المثنوي العربي
— 221 —

الرسالة السادسة

حبة
من نواتات ثمرة من ثمرات جنان القرآن
حَبَّ مِى گُويَدْ
مَنْ شَاخِ دِرَخْتَیمْ بُرْ اَزْ مَيْیوَهِٔ تَوْحِيدْ
يَكْ شَبْنَمَمْ اَزْيَمْ پُیرْ اَزْ لُؤلُؤِ تَمْجِيدْ
[٭]: الحبة تقول: إنني غصنُ شجرةٍ مثقلٌ بثمرة التوحيد وقطرةُ ندًى من البحر الزاخر بلؤلؤ التمجيد. طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "أوقاف إسلامية" بإسطنبول سنة ١٣٤٠هی (١٩٢٢م).
— 222 —
في (ط ١)
إفادة المرام
اعلم أنه قيل لي إن الناس يقولون: لا نفهم كثيرا مما في آثاره فتصير ضايعة.
فأقول: لا تضيع بإذنه تعالى. وسيجيء زمان يفهمها أكثرُ المتفكرين المتدينين إن شاء مَن بيده مقاليدُ كل شيء؛ إذ أكثر هذه المسائل أدويةٌ جربتُها في نفسي أعطانيها الفرقان الحكيم، لكن يمكن أن لا يفهمَها الناسُ كما أفهمُها بتمامها! لأن نفسي -بسوء اختيارها- من الرأس إلى القدم ملمّعةٌ بالجروح المتنوعة، فالسليمُ بحياة القلب لا يفهم درجةَ تأثير الترياق في السقيم بلدغ حية الهوى كما يفهمه هو...
وأيضا إني لا أتصرف في السانحات للتوضيح؛ عجزا من التحرير أو خوفا من التغيير. فأكتبها كما سنحت...
وأيضا أتكلم في مكاني، لا في مقام السامع المواجه لي -خلافا لسائر المتكلمين الذين يفرضون أنفسَهم في مقام السامعين- فيصير أمام كتابي (الذي) وجههُ إليّ، ومعكوسُه ومقلوبه إلى السامع، فكأنه يقرأ في المرآة فيتعسّر عليه؛ فإذا لا أذهب إلى مقامه، فليرسل هو خيالَه إليّ لأضيّفَه على عيني في رأسي، كي يرى كما أرى.
أدرجتُ في "نقطة وقطرة وذيلها وذرة وشمة وحبة" تفاريقَ حدسيات، وقطعات مرآة إذا جاء بإذنه تعالى من يركّبها، بتحرير وتصوير، تظهر مرآةٌ يظهر فيها وجهُ عين اليقين ويتحصل حدسٌ يزهر منه نورُ حق اليقين.. كيف لا، وهو من فيض القرآن المبين!
اَللّٰهمَّ أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعَه وأرنا الباطلَ باطلا وارزقنا اجتنابه.. آمين
— 223 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الْحَمْدُ للّٰه عَلٰى دِينِ الإسْلَامِ وَكَمَالِ اْلإيمَانِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلٰى مُحَمَّدٍ الَّذِي هُوَ مَرْكَزُ دَائِرَةِ اْلإسْلَامِ وَمَنْبَعُ أنْوَارِ اْلإيمَانِ، وَعَلٰى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجْمَعِينَ مَادَامَ الْمَلَوَانِ
[٭]: الملوان: الليل والنهار، الواحد ملا.
وَمَادَامَ الْقَمَرَانِ.
[٭]: القمران: الشمس والقمر.
اعلم أنه بينما ترى العالَم كتابا كبيرا ترى نورَ محمد عليه الصلاة والسلام مِدادَ قلم الكاتب.. وبينما ترى العالَم يلبس صورةَ الشجرة ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نواتَها أولا، وثمرتَها ثانيا.. وبينما ترى العالَم يلبس جسمَ الحيوان [٭]: أي لو افترض العالم كائنا مجسما ذا حياة ترى.. (ت: ١٩٦) ترى نورَه "عليه الصلاة والسلام" روحَه.. وبينما ترى العالم تحوّل إنسانا كبيرا ترى نورَه عليه الصلاة والسلام عقلَه.. وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً ترى نورَه عليه الصلاة والسلام عندليبَه.. وبينما ترى العالم قصرا مزيّنا عاليا ذا سرادقات تتظاهر فيها شعشعةُ سلطنة سلطان الأزل وخوارقُ حشمته، ومحاسنُ تجليات جماله، ونقوشُ خوارق صنعته، إذا ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نظّارا يرى لنفسه أولا، ثم ينادي بيا أيها الناس تعالَوا إلى هذه المناظر النیزيهة، وحَيهلوا [٭]: حيهلوا: اسم فعل بمعنى أقبلوا وعجّلوا وهلمّوا. على ما لَكُم فيه كل شيء من المحبة والحيرة والتنیزّه والتقدير، والتنوّر والتفكر، وما لا يحد من المطالب العالية. ويريها الناسَ، ويشاهِد ويشهَد لهم.. يتحير ويُحيِّرهم.. يُحب ويُحبِّبُ مالِكَه إليهم.. يستضيء ويُضيء لهم.. يستفيض ويفيض عليهم..
اعلم أن الإنسان ثمرةُ شجرة الخِلقة. والثمرةُ تكون أكملَ الأجزاء وأبعدَها من الجرثوم، وأجمعَها لخصائص الكل.. وهي التي من شأنها أن تبقى وتُسْتَبقى.
ومن الإنسان مَن هو نواةٌ أنبتَ القديرُ جل شأنه منها تلك الشجرة.. ثم صيّر الفاطرُ جل جلالُه ذلك الإنسان ثمرةَ تلك الشجرة.. ثم جعل الرحمنُ تلك الثمرة النورانيةَ نواةً لشجرة الإسلامية.. وسراجا لعالمها.. وشمسا لمنظومتها..
— 224 —
وأنه لابد في الثمرة من نواةٍ تشتمل بالقوة على لوازمات شجرةٍ هي مثل أصلها. وأصغريةُ النواةِ لا تنافي أعظميةَ الشجرة، كنواة شجرة التينة..
وأن في الإنسان حبةً، لو كان الإنسان ثمرةً، لكانت تلك الحبة نواتَه، ألَا وهي القلب.. فقد رأيتُ فيه بواسطة الاحتياج علاقاتٍ إلى أنواع العالَم، بل إلى أجزائها.. وارتباطاتٍ إلى جميع أنوار الأسماء الحسنى باحتياج شديد وفقر عظيم لتجلي فردٍ فردٍ منها.. حتى كأن له حاجاتٍ عدَد أجزاء العالَم، وله أعداء ملءَ الدنيا.. فما يطمئن إلّا بمَن يقتدر أن يُغنيه عن كل شيء، ويحفظه من كل شيء..
ورأيت فيه أيضا قابليةً تمثل مجموعَ العالم كالخريطة والفهرستة والأنموذج والتمثال.. وأن المركز فيه لا يقبل إلّا الواحدَ الأحد.. ولا يرضى إلّا بالأبد والسرمد..
فهذه النواة -وهي حبة القلب- ماؤه الإسلام وضياؤه الإيمان فإن اطمأنتْ تحت تراب العبودية والإخلاص، وسُقيَت بالإسلام، وانتبهتْ بالإيمان، أنبتت شجرةً نورانيةً مثاليةً من عالم الأمر هي روحٌ لعالمه الجسماني، وإن لم تُسقَ بقت نواةً يابسةً منكمشة لائقةً للإحراق بالنار إلى أن تنقلبَ إلى النور.
وكم في النواة من أعصابٍ رقيقة وأشياءَ دقيقة لا يُبالَى بها، وتُرى أقلَّ من أن يُهتَمّ بها، إلّا أن لكلٍّ منها -إذا انكشفت النواة- وظيفةً مهمةً بحشمة وعظمة.. كذلك لحبةِ القلب خدّام كامنة نائمة إذا انتبهتْ وانبسطتْ بحياة القلب، يجولون في بساتين الكائنات كطيور سيارة، وتنبسط [٭]: أي حبة القلب. بدرجة يقول المرء: الحمد للّٰه على كل مصنوعاته، لأنها كلها لي نِعَمٌ.. حتى إنَّ الفرضَ أو الخيالَ الذي هو من أضعفِ خدَّام القلب وأهونِهم، له وظيفةٌ عجيبة، يَدخل به صاحبُه المتوكل -وهو في السجن مقيد- في حديقةٍ نزيهة، ويضع رأس صاحبه المتنبّه وهو يصلي في الشرق أو الغرب تحت "الحجر الأسود" ثم يُودع في الحجر الأسود شهادتَي صاحبه..
ومن المشهود أن "البيدر" يدور على رؤوس "الأثمار".. والثمرة هي التي تنتَقى وتُستبقى.. فبيدر الحشر ينتظر بني آدم.
اعلم أن لكل أحد من هذا العالم العام عالما خاصا، هو عين العام، لكن مركزه هو الشخص، بدلَ الشمس. فمفاتيحُ ذلك العالَم في نفس الشخص ومعلّقة بلطائفه.. ولونُ ذلك
— 225 —
العالم وصفاؤهُ وحُسنهُ وقُبحهُ وضياؤه وظلمته تابعةٌ لذلك المركز. فكما أن الحديقة المرتسمة في المرآة تابعة في أحوالها من الحركة والتغيّر وغيرهما للمرآة، كذلك عالم الشخص تابعٌ لمركزه الذي هو الشخص كالظل والتمثال. فلا تحسبنّ صِغَر جِرمك سببا لصغر جُرمك؛ إذ ذرةٌ من قساوة قلبك، تكدّر [٭]: مشتقة من انكدار النجوم أي تناثرها. عليك نجوم عالمك..
اعلم أن هذه ثلاثون سنة، لي مجادلةٌ مع طاغوتين وهما: "أنا" في الإنسان، و"الطبيعة" في العالم. أما هذا، فرأيتُه مرآةً ظليا حرفيا. لكنْ نظرَ الإنسانُ إليه نظرا اسميا قصديا بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ. وأما هذه، فرأيتُها صنعةً إلهيّة وصبغةً رحمانية.. لكنْ نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة فتحولت لهم "طبيعةً" فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفرانَ النِّعَم المنجرّ إلى الكفر.
فللّٰه الشكر والحمد وبتوفيق الأحد الصمد وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلة قتلَ الطاغوتين وكسرَ الصنمين؛ بالنقطة، والقطرة، والذرة، والشمة، والحبة، والحباب.. فتكشَّفتْ الصنعةُ الشعورية الإلهية والشريعةُ الفطرية الربّانية من حجاب الطبيعة الموهومة، وانسلختْ هي منها، أي نهارُها من ليلها. وتَكشّفَ "أنا" عن ظل "هو"، وانشقّ عنه فأشارت بی"هو" إلى مَن: ليس كمثله شيءٌ (الشورى:١١) جلّ جلاله..
اعلم يا "أنا"! لك أمور تسعةٌ في دنياك تعاميتَ عن ماهيتها وعواقبها:
أما جسدُك؛ فكالثمرة المتزهرة المتزينة صيفا، المنكمشة المتفسخة شتاءً.
وأما حيوانيتُك؛ [٭]: أي حياتك المادية (ت: ١٠٨) فانظر إلى جنس الحيوان كيف يُسرع فيهم الموتُ والزوال.
وأما إنسانيتُك؛ فمترددة بين الانطفاء والاصطفاء والزوال والبقاء، فاستحفِظْ على ما بقي بما من شأنه أن يبقى بذكر الدائم الباقي.
وأما حياتك؛ [٭]: أي مدة بقائك وعمرك. فكقامتك قصيرةٌ معيّنةُ الحدود لا تقدَّم ولا تؤخَّر، فلا تتألمْ ولا تحزن ولا تخَفْ عليها ولا تحمّلها ما لا طاقةَ لها به مما تطاول إليه طول الأمل.
— 226 —
وأما وجودك؛ فليس مُلكا لك، فله مالكٌ، الملكُ له وأشفقُ به منك؛ فمداخلتك بغيرِ ما أمركَ به، فكما أنها من الفضول وشُغل فضولي فكثيرا ما تضر؛ ألا ترى الحرص و(مرق) النوم كيف يفعلان ويجلبان الخيبة والسهر!
وأما مصائبك؛ فلا تمرُّ [٭]: مأخوذة من المرارة ضد الحلاوة. حقيقةً لأنها تَمُرُّ سريعا، بل تحلو لأنها تُحول؛ فتَحوِّلُ وجهَكَ من الفناء في الفاني إلى البقاء بالباقي.
وأما أنت هنا الآن؛ فمسافرٌ ثم مسافرٌ، والمسافرُ لا يَعلّقُ قلبَه بما لا يتعلق به ويفارقه بسرعة. فكما ترتحل من هذا المنیزل في هذا المسجد البتة، كذلك تفارق هذه البلدة قطعا، إما إلى بطنها أو إلى خارجها.. فكما ستفارقها بالضرورة، كذلك تذهب بل تُخرَج وتُطرَدُ -شئتَ أم أبيتَ- من هذه الدنيا الفانية؛ فاخرجْ وأنت عزيز قبل أن تُطرد وأنت ذليل.
وأما وجودك؛ فافْدِهِ لمُوجدهِ الذي يشتريه بثمنٍ غالٍ، فسارعْ إلى البيع بل الفداء:
أولا: فلأنه يزول مجانا.
