صيقل الإسلام
— 409 —

المحكمة العسكرية العرفية

أو
شهادة مدرستي المصيبة
"التي طبعت سنة (١٩٠٨م)"
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 410 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 411 —
باسمه سبحانه
﴿ وإن منْ شىءٍ إلّا يُسبّحُ بحمده ﴾
المقدمة
حينما كانت "الحرية" قرينةَ الجنون، جَعَلَ الاستبدادُ الضعيف مستشفى المجاذيب مدرسةً لي.
وحينما كانت العدالة والاستقامة التبستا مع الرجعية، صيّر الاستبداد الشديد في المشروطية السجنَ مدرسةً لي.
فيا أيها المحترَمون الناظرون إليّ لشهادتي هذه! أرجو أن تبعثوا أرواحكم وخيالكم ضيوفًا إلى ذهنِ طالب بدوي عصبي المزاج وإلى جسده، وهو يكابد الاضطراب وقد انخرط حديثًا في المدنية، وذلك لئلا تقعوا في خطأِ تخطئةِ الآخرين.
لقد قلت في المحكمة العسكرية العرفية في أثناء حادثة (٣١) مارت:
إنني طالب شريعة، لذا أزن كل شيء بميزان الشريعة. فالإسلام وحده هو ملّتي، لذا أُقيّم كلَّ شيء وأنظر إليه بمنظار الإسلام.
وإنني إذ أقف على مشارفِ عالم البرزخ الذي تدعونه: "السجن" منتظِرًا في محطة الإعدام، القطارَ الذي يقلّني إلى الآخرة أشجب وأنقد ما يجري في المجتمع البشري من أحوال ظالمة غدارة. فخطابي ليس موجهًا إليكم وحدكم وإنما أُوجهه إلى بني الإنسان كلهم في هذا العصر. فلقد انبعثت الحقائق من قبر القلب عارية مجردة بسر الآية الكريمة:
﴿ يوم تبلى السرائر ﴾
(الطارق:٩)... فمن كان أجنبيًا غير محرَم فلا ينظر إليها. إنني متهيئ بكل شوق للذهاب إلى الآخرة، ومستعد للرحيل إليها مع هؤلاء المعلقين على المشانق. تصوروا مبلغ اشتياقي إليها بهذا المثال:
قروي مغرم بالغرائب سمع بعجائب إسطنبول وغرائبها وجمالها ومباهجها، كم يشتاق إليها؟
— 412 —
فأنا الآن مثل ذلك القروي، مشتاق إلى الآخرة التي هي معرض العجائب والغرائب.
لذا فإن إبعادي ونفيي إلى هناك لا يُعدّ عقابًا لي. ولكن إن كان في قدرتكم وفي استطاعتكم تعذيبي وإيقاعُ العقاب عليّ فعذِّبوني وجدانًا، فما دونه ليس عذابًا ولا عقابًا بل فخرًا وشرفًا.
لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد، إلّا أنها الآن تعادي الحياة بأكملها؛ فإن كانت الحكومة على هذا الشكل والمنطق، فليعش الجنون وليعش الموت، ولتعش جهنم مثوًى للظالمين.
لقد كنت آمل أن يُهَيَّأَ لي موضعٌ لأبيّن فيه أفكاري، وها قد أصبحت هذه المحكمة العرفية خير مكان لأبث منها أفكاري.
في الأيام الأولى من التحقيق سألوني مثلما سألوا غيري:
"وأنت أيضًا قد طالبت بالشريعة"!
قلت: لو كان لي ألف روح، لكنت مستعدًا لأن أضحي بها في سبيلِ حقيقة واحدة من حقائق الشريعة، إذ الشريعة سبب السعادة وهي العدالة المحضة وهي الفضيلة. أقول: الشريعة الحقة لا كما يطالب بها المتمردون.
وقالوا كذلك: هل انضممت إلى "الاتحاد المحمدي؟ [٭]: تشكلت هذه الجمعية في ٥ نيسان ١٩٠٩، وأعلن عنها في اجتماع ديني حاشد في جامع أياصوفيا، ألقى فيه الأستاذ النورسي خطبة رائعة.
قلت: نعم، بكل فخر واعتزاز! أنا من أصغر أعضائه، ولكن بالوجه الذي أعرّفه. أروني أحدًا خارج ذلك الاتحاد من غير الملحدين.
وهكذا فأنا أنشر اليوم ذلك الخطاب لأنقذ المشروطية من التلوث، وأنجيَ أهل الشريعة من اليأس، وأخلّصَ أبناء العصر من وصم الجهل والجنون بهم في نظر التاريخ، وأنتشل الحقيقة من الأوهام والشبهات.
فها أنا أبدأ بخطابي.
أيها القادة! أيها الضباط!
إن خلاصة جناياتي التي اقتضت سجني هي:
— 413 —
( إذا محاسني اللاتي أدلّ بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟ ).
[٭]: للبحتري من قصيدة يمدح بها علي بن مر.
وفي البداية أقول:
إن الشريف لا يتنازل لارتكاب جريمة، وإن اتُّهم بها لا يخاف من الجزاء والعقاب؛ فلئن أُعدمتُ ظلمًا فإني أغنم ثواب شهيدين معًا، وإن لبثت في السجن فهو بلا ريب أفضل مكان في ظل هذه الحكومة الظالمة التي ليس فيها من الحرية إلّا لفظها؛ فالموت مظلومًا هو خير من العيش ظالمًا.
وأقول كذلك: إن بعضًا ممن جعلوا السياسة أداة للإلحاد، يتهمون الآخرين بالرجعية أو باستغلال الدين لأجل السياسة ليستروا على سيئاتهم وجرائمهم.
إن عيون السلطة وجواسيسها أشد قساوة من سابقيهم، فكيف يوثق بهم ويعتمد عليهم، وكيف تبنى العدالة على أقوالهم؟
فضلًا عن أن الإنسان، إذ لا يسلَم من تقصير ونقص، بينما تراه يتحرى العدالة يقع في الظلم بالجبن والخب. ولكنّ جمعَ تقصيراتٍ متفرقة وقعت في مدة مديدة ومِن تصرفِ أشخاص كثيرين -والتي يمكن تفاديها بما يتخللها من محاسن- وتوهّمَ صدورها من شخص واحد في وقت واحد، يجعل ذلك الشخص مستحقًا لعقاب شديد. بينما هذا الأمر بحد ذاته ظلم عظيم.
والآن سنباشر بذكر جناياتي البالغة إحدى عشرة جناية ونصف جناية... وهي:
الجناية الأولى: في السنة الماضية، في بداية إعلان الحرية، أرسلتُ ما يقارب من خمسين أو ستين برقية إلى العشائر القاطنين في شرقي البلاد، وذلك بوساطة ديوان رئاسة الوزارة. كان مضمون تلك البرقيات:
"إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ما هي إلّا العدالة الحقة والشورى الشرعية. تلقَّوها بقبول حسن. اسعَوْا للحفاظ عليها؛ لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية. فلقد قاسينا الأمَرّين من الاستبداد أكثر من الآخرين".
وقد أتت من كل مكان إجابات إيجابية لهذه البرقيات. بمعنى أنني قمت بتنبيه الولايات الشرقية ولم أتركهم غافلين، يستغفلهم استبداد جديد..
