صيقل الإسلام
— 483 —

الكلمة السادسة: "الشورى"

إن مفتاح سعادة المسلمين في حياتهم الاجتماعية إنما هو "الشورى". فالآية الكريمیة تأمرنا باتخاذ الشورى في جميع أمورنا، إذ يقول سبحانه:
وأمرُهیُم شورى بينهم
(الشورى:٣٨).
أجل، فكما أن تَلاحُقَ الأفكار بين أبناء الجنس البشري إنما هو شورى على مر العصور بوساطة التاريخ، حتى غدا مدارَ رقيّ البشرية وأساسَ علومها، فإن سبب تخلف القارة الكبرى التي هي آسيا عن ركب الحضارة إنما هو لعدم قيامها بتلك الشورى الحقيقية.
إن مفتاح قارة آسيا وكشافَ مستقبلها إنما هو الشورى، أي كما أن الأفراد يتشاورون فيما بينهم، كذلك ينبغي أن تسلك الطوائف والأقاليم المسلكَ نفسه فتتشاور فيما بينها. إن فك أنواع القيود التي كَبّلت ثلاثمائة بل أربعمائة مليون مسلم، ورَفَعَ أنواعَ الاستبداد عنهم إنما يكون بالشورى والحرية الشرعية النابعة من الشهامة الإسلامية والشفقة الإيمانية، تلك الحرية الشرعية التي تتزين بالآداب الشرعية وتنبذ سيئات المدنية الغربية.
إن الحرية الشرعية النابعة من الإيمان إنما تأمر بأساسين:
١- ( أن لا يُذَلِّل "المسلمُ" ولا يَتَذلَّل.. من كان عبدًا للّٰه لا يكون عبدًا للعباد ).
— 484 —
٢- (أن لا يجعل بعضكُم بعضًا أربابًا من دون اللّٰه). إذ من لا يعرف اللّٰه حق معرفته يتوهم نوعًا من الربوبية لكل شيء، في كلٍّ حَسَبَ نسبته، فيسلّطه على نفسه.
(نعم إن الحرية الشرعية عطية الرحمن) وتجلٍ من تجليات الخالق الرحمن الرحيم، وهي خاصّة من خصائص الإيمان.
فليحيا الصدقُ، ولا عاش اليأسُ، فلتدُم المحبة ولتقْوَ الشورى، والملامُ على من اتبع الهوى، والسلام على من اتبع الهدى..آمين.
وإذا قيل:
لِمَ تهتم بالشورى إلى هذا الحد، وكيف يمكن أن تتقدم البشريةُ عامة وآسيا والإسلامُ بوجه خاص بتلك الشورى؟
الجواب: فكما أوضحتْ لمعةُ "الإخلاص" وهي اللمعة الحادية والعشرون: أن الشورى الحق تُوَلِّد الإخلاص والتساند، إذ إن ثلاث ألفات هكذا (١١١) تصبح مئة وإحدى عشرة، فإنه بالإخلاص والتساند الحقيقي يستطيع ثلاثة أشخاص أن يفيدوا أمتهم فائدةَ مئةِ شخص. ويخبرنا التاريخ بحوادث كثيرة أن عشرة رجال يمكنهم أن يقوموا بما يقوم به ألف شخص بالإخلاص والتساند الحقيقي والشورى فيما بينهم.
فما دامت احتياجات البشر لا حدّ لها وأعداؤه دون حصر، وقوته ورأس ماله جزئيان محدودان جدًا، ولاسيما بعد ازدياد المخرِّبين والمتوحشِين نتيجةَ تفشّي الإلحاد.. فلابد أن يكون أمام أولئك الأعداء غير المحدودين والحاجاتِ التي لا تحصر نقطةُ استناد تنبع من الإيمان، فكما تستند حياته الشخصية إلى تلك النقطة فإن حياته الاجتماعية أيضًا إنما تستطيع أن تدوم وتقاوم بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الإيمان، فتوقف أولئك الأعداء الشرسين عند حدّهم وتلبي تلك الاحتياجات.