وثانيا: لأنه مالُه وإليه يؤول..
وثالثا: لأنه إن اعتمدتَ عليه سقطتَ في العدم، لأنه "بابٌ إليه"، وإذا فتحتَه بالتَّرك وصلتَ إلى الوجود الثابت..
ورابعا: لأنه إذا تمسكتَ به كان في يدك نقطة وجودٍ فقط، ويحيط بك ما لا يتناهى من الأَعدام الهائلة.. وإذا نَفَضْتَ يدك منه استبدلتَ لمعةً بشمس فينقلب محيطُكَ إلى ما لا يتناهى من أنوار الوجود.
وأما لذائذ الدنيا؛ فقِسمتُكَ تأتيك، فلا تَطِشْ في طلبها.. ولزوالها بسرعة لا يليق بالعاقل تعليقُ القلب بها. وكيف ما كانت عاقبةُ دنياك فتركُ اللذائذ أولى؛ إذ إما إلى السعادة، وهي تستلزم تركها.. وإما إلى الشقاوة. ومَن ينتظرُ الصَّلبَ كيف يلتذُّ ويَستعذِبُ ما يزيد عذابَه من تزيينات آلات الصَّلب؟ وإن توهمتَ بالكفر العدمَ -العياذ باللّٰه- فأولى بالترك؛ إذ بزوال اللذة يُحِسُّ ذلك العدمُ الهائلُ ألَمه الأليم آنا فآنا في ضمن زوال اللذائذ، وهذا الألمُ أثقلُ بمراتبَ من لذة الوصال إن كنت تشعر..
— 227 —
اعلم أن مثلَك -وقد تصيب رأسَك المصائبُ المرماةُ "بالقدر"- كمثل أغنام مُرسَلة في المرعى، يراها الراعي قد تجاوزت، فيرمي الأحجارَ خلفَها لترجعَ، فيقول المُصابُ رأسُه بلسان الحال: نحن تحت أمر الراعي، وهو أعرفُ بنا منا فلنرجع.. فيرجع.. فيرجعون..
فلا تكوني يا نفسي أضلَّ من الغنم! فقولي عند المصيبة:
﴿ إنّا للّٰه وإنّا الَيهِ رَاجِعُونَ ﴾
(البقرة:١٥٦).
اعلم أن من الدليل على أن القلب ما خُلق للاشتغال بأمور الدنيا قصدا؛ أنه: إذا تعلق بشيء تعلّق بشدةٍ، واهتمّ به اهتماما عظيما، ويتطلب فيه أبديةً ودواما.. ويفنى فيه فناءً تاما. وإذا مدّ يدَه يَمُدّ يدا تطيق أن تقبضَ على الصخور العظيمة وتَرفَعَها، مع أن ما يأخذه بتلك اليد من الدنيا، إنما هو تينةٌ أو تبنةٌ أو ريشةٌ أو شعرةٌ أو هباءٌ أو هواءٌ..
نعم، القلب مرآةُ الصمد؛ فلا يقبل حجرَ الصنم بل ينكسرُ به. والعاشقُ المجازي يرى ظُلمَ معشوقه في الأكثر، بسرّ: أن المعشوق بفطرته -بلا شعور- يردّ ولا يرضى ما ليس له بحق، وهو ليس بلائقٍ إسكانه في باطن قلب العاشق.
اعلم أن القرآن أُنزل وأُنزلت به مائدةٌ سماويةٌ، يوجد فيها كل أنواعِ ما تحتاج إليه طبقاتُ نوع البشر المتفاوتين في اشتهاء الأفهام.. في المائدة أطعمة مترتبة، قُدِّمَ أولا في وجهِ السُّفرة الإلهية رزقُ الأكثر المطلق والجمهور الأعظم، أي العوام.. مثلا:
﴿ أنّ السمواتِ والارضَ كانَتا رَتقاً فَفَتَقناهُما ﴾
(الأنبياء:٣٠) الصفحة الأولى: أي هما رتقاوان، أما هذه فنقيةٌ صحوٌ صافيةٌ. وأما تلك فميتة غبراء يابسة. فازدوَجَتا بإذنه تعالى فأولدت هذه أمطارا وتلك أثمارا. والدليل على هذه الصحيفة:
﴿ وَجَعلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شيءٍ حَيّ ﴾
(الأنبياء:٣٠).
وخلف هذه الصفحة والصحيفة انفصال السيارات مع شمسها [٭]: وتفصيلها في إشارات الإعجاز لدى تفسير الآية الكريمة: (ثم استوى إلى السماء) (البقرة:٢٩). من عجين المادة التي خُلقَت من نور سيّد الأنام (ص). والآية [٭]: أي الدليل والبرهان. على هذه الصفحة حديث: "أول ما خلق اللّٰه نوري..الخ".. [٭]: العجلوني، كشف الخفاء ١/٣١١ عن جابر بن عبد اللّٰه بلفظ: "قلت: يا رسول اللّٰه بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه اللّٰه قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن اللّٰه تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره..." فذكر الحديث بطوله. وانظر: ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٤٧٠.
— 228 —
مثلا:
﴿ أفَعَيينَا بالخَلقِ الاَولِ بَل هُم في لَبسٍ منْ خَلقٍ جديد ﴾
(ق:١٥) الصحيفة الأولى المقدمة في النظر، أنهم مع إقرارهم بخلقهم الأول الأعجبِ المشهودِ، يستبعدون الخلق الجديد الأهون؛ إذ له مثال سبق. وإن خلفَ هذه الصحيفة برهانا نيرا على كمال سهولة النشر.
أيها المنكرون للحشر.. تُحشَرون.. وتنشرون في عمركم مرات، بل في سَنتكم، بل في يومكم، تلبسون وتخلعون هذا الجسم كلباسكم صباحا ومساءً يتجدد عليكم جسمكم كلباسكم.
(٭): تفصيله في إشارات الإعجاز في تفسير قوله تعالى: (وبالآخرة هم يوقنون) (المؤلف).
اعلم فيا عجبا من بلاهة النفس! ترى في نفسها أثرَ المصنوعية والمملوكية والتربية من طرف ربّ مختار حكيم، ثم تنظر إلى أمثالها من سائر الأفراد والأنواع والأجناس، فيتظاهر سرُّ كلّيةِ القاعدة وشمولِ الفيض، وتحلُّبِ نوعِ إجماعٍ وتصديق فعلي، فكان لازما عليها أن تطمئن بتفطنِ سرِّ: "كلية القاعدة ودستورية الحادثة". والحال أنها تتخيل ما يقوي تجليات الأسماء عليها من عموم تجلياتها في دائرة الآفاق سببَ الضعف وواسطة التستر وأمارة الإهمال وعلامةَ أنه لا رقيب عليها فتقول: اتسعَ فامتنع.. عَظُم فَعُدِم. فهذه مغلطة يخجل منها الشيطان أيضا.
اعلمي! أيتها النفس المتضجرة القلقة.. أن كل أحوالك في التعين، والنقش في جبهتك بقلم القَدر، كطلوع الشمس وغروبها. فإن أردتِ أن تضربي سندان القَدر برأسك العليل، فتضجّري. واعلمي يقينا، أن من لا يستطيع أن ينفذَ من أقطار السماوات والأرض، لابد أن يرضى رضاء محبةٍ بربوبيةِ مَن:
﴿ خَلقَ كلَّ شيءٍ فَقَدَّرهُ تَقديراً ﴾
(الفرقان:٢).
اعلم لو كان صانعُ الشيء في الشيء لناسَبه، ولَتَنَوعَ بعدد الأشياء. وإذا لم يكن فيه فلا، كهذا الكتاب: يُكتب بقلم واحد مع أنه لا يُطبع إلّا بحديدات مصنوعة، موضوعة تحته عدد حروفه، ولو تَنَبَّتَتْ نقوش الصنعةِ المتقنة في شيء منه وتحلّبت ثمراتُها وترشحت حروفُها من نفسه وإمكانه، لانبثتْ وانتثرتْ وانتشرتْ ولخرجت عن الانتظام. لكن فيها استقرار تام وانتظام كامل فلم ينكتب نقشُ الشيء منه ولن ينكتبَ منه أبدا، بل يُكتب عليه بقلم القُدرة على مِسطَر القَدَر.
— 229 —
اعلم ومن الغرائب أن العقلَ الذي يتطاول إلى الإحاطة بالعالم والنفوذ إلى الخارج والخروج من دائرة الإمكان، يغرق في قطرة.. ويفنَى في ذرة.. ويغيب في شعرة.. وينحصر الوجود عنده فيما فني فيه.. ويريد أن يُدخلَ معه كلَّ ما أحاطَ به في النقطة التي بَلَعته. [٭]: نعم، إن أكبر فلاسفة الأرض عقلا يغرق في قطرة من الألم، ويفنى في ذرة من المحبة، ويغيب في شعرة من السرور، وينحصر الوجود عنده في لحظة فناء باهتماماته، ويجهد أن يسحب معه كل معارفه الوجودية إلى عمق النقطة التي ابتلعته.
اعلم أنه لو كان المُلك لك لتنغّص عليك التنعمُ بتكلف التعهّد والتحفظ والتخوف. والمنعمُ الكريم يتعهد كل لوازمات النعمة.. وما يفوِّض إليك إلّا التنعمَ والتناول من سُفرة إحسانه، والشكرَ الذي يزيد لذةَ النعمة.. إذ الشكر؛ رؤيةُ الإنعام في النعمة. ورؤية الإنعام تزيل ألمَ زوال النعمة؛ إذ تزولُ النعمةُ حينئذٍ فلا تعطي موضعها للعدم حتى تُؤلِم، بل تُخلي الموقعَ لمجيء المِثل كالثمرة، فتعطيك لذةَ التجدد.
﴿ وآخرُ دعْويهُم اَنِ الحمدُ للّٰه رَبّ العَالمين ﴾
(يونس:١٠) يدل على أن الحمدَ عينُ اللذة. نعم، إن سرَّ الحمد؛ رؤيةُ شجرةِ الإنعام في ثمرة النعمة. فيزول ألمُ تصوّر الزوال فيُلتَذ بنفس الحمد..
اعلم أن المعلومات الآفاقية لا تخلو عن الأوهام والوساوس. وأما إذا استندت إلى الأنفس واتصلت بالوجدانيات المشعورة بالذات، تصفّت عن الاحتمالات المزعجة. فانظر من المركز إلى المحيط، ولا تعكس فتنتكس.
اعلم أن هذه المدنية السفيهة المصيّرةَ للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلُها ويتناجَون بالإثم وما لا يعني [٭]: وما لا يعني من الأمور التي تلهي الإنسان. بالجرائد صباحا ومساءً، غَلُظَ بسببها وتكاثفَ بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لا يُخرَق إلّا بصرفِ همةٍ عظيمة. وكذا فَتحتْ لروح البشر منافذَ غير محدودة نظّارة إلى الدنيا يتعذّر سدُّها إلّا لمن خصّه اللّٰه بلُطفه..
اعلم أن الذرة تسعُ الشمسَ بتجليها فيها بالمشاهدة ولا تسع تلك الذرةُ ذرتين بالذات بالبداهة، فذراتُ الكائنات ومركباتها -كقطرات المطر ورشاشاتها المتشمسة المتلألئة بتماثيل الشمس- قابلةٌ لأن تصير مظاهرَ للمعات تجليات القدرة النورانية الأزلية المطلقة المحيطة المستندة بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين.. ولا يمكن أن تكون ذرةُ حُجيرةِ عينك منبعا ومعدنا لقدرةٍ وشعور وإرادة تتحمل وظائفها العشرة من
— 230 —
خَدَمتها في الأعصاب المحركة والحساسة والأوردة والشرايين والإبصار والتصوير وغيرها مما يتيه فيه الفكر.
فهذه الصنعة المتقنة العجيبة، والنقش المزين المنتظَم، والحكمة العميقة الدقيقة، تقتضي قطعا:
إما أن يكون كل ذرة وكل مركب في الكائنات معدنا ومنبعا ومصدرا لصفات محيطة مطلقة كاملة.
وإما أن يكون مظهرا ومعكِسا ومجْلًى للمعاتِ تجلياتِ شمس الأزل الذي له هذه الصفات.
والشِّق الأول فيه محالاتٌ بعدد ذرات الكائنات ومركباتِها؛ فمن جاز عنده أن يحمل على جناحَى نحلةٍ جبلي "سُبحانْ وآرارات" [٭]: جبلان يقعان شرقي تركيا. وأن ينبع من عيني بعوضة "النيل والفرات"، فليذهب إلى الشق الأول؛ فتشهد كلُّ ذرةٍ -بِعَجزها عن تحمّل ما لا طاقة لها به- أنه: لا موجدَ ولا خالقَ ولا رب ولا مالك ولا قيوم ولا إله إلّا اللّٰه. وكل ذرات الكائنات ومركباتها بألسنتها المختلفة ودلالاتها المتنوعة تتكلم بی:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
[٭]: لم ينسب إلى قائله: انظر تفسير الألوسي ٨/٤١٧؛ البحر المديد لابن عجيبة ٤/١١٣؛ البرهان للزركشي ٢/١٦٠.
نعم، إن كل حرف من كتاب الكائنات، يدل على وجود نفسه بوجهٍ واحدٍ، وبمقدار حرف، لكن يدل على كاتبه وصانعه بوجوه كثيرة. وينشدُ من أسمائه المتجلية عليه قصيدةً طويلة:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ
[٭]: لرجل نحوي مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هی) - (قول على قول ١١/١٥٧ للكرمي).