— 414 —
وحيث إنني لم أقل مالي وللناس ارتكبتُ إذن جناية، حتى دخلتُ هذه المحكمة!
الجناية الثانية: لقد قمت بإلقاء خطب عدة على العلماء عامة وعلى كثير من طلاب الشريعة، وذلك في كل من جامع أياصوفيا وبايزيد والفاتح والسليمانية، وبيّنتُ العلاقة الحقيقية بين الشرع الحقيقي والمشروطية، وأوضحت أن الاستبداد المتعسف لا صلة له بالشريعة الغراء، وأن الشريعة قد أتت لهداية العالم أجمع كي تزيل التحكم الظالم والاستبداد كما هو مضمون الحديث الشريف "سيد القوم خادمهم"، [٭]: انظر: البيهقي، شعب الإيمان ٦/٣٣٤؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤؛ المناوي، فيض القدير ٤/١٢٢. وأنا على استعداد لأبرهن برهانًا قاطعًا على كل كلمة جاءت في أي خطبة كانت من الخطب التي ألقيتها لمن له أي اعتراض كان.
وقد قلت: إن المسلك الحقيقي للشريعة إنما هو حقيقة المشروطية المشروعة.
بمعنى أنني رضيت بالمشروطية بالدلائل الشرعية، وليس كما رضيَ بها بعض دعاة المدنية الغربية، إذ قبلوها تقليدًا وفهموها خلافًا للشريعة. فلم أتنازل عن الشريعة ولم أعطها أنا مرة لشيء.
وحيث إنني سعيتُ لإنقاذ الشريعة وصون علمائها من شبهات أوروبا وأوهامها فقد ارتكبت إذن جريمة حتى رأيت هذا النمط من معاملاتكم معي!
الجناية الثالثة: لقد توجست خيفة من أن يُلَوَّثَ صفاءُ القلوب لدى الولايات الشرقية، فيَستغل بعضُ دعاة الأحزاب أبناءَ بلدي الذين يَقْرُبُ تعدادهم عشرين ألف شخص، حيث إنهم يعملون بالحمالة وهم ذوو نفوس طيبة ساذجة غافلة، فتجولتُ جميع الأماكن والمقاهي التي يتواجد فيها الحمالون، وبينتُ لهم المشروطية في السنة الماضية بقدر ما يستوعبونه. فقلت لهم بهذا المعنى:
إن الاستبداد ظلم وتحكم في الآخرين، أما المشروطية فهي العدالة والشريعة. فالسلطان إذا ما أطاع أوامر سيدنا الرسول الكريم (ص) وسار في نهجه المبارك فهو الخليفة، ونحن نطيعه، وإلّا فالذين يعصون الرسول (ص) ويظلمون الناس هم قطاع طرق ولو كانوا سلاطين.
إن عدونا هو الجهل والضرورة [٭]: المقصود بالضرورة هنا حالة الاضطرار الناشئة من الفقر والعوز. والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح
— 415 —
الصناعة والمعرفة والاتفاق، وسنتعاون ونتصادق يدًا بيد مع الأتراك وهم إخواننا الحقيقيون الذين كانوا السبب -من جهة- لإيقاظنا من غفلتنا ودفعنا إلى سبيل الرقي.
نعم، نتعاون معهم ومع جميع من يجاورنا، لأن الخصام والعداء فساد أي فساد. فلا نملك وقتًا للخصام.
ونحن لا نتدخل بشؤون الحكومة، حيث إننا لا ندرك حكمتها.
ولقد كانت لهذه النصيحة جدوًى وأثرٌ في أولئك الحمالين الذين قاطعوا العمل في إنزال البضائع النمساوية -مثلما أقاطع البضائع الأوروبية قاطبة- حيث تصرفوا تصرفًا يتسم بالعقلانية وبعيدًا عن التهور.
وحيث إنني كنت السبب في تقويم ارتباطهم بالسلطان وتسويتها وفتح حرب اقتصادية مع النمسا فقد ارتكبتُ إذن جناية حتى وقعتُ في هذه المصيبة!
الجناية الرابعة: إن أوروبا تظن الشريعة هي التي تمدّ الاستبداد بالقوة وتعينه. حاش وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمِلَ ظنًا خاطئًا من أن الشريعة تعين الاستبداد. لذا تألمت كثيرًا من أعماق قلبي على ظنهم السيئ هذا بالشريعة، فكما أنني أكذّب ظنَّهم فقد رحّبتُ بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص. ولكني خشيت من أن يقوم استبداد آخر لتصديق هذا الظن، لذا صرخت من أعماقي، وبكل ما أوتيت من قوة في خطاب أمام المبعوثين.. في جامع أياصوفيا وقلت:
افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقَّوْها على أساسها، ولقِّنوها الآخرين على هذه الصورة، كي لا تلوثها اليدُ القذرة لاستبدادٍ جديد متستر وملحد باتخاذ ذلك الشيء الطيب المبارك تُرسًا لأغراضه الشخصية. قيِّدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحرارًا سائبين بلا قيد و شرط. ولتكن قبلتكم في صلاة العدالة على المذاهب الأربعة كي تصحّ صلاتكم، لأنني قد أعلنت دعوًى: أنه يمكن استخراج حقائق المشروطية صراحة وضمنًا وإذنًا من بين المذاهب الأربعة.
وحيث إني قد أخذت على عاتقي -وأنا طالب شريعة- ما يفرض على العلماء جملةً من الوظائف والواجبات فقد اقترفت إذن جنايةً.. ولهذا تلقيت مثل هذا العقاب!
— 416 —
الجناية الخامسة: لقد دأبت الصحفُ على زعزعة الأخلاق الإسلامية بقياسين فاسدين وبما يوهن العزة والإقدام، حتى أهلكوا الأفكار العامة السائدة. فتصديتُ لهم بمقالات نشرتُها في الجرائد وقلت لهم:
"يا أرباب الصحف! على الأدباء أن يلتزموا بالآداب، وعليهم أن يتأدبوا بالآداب اللائقة بالإسلام، فينبغي أن تكون أقوالهم صادرة من صدورٍ لا تحيد لجهة، ومن قلوبِ عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة.
ويجب تنظيم برنامج المطبوعات بما في وجدانكم من شعور ديني ونية خالصة.
بينما أنتم بقياس فاسد، (أي بقياس الريف بإسطنبول، وإسطنبول بأوروبا) أوقعتم الرأي العام والأفكار السائدة في مستنقع آسن؛ فنبهتم عروق الأغراض الشخصية والمنافع الذاتية وأخذِ الثأر، لا يلقَّنُ الطفلُ الصغير الذي لم يدرج بعدُ في المدرسة، الفلسفةُ الطبيعية المادية. فكما لا تليق بالرجل فساتين الراقصات، فكذلك لا تطبق مشاعر أوروبا في إسطنبول. إذ اختلاف الأقوام وتخالفُ الأماكن والأقطار شبيهةٌ بتباين الأزمنة والعصور. بمعنى أن الثورة الفرنسية لا تكون دستورًا لنا. فالخطأ ينجم من تطبيق النظريات وعدمِ التفكر بمتطلبات الوقت الحاضر.
فأنا القروي الذي لا أجيد الكتابة قد قمت بإسداء النصائح إلى أمثال هؤلاء المحرِرين الحاملين لأغراض شخصية ومغالطات في رؤية الأمور التي يعملون فيها بذكائهم.. فارتكبت إذن جناية!
