المثنوي العربي
— 179 —

الرسالة الخامسة

حباب
من عُمّان القُرآن الحكيم
[٭]: عمان: المقصود: البحر العظيم
خُدَاىِ پُرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْ رَا مِى خَرَدْ اَزْ تُو
بَرَاىِ تُو نِگَهْ دَارَدْ بَهَاىِ بِى گِرَانْ دَادَه
[٭]: إن اللّٰه ذا الكرم الواسع يشتري ملكه منك، ويحافظ عليه لأجلك، وقد أعطى قيمة غالية.. طبعت هذه الرسالة لأول مرة بمطبعة "علي شكري" بأنقرة سنة ١٣٤١هی (١٩٢٣م)
— 181 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحَمدُ للّٰه ربّ العالَمينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيّد المُرسلينَ. وعلى آلهِ وَصَحبهِ أجمَعين.
اعلم أيها المؤمن المصلي الذاكر، إذا قلت: "أشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللّٰه" أو "محمدٌ رسولُ اللّٰه" أو "الحمد للّٰه".. مثلا: حكمتَ بحكمٍ، ادّعيتَ دعوى، وأعلنت اعتقادا، يشهد لك في دعواك في آنِ تلفّظِك ملايينُ، وقبلَك ملايينُ ملايينَ من المؤمنين المتكلمين بما تكلمتَ به؛ كأنهم يصدّقونك.. وكذا يؤيدُك في دعواك ويُثبت حكمَك ويزكّي شهداءك كلُّ ما قام على صدق الإسلامية، وكلُّ ما أثبت حُكما من أحكامها، وكلُّ ما استند عليه جزءٌ من أجزاء قَصر الإسلام من الشواهد والبراهين ومسامير الدلائل.. وكذا اندمج في ملفوظك وتوضَّعَ عليه أمرٌ عظيم، ويُمنٌ جسيمٌ من الفيوضات والبركات القدسية.. وكذا اتصل بملفوظك وأحاطَ به معنًى جاذب، وروحٌ جالب من شرارات جَذَبات توجهات جمهور المؤمنين، ومن رشاشات رشحات رشفات قلوب الموحّدين الشاربين ماءَ الحياة من عيون تلك الكلمات المباركة..
اعلم أنه قد تقرر في الأصول: "أن المثبِت يرجَّح على النافي". وسرُّه: أن النفي ينحصر في موضعه، والإثبات يتعدى. ولو نفى ألفٌ، وأثبته ألفٌ كان كلٌّ من المثبتين كألفٍ. بسرّ: أنه إذا رأى واحدٌ الشمسَ من مشكاةٍ، وآخر من أخرى، وهكذا؛ فكلٌّ يؤيد كُلا، لاتحاد المَرئي والمشهودِ مع تعدد المناظر.. وإذا لم يره واحدٌ لعدم المشكاة، وآخر لضعف البصر، وآخر لعدم النظر، وهكذا.. فقوةُ كلٍّ في نفسهِ فقط، والانتفاءُ عنده، لا يدل على الانتفاء في نفس الأمر، فلا يؤيد أحدٌ أحدا لاختلاف الأسباب مع تعدد المدَّعى؛ لأن الانتفاء مقيّدٌ عند النافي بی"عندي" مثلا.
فإذا تفهّمت هذا السر؛ فاعلم أن اتفاق كلّ أهل الضلالة والكفر على نفي مسألةٍ من المسائل الإيمانية، فاتفاقهم لا تأثير فيه، بل كحُكم واحدٍ. مع أنه حجةٌ قاصرة ينحصر على النافي فقط. وأما اتفاقُ أهل الهدى على المسائل الإيمانية فكلٌّ يتأيد بكلٍّ، كأن الكلَّ شواهد كلِّ واحدٍ.
— 182 —
اعلم أنه كما أن الأجزاء والأحجار في البناء المتساند يستند كلُّ واحدٍ بقوة الكل، ويزول ضعفُ كلٍّ بتساند الكلِّ، كأن الكلَّ عَوَنَةُ كلِّ واحدٍ ومساميره.. وأيضا كما أن الأغصان والأثمار في الشجرة تستند معرفةُ صفاتِ كل واحدٍ بالكلِّ، فكلٌّ للكلِّ معرِّفٌ، كأن كلَّ واحدٍ لكلِّ واحدٍ منفذٌ نظّار، ولمعرفته معيار.. كذلك إنّ تفاصيلَ لمعات الإيمان والإسلام ومسائلَهما يستند كلُّ جزئي بقوة الكلِّ، فبازدياد التفاصيل والجزئيات يزداد وضوحُ فهم كلِّ جزء وقوةُ معرفة كلِّ جزئي، وإذعانُ كلِّ حكم، وإيقانُ كلِّ مسألة. ومع كلِّ ذلك، فالنفسُ الشيطانة تعكس فتنتكس. فتزعم ضعفِ الجزء سببَ ضعفَ الكلِّ..
