأشياء من عالم الشهادة -كالبذرة- شجرةً ضخمة في عالم المثال بتأثير
— 69 —
من تجسم المعاني. ولا يُخلَط أحكامُ هذين العالمين قط. والمطّلع على لبّ كلام محي الدين بن عربي يصدّق هذا.
أما ما اشتهر بين العوام ومَن هم مثلهم أن "قیاف" جیبل محيیط بیالأرض متعدد، ما بين كل اثنين منه مسافة خمسمائة سنة، ذروتُه تمس السماء.. إلى آخر خيالاتهم، فاقتبِسْ من "المقدمة الثالثة" لتقويم هیذه الخيالات، ثم ادخل في هیذه الظلمات لعلك تیجید زلال بلاغتها.
وإن أردت أن تعرف عقيدتي في هذه المسألة، فاعلم أنني أجزم بوجود "قاف" ولكن أحيل كيفيته إلى ثبوت حديث صحيح متواتر؛ فإن ثبت الحديث في بيان كيفيته أؤمن به على ما أراد النبي (ص) الذي هو صدق وصحيح وحق، لا على ما تخيّله الناس، لأنه قد يكون المفهوم غيرَ المراد. وأما ما فهمناه من هذه المسألة فنعطيكه:
أولًا: إن جبل "قاف" هو سلسلة هيمالايا التي هي أم أعظم جبال "جامولار" التي هي سلسلة أحاطت بمعظم الشرق، والتي كانت حاجزة بين البدويين والمدنيين سابقًا، ويقال: إنه قد تشعب من عرق هذه السلسلة أكثر جبال الدنيا، ومن هذا الأصل نشأ الفكرُ المشهور بإحاطة "قاف" للدنيا.
ثانيًا: إن عالم المثال برزخ بين عالَمي الشهادة وعالَم الغيب، فهو يشبه الأول صورةً والآخر معنًى، هذا المفهوم يحل ذلك المُعَمَّى واللغز.
فمن شاء أن يطّلع قليلًا على هذا العالَم (عالَم المثال) فله أن ينظر إليه بنافذة الكشف الصیادق، أو بمنفذ الرؤيیا الصیادقة، أو بمنظار المواد الشفافة، أو على الأقل بشیاشة الخيال الخلفية؛ فهناك دلائل كثيرة جدًّا على وجود هذا العالم، عالمِ المثال وتجسُّمِ المعاني فيه.
وبناء على هذا يمكن أن يكون "قاف" الموجود في هذه الكرة الأرضية بذرة "قاف" ذي عجائبَ موجودٍ في عالم المثال.
ثالثًا: إن مُلك اللّٰه واسع لا ينحصر في هذه الكرة الفقيرة. وفضاء اللّٰه أوسع ودنيا اللّٰه أعظم من أن يضيق بی"قاف" ذي عجائب. وليس خارجًا من الإمكان العقلي. إنه يناطح
— 70 —
برأسه كتف السماء -التي هي موج مكفوف- [٭]: الترمذي، تفسير سورة الحديد ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٥. رغم بُعده خمسمائة سنة من أيام اللّٰه عن كرتنا الأرضية، إذ يجوز أن يكون "قاف" شفافًا وغير مرئي كالسماء.
رابعًا: لِمَ لا يجوز أن يكون "قاف" سلسلة عظيمة تجلت في دائرة الأفق، مثلما أن اسم الأفق يكون مصدرًا لی"قاف" لأنه أينما نظر المرء تتراءى له دائرة من سلاسلَ جبلية كالدوائر المتداخلة، وهكذا بالتدريج والتعاقب يَثْبت النظرُ ويبقى، مسلِّمًا أمرَه إلى الخيال، حتى يتخيل الخيالُ دائرةً من سلاسل جبلية محيطة بالأرض تمس أطراف السماء. فتشاهَد متصلة بها بدلالة الكروية حتى لو كان البُعد خمسمائة سنة.