صيقل الإسلام
— 433 —

تنبيه

إن الذي يسوقكم إلى التأمل استقالتي على المدنية.
نعم، إنني أفضّل البداوة على هذه المدنية الممزوجة بالاستبداد والسفاهة والذل. إن هذه المدنية تجعل الأشخاص فقراء وسفهاء وسيئي الأخلاق، بينما تسعى المدنية الحقيقية لترقية النوع الإنساني وتدفعه إلى التكامل، وتخرج ماهيته النوعية من القوة إلى الفعل، لذا فإن طلب المدنية والسعي لها انطلاقًا من هذه الزاوية يعدّ سعيًا نحو الإنسانية.
ثم إن سبب افتتاني بمحبة معنى المشروطية هو أن المدخل الأول لتقدم آسيا والعالم الإسلامي في المستقبل هو المشروطية المشروعة والحرية التي هي ضمن نطاق الشريعة. وأن
— 434 —
مفتاح حظّ الإسلام وسعده ورقيه موجود في الشورى التي في المشروطية. حيث قد انسحق -لحدّ الآن- ثلاثمائة مليون من المسلمين تحت أقدام الاستبداد المعنوي للأجانب.
وحيث إن الحاكمية الإسلامية مهيمنة الآن في العالم ولاسيما في آسيا، فإن كل مسلم يكون مالكًا لجزء حقيقي من الحاكمية. وإن الحرية هي العلاج الوحيد لإنقاذ ثلاثمائة مليون من المسلمين من الأسر. فحتى لو تضرر هنا -بفرض محال- عشرون مليونًا من الناس في أثناء إرساء الحرية، فليكن ذلك فداءً، إذ نأخذ ثلاثمائة بدفع عشرين.
وا أسفى! إن العناصر والقوميات الموجودة عندنا مختلطة اختلاط أجزاء الهواء، ولم تمتزج امتزاج أجزاء الماء. وستمتزج تلك العناصر والقوميات بالإسلام الذي يفعل فعل التيار الكهربائي فيهم. وسيأتي بإذن اللّٰه مزاج العدالة المنصفة المتولدة من حرارة نور المعارف الإسلامية.
فلتعش المشروطية المشروعة، ولتدم الحرية النيّرة المسترشدة بتربية حقيقة الشريعة.
غريب زمان الاستبداد
بديع زمان المشروطية
وبدعة هذا الزمان
سعيد النورسي