اعلم أن كلَّ جزء من كلِّ الكون واحد قياسيّ لإمكانات سائر الأجزاء. وبالعكس؛ فأجزاء الكائنات مقاييس للإمكانات بينها كلٌّ لكلٍّ..
اعلم أن أصغر جزءٍ؛ من أعظم كلٍّ، يحتاج إلى ما يحتاج إليه كلُّ الكلِّ كَمّا، فالثمرةُ تحتاج إلى كلِّ ما يحتاج إليه كلُّ الشجرة. فخالقُ الثمرة بل حُجيرةٍ من حُجيراتها لابد أن يكون خالقَ الشجرة، بل خالقَ الأرض، بل خالقَ شجرة الخلقة.
اعلم أن المسألة التي طرفاها في غاية التباعد، كل طرف كنواة تَسَنبلَت وأشجرت وتفرعت، لابد أن لا يتوضّع عليها الشكوك والأوهام؛ إذ التباسُ نواةٍ بنواة ممكن ما بقيت النواةُ نواةً مستورة. وأما إذا صارت شجرة وأثمرت، ثم شككتَ في جنس النواة شهدت الثمراتُ عليها، ولو توهمتَها غيرها، كذّبتْكَ تلك الثمرات.
مثلا: لا يتيسر لك فرضُ النواة التي انقلبت شجرةَ التفاح نواةَ حنظلةٍ، إلّا بتوهمها إياها، أو تبديل كلِّ ما أثمرت من التفاحات حنظلات وهو محال.
النبوة نواةٌ، أَنبتت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها، والقرآنُ شمسٌ أثمرت سياراتِ أركان الإسلامية الأحد عشر. [٭]: أي الأركان الخمسة للإسلام والستة للإيمان. أفتبقى شبهة في البذرة بعد مشاهدة ثمراتها اليانعة؟ حاش وكلا (ت: ٧٨).
اعلم [٭]: هذه المسألة موضحة في الأساس السادس من الإشارة الرابعة للمكتوب التاسع عشر. أنه كما أن مَن يرى قشر بيضة انقشعت عن طير همائي [٭]: طير في غاية الجمال كالطاووس (ت: ٧٨) تكمَّل وطار في السماء،
— 183 —
ثم يتحرى ما يسمع من كمالاتِ ذلك الطير الطائر في فضاء العالَم [٭]: أي إن شهرته وكمالاته أطبقت الآفاق (ت: ٧٨) في تلك القشرة اليابسة، لابد أن يغالط نفسه، أو يكذّب. [٭]: حيث لا يرى ما يسمعه في القشرة (ت: ٧٨) وكذا لو نظر إلى فلقتَي نواةٍ انكشفت عن شجرةٍ تكمّلت وأثمرت، ومددت أغصانها في جو السماء، ثم تحرّى ما قرع سمعَه من عظمتها وثمراتها وأزهارها في تلك القشرة المطروحة في التراب، لابد أن يتبلّه أو ينكر..
كذلك إن مَن نظر إلى صورة ما نقله التواريخ من مبادي ظهور نبيّنا عليه الصلاة والسلام نَظرا ماديا وسطحيا وصوريا، لا يتيسر له دركُه وتقديرُ قيمته ومعرفة شخصيته المعنوية؛ بل لابد أن ينظر إلى ما نقله التواريخ والسِّير بنظر قشر رقيقٍ انشقَّ عن قمريٍّ [٭]: لعله القُمْرِيُّ: وهو طائر يُشْبه الحَمامَ القُمْرَ البيضَ. -كقمر- في جو الملكوت. ويرى ما يرى من لوازم البشرية، والأحوال الصورية كقشر نواة انكشفت منها شجرة طوبى المحمدية، التي تُسقى بماء الفيض الإلهي، وتنمو بإمداد الفضل الربّاني على مرّ الدهور. فكلما مرّ على سمعه شيءٌ من الأحوال الصورية والمبدئية، فلابد أن لا ينحبسَ عليه ذهنهُ، بل ليرفعْ رأسه بسرعة وفي كل مرة منه إلى ما ترقى وتصاعد إليه الآن مما لا يدرك منتهاه.