اعلم [٭]: الغصن الرابع من "الكلمة الرابعة والعشرين" تفصّل هذه المسألة. أن مرايا التجليات متنوعة منها: الزجاج، والماء، والهواء -لاسيما للكلمات- وعالم المثال، والروح، والعقل، والخيال، والزمان. وغيرها مما لا نعلم أو لا تعلم.. وتماثيل الماديات الكثيفة في المرايا [٭]: أي صورها المرتسمة في المرايا، كما سيأتي. منفصلة حُكما، وأمواتٌ حقيقةً.. وليس لها خاصية الأصل.. وغيرٌ
— 231 —
للأصل أيضا، بدليل انتقالها إلى الفطوغراف، دون النورانية الخالصة، وفي غير الخالصة تنتقل هويةُ صورتها المادية فقط.
وأما تماثيل النورانيات فمتصلةٌ حُكما، ومرتبطةٌ حقيقة، ومالكةٌ لخواصّ الأصل، وليستْ غيرا له. فلو جَعل الفاطرُ جلّ جلاله حرارةَ الشمس حياتها، وضياءها شعورَها، وألوان الضياء حواسَّها؛ لتكلمت الشمسُ معك في قلب مرآتك التي في يدك، كتلفونك ومرآة قلبك. إذ مثالها الذي في يدك له أيضا بمقدار استعداده حرارةُ حياةٍ، وضياءُ شعورٍ، وألوانُ حواسٍّ. ومن هذا السر يطّلع النبي (ص) الذي هو النور النوراني على صلواتِ كلِّ مَن صلّى عليه في آن واحد. ومن هذا السر ينفتح مغلقات أسرار. [٭]: إيضاحها في "اللوامع" - أقسام التمثلات مختلفة - من مجلد "الكلمات".
اعلم أن "سبحان اللّٰه والحمد للّٰه" يتضمنان التوصيفَ بصفات اللّٰه: الجلالُ بالأول.. والجمال بالثاني. فی"سبحان اللّٰه" ينظر إلى بُعد العبد والممكن عن اللّٰه الواجب الوجود العلي العظيم. و"الحمد للّٰه" ينظر إلى قُرب اللّٰه بالرحمة واللطف إلى العبد ومخلوقاته. فكما أن الشمسَ قريبةٌ منك تُوصل حرارتَها وضياءها إليك وتتصرف فيك بإذن خالقها، الذي صيّرها مرآةً لجلوة اسمه "النور" وظرفا لنِعَمه التي هي الحرارة والضياء مع أنك بعيدٌ عنها لا يصل يدُك إليها، وأنت بالنسبة إليها قابلٌ فقط لا فاعلٌ ولا مؤثر.. كذلك - وللّٰه المثل الأعلى - إن اللّٰه جلّ جلاله قريبٌ منا فنحمده، ونحن بعيدون عنه فنسبّحه. فأحمدْه وأنت تنظر إلى قُربه برحمته. وسبّحه وأنت تنظر إلى بُعدك بإمكانك. ولا تخلط بين المقامين، ولا تمزج بين النظرين، لئلا يتشوش عليك الحقُّ والاستقامة. لكن يمكن لك -بشرط عدم الالتباس والمزج- أن تنظر إلى القرب في جهة البُعد.. وإلى وجه البُعد في جهة القرب.. وإلى الوجهين معا فتقول: "سبحان اللّٰه وبحمده"..
اعلم يا طالب الدنيا! لابد أن تتركها [٭]: وتركها يعنى: أنها ملك اللّٰه، يُنظر إليها بإذنه وباسمه (المقام الثاني من الكلمة السابعة عشرة من مجلد الكلمات). لأمور أربعة:
أولا: فلأنها سريعة الزوال، وألمُ الزوال مذلّ ومزيل للذة الوصال.
وأما ثانيا: فلأن لذائذَها منغَّصة بآلامٍ مقارِنة وأكدارٍ متعاقبة.
— 232 —
وأما ثالثا: فإن ما ينتظرك وأنت تذهب إليه بسرعة بلا انحراف من القبر الذي هو باب إلى الآخرة، لا يقبل منك مزيَّنات الدنيا هديةً، إذ تنقلب هناك قبائح.
وأما رابعا: فوازنْ بين سكونك ساعة في موقع بين الأعداء والمؤذيات والحشرات المضرة، وبين السكون في سنين كثيرة في موقع آخر قد اجتمع فيه كل أحبابك وكل عظمائك. ومالِك الملك أيضا يدعوك إلى ترك لذة تلك الساعة ليريحَك في تلك السنين مع أوِدّائكَ. فأجب داعيَ اللّٰه قبل أن تُساق إليه بالسلاسل.
فسبحان اللّٰه ما أعظمَ فضلَ اللّٰه على الإنسان يشتري بثمنٍ غالٍ من الإنسان مالا له وديعةً عند الإنسان ليحمله عنه.. ويبقيَه له.. ويحميَه مما يفسده. مع أن الإنسان إنْ تَملَّكَه ولم يبعْه وقع في بلاءٍ عظيم في تعهّده بقدرة لا تكفي -من ألوف مصالحه- بواحد.. ولو تحمله بنفسه على ظهره لأنقض ظهرَه. ولو أمسكه بنفسه لزال سريعا وذهب مجانا وفني مورثا لآثامه وأثقاله على مالكه الكاذب.
اعلم أنه إنني مصداق لما قيل:
وعيني قد نامت بليلِ شبيبتي ولم تنتبه إلّا بصُبح مَشيب
[٭]: انظر: ابو العباس المقري، نفح الطيب ٤/٣٤٢، ٧/٢٨٠.
إذ أشدُّ أوقات انتباهي في شبيبتي، رأيته الآن أعمقَ طبقات نومي! فالمتنورون المتنبهون في عُرف المدنيين كانتباهي فيما مضى، مَثَلُهم كمثل مَن رأى في رؤياه أنه انتبه وقصَّ رؤياه على بعض الناس، والحال أنه بهذا الانتباه مرّ من طبقة النوم الخفيفة إلى الطبقة الكثيفة. فمَن كان هكذا نائما كالميت كيف يوقظ الحي الناعس، وكيف يُسمع الناعسَ ما يتكلم به من وراء حُجب نومه المضاعف!
أيها المتنبّهون النائمون! لا تتقرَّبوا إلى المدنيين بالمسامحة الدينية والتشبّه، ظنا منكم أنكم تَصيرون جسرا بيننا وبينهم، وتملأون الواديَ بيننا. كلّا، إن المسافة بين المؤمنين والكافرين غيرُ محدودة، والوادي بيننا في غاية العمق لا تملأونه، بل تلتحقون بهم أو تضلّون ضلالا بعيدا!
اعلم أن في ماهية المعصية [٭]: توضيح هذه المسألة في اللمعة الثانية من "اللمعات". -لاسيما إذا استمرت وكثرت- بذرَ الكفر.. إذ المعصية
— 233 —
تُولِد أُلفةً معها وابتلاءً بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمي نفسُها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاب وردّ دار العقاب. وكذا إن خجالة المعصية -بغير الندامة والقلع- تُلجئ صاحبَها إلى إنكار كون المعصية معصيةً، وإنكار مَن يطلع عليها من حَفَظة الملائكة وغيرها.. فمِن شدة الخجالة يتمنى عدمَ الحساب.. فإن صادف وهما ينفيه، تلقّاه برهانا.. وهكذا إلى أن يسودّ القلبُ، العياذ باللّٰه..
اعلم [٭]: اعتمدنا في تحقيق هذه الفقرة على ما جاء في القطرة الخامسة من الرشحة الرابعة عشرة وعلى الطبعة الأولى من الكتاب. أن من لمعات معجزات القرآن كما في "اللوامع" [٭]: "اللوامع" -بيان موجز لإعجاز القرآن- من "الكلمات". المشتملة على الإشارة إلى أربعين نوعا من إعجازه، ومن كمال بلاغته: أنه جمع السلاسةَ الرائقة، والسلامةَ الفائقة، والتساندَ المتين، والتناسبَ الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوبَ بين الآيات ومقاصدِها بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة منجَّما لمواقع الحاجات نزولا متفرقا متقاطعا بتلاؤم كأنه نزل دفعةً.. ولأسباب نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السببَ واحدٌ.. وجاء جوابا لأسئلة مكرّرة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحدٌ.. وجاء بيانا لحادثاتِ أحكامٍ متعددة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.. ونزل متضمنا لتنیزلات إلهية في أساليبَ تناسب أفهام المخاطَبين، لاسيما فهم المنیزَل عليه عليه السلام، بحالات في التلقي متنوعةٍ متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالةَ واحدة.. وجاء متكلما متوجها إلى أصنافِ مخاطبين متعددةٍ متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطَب واحد، بحيث يظن كلُّ صنف كأنه المخاطَب بالأصالة.. ونزل مُهديا وموصلا لغاياتٍ إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي "التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة". فبسر امتلائه من التوحيد، الْتَأَمَ وامتزج وانتظم واتّحد.
ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنیزيل عينا ترى كلَّ الكون، كصحيفة مبصَرة واضحة.. وقد جاء مكررا ليقرِّر.. ومردّدا ليحقق قصصا وأحكاما. مع أنه لا يُمِلُّ تكرارُهُ،
— 234 —
ولا يُزيل عَوْدُهُ ذَوْقَه ولا يُسئِمُ تردادُهُ. كلما كرّر حقّق وقرّر، بل ما كررته تحلو وتفوح أنفاسُ الرحمن منه "إن المسك ما كررته يتضوّع". [٭]: وينسب إلى الإمام الشافعي: أعِد ذِكر نُعمانٍ لنا إنّ ذكرَه هو المسكُ ما كرّرته يتضوّع. وكلما استعدتَه استَلذْتَه؛ إن كان لك ذوق سليم بقلب غير سقيم. والسر فيه: أنه قُوتٌ وغذاءٌ للقلوب، وقوة وشفاء للأرواح. والقوتُ لا يُمِلُّ تكرارُه.. فمألوفُه آنَسُ وألَذّ، خلافَ التفكّه الذي لذتُه في تجدده، وسآمتُه في تكرره.
وكما أن الإنسان في حياته المادية يحتاج في كل آنٍ إلى الهواء، وفي كل وقتٍ إلى الماء، وفي كل يوم إلى الغذاء، وفي كل أسبوع إلى الضياء، في الأكثر.. فتتكرر هذه الأمور لتكررّ الحاجات، فلا تكون تكرارا.. كذلك إن الإنسان بجهة حياته الروحانية أيضا؛ يحتاج إلى أنواع ما في القرآن؛ فإلى بعضٍ في كل دقيقة بل في آنٍ سيال كی: "هو.. اللّٰه" فبه يتنفس الروحُ.. وإلى بعضٍ في كل ساعة كی: "بسم اللّٰه".. وإلى بعض في كل وقت.. وإلى بعض في كل زمان متدرجا بدرجات الاحتياج، فيكرر القرآن على ما تقتضي حياةُ القلب تكرارَه.
مثلا: "بسم اللّٰه" كالهواء النسيمي يطهِّر الباطن داخلا ويثمر خارجا في نَفْسِك كَنفَسِك في جسمك.. وأيضا في تكرار القرآن بعضَ الحادثات الجزئية إشارةٌ إلى أن الحادثة الجزئية تتضمن دستورا كليا، كما أشرتُ إلى بعضٍ من جمل قصة "موسى" عليه السلام التي هي أجدى من تفاريق العصا. [٭]: مثل يضرب فيمن نفعه أعمّ من غيره. (مجمع الأمثال ١/٣٧)
والحاصل:
أنَّ القرآن الحكيم كتابُ ذكر، وكتابُ فكر، وكتاب حُكم، وكتاب علم، وكتاب حقيقة، وكتاب شريعة، وشفاء لما في الصدور، وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين.
اعلم أن من أعاجيب فطرة الإنسان في وقت الغفلة، التباسَ أحكام اللطائف والحواسّ.كالمجنون الذي يصل نظرُه إلى شيء، فيمدّ يدَهُ إليه ظنّا منه -لمجاورة العين لليد- أن ما يحصل بتاك، يحصل بهذه أيضا. فالإنسان الغافل الذي لا يصل يدُ اقتداره إلى تنظيم أدنى جزء من أجزاء نفسه يتطاول بغروره وبوسعة خياله إلى الحكم والتحكم في أفعال اللّٰه في الآفاق..
وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده، مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنًى بدرجات، كما بين الذرة إلى الشمس إلى شمس الشموس خلافا لسائر الحيوانات؛
— 235 —
إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الروح؛ فكأن الإنسان الذي قام من "مخروط الكائنات" في حاق الوسط، [٭]: الحاق: الوسط، والكامل في الشيء. منه إلى الذرة ومنه إلى شمس الشموس سواء؛ إذ لم يُحدَّد قواه ولم تُقيّدْ، أمكَنَ له أن يتنیزل ويتسفل "بالأنانية" إلى أن يكون هو والذرة سواء؛ وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك "أنا" ويتصاعدَ بإذنه تعالى إلى أن يصيرَ بفضل اللّٰه كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام.