الجناية السادسة: لقد شعرت مرارًا في اجتماعات ضخمة بالمشاعر المتهيجة لدى الناس، فخشیيت أن يخلّ عیوام الناس بالنظام وأمن البیلاد بمداخلتهم في السياسة، فقمت بتهدئة تلك المشاعر الجياشة بكلام يلائم لسیانَ طالبِ علمٍ قروي قید تعلم اللغة التركية حديثًا.
فمثلًا: في اجتماع الطلاب في جامع بايزيد، وفي المولد النبوي المقام في أياصوفيا، وفي مسرح الفرح، هدّأتُ -إلى حدٍّ ما- ثورةَ الناس وغضبهم. فلولا تلك الكلمات والخطب لعصفتْ عاصفة هوجاء تعصف بهم.
فأنا البدوي الذي لم أختلط بعدُ كثيرًا بالحضارة، ولعلمي بدسائس المدنيين.. قد تدخلت في أمورهم فارتكبت إذن جناية!
— 417 —
الجناية السابعة: لقد طرق سمعي أن جمعية باسم "الاتحاد المحمدي" قد تأسست، فتوجست خيفة شديدة، من صدور حركات خاطئة من بعضهم تحت هذا الاسم المبارك.
ثم سمعت أشخاصًا مرموقين -من أمثال سهيل باشا والشيخ صادق- [٭]: من الأعضاء المؤسسين لجمعية الاتحاد المحمدي. قد حوّلوا هذا الاسم إلى شيء بسيط ويسير، إذ حصروه في العبادة واتباعِ سنن مطهرة، فقطعوا علاقتهم بتلك الجمعية السياسية، فلا يتدخلون بعدُ بالسياسة، فخشيت مرة أخرى حيث قلت: إن هذا الاسم هو حقّ المسلمين كافة، فلا يَقبل تخصصًا ولا تحديدًا. فكما أني منتسب إلى جمعيات دينية عديدة من جهة -حيث قد رأيت أن أهدافها واحدة- كذلك أنتسب إلى ذلك الاسم المبارك.
ولكن الاتحاد المحمدي الذي أعرفه وانضممت إليه هو الدائرة المرتبطة بسلسلة نورانية ممتدة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال. فالذين ينضوون تحت رايتها يتجاوز عددهم عن ثلاثمائة مليونٍ في هذا العصر، وإن جهة الوحدة والارتباط في هذا الاتحاد هو توحيد اللّٰه.
قسَمه وعهده هو الإيمان.
والمنتسبون إليه جميع المؤمنين منذ الخليقة.
وسجل أسماء أعضائه هو اللوح المحفوظ.
وناشر أفكاره جميعُ الكتب الإسلامية والصحف اليومية التي تستهدف إعلاء كلمة اللّٰه. ومحالّ اجتماعاته ونواديه هي الجوامع والمساجد والتكايا والمدارس الدينية.
ومركزه: الحرمان الشريفان.
فجمعية مثل هذه.. رئيسها هو فخر العالمين سيدنا الرسول الكريم (ص). ومسلكها ومنهجها؛ مجاهدة كل شخص نفسَه، أي التخلق بأخلاق الرسول الكريم (ص) وإحياء السنة النبوية ومحبة الآخرين وإسداء النصح لهم ما لم ينشأ منه ضرر.
والنظام الداخلي لهذا الاتحاد: السنة النبوية.
وقانونه: الأوامر الشرعية ونواهيها.
— 418 —
وسيوفه: البراهين القاطعة، حيث إن الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار. وإن تحرّي الحقيقة لا يكون إلّا بالمحبة، بينما الخصومة تكون إزاء الوحشية والتعصب.
أما أهدافه ومقاصده فهي إعلاء كلمة اللّٰه.
هذا وإن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمئة بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة. فليفكر فيها أولياء أمورنا.
والآن فإن مقصدنا هو سَوق الجميع بشوق وجداني إلى كعبة الكمالات بطريق الرقي، وذلك بتحريك تلك السلسلة النورانية، إذ إن الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة اللّٰه في هذا الزمان.
وهكذا فأنا أحد أفراد هذا الاتحاد ومن الساعين لرفع رايته وإظهارِ اسمه، وإلّا فلست من الأحزاب والجمعيات التي تسبب الفرقة بين الناس.
الحاصل: لقد بايعت السلطان سليم وقَبِلت فكره في الاتحاد الإسلامي، لأن ذلك الفكر هو الذي أيقظ الولايات الشرقية، فهم قد بايعوه على ذلك.
فالشرقيون الآن هم أولئك لم يتغيروا. فأسلافي في هذه المسألة هم: الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده. ومن العلماء الأعلام علي سواعي، والعالم تحسين. والشاعر نامق كمال الذي دعا إلى الاتحاد الإسلامي والسلطان سليم الذي قال:
"إن مغبة الاختلاف والتفرقة يقلقانني حتى في قبري
فسلاحنا في دفع صولة الأعداء إنما هو الاتحاد
إن لم تتحد الأمة فإنّي أتحرق أسًى"
السلطان ياوز سليم
ولقد دعوت ظاهرًا إلى هذا الاتحاد المحمدي من أجل مقصدين عظيمين:
المقصد الأول: إنقاذ ذلك الاسم من التحديد والتخصيص، ولأعلن شموله المؤمنين عامة كي لا يقع الخلاف والفرقة ولا تَرِد الشبهات والأوهام.
المقصد الثاني: ليكون سدًا أمام افتراق الفِرَق والأحزاب الذي كان سببًا في هذه المصيبة
— 419 —
الفائتة العظيمة، [٭]: المقصود حادثة ٣١ مارت. وذلك بمحاولة التوحيد بينها، فيا أسفي لم يسعفنا الزمن فجاء السيل فأوقعني أيضًا.
ثم كنت أقول: لو نشبت حريق فسأحاول إطفاء جزء منها في الأقل، ولكن احترقت حتى ملابسي العلمية. وذهبتْ -برضًا مني- الشهرةُ الكاذبة التي لا أستطيع تعهدها.
فأنا الذي لست إلّا رجلًا عاديًا، قد أخذتُ على عاتقي مسائلَ مهمة تقض مضاجع النواب والأعيان والوزراء، فإذن قد ارتكبت جناية!.
الجناية الثامنة: لقد سمعت أن قسمًا من الجنود بدأوا ينتسبون إلى بعض الجمعيات، فتذكرتُ الحادثة الرهيبة للانكشاريين. فقلقت كثيرًا واضطربت، فكتبت في إحدى الصحف:
إن أسمَى جمعية وأقدسها في الوقت الحاضر، هي جمعية الجنود المؤمنين. فجميع الذين انخرطوا في سلك الجندية المؤمنة المضحية ابتداءً من الجندي إلى القائد هم داخلون في هذه الجمعية. إذ إن أقدس هدف لأقدس جمعية في العالم هو الاتحاد والأخوة والطاعة والمحبة وإعلاء كلمة اللّٰه. فالجنود المؤمنون قاطبة يدعون إلى هذا الهدف. ألا إن الجنود هم المراكز، فعلى الأمة والجمعيات أن ينتسبوا إلى الجنود، إذ الجمعيات الأخرى ما هي إلّا لجعل الأمة جنودًا في المحبة والأخوّة، أما الاتحاد المحمدي الذي هو شامل لجميع المؤمنين فهو ليس جمعية ولا حزبًا، إذ مركزه وصفّه الأول المجاهدون والشهداء والعلماء والمرشدون.