وكذا إن ممّا يشط النظر لاسيما نظر المتحرّي الشاكّ، أنه لا يفرق بين المصدرية والمظهرية، بين المنبعية والمعكسية، وبين المعنى الاسمي والحرفي، وبين الذاتي والتجلّي. فكونه عليه السلام عبدا محضا، وأعبدَ خلق اللّٰه للّٰه؛ يستلزم أن يُنظَر إليه بأنه مَظهرٌ ومَعكِسٌ لتجلياته تعالى. وكلُّ ما فيه من الكمالات من فيضه تعالى.
نعم، قد ذكرنا مرارا أن الذرة لاتسع مصدريةً ولو رأسَ ذبابة، ولكن تسع مظهريةً ولو نجوم سماوات. ونظرُ الغفلة ينظر أولا وبالذات إلى الذاتي الاسمي والمصدرية، فيتوهم الصنعةَ الإلهية طبيعةً طاغوتية..
اعلم أن الدعاء أنموذج لأسرار التوحيد والعبادة؛ إذ الداعي في نفسه خُفيةً، لابد أن يعتقد سماعَ المدعو لهواجسِ نفسه وقدرتَه على تحصيل مطلبه، فيستلزم هذا الاعتقادُ، اعتقادَ أن المدعو عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وقديرٌ على كلِّ شيء.
اعلم أنه كما يمكن دخول هذه الشمس -سراج العالم- في عين الذباب بالتجلي فتتنور،
— 184 —
ولا يمكن دخول شرارة من كبريتٍ في عينها بالأصالة، بل لو دخلتْ لانطفت العين.. كذلك يمكن بل يجب مظهرية كل ذرة لتجليات أسماء شمس الأزل، ولا يمكن -بل يمتنع- أن تكون ذرةٌ مصدرا وظرفا لمؤثر حقيقي، ولو كان أصغر وأقل من الذرة.
اعلم يا "أنا" المتمردُ المغرور المتكبر، انظر إلى درجة ضعفك وعجزك وفقرك ومسكنتك! إذ يبارِزك ويصارعك -فتخرّ صعقا- الحُوَينُ الذي لا يُرى إلّا بتكبيره مرات ودرجات.
اعلم ومن صُغر الإنسان أنه يجول في خردلة حافظته، وتصير تلك الخردلة عليه كصحراءَ عظيمة يسري دائما ولا يقطعها إلى جانب. فقس درجةَ مَن يسري دائما ولا يتم دَورَ خردلةٍ،
[٭]: أي لا يتم دورانا حجم خردلة!
ومع أن الخردلة الحافظة تصير كصحراء عظيمة على عقل الإنسان، كذلك يصير ذلك العقلُ كبحر يبتلع الدنيا.. فسبحان مَن جعل الخردلة لعقل الإنسان كالدنيا، وجعل الدنيا له كخردلة!
اعلم أن من أشد ظلم البشر إعطاءَ ثمرات مساعي الجماعة لشخصٍ، وتوهُّمَ صدورها منه، فيتولد من هذا الظلم شركٌ خفيٌّ؛ إذ توهّمُ صدورِ محصّل كسبِ الجماعة، وأثَرِ جُزئهم الاختياري من شخصٍ، لا يمكن إلّا بتصور ذلك الشخص ذا قدرة خارقة ترقت إلى درجة الإيجاد، وما آلهة اليونانيين والوثنيين، إلّا تولدت من أمثال هذه التصورات الظالمة الشيطانية.
اعلم أن الإنسان كدوائرَ متداخلة متحدة المركز. ففي دائرةٍ: لباسُه جسمُه، وفي أخرى: بلدُه، وفي أخرى: وجهُ الأرض، وفي أخرى: عالم الشهادة وهكذا.. ولكنه لا فِعلَ ولا تأثير له إلّا في الدائرة الصغرى، وفيما سواها من الدوائر عاجزٌ مسكين، منفعلٌ وقابلٌ لأخذ الفيض فقط. لو تَفَعَّل
[٭]: أي لو أظهر الفعل مع عجزه.
ما فعل إلا تغييرَ صورة الفيض بالقصور والنقصان اللذين هما من ألوان العدم.