اعلم أن الأصل في الشيء البقاء، حتى إن الأمورَ السيالة السريعةَ الزوالِ -كالكلمات والتصورات- لها أيضا مواضعُ أُخر يتحصنون فيها من الزوال. لكن يتطورون في الصور، حتى كأن الأشياء موظفون لحفظ الشيء إما بتمامه كالنوراني، أو وجهٍ من الشيء، يسارعون بكمال الاهتمام لأخذه ووضعه في قلوبهم الشفافة.
والحكمة الجديدة تفطنت لهذا السر لكن بلا وضوح، فلهذا أخطأت بالإفراط فقالت: لا عدمَ مطلقا، بل تركُّبٌ وانحلال. [٭]: انظر خاتمة اللمعة الثالثة والعشرين "الطبيعة"، ففيها التوضيح الشافي لهذه المسألة. كلا! بل تركيب بصُنعه تعالى.. وتحليل بإذنه.. وإيجادٌ وإعدام بأمره.. يَفعَلُ مَا يَشاءُ ويَحكُم مَا يُريدُ.
اعلم أيها السعيد الشقي! إن القبرَ بابٌ باطنه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب.. وأَوِدَّاؤك ومَن تحبُّه، أكثرهم -حتى كلُّهم- ساكنون خلف هذا الباب. ألَمْ يأنِ لك أن تشتاق إليهم وإلى عالَمِهم.. فَتنظَّفْ، وإلّا استقذروك.
لو قيل لك مثلا: إن "الإمام الربّاني أحمد الفاروقي" قُدس سره، ساكن الآن في الهند، لاقتحمتَ المهالك وتركتَ الأوطان لزيارته. مع أن تحت اسم أحمد فقط ألوفَ نجوم حول شمسِ مَن في الإنجيل اسمه "أحمد" وفي التوراة "أُحيد" وفي القرآن "محمد".. وتحت اسم محمّد ملايين.. وهكذا كلهم خلف باب القبر في رحمة اللّٰه ساكنون.
فلابد أن يكون نصب عينك دائما "هذه الأساسات" وهي:
(١) إن كنتَ له تعالى كان لك كلُّ شيء، وإن لم تكن له كان عليك كلُّ شيء.
(٢) وكلُّ شيء بِقَدَرٍ، فارضَ بما آتاك تزد يُسْرا على يُسْرٍ، وإلّا زدْتَ مرضا على مرض.
— 236 —
(٣) المُلكُ له، ويشتريه منك ليبقيَه لكَ.. ويزولُ مجانا لو بقي عندك.
(٤) وأنت فقيرٌ إليه من كُلِّ وجهٍ.
(٥) وأنت مقيّدٌ بجهات أربع مسدودة. تُساق إلى باب القبر المفتوح لك.
(٦) لا لذةَ للقلب حقيقةً فيما لا دوام فيه؛ تزول أنتَ، وتزول دنياك، وتزول دنيا الناس.
(٧) وستُنْزَع من الكائنات هذه الصورة. وسيُخلَع عليها أخرى. كالثانية، والدقيقة، والساعة، واليوم.. كأن الكائنات ساعة كبرى، كما ذكر في "النكتة الرابعة من الكلمة التاسعة".
(٨) فلا تهتم بما يبقى لك أثرا في الفاني ويفنى عنك في الباقي.
(٩) ولا تنظر من بُعدِك وخستك ومن عظمته وعزته تعالى -ونقطة نظرك هذه الحيثية- إلى تصرفاته وتنیزّلاته برحمته ونعمته؛ إذ حينئذٍ لا يليق إلّا التسبيحُ.
(١٠) ولا تنظر من حيثية قربه وإحاطته بعلمه ورحمته، ومن مخلوقيتك ودخولك في عنايته وكرمه، إلى صفات جلاله، لئلا تستهوي بك الأوهامُ والأهواءُ.
فسبحان من تقدستْ وتنیزهتْ عن أن تحيط به الأفكارُ والعقول، والحمد للّٰه الذي وسعت رحمتهُ كلَّ شيء.. لا إلهَ إلّا اللّٰه وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميت بيدهِ الخَير وهوَ على كلِّ شيء قدير..
اعلم أن مَن في قلبه حياةٌ إذا توجه إلى الكائنات يرى من عظائم الأمور ما لا يحيط به ويَعجز عن إدراكه ويتحيّر فيه، فللتَّشفِّي من ألم الحيرة يشتاق إلى "سبحان اللّٰه" كتعطش العليل الغليل إلى الماء الزلال.. ويرى من لطائف النِّعم واللذائذ ما يُجبرهُ على إظهار تلذذه وتزييد تلذذه واستيزاد لذته بالدوام برؤية الإنعام في النعمة، والمنعِم في الإنعام بعنوان الحمد، فيتنفس بی"الحمد للّٰه" كما يتنفس المظفر السالم الغانم.
ويرى من عجائب المخلوقات وغرائبها ما لا يطيق مقاييسُ عقله وزنَها ويضيق ذهنُه عن محاكمتها، وحسُّ تجسس الحقيقة يُشغله بها، فينادي: "اللّٰه أكبر" فيستريح. أي خالقها أعظمُ وأكبرُ فلا يثقُل عليه خلقُها وتدبيرها، كمثل من يرى القمرَ يدور حوله فيغشاه ألمُ
— 237 —
تعجب، أو خروجَ جبل بالزلزلة فيتدهش فيكبّر، فيلقى عن ظهره أثقالَ العَجب والتدهش على سفينة القدير القوي المتين جلّ جلاله..
اعلم أنك بسيئاتك لا تضر اللّٰه شيئا إنما تضر نفسك. مثلا: ليس في الخارج [٭]: أي في الواقع والحقيقة (ت: ١١٨). شريكٌ حتى تقوّيه باعتقادك فتؤثّرَ في كمال ملكهِ تعالى، بل في ذهنك وفي عالمك فقط. فيخرّب بيتك على رأسك..
اعلم أنه من توكّل على اللّٰه فهو حسبه.. فقل: "حسبي اللّٰه ونعم الوكيل":
فأولا: لأنه الكامل المطلق، والكمالُ محبوب لذاته وتُفدَى له الأرواحُ.
وثانيا: لأنه محبوب لذاته وهو المحبوب الحقيقي، والمحبة تقتضي الفداء.
وثالثا: لأنه الموجودُ الواجبُ.. وبقربه أنوارُ الوجود.. وببُعده ظلماتُ العَدَمات، وألمٌ أليم في أُفول آمال الروح الإنساني.
ورابعا: لأنه الملجأ والمنجا للروح الذي ضاقت عليه الأكوانُ، وآلمَته مزخرفات الدنيا، وعادَتْهُ الكائناتُ وأُنقض ظهرُه تحت الشفقة اليتمية والمرحمة المأتمية..
وخامسا: لأنه الباقي الذي به البقاء، وبدونه الزوال، وكلُّ العذاب في الزوال. وبدونه يتراكم على الروح آلامٌ بعدد الموجودات، وبه يتظاهر على المتوكل أنوارٌ بعددها..
وسادسا: لأنه المالك يحمل عنك مُلكه الذي عندك، إذ لا تُطيق حملَه، فبتوهم التملّك تقعُ في عذاب أليم أليم. فلبقائه ودوام إنعامه لا تغتمَّ بفناء ما في يدك، كما لا تحزن الحَباباتُ المتشمسة بالتحول والانحلال. فلإظهار تجددات تجليات الشمس يَفدي الحَبابُ صورتَه بكمال النشاط بل يموت وهو يضحك. وكما لا تغتم الثمرات بفراق الشجرة ولا النواة بانحلال الثمرة ولا أنت بزوالها إذ تقولون [٭]: أنت والنواة والثمرة. فلتحيا الشجرة إذ في حياتها موتُنا حياةٌ.
يا هذا! أنت ثمرة إنعاماته بل مجسَّمُ إنعاماته.
وسابعا: لأنه الغني المغني وبيده مقاليد كل شيء، إذا صرتَ عبدا خالصا له، ثم نظرت
— 238 —
إلى الكائنات تراها مُلكَ مالكك وحِشمته وحواشيه فتتنیزّه بها، كأنها مُلكٌ لك بل أعلى، بلا كلفة ولا ألم زوال.. إذ الخادمُ الخالص للمَلِك والفاني في محبته يفتخر بكل ما للمَلِك.
وثامنا: لأنه ربّ الأنبياء والمرسلين والأولياء والمتّقين وكلّهم مسعودون في رحمته، فعِلْمك بسعادتهم يعطيك في شقاوتك سعادةً ولذةً إن كنتَ ذا قلب.
اعلم أنه لا يليق بك إن كان لك عقلٌ سليم أن تهتم وتغتم وتغضبَ وتصخب لما يأتيك أو يفوتُك من أمور الدنيا، لأن الدنيا تزول لاسيما دنياك، ولاسيما أنت؛ إذ لست بأبديّ هنا، ولستَ من حديدٍ ولا شجر حتى يطولَ بقاؤك، بل من لحمٍ متجدّد ودمٍ متردد وروابط في غاية رقة تتأثر بأدنى شيء. وقد تنقطع تلك، وينجمد هذا، ويتفسخ ذلك باختلال ذرتين، ولاسيما تَنفسَ فيك صبحُ المشيب وكَفّنَ نصفَ رأسك.. ولاسيما تضيّفَتْ بل توطنت فيك العللُ التي هي طليعة الموت، والأمراضُ التي هي مخالبُ هادم اللذات، مع أن أمامك عمرا أبديا ألقيتَه خلفك ظهريا، إنما ترتّبت راحته على سعيك هنا، مع أنك في حرصك وشَرهِك كمَن هو خالد وخَلُدَت له الدنيا خاصة.. فانتبه قبل أن تُنبّهك سكراتُ الموت..
اعلم أنك إذا توجهتَ إليه تعالى بعنوان المعلوم والمعروف يصير لك مجهولا ومنكرا، إذ هذه المعلومية والمعروفية نتيجةُ الأُلفة العُرفية والتسامع التقليدي، والتداول الاصطلاحي، وهي لا تغني من الحقيقة شيئا؛ بل ما يتراءى لك فيها مقيد لا يتحمل الصفات المطلقة. بل إنما هو نوع عنوان لملاحظة الذات الأقدس..
وأما إذا توجهتَ إليه بعنوان الموجود المجهول، تكشّف لك عن أشعة المعروفية.. وعن بُروقِ شروقِ موصوفٍ لا تَثقل ولا تتعاظم عليه هذه الصفاتُ المطلقة المحيطة المتجلية في الكائنات، كما لا يثقل عليك حملُ قميصك من الحرير الرقيق ومنديلِك من الخز المنمنم. [٭]: الحرير المنقش.
اعلم كفاك فخرا بلا نهاية -لا كفخرك بكمال كبرائك- أن يكون لك مالكٌ قدير على كل شيء. ومن اقتداره -وهو هو الذي السماواتُ مطويات بيمينه، والأرضُ قبضته يوم القيامة- أنه يربيك بشفقةٍ أتمّ من شفقة أبويك، وأنت أنت: كقطرة في بحر، والبحر كنقطةٍ في صحراء، والصحراء كذرة بين عظائم مصنوعاته؛ إذ هو نور الأنوار العالِمُ بالأسرار.. وليس
— 239 —
من عظمة السلطان الإنساني عدم اشتغاله بتفاصيل جزئيات الأمور، بل من عَجزه وعدم اقتداره.. ومن عظمة سلطان الأزل أنه كما يكتب بقلم صُنعه على صحيفة السماء بمداد النجوم الدراري آياتِ ألوُهيته، كذلك يكتب بذلك القلم على صحيفة سواد العين بمداد الجواهر الفردة آياتِ ربوبيته...
فسبحان مَن هذه الأجرامُ العلوية والكواكب الدريَّة نيّراتُ براهين أُلُوهيته وعظمته، وهذه المصابيح المزينة والنجوم المتبسمة شعاعاتُ شواهد ربوبيته وعزته جلّ جلاله.
اعلم أن الأسماء الحسنى كلٌّ منها يتضمن الكلَّ إجمالا، كتضمن الضياء للألوان السبعة.. وكذا كلٌّ منها دليل على كلّ منها، ونتيجةٌ لكلٍّ منها، بينها تعاكسٌ كالمرايا. فيمكن ذكرُها كالقياس الموصولِ النتائجِ متسلسلا، وكالنتيجة المترتبةِ الدلائلِ. إلا أن الاسمَ الأعظم الواحدَ يتضمن الكلَّ فوق هذا التضمن العام. فيمكن للبعض الوصول إلى نور الاسم الأعظم بغيره من الأسماء الحسنى. فيتفاوت الاسم الأعظمُ بالنظر إلى الواصلين. واللّٰه أعلم بالصواب.
— 240 —
تضرّع و(نِياز)
إلهي لازمٌ عليّ أن لا أُبالي ولو فات مني حياةُ الدارين وعادَتْني الكائناتُ بتمامها؛ إذ أنت: "ربي وخالقي وإلهي".. إذ أنا مخلوقُك، ومصنوعُك، لي جهةُ تعلّقٍ وانتساب، مع قطع نهايةِ عصياني وغايةِ بُعدي لسائر روابط الكرامة. فأتضرع بلسانِ مخلوقيتي:
يا خالقي! يا ربي! يا رازقي! يا مالكي! يا مصوري! يا إلهي!