فليس هناك مؤمن ولا جندي فدائي -سواء أكان ضابطًا أو جنديًا- خارج عن هذا الاتحاد، لذا فلا داعي للانتساب. ومع هذا فلا أتدخل في أمور بعض الجمعيات الخيرة التي لها الحق في أن تطلق على نفسها الاتحاد المحمدي.
فأنا الذي لست إلّا طالب شريعة، قد غصبتُ مهمة العلماء العظام فإذن قد ارتكبت جناية!
الجناية التاسعة: لقد شاهدت الحركة الرهيبة التي حدثت في (٣١) مارت لبضع دقائق. فسمعت مَطالبَ عدة؛ فكما إذا أُديرت ألوان سبعة بسرعة لا يظهر إلّا اللون الأبيض فكذلك لم يظهر من تلك المطالب إلّا لفظ الشريعة التي تخفف فساد تلك المطالب المتباينة من الألف إلى الواحد، وتنقذ العوام من الفوضى والاضطراب، والتي تحافظ حفاظًا معجزًا على السياسة
— 420 —
من أن تكون لعبة بيد الأفراد. فأدركت أن الأمر ينساق إلى الفساد؛ إذ الطاعة قد اختلت، والنصائح لا تجدي؛ وإلّا كنت أندفع إلى إطفاء تلك النار مثلما كنت أطفئ غيرها، ولكن العوام هم الأغلبية، وأهل مدينتي غافلون وبسطاء، وأنا أظهر بمظهر الشهرة الكاذبة.
فبعد ثلاث دقائق انسحبت ذاهبًا إلى "بَاقِرْكُويْ" [٭]: أحد أحياء إسطنبول. كي أحول دون تدخل معارفي في الأمر، وأوصيت كل من قابلني بعدم التدخل. فلو كان لي تدخّل-بمقدار أنملة- لكنت أظهر في هذا الأمر ظهورًا عظيمًا حيث إن ملابسي تعلن عني، وشهرتي التي لا أريدها ذائعة بين الجميع. وربما كنت أثبِتُ وجودي بمقاومة جيش الحركة إلى أياستافانونس [٭]: منطقة في ضواحي إسطنبول (يشيل كوي). ولو وحدي ثم أموت بشرف ورجولة. وعندئذ كان تدخلي في الأمور من البديهيات، فلا تبقى حاجة إلى التحقيق.
وفي اليوم الثاني استفسرت عن طاعة الجنود التي هي عقدة الحياة لنا- فقالوا: إن الضباط قد لبسوا ملابس الجنود، فالطاعة ليست مختلة كثيرًا.
ثم كررتُ السؤال: كم من الضباط أُصيبوا؟ فخدعوني قائلين: أربعة فقط، وهؤلاء كانوا من المستبدين. وسوف تنفذ آداب الشريعة وحدودها.
ثم تصفحت الجرائد ورأيت: أنهم أيضًا يرون تلك الحركة حركة مشروعة ويصورونها على هذه الصورة، ففرحت من جهة، لأن أقدس غاية لديّ هي تطبيق الأحكام الشرعية تطبيقًا كاملًا، ولكن يئستُ أشد اليأس وتألمت كثيرًا باختلال الطاعة العسكرية، فخاطبتُ الجنود بلسان جميع الجرائد وقلت:
أيها الجنود! إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بإثم واحد فإنكم بعصيانكم تظلمون حقوق ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين، لأن شرف العثمانيين وعامةِ المسلمين وسعادتَهم ولواءَ وحدتهم قائمة -بجهة- في طاعتكم.
ثم إنكم تطالبون بالشريعة ولكنكم تخالفونها بعصيانكم هذا.
ولقد باركت حركتهم وشجاعتهم لأن الصحف التي هي لسان كاذب للرأي العام قد أظهرت لنا أن حركتهم مشروعة. فلقد تمكنت -بتقديرهم هذا- أن أُؤَثّرَ فيهم بنصيحتي. فهدّأتُ العصيان إلى حدٍّ ما، وإلّا لما كان الأمر يكون سهلًا.
— 421 —
فأنا الذي قد زرت مستشفى المجاذيب فعلًا، ولم أقل: مالي وللناس، فليفكر في هذا الأمرِ العقلاءُ.. فقد ارتكبت إذن جناية!
الجناية العاشرة: لقد ذهبت بصحبة العلماء يوم الجمعة إلى الجنود الذين هم في الوزارة الحربية. وقد أخضعت ثمانيةَ طوابير إلى الطاعة بخطب مؤثرة جدًّا. ولقد أظهرتْ نصائحي فوائدَها بعد مدة. أذكر لكم صورة خطابي:
أيها العساكر الموحدون!
إن شرف ثلاثين مليونًا من العثمانيين وثلاثمائة مليونٍ من المسلمين وكرامَتهم وسعادتَهم ورمزَ وحدتهم منوطة -من جهة- بطاعتكم. إن كان ضباطكم يظلمون أنفسهم بخطيئة واحدة فإنكم بعصيانكم هذا تظلمون ثلاثمائة مليونٍ من المسلمين. لأنكم بعصيانكم هذا تُلقون الأخوة الإسلامية إلى التهلكة.
اعلموا جيدًا! أن مركز الجندي عظيم جدًا، إذ هو أشبه ما يكون بالمعمل، فإذا اختل دولاب منه يختل العمل في المعمل كله. ألا إن الجنود الأفراد لا يتدخلون بالسياسة، والانكشاريون خير شاهد على هذا. إنكم تطالبون بالشريعة إلّا أنكم تخالفونها وتلوثونها.
إنه ثابت بالشريعة والقرآن والحديث والحكمة والتجربة: أن طاعة ولي الأمر المستقيم المتدين القائم بالحق فرض. فأولياء أموركم هم ضباطكم. فكما أن مهندسًا ماهرًا وطبيبًا حاذقًا إذا ما ارتكب الآثام لا تتضرر مهنة الطب والهندسة كذلك ضباطكم الذين هم منورو الفكر ومثقفون ومطلعون على فنون الحرب وذوو غيرة وشهامة وهم مؤمنون. فلا تظلموا العثمانيين جميعًا والمسلمين بعصيانكم لأوامرهم جراء حركة جزئية غير مشروعة تصدر منهم، ذلك لأن العصيان ليس ظلمًا واحدًا بل هو تجاوز على حقوق ملايين من الأفراد. أنتم تعلمون أن راية التوحيد الإلهي محمولة على يد شجاعتكم، وقوةُ تلك اليد في الطاعة والنظام، حيث إن ألفًا من المطيعين المنظَّمين يعدلون مائة ألف من السائبين. وغني عن البيان فإن ثلاثين مليونًا من العثمانيين لم يقوموا بمثل هذه الانقلابات الدموية طوال مائة سنة، فلقد قمتم بها بطاعتكم من دون إراقة دماء.
وأضيفُ أيضًا، إن إضاعة ضابط ذي حمية وثقافة ودراية يعني إضاعة قوتكم المعنوية، لأن الغالب في الوقت الحاضر هو الشجاعة الإيمانية والعقلية والعلمية. وأحيانًا يعدل مثقف
— 422 —
واحد منهم مائة من غيرهم. فالأجانب يسعون أن يغلبوكم بهذه الشجاعة، إذ الشجاعة الفطرية وحدها غير كافية.