اعلم أن في الذاكر لطائفَ مختلفةً في الاستفاضة؛ بعضُها يتوقف على شعور العقل والقلب، واستفادةُ بعضٍ لا شعوري تحصل من حيث لا يُشعَر. فالذكر مع الغفلة أيضا لا يخلو من الإفاضة.
— 185 —
اعلم أن اللّٰه خلق الإنسان في تركيب عجيب، ووحدةٍ في كثرة؛ بسيطٌ وهو مركب، فردٌ وهو جماعة، له أعضاء وحواسّ ولطائف، لكلٍّ في ذاته ألمٌ ولذة مع تألمه وتلذذه من انفعالاتِ الكل وتأثراتِ إخوانه؛ بدليل سرعة التعاون والإمداد بينها. فمن حكمة هذه الخلقة جَعَلَ الإنسانَ مَظهرا لأنواع اللذائذ ولأقسام النِّعَم ولأصناف الكمال -لاسيما في الآخرة- إن سلكَ في سبيل العبودية.. وكذا جعله محلا لأنواع الآلام ولأشكال العذاب ولأقسام النقم، إن ضلَّ في طريق الأنانية. فألمُ وَجَع السنِّ غيرُ ألَم وجع الأذن. ولذةُ العينِ غيرُ لذة اللسان، واللمس والخيال والعقل والقلب وهكذا..
اعلم أن كثرةَ فوائد عدمِ تعين الآجال؛ دليلٌ نيِّر على تعيُّنها في علم الباري، ولو تعينت لَتُوُهِّمَ عدمُ تعيُّنها من جهة العلم بتوهم تفويض تَعيّنها على القانون الفطري، وإذ لم تتعين فيما بين الحدين المعيّنين؛ لا حقّ للوَهم أن يدّعي عدمَ التعيّن.
اعلم أن الذكر من شأنه أن يكون من الشعائر، والشعائر أرفع من أن تنالها أيدي الرياء.
اعلم أن تكرارَ كلمة التوحيد؛ لتجريد القلب من أنواع العلاقات، وطبقات المعبودات الباطلة، ولأن في الذاكر أنواعا من لطائف وطبقاتٍ من حواسّ؛ لكلٍّ توحيدٌ وتجريدٌ من الشرك المناسب له.
اعلم أن الفاتحة المقروءة، مثلا؛ لا تفاوتَ بين إهداء مثلِ ثوابها لواحدٍ، ولألوفٍ، أو لملايين، كمثل الكلمة الملفوظة؛ سواءٌ في استماعها الفردُ والألوفُ، لسرٍّ لطيف في سرعة التناسل والاستنساخ في اللّطيف.. ولرمزٍ شريفٍ في التكثّر مع الوحدة في النوراني، كمصباح قابلَه مرآةُ فردٍ، أو ألوفٌ من المرايا.
اعلم أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كإجابة دعوة المُنعم الذي أفاضَ فيضه، وبسَطَ مائدةَ إنعامه على مقام صاحب المعراج. وإذا وصف المصلّي النبيَّ بصفةٍ، لابد أن يتأمل في مناط تلك الصفة ليشتاق المصلّي لتصليةٍ جديدة. [٭]: أي بتكرار الصلوات عليه.
اعلم أيها العالم الديني! لا تحزن على عدم الرغبة في عملك وقلّة أُجرتك؛ إذ المكافأة الدنيوية تنظر إلى جهة الاحتياج، لا إلى درجة القيمة الذاتية، إذ جهة المزية الذاتية ناظرة إلى المكافأة الأخروية، لا يجوز لك أن تشتريَ بها ثمنا قليلا من متاع الغرور.
— 186 —
اعلم أيها المحرّر والخطيب العمومي بلسان الجريدة! لك أن تتواضع وتهضم نفسك وتعلن قصورك تندّما. ولا حقّ لك أن تتمرد بالتجاهر بما يضاد شعائر الإسلام. فأين جاز لك، ومَن وكّلَكَ، وبأيّ حقّ تتجاسر على إعلان القصور الديني، [٭]: أي إشاعة شبهات باطلة حول الدين (ت: ٨٠). بل إشاعة الضلالة بحساب الملة وباسم الأمة، وتظن الملّة على قلبك الضال؟!.. [٭]: فتحسب الأمة جميعا ضالين مثلك (ت: ٨٠). فلا يجوز لأحدٍ -فضوليا- أن يهضم نفسَ غيره حتى نفسَ أخيه. فمن أين جاز لك أن تزيِّفَ عامة الملّة الإسلامية بإساءة الظن بهم بإعراضهم عن الشعائر الإسلامية.. ولا ريب أن نشر ما لا يقبله جمهور المؤمنين في الجرائد العمومية من المستحدثات دعوةٌ إلى الضلالة، فناشرُها داعٍ إلى الضلالة، فلا يُجاب بالضرب على فمه فقط، بل يُعنّف بالأخذ على يده.
