— 208 —
فصل في التناقض
تناقضٌ (١) خُلفُ القضيتين (٢) في كيفٍ (٣) وصدقُ (٤) واحدٍ أمرٌ قفى
(١) اعلم أن الاثنينية إن كان فيهما الاتحاد؛ ففي الماهية وأخصِ الصفات "التماثل".. وفي الجنس "التجانسُ".. وفي الكيف "التشابهُ".. وفي الكم المتصل "التوازي".. وفي المنفصل "التساوي".. وفي الوضع "التشاكلُ".. وفي الملك "التلابسُ".. وفي الأينِ "التجاورُ".. وفي الإضافة "التناسبُ".. وفي متى "التعاصرُ".
وإن كان فيهما الاختلاف فمطلقا "التغاير" ثم "التخالف".. ومع امتناع الاجتماع "التقابلُ".. ومع وجود الطرفين مع الدور المعي "التضايفُ".. وبدونه "التضادّ".. وفي الوجود "التعاند"، وفي الصدق "التباينُ".. ومع عدم أحد الطرفين بشرط قابلية المحل "عدمُ وملكة".. وبدون الشرط في المفرد "التنافي".. وفي الجملة "التناقض" وقد يعمم..
ثم اعلم أن نقيض كل شيء رفعُه، والرفع لا يحتاج إلى بيان، إلا أن الرفع لما لم يتحصل دائمًا -وقد احتجنا للقياس الخلفي إلى نقائض محصلة، أي معينة مضبوطة- وضعوا شرائط وقيودًا لتحصيل النقائض...
(٢) أي هنا إذ المراد ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، وفي المفردات قد يترفعان "كالحجر والشجر عن الإنسان". [٭]: (أي هنا) دفع بعلاوة هذا القيد ما يَرِد: من أن التعريف أعم إذ (الخلف) يشمل الحجر والشجر. ولا تناقض بينهما. فأشار إلى أن المقصد بيان التناقض في القضايا لا مطلقا فلا إشكال...
(٣) أي بشرط الاختلاف والاتحاد في واحد أو ثلاثة، أو ثمانية، أو ثلاثة عشر، فالاختلاف في الكيف، والكم، والجهة، ثم النتيجة في الصدق، والاتحاد في النسبة، أو المحكوم عليه وبه، والزمان، والمكان، والشرط، والإضافة، والجزئية أو الكلية، والقوة أو الفعل في الطرفين. [٭]: (في واحد) أي النسبة الحكمية (أو في ثلاثة) أي الموضوع والمحمول والزمان (هذا عند الفارابي).. (أو ثمانية) هي وحدة الموضوع والمحمول والزمان والمكان والشرط والإضافة والجزء أو الكل والقوة أو الفعل (أو ثلاثة عشر) هي الدائمتان والعرفيتان والمشروطتان والوقتيتان والوجوديتان والممكنتان والمطلقة العامة (في الصدق) متعلق بالاختلاف المقدر بعد (ثم) المضاف إلى (النتيجة)..
— 209 —
(٤) أي المستلزم بالذات لكذب الأخرى.. [٭]: (أي المستلزم بالذات) احتراز عن قولنا (هذا إنسان هذا ليس بناطق) إذ الواسطة هنا مساواة المحمولين لا لذاته..
فإن (١) تكن شخصية (٢) أو مهملة (٣) فنقضها (٤) في الكيف أن تبدله (٥)
وإن (٦) تكن محصورة (٧) بالسور (٨) فانیقیض بضید سورها المذكور
(١) اعلم أنك قد علمت أن القضية باعتبار منطوقها كما تفيدنا حكمًا كذلك باعتبار الكمية تتضمن قضية أخص. وباعتبار الجهة قضية أخرى أخص منهما. فمناط العكسين والتناقض في المسورة الموجهة الضمنية.. فإن تجردت عن الجهة والسور ولم يقصدا فالنظر إلى أصل القضية.
اعلم أن الأفعال الناقصة صور النسبة الفعلية. وأن أفعال المقاربة تصاوير النسبة الإمكانية. وأن أفعال القلوب كيفيات الثبوت وجهات الإثبات.. فكأن صورة النسبة ظهرت للتوصل لجعل الاسمية فعل شرط. [٭]: (واعلم أن الأفعال الناقصة الخ) حاصله: أن تلك الأفعال ليست من أجزاء القضية بل دالة على وضعية النسبة بين طرفي القضية. مثلا: إنّ "كان" في "كان زيد قائمًا" إنما يفيد زمان وقوع نسبة القيام إلى زيد. وإن المنسوب والمسند إلى زيد القيام لا "كان". لكن لكان فائدة أخرى: إذ إنها مجوزة لجعل الجملة الاسمية فعل شرط في "إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود" إذ لو لم يكن "كان" لم تكن تلك الجملة شرطا.. وأن أفعال المقاربة أيضًا ليست أجزاء حقيقية، وإنما هي مصورة ومقربة للنسبة الكائنة بين الطرفين من الإمكان إلى الوقوع.. وأن أفعال القلوب كيفيات تتعلق بالثبوت الواقع بين الطرفين في الخارج وجهة مؤكدة لإثبات ذلك الثبوت في الذهن.