خلاصة الكلام: إني أبلغكم میا أمیر بیه الرسول الأعظم (ص) وهیو: أن الطاعة فرض، فلا تعصوا ضباطكم.
فليحيا الجنود، ولتعش المشروطية المشروعة.
فأنا.. لأنني قد تجشمت أعباء هذه المهمات الجسيمة -مع وجود علماء أكفاء- قد ارتكبت إذن جناية!
الجناية الحادية عشرة: كنت ألمس الوضع الرديء لما كان يعيشه أهالي الولايات الشرقية فأدركت أن سعادتنا الدنيوية ستحصل -من جهة- بالعلوم الحديثة الحاضرة، وأن أحد الروافد غير الآسنة لتلك العلوم سيكون العلماء، والمنبع الآخر سيكون حتمًا المدارس الدينية، كي يأنس علماء الدين بالعلوم الحديثة.
وحيث إن زمام الأمر في تلك البقاع التي أغلبيتها الساحقة أُميون بيد علماء الدين، فهذا الشعور هو الذي دفعني إلى المجيء إلى إسطنبول، ظنًا مني أن نلقى السعادة في "دار السعادة" في ذلك الوقت، مع أن الاستبداد -الذي أصبح الآن أضرابًا وتقوّى أكثر- كان يُسند إلى المرحوم السلطان المخلوع، فإنه قدّم لي مرتبًا بواسطة وزير الأمن العام وفضلًا منه وكرمًا، فرفضت. فقد أخطأت! ولكن خَطَئي ذلك أصبح خيرًا إذ أظهر خطأ الذين يبغون مال الدنيا بالعلوم الدينية، فضحيت بعقلي، ولم أدع حريتي ولم أُحنِ رأسي لذلك السلطان الرؤوف، فتركت منافعي الشخصية؛ إذ هؤلاء يمكنهم أن يضموني إلى صفوفهم بالمحبة وليس بالاضطرار والقوة، فأنا منذ سنة ونصف السنة أسعى هنا لتنال بلادي المعارف والعلوم. وأغلب الأصدقاء في إسطنبول على علم بهذا.
فأنا الذي ابن حمال فقير، لم أتجاوز طوري وكوني ابن فقير وحمال رغم تيسر الدنيا لي، ولم أوطد علاقاتي مع الدنيا بل تركت أحب المناطق إلى قلبي وهي ذرى جبال الولايات الشرقية داعيًا إلى السعادة لأمتي، فدخلت مستشفى المجاذيب والمعتقلات والسجون وعانيت
— 423 —
التعذيب والإهانات في فترة المشروطية.. كل ذلك لأنني قد تطاولت إلى أمثال هذه الأمور حتى أوقعتني في مثل هذه المحاكم الرهيبة. فإذن قد جنيت!
نصف جناية: انطلاقًا مین مفهوم الحفاظ على مركز الخلافة -وهیو مركز المسیلمين وموضیع رابطتهم- والحيلولةِ دون ضياعه.. وظنًا من كون حضرة السیلطان عبد الحميد الثاني على استعداد لاستيضاح الأمر والندم على أخطائه الاجتماعية السابقة.. وأخذًا بالقاعدة الجليلة والصلح خير (النساء: ١٢٨) لتخفيف الأحداث الحالية التي سارت بعنف وبذرت بذور الفتن والاضطرابات، وتحويلها إلى أفضل ما يمكن.. لأجل كل ذلك قلت بلسان الجريدة للسلطان السابق ما يأتي:
اجعل قصر يلدز، ذلك النجم المنخسف، جامعة للعلوم ليرتفع إلى الأعالي كالثريا.
وأسكن فيه أهل الحقيقة وملائكة الرحمة بدلًا من السواح وزبانية جهنم ليصبح بهيجة بهجة الجنة.
وأعد إلى الأمة ما أهدته لك من ثروات في القصر بصرفها في إنشاء جامعات دينية لتزيل الجهل الذي هو داء الأمة الوبيل.
ووطّن الثقة بمروءة الأمة ومحبتها، فهي المتكفلة بإدارتكم السلطانية. دع الدنيا قبل أن تدعك، واصرف زكاة العمر في سبيل العمر التالي. إنه ينبغي التفكر في الآخرة وحدها بعد هذا العمر.
والآن لنقارن؛ أيُّهما أفضل: أن يكون قصر يلدز موضع لهو أم جامعة علوم؟ وأن يجول فيه السواح أم يدرّس فيه العلماء ؟ يُغصب أم يُهدى؟ فليقضِ أصحاب الإنصاف في هذا.
فأنا الفقير المعدم قمت بإسداء النصيحة إلى سلطان عظيم، قد جنيت إذن نصف جناية!
أما النصف الآخر من الجناية فلم يحُنْ وقت الإفصاح عنه. (٭): انظروا إلى البحث الموجود في ختام مجموعة "سراج النور" لتطلعوا على النصف الآخر من الجناية، والتي يعاقَب المؤلف من جرائها بثمان وعشرين سنة. (المؤلف) (المقصود: الشعاع الخامس).
وا أسفى لقد وضع المعجبون بالتطرف في هذه الحادثة سدًا أمام رغبات الأمة المشتاقة إلى المشروطية المشروعة التي فيها سعادتنا ومنبعُ حياتنا الاجتماعية العطشى إلى المعارف والعلوم
— 424 —
الحديثة المنسجمة مع الإسلام، وذلك بإلقائهم الأغراض الشخصية والفتن في المشروطية. زد على ذلك أعمال المثقفين المتسمةَ بالإلحاد وعدمِ الاكتراث بالدين.
فعلى الذين أقاموا هذا السد المنيع أن يرفعوه ويزيلوه، وهذا ما نرجوه منهم باسم الوطن.
أيها القواد والضباط!
إن الشهود على هذه الجنايات الإحدى عشرة ونصف الجناية هم ألوف، بل يمكن أن يكون نصفُ أهالي إسطنبول شهودًا على بعض الجنايات.
ولكن أطلب الإجابة عن الأسئلة الأحد عشرة ونصف. فضلًا عن رضايَ بالعقاب النازل بي على تلك الجنايات. ومع هذا فلي حسنة واحدة عوضًا عن هذه السيئات، وسأقولها.
وهي: أنني عارضت شعبة الاتحاد والترقي المستبدة هنا، تلك التي أذهبت شوق الجميع وأطارت نشوتهم وأيقظت عروق النفاق والتحيّز وسببت التفرقة بين الناس وأوجدت الفِرَق والأحزاب القومية، وتسمّت بالمشروطية، بينما مثّلت الاستبداد في الحقيقة، بل حتى لطخت اسم الاتحاد والترقي.
إن لكلٍّ فكرَه، وأنا حرّ في إبداء الفكر. فالصلح العام والعفو العام ورفعُ الامتيازات ضروري، لئلا يتولد النفاق من استخفاف أصحاب الامتياز الآخرين.
