صيقل الإسلام
— 64 —

المسألة الثانية

لا يخفى أن "مسألة الثور والحوت" المشهورة دخيلةٌ في الإسلام وطفيلية عليه، أسلمتْ مع راويها. فإن شئتَ فراجع "المقدمة الثالثة" لترى من أي باب دخلت.
أما نسبتُها إلى ابن عباس رضي اللّٰه عنهما، فانظر إلى مرآة "المقدمة الرابعة" ترى سرّ إلحاقها به.
وبعد هذا فإن كونَ "الأرض على الثور والحوت" يروى فيه حديث: [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/١٥٣، ١٩٤، ٢١/٧٢؛ الحاكم، المستدرك ٤/٦٣٦؛ ابن عبد البر، التمهيد ٤/٩؛ الهيثمي مجمع الزوائد ٨/١٣١ (نقلا عن البزار). وقد فَصلت "اللمعةُ الرابعة عشرة" هذه المسألة.
أولًا: لا نسلّم أنه حديث، لأن عليه علامة الإسرائيليات.
— 65 —
ثانيًا: ولو سلّمنا أنه حديث، فإنه آحادي، يفيد الظن لضعف الاتصال، فلا يدخل في العقيدة، إذ اليقين شرطٌ فيها.
ثالثًا: حتى لو كان متواترًا وقطعيّ المتن، فليس بقطعيّ الدلالة. فراجع المقدمة الحادية عشرة، وتأمل في المقدمة الخامسة لترى كيف استهوت الظاهريين الخيالاتُ حتى حرفوا هذا الحديث عن محامله الصحيحة ووجوهه الصائبة.
فالوجوه الصحيحة له ثلاثة:
الوجه الأول: فكما أن حَمَلة العرش المسماة بی: "الثور، النسر، الإنسان" وغيرهم ملائكة، [٭]: انظر: الطبري، التفسير ١/٣٤٣؛ السيوطي، الدر المنثور ٥/٤٨٦؛ تفسير الخازن، ٦/١٥٣. كذلك هذا الثور والحوت ملَكان اثنان حاملان للأرض. وإلّا فإن تحميل العرش العظيم على الملائكة، بينما الأرض على ثور عاجز -كالأرض- مناف لنظام العالم! ويرِد في لسان الشريعة: أن لكل نوع ملَكًا موكلًا خاصًا به يلائمه، وقد سمي ذلك الملَك باسم ذلك النوع، بناءً على هذه العلاقة، وربما يتمثل بصورته في عالم الملائكة. وقد روي حديث بهذا المعنى، أن الشمس تغرب في كل مساء تحت العرش وتسجد عنده ثم تستأذن وتعود. [٭]: انظر: البخاري، بدء الخلق ٤؛ مسلم، الإيمان ٢٥٠؛ الترمذي، الفتن ٢٢.
نعم، إن الملك الموكّل على الشمس اسمه الشمس ومثاله الشمس، وهو الذي يذهب ويؤوب.
ولدى الفلاسفة الإلهيين: أن لكل نوع ماهيةً مجرّدةً حية ناطقة تمد الأفراد. ويعبّر عنهم الشرع: مَلَك الجبال ومَلَك البحار وملك الأمطار، إلّا أنه لا تأثير لهم تأثيرًا حقيقيًا إذ لا مؤثر في الكون إلّا اللّٰه.
أما الحكمة في وضع الأسباب الظاهرية، فهي في إظهار العزة والعظمة لئلا يرى النظرُ المتوجه إلى "دائرة الأسباب" مباشَرةَ يدِ القدرة لأمور خسيسةٍ ظاهرة من دون حجاب. أما في الملكوتية وفي حقيقة الأمر وهي "دائرة العقيدة"، فإن مباشرةَ يدِ القدرة بدون حجاب لكل شيء، يلائم العزةَ؛ إذ كل شيء في هذه الجهة سامٍ وعالٍ... ذلك تقدير العزيز العليم.
— 66 —
الوجه الثاني: إن الثور هو المثير للحرث وأهم واسطة لزراعة الأرض وعمارتِها. أما الحوت (السمك) فهو مصدر عيش أهل السواحل، بل كثير من الناس.
فإذا سأل أحد: بِمَ تقوم الدولةُ؟
فالجواب: على السيف والقلم.
