— 480 —
الكلمة الخامسة: "تضاعف السيئات والحسنات"
إن الدرس الذي تعلمته من الشورى الشرعية هو: أن سيئة امرئٍ واحدٍ في هذا الزمان، لا تبقى على حالها سيئة واحدة، وإنما قد تكبر وتسري حتى تصبح مئة سيئة. كما أن حسنة واحدة أيضًا لا تبقى على حالها حسنة واحدة بل قد تتضاعف إلى الآلاف. وحكمة هذا وسره هو: أن الحرية الشرعية والشورى المشروعة قد أظهرتا سيادة أمتنا الحقيقية؛ إذ إن حجر الأساس في بناء أمتنا وقوامَ روحها إنما هو الإسلام، وإن الخلافة العثمانية والجيش التركي من حيث كونهما حاملين لراية تلك الأمة الإسلامية فهما بمثابة الصَدَفة والقلعة للأمة، وأن العرب والترك هما الأخوان الحقيقيّان وسيظلان حارسين أمينين لتلك القلعة المنيعة، والصَدَفة المتينة.
وهكذا فبفضل هذه الرابطة المقدسة التي تشد الأمة الإسلامية بعضها ببعض يصبح المسلمون كافةً كعشيرة واحدة. فترتبط طوائفُ الإسلام برباط الأخوّة الإسلامية كما يرتبط أفراد العشيرة الواحدة ويُمد بعضهم بعضًا معنويًّا، وإذا اقتضى الأمر فماديًا، وكأن الطوائف الإسلامية تنتظم جميعها كحلقاتِ سلسلةٍ نورانية. فكما إذا ارتكب فرد في عشيرة ما جريمةً فإن عشيرته بأسرها تكون مسؤولة ومتّهَمة في نظر العشيرة الأخرى وكأن كل فرد من تلك العشيرة هو الذي قد ارتكب الجريمة، فتلك الجريمة قد أصبحت بمثابة الألوف منها، كذلك إذا قام أحد أفراد تلك العشيرة بحسنةٍ واحدة، افتخر بها سائر أفراد العشيرة وكأن كل فرد منها هو الذي كسب تلك الحسنة.
فلأجل هذه الحقيقة فإن في زماننا هذا ولاسيما بعد أربعين أو خمسين سنة ليس المسيء هو وحده الذي يتضرر من سيئته، بل تتضرر الأمة الإسلامية بملايينها بتلك السيئة. وستظهر أمثلة هذه الحقيقة بكثرة بعد أربعين أو خمسين سنة.
يا إخواني المستمعين إلى أقوالي في هذا الجامع الأموي، ويا أيها الإخوان المسلمون في جامع العالم الإسلامي بعد أربعين أو خمسين عامًا!
لا يعتذرنّ أحدكم بالقول: "إننا لا نضرّ أحدًا ولكننا لا نستطيع أن ننفع أحدًا أيضًا. فنحن معذورون إذن". فعذركم هذا مرفوض، إذ إن تكاسلكم وعدم مبالاتكم وتقاعسكم
— 481 —
عن العمل لتحقيق الاتحاد الإسلامي والوحدة الحقيقية للأمة الإسلامية، إنما هو ضرر بالغ وظلم فاضح.
وهكذا فكما أن سيئة واحدة تتضاعف إلى الألوف فإن حسنة واحدة في زماننا هذا -وأعني بالحسنة هنا ما يتعلق بقدسية الإسلام- لا تقتصر فائدتها على فاعلها وحده بل يمكن أن تتعداه ليعم نفعها -معنويًا- ملايينَ المسلمين ويشدُّ من حياتهم المادية والمعنوية.
وعليه فإن هذا الزمان ليس زمان الانطراح على فراش الكسل والخلود إلى الراحة وعدم المبالاة بالمسلمين بترديد: "أنا مالي".
يا إخوتي في هذا الجامع، ويا إخواني في مسجد العالم الإسلامي الكبير بعد أربعين أو خمسين عامًا!
لا يذهب بكم الظن أنني صعدت هذا المنبر لأرشدكم وأنصحكم، بل ما صعدته إلّا لأذكر حقنا عليكم وأطالبكم به، إذ إن مصالح الطوائف الصغيرة وسعادتها الدنيوية والأخروية ترتبط بأمثالكم من الطوائف الكبيرة العظيمة، والحكام والأساتذة من العرب والترك؛ فإنّ تكاسلكم وتخاذلكم يضران بإخوانكم من الطوائف الصغيرة من أمثالنا أيّما ضرر. وإنني أوجه كلامي هذا بوجه خاص إليكم يا معشر العرب العظماء الأماجد، ويا من أخذتم من التيقظ حظًا أو ستتيقظون تيقظًا تامًا في المستقبل؛ لأنكم أساتذتنا وأساتذة جميع الطوائف الإسلامية وأئمتها، فأنتم مجاهدو الإسلام الأوائل، ثم جاءت الأمة التركية العظيمة لِتُمدّ وظيفتكم المقدسة تلك أيّما إمداد. لذا فإن ذنبكم عظيم بالتكاسل والتقاعس، كما أن حسناتكم جليلة وسامية أيضًا. ولا سيما نحن على أمل عظيم برحمة اللّٰه أنه بعد مرور أربعين أو خمسين عامًا تتحدون فيما بينكم -كما اتحدت الجماهير الأمريكية- وتَتَبَوَّءون مكانتكم السامية وتوفَّقون بإذن اللّٰه إلى إنقاذ السيادة الإسلامية المأسورة وتقيمونها كالسابق في نصف الكرة الأرضية بل في معظمها. فإن لم تقم القيامة فجأة فسيرى الجيل المقبل هذا الأمل.