وأقول بلا فخر: نحن المسلمين الحقيقيين ننخدع ولكن لا نخدع، ونترفع عن الخداع لأجل حياة دنيوية. لأننا نعلم "إنما الحيلة في ترك الحيل". ولكن لأنني قد عاهدت المشروطية الحقيقية المشروعة سأصفع الاستبداد إن قابلتُه في أي لباس كان، حتى لو كان لابسًا ملابس المشروطية أو تقلّد اسمها. وفي اعتقادي أن أعداء المشروطية هم أولئك الذين يشوّهون صورتها بإظهارها مخالِفة للشريعة وأنها ظالمة، فيُكثرون بهذا أعداءَ الشورى أيضًا. علمًا أن القاعدة هي: "لا تتبدل الحقائق بتبدل الأسماء".
وحيث إن أعظم الخطأ هو ظن المرء أنه لا يخطأ، فإني أعترف بخَطَئِي وهو: أنني أردت نصح الناس قبل أن آخذ بنصيحتهم، وسعيت في إرشاد الآخرين قبل إرشاد نفسي، فهوّنت بهذا شأن الأمر بالمعروف حتى أصبح لا يجدي.
— 425 —
ثم إنه ثابت بالتجربة أن العقاب يأتي نتيجة ذنب، إلّا أنه أحيانًا ينزل العقاب ولمّا يُرتكب ذلك الذنب إلّا أنه أظهر نفسه في صورة ذنب آخر. فذلك الشخص رغم أنه بريء من هذا الذنب إلّا أنه يستحق العقاب لذنب آخر خفي. فاللّٰه سبحانه ينزل به المصيبة فيلقيه في السجن لذنب خفي، فيعدل. بينما الحاكم يظلم لعدم ارتكاب الشخص ذلك الذنب، ولخفاء الذنب الخفي عنه.
فيا أولي الأمر!
كانت لي كرامة وعزة، وكنت أرغب أن أخدم بها الأمة الإسلامية، إلّا أنكم أهنتموها.
وكنت أملك شهرة كاذبة -دون رغبتي- وأُجري نصحي بها إلى العوام، فأفنيتموها مشكورين.
والآن ظلت لدي حياة ضعيفة مللت منها، فليهلكني اللّٰه إن صُنتها خوفًا من الإعدام، ولا أكون شريفًا إن لم أقدم على الموت ببشاشة.
إن الحكم عليّ صورةً يورث الحكم عليكم وجدانًا، وهذا لا يضرني بل هو رفعة وشرف لي، ولكنكم تُلحقون الضرر بالأمة، لأنكم تزيلون تأثير نصائحي، فضلًا عن إضراركم بأنفسكم، حيث أكون حجة قاطعة بيد عدوّكم.
فلقد وضعتموني على المحك، تُرى لو وُضعت ما تسمونه بالفرق الخالصة (الأحزاب) على مثل هذا المحك كم سيسلم منهم؟
إن كانت المشروطية تعني مخالفة الشريعة واستبداد جماعة معينة، (فليشهد الثقلان أني مرتجع). [٭]: هذا القول نظير قول الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه:
إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أنى رافضي (ديوان الإمام الشافعى).
ذلك لأن الاتحاد القائم على الكذب كذب أيضًا، والمشروطية القائمة على أسس فاسدة ومفسدة مشروطية فاسدة، إذ المشروطية الحقة التي لها الدوام والبقاء هي المشروطية القائمة على الحق وعلى الصدق وعلى المحبة وعلى أساس عدم الامتيازات.
إنني أنبّه إلى هذا وكلي أسف وقلق:
مثلًا: عالم جليل تحجزه صفة العلم عن الفساد، ولكن يُقرن ذكر الفساد الناشئ من
— 426 —
تهوره كلما ذكر علمه، ومن ثم تُمسّ صفة العلم بسوء. ألا يومئ هذا إلى العداء للعلم؟ كذلك حينما زَرعت الفرقاء بذور التفرقة والفتن -خلافًا للشريعة- وأطلقت مليونًا من الطلقات عبثًا، وظلت السياسة والنظام العام بيد أفراد اعتياديين وعمّت الفوضى في الأوساط.. وما هدأ ذلك الطوفانَ العارمَ إلّا معجزةُ الشريعة حتى مرّ بسلام من دون إراقة دم. بمعنى أن الاسم السامي للشريعة المطهرة والاتحاد المحمدي أنزل تأثير ذلك الفساد الرهيب من الألف إلى الواحد.
فبينما الأمر هكذا فإن ذكر ذلك الاسم الطاهر (الشريعة)، مقرونًا بأصحاب الفتن وجَعْله تُرسًا لهم هو مسّ لنقطة خطرة جدًا، بل هو تعرض لعقدة الحياة، بحيث يرجف من هوله كل صاحب وجدان سليم وتذهب نفسه حسرات عليه.
إن الذي يستطيع أن يتصور أنه بالإمكان جعل الثريا مكنسة وإطفاؤه بالنفخ، لا يعلن إلّا عن بلاهته!
فلو أن مَلَكًا في جو السماء، في زحل مثلًا، أمسك بيده ميزانًا يزن جبل آرارات وجبل سبحان، وأضيف إلى جبل آرارات وزنٌ بقدر درهم، فالمشاهدون القاصرو النظر عندما يرون نزول كفة آرارات إلى الأرض وصعودَ كفة سبحان إلى السماء، يُسندون الأمر والثقل إلى ذلك الوزن البسيط بقدر درهم!
وهكذا فالكرامة العسكرية والحمية الإسلامية والشريعة المحمدية شبيهة بتلك الجبال الشامخة، أما الأسباب الخارجية فهي بوزن درهم فحسب. فاتّخاذ هذه الأسباب التافهة أساسًا في الأمور دليل على الجهل بشأن الإنسانية والإسلام، بل تهوين بهما.
سوف أقول الحقيقةَ فقط، ولن أجانب الحق أبدًا، ذلك لأن مقام الحق سامٍ ولن أُضحي به لأجل أحد، لذا لن تَصرفني عن ذكر الحق لومة لائم.
إن ما يسمى بحادثة ٣١ مارت، ذلك الطوفان الرهيب والصاعقة المحرقة، قد هيأت -تحت أسباب اعتيادية- استعدادًا طبيعيًا بحيث ورد -من عند اللّٰه- على لسان القائمين بها اسم الشريعةِ المظهرةِ معجزتَها دومًا رغم أن نتائج تلك الحادثة كانت الهرج والمرج.
— 427 —
ولأن اسم الشريعة جعل ذلك الطوفان يمر بسلام فإنه يُدين -أمام اللّٰه- تلك الصحفَ التي أَطلقت لسانها بالسوء بعد منتصف نيسان.
فإذا ما أُخذ بنظر الاعتبار الأسبابُ السبعة والأحوال السبع التي أدت إلى تلك الحادثة تظهر الحقيقة بجلاء وهي الآتية:
١- لقد كان تسعون بالمائة من هذه الحركة موجهة ضد الاتحاد والترقي وضد استبدادهم ودكتاتوريتهم.
٢- كما كانت ترمي إلى تبديل الوزراء الذين كانوا محل نقاش وجدال بين الفرقاء والأحزاب.
٣- إنقاذ السلطان المظلوم من الخلع الذي قد تقرر وصُمّم عليه.
٤- منع التعليمات وإنهاء التلقينات التي لا تليق بالآداب العسكرية والدينية.
٥- الكشف عن قاتل السيد "حسن فهمي" بعد أن تم تضخيم موضوع اغتياله.
٦- تسوية موضوع الضباط "الآلايلي" [٭]: ضابط الألآيلي: هم الضباط الذين ترقوا من الجندية، ولم يكونوا من خريجي الكلية الحربية. الذين أُخرجوا من الخدمة العسكرية وإنصافُهم.