اعلم أن الكفار لاسيما الأوربائيون ولاسيما شياطين في إنكلترة وأباليس الفرنك، [٭]: أي الإفرنج الذي أطلق على الفرنسيين أولا ثم شمل الأوربيين.وفي (ط١) أمريقا. أعداء ألدّاء، وخُصماء معاندون أبدا للمسلمين وأهل القرآن.. بسر أن القرآن حَكَم على مُنكري القرآن والإسلام وعلى آبائهم وأجدادهم بالإعدام الأبدي، فهم محكومون بالإعدام أبدا، والحبسِ في جهنم سرمدا بنصوص ذلك القرآن الحكيم. فيا أهل القرآن كيف توالون مَن لا يمكن أن يوالوكم أو يحبوكم أبدا؟.. فقولوا:
﴿ حَسْبُنَا اللّٰه ونِعمَ الوَكيل ﴾
(آل عمران:١٧٣)
﴿ نِعمَ المَولى ونِعمَ النَّصير ﴾
(الأنفال:٤٠).
اعلم أن الفرق بين مدنية الكافرين ومدنية المؤمنين، أن الأولى: وحشةٌ مستحالة ظاهرُها مزيّن، باطنُها مشوّه، صورتها مأنوسة، سيرتها موحشة.. ومدنية المؤمنين باطنُها أعلى من ظاهرها، معناها أتمّ من صورتها، في جوفها أُنسيةٌ وتحبّب وتعاون. والسر: أن المؤمن بسر الإيمان والتوحيد يرى أخوّةً بين كل الكائنات، وأُنسيةً وتحببا بين أجزائها، لاسيما بين الآدميين ولاسيما بين المؤمنين. ويرى أخوةً في الأصل والمبدأ والماضي، وتلاقيا في المنتهى، والنتيجة في المستقبل. وأما الكافر فبحكم الكفر له أجنبيةٌ [٭]: أي الإحساس بالغربة في هذا الكون. ومفارقة بل نوعُ عداوةٍ مع كل شيء لا نفع له فيه، حتى مع أخيه؛ إذ لا يرى الأخوة إلّا نقطة اتصال بين افتراق أزلي ممتد، وفراق أَبدي سرمد؛ إلّا أنه بنوع حَميّةٍ ملّية أو غيرة جنسية تشتد تلك الأخوة في زمان قليل، مع أن ذلك
— 187 —
الكافر لا يحب في محبة أخيه إلاّ نفسَ نفسه. وأما ما يُرى في مدنية الكفار من المحاسن الإنسانية والمعالي الروحية، فمن ترشحات مدنية الإسلام، وانعكاسات إرشادات القرآن وصيحاته، ومن بقايا لمعات الأديان السماوية.
فإن شئتَ فاذهب بخيالك إلى مجلس "سيدَا" [٭]: وهو مرادف لكلمة الأستاذ. والمقصود هنا وليّ مشهور من الصالحين في جنوب شرقي تركيا. قُدّس سره في قرية "نورشين".. وما أظهرتْ من المدنية الإسلامية بصحبته القدسية، تَرَ فيها ملوكا في زي الفقراء وملائكة في زي الأناسي. ثم اذهب إلى "باريس" وادخل في لجنة الأعاظم تَرَ فيها عقاربَ، تلبسوا بلباس الأناسي، وعفاريتَ تصوَّروا بصور الآدميين. وقد بينتُ الفروق بين مدنية القرآن والمدنية الحاضرة في "لمعات" [٭]: اللوامع -مجلس في عالم المثال- من مجلد "الكلمات". "وسنوحات" [٭]: السانحات، في مجلد "صيقل الإسلام". فراجعهما لترى فيهما أمرا عظيما تغافلَ عنه الناس.
اعلم يا من يطلب الاجتهاد في مسائل الدين في هذا الزمان! إن باب الاجتهاد مفتوح، لكن لا يجوز لكم الدخول فيه لستة أمور:
فأولا: لأن عند هبوب العاصفات في الشتاء يُسَدّ المنافذ الضيقة، فكيف تُفتح الأبواب؟ وعند إحاطة سيل المنكَرات والبدعيات وتَهاجم المخرّبات لا يُشقّ الجدار بفتح منافذ.