أسألك بأسمائك الحسنى واسمك الأعظم، وبفرقانك الحكيم وبحبيبك الأكرم، وبكلامك القديم، وبعرشك الأعظم، وبألفِ ألفِ قُل هُوَ اللّٰه أحدْ ارحمني يا اللّٰه، يا رحمنُ، يا حنّانُ، يا منّانُ، يا ديّانُ.. اغفر لي يا غفّارُ، يا ستّارُ، يا توّابُ، يا وهّابُ.. أعفُ عني يا ودودُ، يا رؤوفُ، يا عفوّ، يا غفورُ.. اُلطف بي يا لطيفُ، يا خبيرُ، يا سميعُ، يا بصيرُ.. وتجاوز عني يا حليمُ، يا عليمُ، يا كريمُ، يا رحيمُ..
﴿ اهدنا الصّراطَ المستَقيم.. ﴾
يا ربُ، يا صمدُ، يا هادي.. جُد عليَّ بفضلِكَ يا بديعُ، يا باقي، يا عدلُ، يا هو.. أحيِ قلبي وقبري بنور الإيمان والقرآن يا نورُ، يا حقُّ، يا حيُّ، يا قيّومُ، يا مالكَ الملكِ يا ذا الجلال والإكرام، يا أوّلُ، يا آخرُ، يا ظاهرُ، يا باطنُ، يا قوّيُ، يا قادرُ، يا مولايَ، يا غافرُ، يا أرحمَ الراحمين.. أسألك باسمك الأعظم في القرآن.. وبمحمد عليه الصلاة والسلام الذي هو سِرُّكَ الأعظم في كتاب العالم أن تفتحَ من هذه الأسماء الحسنى كواتٍ مُفيضةً لأنوار الاسم الأعظم إلى قلبي في قالبي، وإلى روحي في قبري.. فتصير هذه الصحيفة كسقف قبري، وهذه الأسماء ككوات تُفيضُ أشعة شمسِ الحقيقة إلى روحي.إلهي أتمنى أن يكون لي لسانٌ أبدي ينادي بهذه الأسماء إلى قيام الساعة، فأقبلْ هذه النقوش الباقية بعدي نائبا عن لساني الزائل.
اَللّٰهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ صلاةً تُنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميعَ الحاجات، وتُطهّرنا بها من جميع السيئاتِ، وتغفرُ لنا بها جميع الذنوب والخطيئات..
يا اللّٰه، يا مجيبَ الدعوات! اجعل لي في مدة حياتي وبعد مماتي، في كل آن أضعافَ أضعاف ذلك.. ألفَ ألفِ صلاةٍ وسلامٍ مضروبَين في مثل ذلك وأمثال أمثال ذلك، على سيدنا محمد وعلى آلِهِ وأصحابه وأنصاره وأتباعه.. واجعل كل صلاةٍ من كل ذلك تزيد على أنفاسيَ العاصية في مدة عمري.. واغفر لي وارحمني بكلِّ صلاةٍ منها برحمتك يا أرحمَ الراحمين.. آمين..
— 241 —

ذيل الحبة

يا ناظر!
أظنني أحفر بآثاري المشوّشة عن أمرٍ عظيم بنوع اضطرارٍ مني.
فيا ليت شعري هل كَشَفتُ..
أو سينكشفُ..
أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي.
لا حولَ ولا قوّةَ إلّا باللّٰه..
﴿ حَسْبُنا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل. ﴾
اَللّٰهمَّ لا تُخرِجنا مِنَ الدُّنيا إلّا مَعَ الشَّهادة والإيمان.
— 242 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
اَلْحَمْدُ للّٰه عَلَى نِعْمَةِ الإيمَانِ وَالإسْلَامِ بِعَدَدِ قَطَرَاتِ الْأمْطَارِ، وَأمْوَاجِ البِحَارِ،
وَثَمَرَاتِ الْأشْجَارِ، وَنُقُوشِ الأزْهَارِ، وَنَغَمَاتِ الأطْيَارِ، وَلَمَعَاتِ الْأنْوَارِ،
وَالشُّكْرُ لَهُ عَلى كُلٍّ مِنْ نِعَمِهِ فِي الْأطْوَارِ، بِعَدَدِ كُلِّ نِعَمِهِ فِي الأدْوَارِ.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلى سَيِّدِ الْأبْرَارِ وَالْأخْيَارِ مُحَمَّدٍ المُخْتاَرِ وَعَلى آلِهِ الأطْهَارِ
وَأصْحَابِهِ نُجُومِ الْهِدَايَةِ ذَوِى الْأنْوَارِ مَادَامَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
اعلم أن المسافر كما يُصادف في سيره منازلَ، لكلِّ منیزلٍ شرائطُ تخصّهُ.. كذلك للذاهب في طريق اللّٰه مقامات ومراتب وحالاتٌ وحُجبٌ وأطوار، لكل واحدٍ طورٌ يَخصهُ؛ مَن خلَطَ غلطَ. كمثل مَن نزل في قرية اصطبلا سمع فيه صهيل الفرس، ثم في بلدٍ نزل قصرا فسمع تَرَنُّمَ العندليب، فتوهم الترنمَ صهيلا، وأراد أن يستمع منه صهيل الفرس مغالطا لنفسه.
اعلم أن مما زيّن في عينك هذه الحياةَ تلألُؤ تماثيلِ نجوم الهداية من أماثل الأسلاف في مرآة الدنيا، [٭]: أي إن الصور الجميلة والنماذج الطيبة لأولئك الأئمة العظام تحبب لك هذه الدنيا (ت: ١٢٣). بسرّ: أن المستقبل مرآة الماضي، والماضي يلتحق بالبرزخ -بمعناه- ويُودع صورتَه ودنياه في مرآة الاستقبال والتاريخِ وأذهانِ الناس. مثلك في حب الحياة بحبهم كمثل مَن صادف في وجه طريقه مرآةً عظيمة فرأى فيها تماثيل رفقائه وأحبابه الذاهبين إلى الشرق (مغرّبين في المرآة) فيتوحش من الشرق فيهرول مغربا. ولو كُشِفَ عن وجهك غطاءُ الغفلة لرأيتَك تسرعُ في بيداءَ خاليةٍ يابسة لسراب وعذاب، لا لِعَذْبٍ وشراب..
اعلم أن من عظيم علو القرآن وأصدق دليل حقانيته: محافَظَتَه لكلِّ لوازمات التوحيد بمراتبه.. ومراعاتَهُ لموازنة الحقائق العالية الإلهية.. واشتماله على مقتضيات الأسماء الحسنى، والتناسب بينها.. وجمعَه لشؤونات الربوبية والألوهية بكمال الموازنة. وهذه خاصيّةٌ ما وُجدَت قطُّ في أثر البشر وفي نتائج أفكار أعاظم الإنسان من الأولياء المارين إلى الملكوت، والإشراقيين الذاهبين إلى بواطن الأمور، والروحانيين النافذين إلى عالم الغيب.
— 243 —
فإنهم لا يحيطون بالحقيقة المطلقة بأنظارهم المقيدة، بل إنما يشاهدون طَرفا منها فيتشبثون به وينحبسون عليه ويتصرفون فيه بالإفراط والتفريط.. فتختل الموازنة ويزول التناسبُ.
مَثلهم كمثل غوّاصين في البحر لكشف كنیزٍ متزين ممتلئ بما لا يحصى من أصناف الجواهر، فبعضٌ صادف يدُه ألماسا مستطيلا مثلا، فيحكمُ بأن الكنیزَ عبارةٌ عن ألماسٍ طويل، وإذا سمع من رفقائه وجودَ سائر الجواهر فيه يتخيلها فصوصَ ألماسه، وصادف آخرُ ياقوتا كرويا وآخر كهربا [٭]: حجر كريم مشهور، وهو صمغ شجرة إذا حكّ صار يجذب التبن وغيره. مربعا وهكذا. وكل واحد يعتقد مشهودَه جرثومَ الكنیز ومعظمه، ويزعم مسموعَه زوائدَه وتفرعاتِه، فتختل الموازنة ويزول التناسب، فيضطرون للتأويل والتصلف والتكلف حتى قد ينجرّون إلى الإنكار والتعطيل. ومَن تأمل في آثار الإشراقيين والمتصوفين المعتمدين على مشهوداتهم بلا توزين بميزان السُّنة لم يتردد فيما قلت.
ثم انظر إلى القرآن فإنه أيضا غواص لكن له عينٌ مفتوحة تحيط بالكنیز وما فيه، فيصف الكنیزَ كما هو عليه، بتناسب وانتظام واطراد.
مثلا: يشتمل على ما تقتضيه عظمةُ مَن:
﴿ والارضُ جميعاً قبضَتُهُ يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ ﴾
(الزمر:٦٧).. وكما قال:
﴿ يومَ نَطوي السّمآءَ كَطيّ السّجلِّ للكُتُب ﴾
(الأنبياء:١٠٤) مع أنه:
يُصوِّرُكیم في الارحیامِ كيیفَ يشییاءُ
(آل عمران:٦)
میامین دآبییةِ الاّ هو آخذٌ بناصيتها
(هود:٥٦) و
﴿ خلق السّمواتِ والارضَ ﴾
(الأنعام:٧٣) مع أنه:
خیلَیقیكییییم ومیییا تَعیْمییلون
(الصافات:٩٦)
ويیُحیيي الارض
(الروم:٥٠)
﴿ وأوحى ربُّك إلى النحلِ ﴾
(النحل:٦٨)
﴿ والشمس والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمرهِ ﴾
(الأعراف:٥٤)
﴿ أوَلم يروا إلى الطيرِ فَوقَهُم صآفاتٍ ويقبضنَ ما يُمْسِكُهنَّ الا الرحمن إنه بكلِّ شيء بَصيرٌ ﴾
(الملك:١٩) ويكتب صحيفة السماء بنجومها وشموسها ككتابة صحيفةِ جناح النحلة بحجيراته وذراته
وسع كرسيّهُ السمییوات والارض
(البقرة:٢٥٥) مع أنه:
﴿ وهو مَعكُم أينَ ماكُنتم ﴾
(الحديد:٤)
﴿ هو الأولُ والآخرُ والظاهرُ والباطنُ وهو بكلِّ شيء عليمٌ ﴾
(الحديد:٣) وهكذا.. وقس عليها.. وما يشاهد في نوع البشر من أنواع الفرق الضالة، إنما نشأت من قصور أئمتهم المارين إلى الباطن، المعتمدين على مشهوداتهم، الراجعين من أثناء الطريق، المصداقين لما قيل: "حفظت شيئا وغابت عنك أشياء". [٭]: لأبي نواس: فَقُل لِمَن يَدَّعي في العِلمِ فَلسَفَةً حَفِظتَ شَيئا وَغابَت عَنكَ أشياءُ.
— 244 —
اعلم أن توصيفَ السماء بالدنيا في: وَزيَّنّا السّماءَ الدُنيا (فصلت:١٢) ومقابلة الدنيا للآخرة، تشير إلى أن السماوات الست الأُخر ناظرةٌ إلى عوالم أخرى، من البرزخ إلى الجنة، والمشهودةُ بنجومها وطبقاتها سماء الدنيا. واللّٰه أعلم.
اعلم أنه جِيءَ بك من العدمِ إلى الوجود، ثم رقّاك موجِدُك من أدنى أطوارِ الوجود حتى أوصَلكَ بإنعامه إلى صورة الإنسان المسلم. فما تخلل بينك وبين مبدإ حركتك من المنازل الكثيرة المتعددة كلٌّ منها نعمةٌ عليك، وفيك ثمرةٌ وصبغةٌ من كلِّ واحدٍ. فصرتَ كقلادةٍ منظّمة، وعنقودٍ نضيدٍ بحبات النِّعَم، وسنبلةٍ منضدة من الرأس إلى القدم، كأنك فهرستة لطبقات نِعَمه تعالى؛ ولأن الوجودَ يقتضي علّةً، والعدمَ لا يقتضي.. كما تقرر في العقول.. تُسأل ويُسألُ عنك في كل منزل في مراتب الوجود من الذرة إلى العدم: كيف وصلت إلى هذه النعمة؟ وبِمَ استحققتَها وبی"هل شكرتَ؟" ولا يَسأل من له مسكةُ عقلٍ عن حَجَر لماذا ما صار شجرا، وعن شجرةٍ لماذا ما صارت إنسانا...
فيا أيها السعيد المسكين المغرور! أنت نقطةٌ في وسط سلسلةِ الموجودات، فعليك نِعَمٌ بعددِ ما تحتَك إلى العدم الصرف، وأنت مسؤولٌ عن شُكرها. وأما ما فوقك فليس لك ولا لأحدٍ أن يسأل لماذا ما وصلتَ إلى أعلى مما أنت فيه، كما لا حقَّ للذرة أن تقول: "أي واه" لِمَ ما صرتُ شمسا، ولا للنحلةِ أن تقول لصانعها: هلا خلقتَني نخلةً مثمرة؟.. إذ ما تحتك وقوعاتٌ، وما فَوقك عدمات إمكانات شبيهة الممتنعات..
اعلم يا أنا! أن مما أهلككَ وأهواكَ وأوهمك وأهذاك وأذلك وأضلك؛ أنك لا تعطي كلَّ ذي حقِّ مقدارَ حقّه، وكل ذي حِمل حملَهُ بوسعه، بل تُفرِطُ وتُفرِّطُ فتحمِّل على نفرٍ ممثلٍ للجيش كلّ لوازمات الجيش العَرَمْرم، وتتحرى في تمثال الشمس في عين القطرة أو وجهِ الزهرة كلّ لوازمات عظمة شجرة الشمس المثمرة بالسيارات. نعم، القطرة والزهرة تصفان ولا تتصفان.