٧- الوقوف تجاه تعميم مفهوم الحرية على التصرفات السفيهة، أي تحديد معنى الحرية بالآداب الشرعية، ثم القيام بتطبيق الحدود الشرعية التي لا يَفهم العوام منها سوى القصاص وقطع اليد.
بيد أن الأرضية الآسنة كانت مهيأة، والخططَ والمنزلقات كانت جاهزة حتى ذهبت الطاعة العسكرية السامية جدًّا ضحية بها.
إن أس أساس الأسباب هو المناقشات العنيفة المتحيّزة للفرقاء وغلوُّ الصحف في المجادلات المبالغِ فيها بالكذب عوضًا عن بلاغة الكلام. وكما أن دوران القرص الملون لا يُظهر إلّا اللون الأبيض فالشريعة الغراء هي التي تجلت من بين هذه المطالب السبعة المذكورة فسدّت طريق الفساد.
— 428 —
الحاصل: لقد عمت الفوضى والإرهاب في الأوساط بما نشرته الصحف من مقالات محرضة، وشروعِ الفرقاء بتسجيل أسماء الفدائيين، وسيطرةِ الأشخاص الذين قادوا الانقلاب، وسريانِ الحرية المطلقة إلى الجنود بما ينافي الطاعة العسكرية، وتلقينِ بعض المهملين الجنود ما يظنونه مخالفًا للآداب الدينية. وبعد أن انفرط عقد الطاعة زرع المستبدون والمتعصبون الجهلاء -والذين تنقصهم المحاكمة العقلية في الدين- البذورَ في ذلك المستنقع الآسن -بظن الإحسان- وظلت السياسة العامة للدولة بيد الجهلاء وأطلق ما يقارب المليون من الطلقات في الهواء وتدخلت الأيادي الداخلية والخارجية. فبينما الأمر الطبيعي أن تؤدي هذه الحادثة إلى الهرج والمرج وتدخُّل الأجانب في البلاد، إلّا أن اسم الشريعة -بفضل اللّٰه- أرجع الأرواحَ الخبيثة الناتجة من تلك الأسباب المذكورة إلى أوكارها، فأظهرت ( الشريعة ) معجزة أخرى بعد ثلاثة عشر قرنًا.
ثم إن الصوت المدويّ للجيش والعلماء في ذلك الانقلاب العظيم الفائت والقائل بی: "أن المشروطية مستندة إلى الشريعة" سرى سريانَ التيار الكهربائي في وجدان المسلمين عامة، فخرق ذلك الانقلابُ القاعدةَ الطبيعية للانقلابات وأظهر التأثير المعجز للشريعة الغراء، وسيظهره دومًا.
إنني أعترض على أساس فكر الصحف التي ظهرت بعد منتصف نيسان وذلك: أنهم أوجدوا منفذًا ومبررًا للتضحية بالعزة والكرامة والطاعة العسكرية -التي هي أسمى من الحياة بل تُضحّى لأجلها الحياة- في سبيل آمال غير مشروعة، وأفعال خسيسة خادمة للحياة نفسها لدى أهل الوجدان.
ثم إنهم ظنوا أن شمس الشريعة التي تنجذب إليها الحقائق والأحوال وترتبط بها، تابعة للسلطة أو منقادة للخلافة أو أداة لأية سياسة أخرى، فأظهروا -ما اعتقدوه- أن الشمس المنيرة تابعة لنجم منخسف.
أقول بكل ما أملك من قوة: إنه لا رقي لنا إلّا برقي الإسلام الذي هو مليتنا، ولا رفعة لنا إلّا بتجلي حقائق الشريعة، وبخلافه نكون مصداقًا للمثل القائل: "أضاع المِشْيَتَيْنِ".
— 429 —
نعم، علينا أن نستشعر بشرف الأمة وعزتها وثواب الآخرة وبشأن المجتمع، وقيمته، والحمية الإسلامية، وحب الوطن وبحب الدين... ففي المضاعفات قوة أية قوة.
أيها القادة والضباط!
أطالبكم بإنزال العقاب على جناياتي، وبالإجابة حالًا عن أسئلتي الآتية، فإن الإسلام هو الإنسانية الكبرى وإن الشريعة الغراء هي المدنية الفُضلى، لذا فالعالم الإسلامي أهلٌ ليكون المدينةَ الفاضلة التي تصورها أفلاطون.
السؤال الأول: ما جزاء المنخدعين بالصحافة والمنجرفين مع التيار العام المتولد حاليًا من العادات والتقاليد التي يرونها مشروعة؟
السؤال الثاني: ما جزاء من يتعرض لإنسان تشكّل في صورة ثعبان، ولوليّ صالح تقمص صفة شقيّ، وللمشروطية التي لبست لباس الاستبداد، وما هم في الحقيقة سوى ثعابين وشقاة واستبداد؟
السؤال الثالث: هل يكون المستبد شخصًا فردًا واحدًا؟ أم يمكن أن يكون أشخاص عديدون مستبدين؟ وأرى أن القوة يجب أن تكون في القانون، وإلّا فسيتوزع الاستبداد ويشتد أكثر بالمنظمات.
السؤال الرابع: أيّهما أضرّ: إعدام بريء أم العفو عن عشرة جناة؟
السؤال الخامس: أفلا يزيد من سبل النفاق والتفرقة تشديدُ الخناق على أرباب المسالك والفكر، علمًا أنه لا يغلبهم؟
السؤال السادس: أيمكن بغير رفع المحسوبية والامتيازات حصولُ اتحاد الأمة الذي هو معدن حياتنا الاجتماعية؟
— 430 —
السؤال السابع: إن الإخلال بالمساواة، وتخصيصها لبعض الأفراد فحسب، وتنفيذَ القانون بحقهم وإن كان يوحي ظاهرًا بالعدالة، إلا أنه يولد الظلم والنفاق في جهة أخرى، فضلًا عن أن براءة أغلب المسجونين قد توضحت بالإفراج عن ثمانين بالمئة منهم، وهم بريئون.
إنني لا أوجه الكلام هنا إلى المحكمة العسكرية، بل على المخبرين أن يتدبروا في الأمر.
السؤال الثامن: إذا عَدّت فرقة معينة نفسها صاحبة امتيازات على الآخرين، وألجأت الناس إلى الظهور بمظهر المخالف للمشروطية، وذلك بكثرة تعرّض تلك الفرقة لهم وجرحها لمشاعرهم، فعلى من يقع الذنب لو تعرض الجميع للاستبداد العنيد المتستر تحت اسم المشروطية، التي تقلدته تلك الفرقة؟
السؤال التاسع: على من تقع المسؤولية فيما لو ترك بستاني باب البستان مفتوحًا، ودخل فيه من دخل، ثم ظهر حدوث السرقات؟
السؤال العاشر: لو مُنِحَ الناسُ حريةَ الفكر والكلام، ثم حوسب شخص على كلامه أو فكره، أفلا يكون ذلك خطة مدبّرة لدفع الأمة المنكوبة إلى النار؟
السؤال الحادي عشر: نرى الجميع يعاهدون المشروطية ويقسمون بها، بينما المعاهد هو نفسه مخالف لمسمّى المشروطية أو ساكت عن مخالفيها. ألا يحتاج ذلك إلى كفّارة اليمين؟ ألا تكون الأمة إذن كاذبة؟ أفلا يعتبر إذن الرأيُ العام النزيه كاذبًا ومعتوهًا؟
حاصل الكلام: إن المهيمن على الوضع الحاضر استبداد شديد وتحكم صارم، وذلك من حيث الجهل المتفشي. وكأن الاستبداد والتجسس قد تناسخا روحًا. والذي يبدو أن الغاية
— 431 —
ما كانت استردادَ الحرية من السلطان عبد الحميد، بل تحويل استبداد ضعيف وضئيل إلى استبداد شديد وقوي.