(٢) أي موضوعها شخص حقيقة أو اعتبارًا كالكل المجموعي..
(٣) أي فإن لم ينظر إلى كونها في قوة المسورة فذاك.. وإلا فالبعض المبهم في حيز النفي يعم.. [٭]: (وإلّا فالبعض المبهم الخ) حاصله: أن المهملة في الإيجاب من الجزئيات أي في حكم الموجبة الجزئية وفي السلب من الكليات أي في حكم السالبة الكلية، لأن موضوعها بعض مبهم والبعض في حيز النفي يعم أي يفيد معنى كليا: هذا إذا قصد من المهملة المسورة.. فهي حينئذ من المحصورات إيجابها من الجزئيات وسلبها من الكليات. (يعم) أي فيكون المهملة خارجة من المهملات داخلة في عداد المحصورات..
(٤) أي فهو قليل المؤونة. فاستغن بما أعطاك التعريف.. [٭]: (أي فهو قليل المؤونة) لا يحتاج معرفته إلى زيادة كلفة واشتغالٍ بل يكفي لمعرفته ما أفاده التعريف الذي هو عبارة عن تبديل الطرفين بالإيجاب والسلب..
— 210 —
(٥) أي لابد من الاتحاد ثلاثية والاختلاف في الكيف.. [٭]: (أي لابد من الاتحاد ثلاثية) أي لزم اتحاد النقيضين في الموضوع والمحمول والزمان والاختلاف في الإيجاب والسلب فقط (هذا عند الفارابي)..
(٦) اعلم أن التناقض إنما ينظر إلى الجهة والسور، إذا نظرا إلى النسبة. وأما إذا دخل "ذا" المحمول فَحَرّف أو الموضوع قبل الحكم فشخّص الكلية. أو دخلت "تاك" عقد الوضع أو صارت جزء المحمول فلا..
اعلم أن نقيض الضرورة -ذاتًا أو صفة أو وقتًا- الإمكان كذلك. والدوام -ذاتًا أو صفة- الإطلاق كذلك. فإن شئت تفاصيل الجهات فعليك بتعليقاتي في المنطق. [٭]: (اعلم أن التناقض إنما ينظر الخ) أي التناقض بين القضيتين من الموجهات والمحصورات ناظر إلى السور والجهة. فإن لم يكونا في موضعهما الطبيعي: بأن دخل (ذا) أي السور (المحمول فحرف) أي جعل القضية منحرفة. وإن دخل الموضوع (فشخص) أي جعل القضية شخصية قبل مجيء الحكم وملاحظته. وإن دخلت (تاك) أي الجهة عقد الموضوع أي قيدًا للموضوع مثل (كل إنسان بالضرورة فهو حيوان) أو كانت جزء المحمول: مثل زيد ضاحك على الدوام (فلا) أي يختل التناقض بذلك التبدل..
(٧) أي منصوصة الكلية المقصودة.. [٭]: (أي منصوصة) أي المقصود من المحصورية جعل الكلية مثلا مقصودة معينة بالنص بحيث لا يبقى في ذلك خفاء..
(٨) أي كالسوار الصحيح أو المنكسر.. [٭]: (أي كالسوار الصحيح) إشارة إلى سور الكلية (والمنكسر) إلى سور الجزئية..
فإن (١) تكن موجبة (٢) كلية (٣) فنقضها (٤) سالبة جزئية
(١) أطنب بالشرطية بدل الحملية، إذ المقصود تعليم العلم العملي، لا العلم فقط. ولجعل الثابت واجبًا. [٭]: (أطنب بالشرطية) أي أطال. حاصله: أن الحملية دالة على الثبوت بين الطرفين وهو محل تعلق العلم لا عمل ولا تعليم فيه. والشرطية كالتهجي تعليم وتفصيل لذلك الثبوت وتعلقاته. والمقصود هنا التعليم لا العلم وحده.. وأيضا أن الشرطية تدل على أن تحقق الجزاء مشروط وموقوف على تحقق الشرط بحيث متى تحقق الشرط تحقق الجزاء. فبهذا الاعتبار يكون الثبوت الثابت في الحملية لازما وواجبا في الشرطية. وتركُ الواجبِ للعمل بالسنة، ليس من دأب أهل السنة، فلذا اختار الشرطية على الحملية..
(٢) أي ولو معدولة أو سالبة المحمول.
(٣) أي ولو مهملة خطابية.. [٭]: (ولو كانت مهملة خطابية) أي لأن المهملة في الظنيات والخطابيات في حكم الكلية والكلية نقيضها جزئية.
— 211 —
(٤) أي اللازم المحصل، لا الحقيقي الغير المحصل. وهو سالب الكل. وعدم الفاء دليل وجود "فاعلم أن" في [٭]: (اللازم المحصل) حاصله: أن نقيض الشيء رفعُه فنقيض الموجبة الكلية رفعها وهو سالب الكل. وهذا ولو كان نقيضا حقيقا لكنه غير محصل فأقيم لازمه مقامه أعني السالبة الجزئية.. النية..