وثانيا: إن الضروريات الدينية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والتي هي في حكم الغذاء والقوت للمسلمين قد أُهملَت وتزلزلت، فلابد صرفُ كلِّ الهمّة لأقامتها وامتثالها وإحيائها، ثم بعد اللَّتيّا والّتي [٭]: اللتيا والتي: هي الداهية الكبيرة والصغيرة. (مجمع الأمثال للميداني). تَمَسّ الحاجة إلى الاجتهاد في النظريات التي توسعت باجتهادات السلف، بحيث لا يضيق عن حاجات كل الزمان.
وثالثا: إن لكل زمان متاعا مرغوبا، يشتهر في سوقه، تُجلَب إليه الرغبات وتُوجَّه وتنجذب الأفكار إليه، كالسياسة وتأمين الحياة الدنيوية الآن.. وكاستنباط مرضيات خالق العالم من كلامه، وتأمين السعادة الأبدية في زمان السلف. فلأجل توجُّه الأذهان والقلوب والأرواح في الجمهور إلى معرفة مرضيات ربّ السماوات والأرض في ذلك الزمان، صار كلُّ مَن له استعداد جيد يتدرّس قلبُه وفطرتُه -من حيث لا يشعر- من كل ما يجري في ذلك الزمان
— 188 —
من الأحوال والوقوعات والمحاورات، كأن كلَّ شيء معلِّمٌ يلقن فطرتَه استعدادا إحضاريا للاجتهاد، حتى يكاد زيت ذهنه يضيء ولو لم تمسسه نارُ كَسْبٍ. فإذا توجه إلى الاجتهاد صار له نورٌ على نور. وأما الآن فلتشتتِ الأفكار والقلوب، وانقسامِ العناية والهمة، وتحكّم السياسة والفلسفة في الأذهان، لا يمكن لمن كان في ذكاء "سفيان ابن عيينه"(٭) مثلا أن يحصِّل الاجتهادَ إلّا بعشرة أمثال وقت ما حصَّل سفيان الاجتهادَ فيه. إذ إن سفيان يبتدئ تحصيلُه الفطري من حيث التمييز، فيتهيأ استعدادُه كالكبريت للنار. وأما نظيره الآن -فبسر ما مرّ آنفا- يتباعد استعدادُه بدرجة تبحّره في الفنون الحاضرة و يتقاسى عن قبول الاجتهاد بدرجة تغلغله في العلوم الأرضية.
ورابعا: إنَّ ميلَ التوسيع والاجتهاد إن كان من الداخلين بحقٍّ في دائرة كمال الإسلام بمظهرية التقوى الكاملة وامتثال الضروريات، يكون ذلك الميل كمالا وتكملا. وأما إن كان ممن يهمل الضروريات ويرجّح الحياة الدنيوية على الآخرة يصير ذلك الميل ميلَ تخريبٍ، ووسيلةً لحل ربقة التكليف عن عنقه.
وخامسا: إنَّ المصلحةَ حِكمةٌ مرجِّحة، وليست بعلّة للحُكم. ونظرُ هذا الزمان يصيِّر المصلحةَ علّةً للحُكم. وكذا نظرُ هذا الزمان يتوجه أولا وبالذات إلى السعادة الدنيوية، مع أن نظرَ الشريعة متوجه أولا وبالذات إلى السعادة الأخروية، وثانيا وبالعرض إلى الدنيا من حيث هي وسيلة الآخرة.. وكذا إن كثيرا من الأمور التي ابتُلي الناسُ بها، وعمّت البليةُ بها حتى صارت من "الضروريات"؛ فلتولدها من سوء الاختيار، ومن الميول الغير المشروعة "لا تبيح المحظورات" ولا تصير مدارا لأحكام الرّخَصية. كما أن مَن سَكر بشرب حرامٍ لا يُعذر في تصرفاته في حالة السُّكر.. وهكذا فالاجتهادات بهذا النظر في هذا الزمان تصيرُ أرضية، لا سماويّة. فالتصرف في أحكام خالق السماوات والأرض وفي عباده بلا إذنه مردود.
مثلا: يَستحسِن بعضُ الغافلين الخطبةَ بالتركية لتفهيم السياسة الحاضرة لعامة المسلمين، فهذا الغافل المسكين لا يعلم أن السياسةَ الحاضرةَ -بكثرة الكذب والحيلة والشيطنة فيها- صارت كأنها وسوسةُ الشياطين، فلا حقَّ لهذه الوسوسة السياسية أن ترتقيَ إلى مقام تبليغ الوحي.