فيا إخوتي الكرام!
أرجو أن لا يذهب بكم الظن بأنني بكلامي هذا أستنهض هممكم للاشتغال بالسياسة -حاش للّٰه-، فإن حقيقة الإسلام أسمى من كل سياسة، بل جميعُ أصناف السياسة وأشكالها
— 482 —
يمكن أن تسير في ركاب الإسلام وتخدمه وتعمل له، وليس لأية سياسة كانت أن تَستغل الإسلامَ لتحقيق أغراضها.
فأنا بفهمي القاصر أتصور المجتمع الإسلامي ككل -في زماننا هذا- أشبهَ ما يكون بمصنع ذي تروس وآلات عديدة؛ فإذا ما تعطل تُرس من ذلك المصنع أو تجاوز على رفيقه الترسِ الآخرِ فسيختل حتمًا نظامُ المصنع الميكانيكي. لذا فقد آن أوان الاتحاد الإسلامي وهو على وشك التحقق. فينبغي أن تصرفوا النظر عن تقصيراتكم الشخصية، وليتجاوزْ كلٌّ عن الآخر.
وهنا أنبّه ببالغ الأسى والأسف إلى أن قسمًا من الأجانب كما سلبوا أموالنا الثمينة وأوطاننا، بثمن بخس دراهم معدودة مزوّرة، كذلك فقد سلبوا منا قسمًا من أخلاقنا الرفيعة وسجايانا الحميدة والتي بها يترابط مجتمعنا، وجعلوا تلك الخصال الحميدة محورًا لرقيهم وتقدمهم، ودفعوا إلينا نظير ذلك رذائل طباعهم وسفاهة أخلاقهم.
فمثلًا: إن السجية الملّية التي أخذوها منا هي قول واحدٍ منهم:
"إن متّ أنا فلتحيَ أمتي، فإن لي فيها حياة باقية" هذه السجية أقوى أساسٍ وأمتنُه لرقيهم وتقدمهم، قد سرقوها منا؛ إذ هذه الكلمة إنما تنبع من الدين الحق ومن حقائق الإيمان، فهي لنا وللمؤمنين جميعًا، بينما دخلت فينا أخلاق رذيلة وسجايا فاسدة، فترى ذلك الأناني الذي فينا يقول: "إذا متّ ظمآن فلا نزل القطر" و"إن لم أرَ السعادة فعلى الدنيا العفاء!" فهذه الكلمة الحمقاء إنما تنبع من عدم وجود الدين ومن عدم معرفة الآخرة، فهي دخيلة علينا تسمّمنا. ثم إن تلك السجية الملية عندما سرت إلى الأجانب يكتسب كلُّ فرد منهم قیيمة عظيمیة حتى كأنه أمیة وحیده؛ لأن قيمیة الشخص بهمّته، فمن كانت همتُه أمتَه فهیو بحد ذاته أمة صغيرة قائمة.
وبسبب عدم تيقظ أناس منا، وبحكم أَخْذِنا الأخلاقَ الفاسدة من الأجانب فإن هناك مَن يقول: "نفسي نفسي" مع ما في أمتنا الإسلامية من سموٍّ وقدسيةٍ. فألف رجل مثل هذا الشخص الذي لا يفكر إلّا بمصلحته الشخصية ولا يبالي بمصلحة الأمة، إنما ينزل بمنزلة شخص واحد.
— 483 —
(مَن كانت همتُه نفسَه فليس من الإنسان لأنه مدني بالطبع) فهو مضطر لأن يراعي أبناءَ جنسه، فإن حياته الشخصية يمكن أن تستمر بحياته الاجتماعية. فمثلًا:
إن الذي يأكل رغيفًا عليه أن يفكّر كم يحتاج إلى الأيدي التي تُحضِر له ذلك الرغيفَ. فهو يقبّل تلك الأيدي معنى. وكذا الثوب الذي يَلبسه، كم من الأيدي والآلات والأجهزة تضافرت لتهيئته وتجهيزه. وقِيسُوا على منوال هذين المثالين لتعلموا أن الإنسان مفطور على الارتباط بأبناء جنسه من الناس لعدم تمكنه من العيش بمفرده، وهو مضطر إلى أن يعطي لهم ثمنًا معنويًا لدفع احتياجاته، لذا فهو مدني فطرةً. فالذي يحصر نظره في منافعه الشخصية وحدها إنما ينسلخ من الإنسانية ويصبح حيوانًا مفترسًا، اللّٰهم إلّا من لا حيلة له، وله معذرة حقيقية.