نصف سؤال: شخص ضعيف رقيق يحاول جاهدًا دفع أذى البعوض والزنابير عنه لعدم تحمله لها، أفيمكن أن يقنع أحدُهم أحمقَ بقوله: إن هذا يقصد بعمله هذا تسليط أسد هصور على نفسه وليس دفع البعوض والزنابير؟
النصف الآخر من السؤال: لم يؤذن له.
أيها القواد والضباط! أقول بكل قوتي:
إنني مصرّ إصرارًا جادًا على جميع الحقائق التي نشرتها في الصحف في مقالاتي كلها. فإن دعيت من قِبَل الماضي، من قِبَل محكمة العصر النبوي السعيد، باسم الشريعة العادلة فسأبرز الحقائق التي نشرتها بعينها، لا أغيّر منها شيئًا، سوى ما يستوجبه ذلك الزمان من زيّ. وإن دعيت من قبل المستقبل، من قبل محكمة العقلاء الناقدين باسم التاريخ لِمَا بعد ثلاثمائة سنة. فسأبرز هذه الحقائق أيضًا، إلّا ما تحتاج من ترميمِ بعض جوانبها المتشققة.
بمعنى أن الحقيقة لا تتحول إلى أمر آخر، فالحقيقة حق، و"الحق يعلو ولا يعلى عليه" [٭]: "الإسلام يعلو ولا يعلى": انظر: الدارقطني، السنن ٣/٢٥٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٢٠٥، الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٢٨، المعجم الصغير ٢/١٥٥؛ وعلقه البخاري في الجنائز ٧٩. والمشهور على الألسنة زيادة (على) آخرًا، بل هي رواية أحمد. والمشهور أيضًا على الألسنة: "الحق يعلو ولا يعلى عليه"، كشف الخفاء ١/١٢٧. والأمة صاحية، بل لو أُغفلت بالمغالطة والخداع، فلا يدوم ذلك.
أما الخيال الذي ظُن حقيقة فعمره قصير، وستَتَشتت تلك الأفكارُ المضللة أمام فوران الرأي العام وتَبرز الحقيقة ناصعة إلى الميدان، إن شاء اللّٰه.
پَسْ كُنَمْ چُونْ ز۪يرَكَانْرَا ا۪ينْ بَس اسْت بَانْگِ دِهْ كَرْدَمْ اَگَرْ دَرْ دِهْ كَس اسْت
[٭]: بيت بالفارسية نظير قول بشار بن برد: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا ولكن لا حياةَ لمن تُنادي.
على الرغم من أن الوضع في سجنكم معذِّب والزمانَ رهيب والمكانَ موحش والسجناء مستوحشون والصحفَ تنشر الأراجيف والأكاذيب، والأفكار مشوشة والقلوب
— 432 —
كسيرة حزينة والوجدان متألم ويائس والموظفين متشائمون من الوضع والحراسَ مزعجون.. أقول: على الرغم من كل هذا، فإن الوضع كان لي موضعَ سرور، لأن ضميري لم يكن يعذبني، بل كلما تنوعت المصائبُ ترنمت بنغمات متنوعة أيضًا.
نعم، لقد أكملتُ هنا -في السجن- الدرسَ الذي تلقيتُه السنةَ الماضية في مستشفى المجاذيب حيث تلقيت دروسًا مطولة لطول زمن المصيبة، إذ كان الحزن البريء المظلوم الذي هو لذة روحانية للدنيا علّمني الشفقة على الضعفاء وشدةَ النفور من الظلم والغدر.
إنني على أمل عظيم أن الآهات والزفرات الساخنة المتبخرة من قلوب الأبرياء الكسيرة ستشكل سحابةَ رحمةٍ، وقد بدأت فعلًا هذه السحبُ بتشكيل دول إسلامية حديثة في أرجاء العالم الإسلامي.
إن كانت المدنية الحاضرة هي التربة الخصبة لإنماء مثل هذه التصرفات التي تمس الكرامة الإنسانية وتعتدي عليها.. وهذه الافتراءات التي تؤدي إلى النفاق.. وهذه الأفكار التي تغذي الحقد والانتقام.. وهذه المغالطات الشيطانية والتحلل من الآداب الدينية.. إذا كانت هذه هي المدنية، فليشهد الجميع بأنني أفضّل قمم الجبال الشاهقة في الشرق، وأفضّل حياة البداوة في تلك الجبال في بلدي حيث الحرية المطلقة على موطن النفاق الذي تسمّونه أنتم قصرَ المدنية.
إن حرية الفكر وحرية الكلام وحسن النية وسلامة القلب التي لم أشاهدها في هذه المدنية الدنية، مستولية على جبال شرقي الأناضول بكل معانيها.
وحسب علمي أن الأدباء يكونون متأدبين، إلّا أنني أجد بعض الصحف الخارجية خالية من الأدب وناشرة للنفاق. فإن كان هذا هو الأدب، والآراء العامة مختلطة إلى هذا الحد، فاشهدوا أني تخليت عن هذا الأدب، ولست داخلًا فيهم أيضًا. وسأطالع الأجرام السماوية واللوحات السماوية النيرة على ذرى جبال موطني، قمة باشت، [٭]: قمة جبل في جنوب شرقي الأناضول. بدلًا من مطالعة هذه الصحف.
— 433 —
"إن عالم فيضنا نزيه من عيوب الأماني الخادعة.
فقد كُتب علينا الترفع عن زينة الذهب والفضة منذ الأزل.
وجفونا نشوة الآمال وطولها.
عشقنا عشق مجنون لليلى، ولكن أغنانا حتى عن وصالها".
(ولولا تكاليفُ العلا ومقاصد عوالٍ وأعقاب الأحاديث في غدٍ
لأعطيت نفسي في التخلي مرادها وذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي
[٭]: وللطغرائي (ت ٥١٣هی /١١٢٠):
ولیییولا تیكیالیيفُ العُیلى ومغییییارمٌ ثِقَالٌ ودينٌ آخذٌ بالمقلَّدِ
وإشفاقُ نفسي من خِلافِ أعِزَّتِي وخوفيَ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ
لأعطيتُ نفسي في التخلي مُرادَها وذاكَ مُرادي مذ نشأتُ ومقصِدِي
(ديوان الطغرائي ص ٥٩ ط١ مطبعة الجوائب، قسطنطينية ١٣٠٠).
وأكتم أشياء ولو شئت قلتها ولو قلتها لم أُبق للصلح موضعا )
[٭]: يعزى إلى عتبة بن أبي سفيان (الحلة السيراء، ١/٤، لابن الأبار) وإلى علي بن بابويه (الكشكول ١/٣٤٨، البهاء العاملي):
ولو إني سمحت بماء وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريق
وعندي جواب لو أردت لقلته ولو قلته لم أبق للصلح موضعا