وكذا لا يَفهم هذا الجاهل أن أكثر الأمة إنما يحتاجون لإخطار الضروريات وتذكير المسلّمات والتشويق على امتثال الحقائق المتعارَفة بين المؤمنين، من أركان الإيمان والإسلام
— 189 —
ومراتب الإخلاص والإحسان. فبكثرة التسامع يتساوى العوامُّ والعلماء في التذكر والتخطر بسماع القرآن. إذ العجمي يفهم المآل إجمالا وإن لم يعرف المعنى. وكذا لا يَعقلُ ذلك الغافلُ أن عربية الخطبة وَسْمٌ سماوي مسدّد ومُزيَّن في سماء وحدة الإسلام، وبالتغيير يصير وَشما مشتِتا مشينا. [٭]: أما الأمر السادس فمذكور ضمنا هنا، وهو موضح في "الكلمة السابعة والعشرين" (رسالة الاجتهاد).
اعلم يا من أحاطَ به الغفلة وأظلمت عليه الطبيعة حتى صار "أعمى وأصم" يعبد الأسباب في ظلمات الطبيعة الموهومة! إني أُترجم لك لسانا واحدا من خمسة وخمسين ألسنة يتكلم بها كلُّ واحدٍ من مركبات الكائنات وذراتها شاهداتٍ على وجوب وجوده تعالى ووحدته في ألوهيته وربوبيته جل جلاله..
(٭): قد ذكرت تلك الألسنة إجمالا في "قطرة" وما هنا إيضاح لسانٍ واحدٍ فقط. (المؤلف).
وهو أن اضطرابات الأرواحِ والعقول الناشئةَ من ضلالاتها الناشئةِ من استنكاراتها الناشئةِ من الاستبعاد والاستغراب والحيرة في إسناد الأشياء إلى أنفسها، وإلى الأسباب الإمكانية.. تلجئ الأرواحَ والعقولَ للفرار إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي بقدرته يحصل إيضاحُ كل مُشكل، وبإرادته يحصل فتحُ كلِّ مغلَق، وبذكره تطمئن القلوب.
فإن شئت تحقيقه فانظر إلى هذه الموازنة وهي: أن الموجودات إما فاعلُها جانبُ الإمكان والكثرة، وإما جانبُ الوجوب والوحدة؛ فما يُتوهم بقصور النظر من الكلفة والاستبعاد، والاستغراب في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود، تصير محققةً عند الإسناد إلى الكثرة، لقصور أي سبب كان، وضعفِه عن تحمل أي مسبَّب كان، في جانب الكثرة دون الوحدة. فما يُتوهمُ هناك متحقق هنا. ثم بعد هذا تتضاعف الكلفة والاستبعاد والاستغراب عدد أجزاء الكائنات مع أنها في الإسناد الأول كانت واحدةً موهومة وصارت هنا حقيقةً متضاعفة عدد أجزاء الكائنات؛ إذ في الإسناد إليه تعالى نسبةُ كثيرٍ غيرِ محدود إلى واحدٍ مباين الماهية لها، وفي جانب الكثرة نسبةُ واحدٍ إلى كثير غير محدود متماثلة الماهية؛ إذ النحلة مثلا، لو لم تُسنَد إلى الواجب الواحد، لزِمَ اشتراكُ السماوات والأرض في إيجادها لعلاقتها بأركان العالم.
مع أن صدورَ الكثير عن الواحد أسهلُ بمراتبَ من صدور الواحد عن الكثيرين المتشاكسين الصُّم العُميِ الذين لا يزيد اختلاطُهم إلّا أعميتَهم وأصمّيتَهم. ثم مع ذلك إن الكلفة لو كانت في الإسناد الأول مثلَ ذرة، تترقى في الإسناد الثاني إلى أمثال الجبال؛ إذ الواحد بالفعل
— 190 —
الواحد يحصِّل وضعيةً ونتيجة للكثير، لا يتيسر للكثير -لو أُحيلت عليهم- أن يحصّلوا تلك الوضعيةَ، أو يصلوا إلى تلك النتيجة إلّا بأفعال كثيرة وتكلفاتٍ عظيمة؛ كالأمير مع نفَراته، والفوارةِ مع قطراتها، والمركزِ مع نقاط دائرته. ثم مع ذلك إن الاستبعاد والاستغراب الموهومَين في الإسناد الأول، ينقلبان في الإسناد الثاني إلى محالات متسلسلة.