اعلم أن المُلكَ له، وأمانتُه، واشتراه، لا فائدة في "المرق". لا خير فيما لا يبقى. وإياك ونقضَ العهد معه. وعليك بالموت، والموتُ المنجرّ إلى الحياة أولى من هذه الحياة المنقلبة إلى الموت.
— 245 —
اعلم [٭]: تفصيل هذه المسألة في "الكلمة السادسة عشرة". أن ما في المرآة كما أنه "ليس عينا ولا غيرا" فهو "عين وغيرٌ"، فمن حيث إنه مظروفُ ملكوتِ المرآة "عينٌ" فأحكامُه أحكامُ الأصل. ومن حيث إنه صفةُ مُلكِ المرآة المتلألئة به "غيرٌ"، فله أوصافٌ ناظرة إلى المرآة، لا إلى الأصل فقط. ومن الحيثيتين "لا عينٌ ولا غيرٌ". كما أن الشيء في مرآة الذهن -من وجهِ أنه مظروفه- معلومٌ، ومن جهةِ أنه صفته علمٌ مع تغاير لوازمهما...
اعلم أنه لا تزاحم بين العوالم المختلفة في نوع الوجود. فإن شئتَ فادخل في ليلة مظلمة منیزلا منوّرا بالمصابيح وأربع جدرانه من الزجاجة التي هي نوع مشكاةٍ للعالم المثالي؛
فأولا: ترى فيها -باتصالِ الحقيقي بالمثالي- منازلَ عديدةً متنورة عمّت البلد كأنه لا ظلمة بمقدار مد النظر..
وثانيا: تراك تتصرف بالتغيير والتبديل بكمال السهولة في تلك المنازل..
وثالثا: ترى السراج الحقيقي أقربَ إلى أبعد السُّرُج المثالية من لصيقهِ، بل من نفسه لأنه قيّومه
ورابعا: ترى أن حبةً من هذا الوجود تقتدر أن تقل وتحمل عالما من ذلك الوجود.
فهذه الأحكام الأربعة تجري في موادَّ كثيرةٍ حتى بين الواجب وعالم الممكنات التي وجوداتها ظلال أنوار الواجب، فوجودها في مرتبة الوهم، لكن استقرّ وثَبتَ -بأمره تعالى له - وجودٌ خارجي، فليس خارجيًّا حقيقة بالذات ولا وَهميا محضا ولا ظليا زائلا بل له وجودٌ بإيجاد الواجب الوجود. فتأمل..
اعلم أنه كما أنه محال أن لا يكون لهذا المُلك المُعتَنى به مالكٌ، كذلك محالٌ أن لا يتعرفَ ذلك المالكُ إلى الإنسان الذي يدرك درجاتِ محاسنِ الملك الدالة على كمالات المالك، مع أن ذلك الإنسان كالخليفة في مهده الممهّد له يتصرف فيه كيف يشاء؛ بل في السقف المحفوظ السماوي أيضا بعقله. ومع ذلك إن الإنسان أشرفُ المخلوقات بشهادة تصرفاته العجيبة الخارقة مع صغره وضعفه، وإنه أوسعُ الأسباب اختيارا بالبداهة. فبالضرورة يرسل المالك من يعرّف المالكَ إلى مماليكه الغافلين عنه ويخبرهم ما يَرضى به ويطلبه منهم ذلك المالك جل جلاله..
— 246 —
اعلم أن كلَّ الحواسّ حتى الوهم والفرض والخيال يتفقون في النهاية على الحق ويَلتَجِئون إليه، ولا يبقى عندهم للباطل إمكان. فيقرون بأن الكائنات لا يمكن أن تكون إلّا على ما أخبَر به القرآن.. هكذا شاهدتُ وعقلي معي.
اعلم أنه كما لا تزاحم ولا تصادم بين عالم الضياء وعالم الحرارة وعالم الهواء وعالم الكهرباء (والألكتريقية) وعالم الجاذبة إلى عالم الأثير والمثال والبرزخ. تجتمع الكلُّ بلا اختلاط معك في مكانك بلا تشكٍّ من أحدٍ منكم، من مزاحمةِ أخيه.. فهكذا يمكن أن يجتمعَ كثيرٌ من أنواع العوالم الغيبية الواسعة في عالم أرضنا الضيقة. وكما لا يعوقنا الهواءُ من السير ولا يمنعنا الماءُ من الذهاب ولا يمنع الزجاجُ مرورَ الضياء ولا يعوقُ الكثيف أيضا نفوذَ شعاع "رونتكن" ونورِ العقل وروح المَلَك، ولا يمنع الحديدُ سيلانَ الحرارة وجريان "الألكتريق" ولا يعوق شيءٌ سريانَ الجاذبة وجولانَ الروح وخدّامه وسيرانَ نور العقل وآلاتِه.. كذلك هذا العالَمُ الكثيف لا يمنع ولا يعوق الروحانياتِ من الدوران، والجنَّ من الجولان، والشيطانَ من الجريان، والمَلَك من السيران..
اعلم أن النور والنوراني كالعين والسراج والشمس، يتساوى لها الجزئي والنوع والجزء والكل والواحد والأُلوف. فانظر إلى الشمس كيف انصبغت بتماثيلها السياراتُ والبحورُ والحياضُ والحبابات والقطَرات والرشاشات (والشَّبنَمات) والذرات الزجاجية دفعةً، بالسهولة والمساواةِ بين السيارات والذرات.
كذلك - وللّٰه المثل الأعلى - تصرفاتُ شمسِ الأزل نورِ الأنوار في كتاب الكائنات هكذا.. يكتُب كلَّ أبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجمله وحروفه دفعةً بلا كُلفة كما قال:
﴿ مَا خلقُكم ولابَعثُكم الاّ كَنَفسٍ واحدَةٍ ﴾
(لقمان:٢٨).. آمَنّا..
اعلم أن من تأمل في ذرات الأشياء وسَرَيانها إلى حدود، ثم توقُّفِها عندها لفوائدَ وثمراتٍ، تيقّن أن عند الحدود من يأمر الذرات بی: قفي وانثني! كما يأمر القالبُ الذهبَ الذائبَ بلسان حديد، وينهى بی: لا تَسِل واستقر! فيما عَيَّنَتْه لك معاطفي وتلافيفي المصنوعة لحِكم.
— 247 —
وآمرُ الذرات ما هو إلّا علمٌ محيطٌ يتجلى ذلك العلمُ قدَرا، فينعكس القدَرُ مِقدارا فينطبع المقدارُ قالبا..
............ [٭]: في (ط١): اعلم أن الأسماء الحسنى أبواب متفاوتة، ووجوه مختلفة، ناظرة إلى الذات، وقد تتجلى أسماء متقابلة في شيء واحد، كالمعطي والمانع والضار والنافع، فيدل على أنه كما يعطي لهذا قصدا، يمنع ذلك الشيء من ذا بإرادة، ويضر ذاك بما ينفع هذا. كلاهما مرادان له تعالى، ويتحدس من هنا: أن من اتصف بحقيقة اسمٍ من الأسماء يتصف بجميعها.
اعلم أن القرآن كما يفسّر بعضُه بعضا، كذلك إن كتاب العالم يفسِّر بعضُ آياته بعضها. فكما أن العالَم المادي يحتاج احتياجا حقيقيا إلى شمس تفيض منها عليه أنوارُ نعمته تعالى، كذلك العالمُ المعنوي يحتاج أيضا إلى شمس النبوة لفيضان أضواء رحمته تعالى. فنبوةُ أحمد عليه الصلاة والسلام في الظهور والوضوح والقطعية بدرجة الشمس في وسط النهار، وهل يحتاج النهارُ إلى دليل؟..
اعلم أن الثمرات المترتبةَ على وجود الحي لا تنظر إلى الحي وبقائه ونفعِه وكمالِه فقط، بل إليه بحصةٍ ودرجة، وإلى المحيي جل جلاله بدرجات غير محصورة.. فحصةُ الحي قد لا تحصل إلا بزمان مديد، لكن ما ينظُرُ إلى المحيي قد يحصل في آنٍ سيال، كإظهار الحي -بمعكسيته ومظهريته لتجليات الأسماء الحسنى- حمدَ خالقهِ بتوصيفه بأوصافِ كماله وجماله وجلاله بلسان الحال..
اعلم أن فردَ الإنسان كنوع سائر الأنواع، بسر: أن فرد الإنسان له ماضٍ ومستقبل يجتمع في الشخص -معنًى- كلُّ مَن مات منه من أفراد نفسه؛ إذ في كل سنةٍ يموت منه فردان صورةً ويورثان فيه معنَييْهما من الآلام والآثام والآمال وغيرها، فكأنه فردٌ كلي.. وإحاطةُ فكره وعقله ووُسعة قلبه وغيرها تعطيه نوعَ كليةٍ.. وكونَ فرده كنوعه في الخلافة والمركزية لعالمٍ خاص كالعالم العام.. والعلاقةُ الشعورية مع أجزاء العالم وتصرفُه في كثير من أنواع النباتي والحيواني والمعدني تحويلا وتغييرا خلافا لسائر الحيوانات وغيرها، أيضا تعطي له نوعَ كليةٍ، كأنَّ كلَّ فردٍ نوعٌ منحصر في الشخص.. ودعاء المؤمن لعموم أهل السماوات والأرض يشير إلى أن الشخص يصير بالإيمان كعالَم، أو مركزِه. فما تجري في نوع الحيوان من القيامات المكررة النوعية المشهودة في كل سنة -فإن شئت فَانظُر إلى آثارِ رحمة اللّٰه في كل سنة في الثمرات
— 248 —
المتجددةِ الأمثالِ كأنها أعيانُها، وإلى حشر أنواع الهوام والحشرات بكمال سهولة من القيامة- تجري بالحدس القطعي في كل فرد من أفراد الإنسان، فيدل كتاب العالَم في هذه الآيات التكوينية على قيام القيامة الكبرى لأبناء البشر، كما يدل القرآن عليه بالآيات التنیزيلية.. فالدلائل العقلية على القيامة ذكرتُها في "إشارات الإعجاز" [٭]: في تفسير قوله تعالى: (وبالأخرة هم يوقنون) (البقرة:٤) و (وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات) (البقرة:٢٥). وفي الباب الثالث في "نقطة" [٭]: وقد وسّع الأستاذ المؤلف كلا من الباب الثاني والباب الثالث من هذه الرسالة فأصبحا "الكلمة التاسعة والعشرين" لذا لم يدرجا ضمن رسالة "نقطة من نور معرفة اللّٰه" في هذا الكتاب. فراجعهما إن شئت، فإن فيهما ما يطرد عنك الوساوسَ ويطيّر عنك الأوهام..
اعلم أنك إذا استمعت القرآن فألبس لكلّ نغمةٍ -من نغماتهِ المتطوّرة على الحُجُب، والمتنوعة في المراتب الإرشادية، والمنصبغة بحسيات الوسائط، من جبرائيل عليه السلام إلى من تسمع منه- ما يناسبها.
فلك أن تَمُرّ بسمعك من القارئ في مجلسك إلى الاستماع من النبيِّ (ص) الذي يقرؤه في ذروة شاهق النبوة في مجلس الأرض على أبنائها من بني آدم وغيرهم.
ولك أيضا أن تستمعَ من جبرائيل وهو يخاطب النبيَّ في الأفق الأعلى عليهما الصلاة والسلام.
ولك أن تستمع من خلف سبعين ألف حجابٍ من المتكلم الأزلي، وهو يتكلم مع النبي في قاب قوسين أو أدنى. فألبسْ إن استطعتَ لكلٍّ ما يليقُ به!
اعلم أن ما يتعلق بك منك من الشعور والعلم، إنما هو بدرجةِ ما يرجع إليك منك، بسر عدم الإسراف، ومناسبةِ السبب للمسبَّب، والقوةِ للعمل. وما يرجع إليك بالنسبة إلى ما يرجع إلى مَن خَلَقَك كنسبة شعرةٍ إلى حبل، وخيط إلى ثوب. فنسبةُ علمِك وشعورك المتعلقين بك بالنسبة إلى علمِه وبصره المتعلقين بك كنسبة "تنور الذباب" [٭]: المقصود: اليراعة. الذي يبرق منه النور كنُجيمة بتلمعه في النهار تحت ضياء الشمس المحيط به. وأنت في ظلمات الغفلة، وليل الطبيعة ترى لمعتَك نجما ثاقبا..
اعلم أن فيما بين أفعال اللّٰه تناسبا، وبين آثاره تشابها، وبين أسمائه تعاكسا، وبين أوصافه
— 249 —
تداخلا، وبين شؤوناته تمازجا. إلّا أن لكلٍّ طورا يخصُّه، يستتبع ما سواه في طوره. فلا يُتوجّه قصدا في بيته ودائرة حُكمه إلى غيره، ولا يُطلَب لوازمُ الغير منه، لأن لازم اللازم ليس بلازم إلّا بقصدٍ جديد. إذ التابع لا يُستتبع، كما أن الحرف التبعي لا يُحكم عليه.
فإذا نظرت من آثاره إلى الجامدات فتوجّه قصدا إلى القُدرة والعظمة، ويتراءى لك تجليات سائر الأسماء استطرادا وتَبَعيا.