أو إذا سأل: بِمَ تقوم المدنية؟
فالجواب: على المعرفة والصناعة والتجارة.
أو إذا سأل: بِمَ تدوم البشرية وتبقى؟
فالجواب: بالعلم والعمل.
كذلك أجاب سيدُ الكونين وفخرُ العالمين (ص) -واللّٰه أعلم- بناء على ما سبق ذلك السائلَ الذي لم يستعد ذهنُه لدرك الحقائق -بدلالة المقدمة الثانية- وسأل عن شيء خارج نطاق وظيفته: الأرض على أي شيء؟ فأجابه رسولنا الكريم (ص) بما يلزمه أصلًا: الأرضُ على الثور. أي إن عمارة الأرض لنوع البشر ومنبع الحياة لأهل القرى منهم، على الزراعة، والزراعة محمولةٌ على كاهل الثور. وإن معظم معيشة القسم الآخر من البشر، ومعظم مصادر تجارة أهل المدنية، في جوف السمك وعلى الحوت. حتى يصدقُ عليهم المثل السائر: كلُّ الصيد في جوف الفرا! [٭]: من أمثال العرب، ضربه النبي (ص) مثلًا لأبي سفيان حين قال له: أنت يا أبا سفيان! كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا. والمثل يضرب في الواحد الذي يقوم مقام الكثير لعظمه (المستقصى من أمثال العرب، للزمخشري ٢/٢٢٤).
وفي النهاية لابن الأثير ٣/٤٢٢ الفرأ مهموز مقصور: حمار الوحش، وجمعه فراء. قال له ذلك بتأليفه على الإسلام، يعني: أنت في الصيد كحمار الوحش، كل الصيد دونه.
فهذا جواب لطيف حقّ، حتى لو كان مزاحًا فإنه (ص) لا يقول إلّا حقًا. ولو سُلّم أن السائل سأل عن كيفية الخِلقة. فقد (تلقّى السامع بغير المترقب) [٭]: هذه العبارة وأمثالها من الجمل والفقرات المحصورة بين قوسين مركنين )...( جاءت في النص التركي باللغة العربية. كما هو القاعدة في علم البيان، إذ تُلقى الإجابة عن الضروري والمطلوب بأسلوب حكيم. ولم يجاوبه على وفق شهية
— 67 —
السائل المريض الكاذبة. والآية الكريمة:
﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ﴾
(البقرة:١٨٩) براعةُ الاستهلال لهذه الحقيقة.
الوجه الثالث: إن الثور والحوت برجان مقدّران في مدار الأرض السنوي. فتلك البروج وإن كانت افتراضية موهومة، إلّا أن السنن الإلهية الجارية في العالم والتي تنظِّم وتربط الأجرام السماوية والمسماة لفظًا واصطلاحًا بالجاذبية العامة، قد تمركزت في تلك البروج، لذا فالتعبير الفلكي: "الأرض على البروج" جائز.
هذا الوجه هو في نظر علم الفلك الحديث، لأن القديم قد افترض البروجَ في السماء، بينما الحديث افترضها في مدار الأرض، لذا يحوز هذا التأويل أهميةً في نظر الفَلك الحديث.
ثم إنه قد روي أن السؤال تَعَدَّد، فمرة أجاب: "على الحوت" وأخرى -بعد شهر- أجاب: "على الثور". بمعنى أن خيوط القانون المذكور وأشعتَها المنتشرة في كل جهة من جهات الفضاء الواسع غيرِ المحدود، قد تجمعتْ وتمركزت في برج الحوت، لذا انطلقت الكرة الأرضية من برج الدلو ومسكت بالقانون المتدلي من برج الحوت، وتعلقت ثمرةً يانعة على غصن من شجرة الخلقة... أو إنها -أي الأرض- كالطير جثمت على برج الثور وبنت عشها فيه.
وبعد ما عرفتَ هذا دقِّق النظر منصفًا:
إنه حسب مضمون "المقدمة الخامسة" ترى كيف تؤوّل تلك المسألة العجيبة المشهورة التي تدور بين أهل الخيال المولعين باختراع الغرائب بغير إسناد العبثية إلى الحكمة الأزلية، وبغير إحالة الإسراف إلى الصنعة الربانية، وبغير إخلال النظام البديع الذي هو برهان الصانع الجليل؟
ألا تبًّا وسُحقًا وبُعدًا للجهل!!