وإن تكن سالبة كلية فنقضها موجبة جزئية
اعلم أن العلم غداء لابد له من هضم، فالذهن العجول الرَّحْوَانُ يتذلق عن الحقائق "أي يمر بها ولا يأخذها أو يفوز بها ويأخذها" لكن تتقطع الحقيقة في يده "أي في يد ذهنه" ولا تنمو ولا تتوسع فيه بل تخرج هاربة من الذهن ثم يَجمع كسراتِ حقائقَ انسلبت خاصيةُ النمو عنها في حافظته فلا تنهضم ولا تنبت بل قد يتقيؤ هو أو تنفسخ هي. "وسطحية الذهن أشد مرض ألمّ بنا" فلتشويق الأذهان إلى الدقة، أعجزتُكم أيها الناظرون بما أوجزت في هذه الرسالة.
ما تیمیت
— 212 —
اعتذار
لئن أدركتَ في شرحي فتورًا ووهنًا في بيیاني للمعیاني
فلا تسند لنقصي إن رقصي على مقدار تسعيد الزمان
لأني زمانا ما حشرت ما رشح من فكرى شرحا على حاشية الأستاذ، كنت فاقدًا للراحة والشباب مفلوجَ الذهن غائبًا عن الأمثال والأقرآن، شريدًا عن الوطن وقد صرت كالهائم، بل كالبهائم، بل كالبوم، دائرًا عائشًا في الأقفار، هاربا عن شرور الأشرار، تخطرت حينما تصورت ما قاله ابن الفارض:
وأبعدني عن أربُعي بعد أربَع شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي
فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا وبالوحش أُنسى إذ من الأِنس وحشتي
نعم، من كان راكبًا على كاهل الغربة، وكان أنيسا بالوحشة، وجليسه الوحدة، وسميره الكربة، وموطنه الخربة، هل في الإمكان أن تخلو كتبته عن الخطأ والسقطة، لاسيما إذا كان المشرحة كأمثال "قزل إيجاز" بالغة من الإغلاق والإيجاز، إلى حيث دون حلها خرط القتاد، وخرق الإعجاز. فالمرجو من النظار، ذوي دقة الأفكار، وَحدّةِ الأبصار، أن يصلحوا خطيئاتي، ويصححوا غلطاتي، ويبينوا ما عجز عن حله فكري، وضاق عنه صدري، وكَلَّ عن بيان متنه متني، وعمي عن رؤيته طرفى وعيني... على أنى ما كنت من رجال هذا الرهان، ولا بذي شأن في هذا البيان، أوان شبابي وأنا ابن ثلاثين، فكيف بي هذا الامتحان وأنا ابن ثمانين، ولهذا قد بقى مواضع باكرة غير مفضوضة بفكري أحلتها لذوى الأفكار الثاقبة، من دهاة أذكياء الاستقبال بعد خمسمائة سنة.
عبدالمجيد
— 213 —
ومما يدل على درجة دقة الأستاذ سمكا وعمقا في أوائل شبابته:
أنْ سُئِل -وهو ابن عشرين- عن ثنتي عشرة كلمة على هذا الشكل "فيل" بلا نقطة ولا حركة. وقيل له -والقائل الشيخ أمين البتليسي- إن أصبت في تنقيطها وتحريكها وتفسيرها نحن نعدك من الأذكياء وإلّا فلا يبقى لك بين الأذكياء "لا رفع، ولا نصب، ولا جر". وكان الأستاذ حينئذ حافظا لما في القاموس من اللغات إلى باب السين.. فبالاستمداد بما حفظ أجاب بعد ثلاثة أيام: ولقد أصاب فيما أجاب - هكذا: كتب أولا الأشكال (فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. فبل.فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. فبل. ثم وضع على الحرف الأول من كلها نقطتين وتحت الحرف الأوسط أيضا نقطتين من كل تلك الأشكال إلّا الخامس وضع تحته نقطة واحدة ثم حركها هكذا:
قِيلَ (١) قَيّلْ (٢) قَيْلَ (٣) قَيْلٍ (٤) قَبْلَ (٥) قَيْلٍ (٦) قِيْلَ (٧) قَيْلٍ (٨) قِيلَ (٩) قَيْلُ (١٠) قَيْلٍ (١١) قُيِّل (١٢)
ثم فسَرها هكذا:
(١) (قِيلَ) ماضي مجهول من القول.
(٢) (قَيّلْ) أمر من باب التفعيل بمعنى الإعطاء.
(٣) (قَيْلَ) اسم بعير.
(٤) (قَيْلٍ) اسم رجل والتركيب إضافي.
(٥) (قَبْلَ) ظرف.
(٦) (قَيْلٍ) أي العصر. والتركيب إضافي.
(٧) (قِيْلَ) أي اللبن.
(٨) (قَيْلٍ) اسم من أسماء الإبل.
(٩) (قِيْلَ) ماض مجهول.
(١٠) (قَيْلُ) البعير.
(١١) (قَيْلٍ) أي ذلك الرجل.
(١٢) (قُيّلْ) أعطى له اللبن.