فإذا نظرتَ إلى الحيوانات الغير الناطقة فألبس لها طورها، فهكذا
﴿ وكل شيء عندهُ بمقدار ﴾
(الرعد:٨)
﴿ خلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾
(الفرقان:٢).
اعلم أن "لاَ حَولَ ولاَ قُوّةَ إلاّ باللّٰه" ينظر إلى مراتب أطوار الإنسان وأدوار وجوده من الذرات إلى الوجود الحي، معدنا جامدا، ونباتا ناميا، وحيوانا حساسا، وإنسانا مؤمنا، ففي كل مقام من تلك المنازل، ولكل لطيفة من لطائفه آلامٌ وآمال:
فلا حولَ عن العدم ولا قوةَ على الوجود إلّا باللّٰه..
لا حول عن الزوال ولا قوةَ على البقاء إلّا باللّٰه..
لا حول عن المضار ولا قوةَ على المنافع إلّا باللّٰه..
لا حول عن المصائب ولا قوةَ على المطالب إلّا باللّٰه..
لا حول عن المعاصي ولا قوةَ على الطاعات إلّا باللّٰه..
لا حول عن النقم ولا قوةَ على النعم إلّا باللّٰه..
لا حول عن المساوئ ولا قوةَ على المحاسن إلّا باللّٰه..
لا حول عن الآلام ولا قوةَ على الآمال إلّا باللّٰه..
لا حول عن الظلمات الهائلة ولا قوة على الأنوار المتلألئة إلّا باللّٰه العلي العظيم.
اعلم (٭): إن إيضاح هذا القسم الذي يخص "حسبنا اللّٰه" في اللمعة التاسعة والعشرين العربية، وفي الشعاع الرابع والرجاء الرابع عشر والخامس عشر من اللمعة السادسة والعشرين، رسالة الشيوخ (المؤلف). من توكل على اللّٰه فهو حسبه:
— 250 —
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأنه مالكُنا ومالكُ الكل، فالكلُّ كمُلكِنا إن كنّا له تعالى.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأنه الكامل المطلق والكمال محبوب لذاته، من شأنه أن يُفدَى له الوجود.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأنه الجليل الجميل ذو الكمال والجلال والجمال المحبوبُ لذاته، فلِشوق تجديد تجليات جماله نموتُ ضاحكين ونحيا مسرورين.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأنه الواجبُ الوجود الموجِد لكل موجود، فعلمُنا بوجوب وجوده يعطينا كلَّ الوجود، وبعدم العلم يصير في يدنا نقطةُ وجود يتحامل عليها أعدامٌ هو ملء الدنيا.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل: ﴾
لأنه القديم الأبدي الدائم الباقي
﴿ كلُّ شيء هالكٌ الاّ وجهه ﴾
(القصص:٨٨).
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأن الدنيا فانية والحياة زائلة.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأن بدونه يصير كلُّ لذائذ الدنيا منغّصةً بآلام هائلة، وبالتوجه إليه والارتباط برحمته لا تزيد اللذائذَ الزائلة إلا لذةُ تجدّد الأمثال خالصة عن آلام الزوال.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأن به أنوارَ الوجود وبدونه ظلمات الأعدام الهائلة.
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل؛ ﴾
لأنه إن عرفناه وشكونا إليه وأرضيناه كفانا كلَّ حاجاتنا إلى أنواع الكائنات، وأما إذا توجّهنا إلى الأسباب -التي حاجاتُنا عندها في النظر الظاهري- وشكونا إليها فمع أنها عميٌ صمٌ لا تسمعُنا ولا ترانا، تتشوش علينا الأمورُ وتتشتت بنا الطرقُ، كمثل مَن شكى إلى سلطان فأنفَذَ في آن، ومَن شكى إلى كلِّ أهل البلد فردا فردا ليتفقوا على إمداده. ولو اتفقوا ما اتفقوا إلا في زمان طويل وتكلفٍ عظيم!!
اعلم أن من لطائف إعجاز القرآن ومن دلائل أنه رحمةٌ عامة للكافة: أنه كما أن لكلِّ أحد من العالم عالَما يخُصُّه، كذلك لكلٍّ باعتبار مَشْرَبه من القرآن قرآنٌ يخُصُّه ويربّيه ويُداويه.
— 251 —
ومن مزايا لطف إرشاده: أن آياته مع كمال الانسجام وغاية الارتباط وتمام الاتصال بينها، يتيسرُ لكل أحدٍ أن يأخذَ من السُّوَر المتعددة آياتٍ متفرقةً لهدايته وشفائه، كما أخذَها عمومُ أهل المشارب وأهل العلوم؛ فبينما تراها أشتاتا باعتبار المنازل والنیزول، إذن تراها قد صارت كقلادةٍ منظمةٍ ائتلفت واتصلت مع أخواتها الجديدة. فلا بالفصل من الأصل تنتقص، ولا بالوَصْل بالآيات الأُخر تَستوحش. فهذا السر يشير إلى أن لأكثر الآيات الفرقانية مع سائر الآيات مناسباتٍ دقيقةٍ يجوز ذكرها معها واتصالُها بها.
فكما أن سورة "الإخلاص" اشتملت على ثلاثين سورة بضمّ جُمَلِها بعض إلى بعض دليلا ونتيجةً، كما ذكر في "اللوامع" [٭]: المنشورة ملحقة بمجلد "الكلمات". كذلك القرآن الكلّي الجزئي والنوع المنحصر في الشخص يشتمل بجامعية الآيات للمعاني المتعددة ومناسبة الكل للكل يحتوي على ألوفِ ألوفِ قرآنٍ في نفس القرآن. فلكلِّ ذي حقيقة فيه كتابٌ يخصُّه ومن اتبعه.
اَللّٰهمَّ يا منیزلَ القرآن بحقّ القرآن اجعلْ القرآنَ مونِسا لي في حياتي وبعد مماتي ونورا في قلبي وقبري.. لا إله إلّا اللّٰه مُحمّدٌ رسُولُ اللّٰه..
الوداع
(٭): ظننت بشدة مرضى قرب الأجل في ذلك الوقت فقلت: الوداع. أنا أسافر من باب القبر إلى مجمع أحبابي وأساتيذي ورفقائي من طلبة المدارس والنور. (المؤلف)
— 252 —

ذيل الذيل

﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحمد للّٰه الرحمنِ الذي من لطائف عظائم ثمرات طوبى رحمته: "سيدُنا محمد" عليه الصلاة والسلام والجنّةُ المتدلّيان على الدارين.. والقديرِ الذي هذه الموجوداتُ الجديدةُ الجلية، والأجرامُ العلويةُ في بستان الكائنات شواهدُ ربوبيته، وهذه النباتاتُ المتلونة والحيوانات المتنوعة في حديقة الأرض خوارقُ صنعتِه وبراهينُ أُلوهيته، وهذه الأزهارُ المنوّرةُ والأشجارُ المُثمِرةُ في هذه الجنان معجزاتُ قدرته ودلائلُ رحمته، وهذه الشجرةُ بأوراقها وأزهارِها وأثمارها في هذه الروضة معجزاتُ قدرته.. تشهد كلٌّ على أنه على كل شيء قدير.
فالواقعاتُ الماضية معجزاتُ قدرتهِ، تدلُّ على أنه قادرٌ على كل الممُكناتِ الآتية لم يَخرج فيما مضى ولن يَخرجَ فيما يأتي شيءٌ من حُكم قُدرته. تتساوى بالنسبة إليه الذراتُ والشموسُ.. وهو الحقُّ المُبين الواحدُ الأحدُ الذي تُنشدُ ذراتُ الكائناتِ ومركّباتُها بدلالاتها المختلفة وألسنتها المتنوعة مشيرةً إلى جماله المطلق:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌّ إلى ذَاكَ الْجَمَال يُشِيرُ
ويتلو كتابُ الكائنات بأبوابه وفصوله وصحفه وسطوره وجُمله وحروفه آيات وجوبه ووحدته، وتقرأ سطوره على العقول:
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَلإِ الأعلى إلَيكَ رَسَائِلُ
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
اعلم يا سعيد الشقي! لا تنظر إلى ما ليس لك، بل انظر إليك، أيُّ شيء أنت؟ وما أنت؟ وبِمَ تستند؟ إذ أنت عَجزٌ متجسّدٌ واحتياجٌ محضٌ ومجسّمُ إنعامٍ ونومٌ مموَّهٌ باليقظة.
فالعجز جسدُك والاحتياجُ روحٌ فيه يتحرك، والإنعام جسمك، وحياتُك نومٌ تسكن
— 253 —
به. "أي واه" واشقاوتا أغرقُ في قطرة تصير بحرا عليّ، وأغيبُ في آن يصيرُ كالأبد، وأظن لمعةَ هذه الحياة شمسا شارقة!
أيها السعيد المسكين! ما رأسُ مالِك إلا ستون دينارا تقريبا، أخذتَ خمسة وأربعين فصرفتَها كلَّها لمصارفِ يوم في خانِ الدنيا، ونسيتَ بيتكَ وما يلزم له فصار مالُكَ عليكَ دَيْنا ونارا، وما بقيَ من خمسة عشر دينارا مجهولٌ لا تدري أتأخُذُها أو بعضَها أو لا تأخذ شيئا منها. فكلما أخذت شيئا منها فاصرفه لبيتك الدائمي. ولا أقلّ استَبْقِ لكَ ثُلثه ليَصيرَ لك دِينا ونُورا. فما أجهلكَ وأشدكَ خسارة! صرفتَ كلَّ المأخوذ ليوم زائل وما بقي في يدك لمقامك الباقي إلا أقلُّ قليل، وأنت راحلٌ غافلٌ؛ كانت لك ثلاث درجات: خطوت على اثنتين بخروجك من المنیزل والبلد، فرفعتَ قدمك لتخطى على الدرجة الثالثة بالخروج من الدنيا الفانية.
اعلم [٭]: في اللمعة الثالثة والعشرين "رسالة الطبيعة" تفصيل لهذه الفقرات. أنه كَبُرَتْ كلمةً تخرجُ من أفواه الناس، إذ يقولون: "تشكَّل بنفسه".. و"اقتَضَتْهُ الطبيعة" و"أوجَدَتْهُ الأسباب".
فهذه الجمل الثلاث باطلة، ومن ظروف المحالات: إذ إنك موجود، فإما أنتَ مصنوعُك بالنظر إلى الجملة الأولى.. وإما مصنوعُ أسباب العالم كما اقتضته الثانية.. وإما مصنوعٌ بطبيعة موهومة، وقوة عمياء كما تدل عليه الثالثة.. وإما مصنوع اللّٰه كما يستلزمه الحق والحقيقة.
أما الأوّل: فمحالٌ بوجوهٍ غير محصورة:
منها: لابد أن تعطيَ لكل ذرةٍ من ذراتك عينا ترى كلَّكَ، بل كلَّ الكون وشعورا كذا، وهكذا ممّا يستلزمه كمالُ صنعتك لنظر نِسَب الجزء إلى نقوش الكل.
ومنها: لابد أن توجَد فيك عددَ المركبات المتداخلة المتصاعدة المتنازلة في ذراتك قوالبُ كقوالب الطبع من الحروف الحديدية المصنوعة أيضا، لو لم تُكتب بقلم القدير الأزلي الواحد.
ومنها: لابد أن يكون كلُّ ذرة بسر وحدة الأثر حاكمةً على الكل ومحكومة للكل، كالأحجار في البناء المعقّد بفرض نفي الباني.. وكذا ضدا ومثلا، ومُطلقةً ومقيدةً، ومصدرا ومنبعا لصفاتٍ تستبعد وجودها حتى فيمن يطوي السماء كطيّ السجل!
— 254 —
وأما الثاني: فمحالاته لا تحصى:
منها: أن المواد التي صُنِعت منها كزجاجات الأدوية في "صيدلية"، فإن أمكن عندك أن يخرج بانصبابٍ وسيلان بلا مداخلة أحدٍ من كل زجاج مقدارٌ معين بميزان حساس، ثم تجتمعَ المقاديرُ المتفاوتة لتشكيلِ علاج الحياة أو تركيبِ معجون حيويّ، أمكنَ لك أن تتوهم صدورَك من أسبابٍ جامدة.
ومنها: صدور شيء واحدٍ بكمال الانتظام من أسباب غير محدودة جامدِين متشاكسِين عُميا صما مترددين بين الإمكانات. تزداد بالاختلاط أعمِيَتُها وأصميّتها، ومع أن مباشرتَها بظاهر الشيء. والحال أن باطنه ألطفُ وأكمل صنعة، فمحاليةُ صدورك منها أظهرُ من أن يخفَى.
ومنها: أن اجتماعَ تلك الأسباب الغيرِ المحصورة بكمال الاتفاق والانتظام بميزان الحاجة في حُجيرة من حُجيرات عينك ليس بأسهلَ من اجتماع أركان العالم بوجوده الخارجي بأجرامه العظيمة في كفِّك، بل في ظُفركَ، بل في حُجيرةٍ منه؛ إذ مَن يعمل في بيت، جاز اشتمالُ البيت عليه إن كان العامل ماديا، فما دام العالَم بأجزائه عاملا في جزئكَ جاز دخوله في ذرتك. وهذه سفسطة يخجل منها السوفسطائي.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجّها الأوهام.
والاحتمال الثالث: وهو تأثير الطبيعة، فأبطَلُ وأفسد. إذ الطبيعة لها ظاهرٌ عُرفي موهوم ظَنّته الغفلةُ والضلالة حقيقةً، ولها باطنٌ هو الصنعة الإلهية والصبغة الرحمانية.
وأما القوةُ فحقيقتها تَجلّي قدرة الحكيم العليم الخبير المريد. وأما ما يصوِّره نظرُ الغفلة والتغافل من الصانع الواحد وما اتصل به من جناحَي التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء.. فمن مخترعات الشياطين بالاضطرار الناشئ من الضلالة.
ولقد حققنا في "نقطة، وقطرة وذيلها، وشمة، وذرة، وحبة وذيلها" بما لم يُبق شبهةً: أن هذه الصنعة الخارقة لا تصدر إلاّ من قدرةِ خبيرٍ بصيرٍ، يتصف بجميع أوصاف الكمال.
فأين يدُ الممكن المسكين المقيد المحدودِ الجامد الكثيف من نسج حُلَّة الكائنات؟! وأين يدُ البعوضة من نسج قميصاتٍ مطرزات منقشات لَبِستْها هذه العوالم؟!
— 255 —
فلم يبقَ إلّا أن تكون أنتَ وكلُّ شيء مصنوعَ الصانع الأزلي الذي شواهدُ خلاقيته بعدد الموجودات:
منها الكائنات بجميع ذراتها ومركباتها. كُلٌّ يشهدُ عليه بخمس وخمسين لسانا كما في "قطرة".
ومنها: القرآن مع كل كتب الأنبياء والأولياء والموحّدين، مع الآيات التكوينية في الكون.
ومنها: سيدُ الأنام مع كل الأنبياء، والأولياء والمَلك..
ومنها: ما في الجن والإنس من الفطرة بأنواع احتياجاتها..
ومنها:
﴿ شَهِدَ اللّٰه أنّهُ لا إلهَ الاّ هُوَ ﴾
(آل عمران:١٨).
فمع ما سمعت: فاعلم أن مَثَل إسناد الصنعة إلى الممكن على الوجوه الثلاثة الأُولى، وإلى الواجب كما هو الحقُّ؛ كَمَثلِ الشجرة بأثمارها إن أسندتَها للوحدة، بأن أسندتَها بقوانين النمو إلى جرثومها المستمد من النواة الممتثلة للأوامر التكوينية المُفاضة من أمر "كُن" الصادر من الواحد الواجب. فالشجرةُ بجميع أجزائها وأوراقِها وأزهارها وأثمارها كثمرةٍ واحدة، ولا فرق بين شجرة ذات ثمرتين كخردلتين، وشجرة كجبل ذات أثمار غير محدودة من الجوز الهندي لسر مجهول
(٭): لم ينكشف ذلك السر بعدُ أثناء تأليف هذه الرسالة، إلاّ أنه اتضح بعد ذلك بی"الشفافية والمقابلة والموازنة والانتظام والتجرد والإطاعة". (المؤلف).
في وجود السهولة واليُسر في الوحدة والاتفاق، حتى في تشريك المساعي وتوحيدها بتقسيم الأعمال.. ووجود الصعوبة والعسر في الكثرة والتشتت.
وأما إذا أُسندَت إلى الكثرة الإمكانية وغيرِ ما عيّنه الصانع؛ لاحتاج كُلُّ ثمرةٍ وكلُّ زهرةٍ وكلُّ ورق وكل غصن إلى كلِّ ما يحتاج إليه كلُّ الشجرة، لاندماج أنموذج الكل في جزءٍ جزءٍ. فانظر ما تَرَى: ما بين الشقّين، كما بين الوجوب والامتناع؛ إذ سهولة الأوّل بدرجةٍ جاز أن يقال يجب أن يكون هكذا.. وصعوبة الثاني بدرجة تضطرنا أن نقول: يمتنع أن يكون كذا.
الحاصل: إن أعطيتَ التصريف لغيره تعالى لزمك: إما أن تجعلَ كلَّ حُجيرة من حُجيرات أجزائك محيطةً بصفاتها بالكائنات، إن أسندتَها إلى نفسها.. وإما أن تجعل كلَّ
— 256 —
حُجيرة كحُجرة تجتمع فيها مجموع أسباب العالم العاملة فيها، إن أسندتَها إلى الأسباب؛ لأن وحدةَ الحجيرة إلى أن تصلَ إلى وحدة العالم تدل على وحدة الصانع، إذ الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، لاسيما الحجيرة التي لا تسع إصبعين لبعوضتين، فكيف تسع ما لا يسَعُه كلُّ الكون من تصرف إلهين؟ فدليل الوحدة هو الوحدة. وزجيجة -كخردلة - يمكن أن توجد فيها الشمسُ بضيائها وألوانها وحرارتها بالتجلي بكمال السهولة، ولا يمكن وجود خردلتين في خردلةٍ بمصدريتها لهما.
فكما أن الوجودَ الخارجي أثبتُ وأثقلُ وأحكمُ من الوجود المثالي، فتسع ذرةُ ذاك جبلَ هذا، وشمسُ هذه تدخل في لمعةِ ذاك.. كذلك الوجود الوجوبي أثبتُ وأرسخُ وأرزنُ وأرصن بل هو الوجود الحقيقي والخارجي البحت، وأحقّ بما لا يُحد من الوجود الإمكاني. فالموجودات الإمكانية بحذافيرها المتمثلة في مرآة العلم الأزلي المحيط تصيرُ كالمرايا لتجليات أنوار الوجود الوجوبي. فالعلمُ مرآتُها، وهي مرآة الوجود الوجوبي. فوجودها خرج من مرتبة العلم إلى الوجود الخارجي، ولم يصل إلى مرتبة الوجود الحقيقي.
اعلم أنه من تأمل في الكون يتحدس منه: أن الفاعليةَ والتأثير من شأن اللطيف، والنوراني، والمجرد.. وأن الانفعال والقابليةَ والتأثر من شأن المادي والكثيف والجسماني.
فإن شئتَ انظر إلى النور وإلى الجبل، فالأول: يقوم في السماء، ويدُه الرقيقة اللطيفة في الأرض فعالةٌ جوالةٌ. والثاني: بعظمته وبأياديه الغليظة لا يقتدر على فعلٍ وتأثيرٍ حتى في لَصيقه وجاره.. وكذا نرى في تفاعل الأشياء في الظاهر: أن بدرجة لطف الشيء ونورانيته تظهر مرتبة السببية فيه، وبالكثافة يتقرب إلى درجة المسَبَّب. فيُعلم من هنا أن خالق الأسباب الظاهرية وموجد المسبَّبات هو نورُ الأنوار الذي:
﴿ لَيسَ كَمثلهِ شَئٌ وهوَ السميعُ البصير ﴾
(الشورى:١١)
﴿ لاتُدْرِكهُ الأبصارُ وهو يُدركُ الابصارَ وهوَ اللطيفُ الخبير ﴾
(الأنعام:١٠٣) لا إله إلّا هو.
اعلم أن التفكر نورٌ يُذيبُ الغفلة الباردة الجامدة، والدقة نارٌ تحرق الأوهامَ المظلمةَ اليابسة، لكن إذا تفكرتَ في نفسِك فدقّقْ وتمهّل وتغلغلْ وفصِّله تفصيلا، بمقتضى الاسم "الباطن" المتعمق؛ إذ كمالُ الصنعة أتمُّ في تحليله وتفصيله.. وإذا تفكرت في الآفاق، فأجمِل
— 257 —
وأسرع ولا تَغُص ولا تَخُضْ إلّا لحاجةِ إيضاح القاعدة، ولا تحدِّد النظر، كما هو مقتضى الاسم "الظاهر" الواسع؛ إذ شعشعةُ الصنعة أجلى وأبهرُ وأجملُ في إجماله ومجموعه، ولئلا تغرق فيما لا ساحل له.
فإذا فصلتَ هناك -يعنى في نفسك- وأجملتَ هنا، تقرّبتَ إلى الوحدة. فصارت الجزئياتُ أجزاءً، والأنواعُ كلا، والمختلِط ممتزجا، والممتزج متحدا فيفور منه نورُ اليقين. وإذ عكستَ بأن أجملتَ فيك، وفصّلتَ في الآفاق تتشتت بك الكثرةُ وتستهوي بك الأوهامُ وتستغلظ أنانيتُك وتتصلّب غفلتُك، فتنقلب طبيعةً. فهذا طريقُ الكثرة المنجرة إلى الضلالة.
اَللّٰهمَّ لا تجعلنا من الضالين آمين.
اعلم أنه قد روي أن الإنسان "إذا تحرك سكن رزقُه، وإذا سكن تحرك رزقُه". الحق أنه من لمعاتِ حقيقة واسعة.. فانظر إلى الأشجار لمّا سكنتْ متوكلةً تحركتْ إليها أرزاقُها، وإلى الحيوانات لما تحركتْ حريصاتٍ سكنتْ عنها أرزاقها ثابتة في مقامها نابتةً على عروقها، تدعو بألوانها وروائحها إلى أنفسها مَن جاع واحتاج من الحيوانات المتحركة بأهوائها والدائرة بهَوَساتها.
اعلم أنه ما أجهلَ الإنسانَ الغافل وما أضلَّه وما أضرّه لنفسه! يترك خيرا عظيما لوجود احتمالِ عائق بين تسعة احتمالات سائقة، ويرتكب الضلالةَ بترك الهداية لشبهةٍ سوفسطائية مع وجود أُلوفِ براهينِ الهداية، والحال أن الإنسان وهّام ذو احتياط وحزم يتجنب من المضار العاجلة باحتمالٍ واحدٍ من عشرة احتمالات. فكيف لا يتجنب من أضرّ المضرات بتسعة احتمالات بل بتسعة وتسعين؟!
اعلم أن في روح الإنسان احتياجاتٍ لا تتناهى وقابليةً لتألماتٍ لا تتناهى واستعدادا لتلذذات لا تتناهى ومهيأٌ لآمال وآلام لا تتناهى؛ حتى إن الشفقةَ مع ضلالة القلب تتضمن آلاما غير متناهية. كما ذُكر في "قطرة"، فليس لك أن تقول: ما أنا ومَن أنا وأيُّ شيء أنا حتى تقوم لي القيامة، ويوضَع لي الميزان، ويجري عليّ الحساب! فيا أيها الضال الشاك..! لا تغتر بهذه الحياة، فإن لذتها معلقةٌ بمغلطة مربوطةٍ بالشك لأهل الضلالة. فيفرُّ الضالّ الشاك من دهشةِ ألم الزوال والفناء إلى احتمال السعادة الأبدية. ويفر أيضا من تكلف تحمّل التكاليف
— 258 —
الدينية إلى احتمال عدمِ الآخرة، فيتخلص بهذه المَغْلَطة من الألَمين مؤقتا. ففي قريب من الزمان تنحل عليه العقدة، وتنكشف الحقيقة. فلا الاحتمال الأول يهوِّن ألَمه بل يُحِسُّه كلَّ الألم دفعةً، ولا الثاني يخفف حِمله بل يضاعف عليه آلاما جهنمية.
وكذا يقول -لكن في زمان قليل- فالمصيبة عمّت وطابت، فلا عليّ أنى كأمثالي فلا أُبالي! لكن يجيء زمان عن قريب، تتضاعف عليه المصيبة بدرجة عمومها، كإصابة الشخص في نفسه ثم أقاربه وأحبابه، لأن في روح المرء علاقاتٍ بأبناء جنسه فمهما عمّت المصيبةُ تضاعفت البلية.
أيها الشاك الغافل! لا تحسب أن ما تذوقُه بيدَيِ الغفلة والشك لذةٌ لذيذة، بل فيه ادّخارُ آلامٍ أليمة، ستهجم عليك دفعةً وتنقلبُ آلاما جهنمية. فإن أحببتَ أن يتبدل لك هذه الآلامُ المترصدة لذائذَ متجددةً، وتنقلب هذه النارُ نورا؛ فقوِّس أنفَ غرورك بالركوع في الأوقات الخمسة، ووسِّع رأسَه لنیزول ضيفِ الفرقان مع فيض الإيمان. فلابد من المداواة بالتفكر بالآيات وملازمةِ الطاعات كي يُخرَق حجابُ الشكوك والغفلات وتنضج حلاوةُ النجاة من مَرارة هذه الضلالات، وتنكشفَ لذة المناجاة.
اعلم [٭]: تراجع المذكرة الثالثة عشرة من "اللمعة السابعة عشرة". أن العبودية تستلزم التسليمَ دون الاختبار والتجربة والامتحان إذ "للسيد أن يختبر عبدَه، وليس للعبد أن يختبر ربّه"!
اعلم أن دائرة الاسم "الباطن" ودائرةَ الاسم "الظاهر" متداخلتان ومتقابلتان. فأهل الأُولى يقولون قدرتُه مثلا كالبحر. وأهل الثانية يقولون كالشمس. فالبحر كالكل ذي الأجزاء. والشمس كالكلي ذي الجزئيات تماثيلها كجزئياتها. والباطني المحض المفرط لا يخلُص من شائبة التجزؤ والاتحاد. والظاهري السطحي المخالف للسُّنة لا يخلص من شوب شَرَك الأسباب، فالصراط المستقيم هو القرآن..
فيا مُنیزلَ القرآن، بحق القرآن اهدنا الصّراط المُستقيم آمين.. آمين.. آمين