من بعض المحالات: فرضُ صفات الواجب في كل ذرة؛ إذ كمال الصنعة ونقوشها وإتقانها تقتضي علما محيطا، وبصرا مطلقا، وقدرة تامةً وإرادةً شاملةً.. ومنها فرضُ شركاء غير متناهية في الألوهية والوجوب اللذين لا يقبلان الشركة أصلا؛ إذ لو لم تُسند الأشياء إلى الواحد الواجب، للزم أن يكون لكل واحدٍ وفي ضمنه واحد من الآلهة.. ومنها فرض كل ذرة حاكما على الكل، ومحكوما للكلِّ ولكلٍّ، كالأحجار في البناء المعقد لو انتفى الباني، لزِمَ أن يكون كل حجر كالباني عالما مهندسا بانيا؛ إذ النظام والانتظام والإتقان والحِكمُ هكذا تقتضي، لا محل للتصادف فيها.. ومنها فرض الشعور المحيط والعلمِ التام والبصرِ المطلق في كل ذرة وسبب؛ إذ الموازنة والتناظر والتساند والتعاون يقتضي شعورا محيطا وبصرا مطلقا وهكذا.. من الصفات المحيطة.
فلو أُسندت الأشياءُ إلى أنفسها لزم تصوّر هذه الصفات في أنفسها، ولو أُسندت إلى الأسباب لزم تصور هذه الصفات في أسبابها، بل في كل ذرة من ذراتها.. وهكذا من المحالات المتسلسلة والممتنعات العقلية والأباطيل التي تمجّها الأوهام.. وأما إذا أُسندت إلى صاحبها الحقيقي وهو صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، لا يلزم إلّا أن تصير الذراتُ ومركباتها -كقطرات المطر الحاملة لتماثيل الشمس بالانعكاس- مظاهرَ لتجلياتِ لمعات القدرة النورانية المطلقة المحيطة الأزلية الغير المتناهية، المستندة بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين. وهي القدرة التي شهدت عليها معجزات المخلوقاتُ، التي لمعتُها الفذة أجلّ من شمس الإمكان والكثرة بسر التجزؤ والتوزيع والانقسام في جانب الإمكان والكثرة، دون جانب الوجوب والوحدة. وإن ذرةَ تلك القدرة أعظم من جبال الأسباب، بسر أن جزء تجلي النوراني مالك لخاصية الكل، كأن الكلّ كلّيٌّ، ولو في جانب الإمكان، حتى ترى الشمس بتمامها في ذرة زجاجية. فكيف نور الأنوار المتظاهر من جانب الواجب الوجود الواحد الأحد؟!
— 191 —
فالفرق بين الإسناد الأول والإسناد الثاني، كالفرق بين تجلي الشمس بخاصيتها في قطرة بل في ذرة بالتجلي وبين دعوى وجود شمس بالأصالة في تلك القطرة؛ ومحاليةُ هذه الدعوى أظهر من أن تَخفى.. ومع كل ذلك لا كلفةَ ولا معالجةَ ولا تَعَمُّلَ في عمل تلك القدرة المجهولة الأزلية، بل تتساوى بالنسبة إليها الذراتُ والنجوم، والجزء والكل، والفرد والنوع، والقليل والكثير، والصغير والكبير، وأنت والعالم، والنواة والشجرة. والسرُّ في أنه لا كلفة بالنسبة إليها أن تلك القدرة لازمةٌ ذاتية ضرورية ناشئة للذات الأزلي، فلذاتيتها، محالٌ تداخلُ ضدِّها في ما بينها. فإذ لا عجزَ فلا مراتب فيها، فإذ لا مراتب فيها، تتساوى بالنسبة إليها أصغرُ الأشياء وأعظمُها.
فإن شئت تقريبَ هذه الحقيقة إلى الفهم بتمثيلات في دائرة الإمكان والكثرة، فاستمع مثلا: - وللّٰه المثل الأعلى - يتساوى في أخذ تجلي الشمس في تمثالها الذراتُ الزجاجية، والبحور الأرضية، والسيارات السماوية بسر "الشفافية"..
وإن المصباح المركزي للمرايا المحيطة يتساوى بالنسبة إلى المصباح زجاجةٌ من زجاجاتِ أصغرِ دائرة، ومجموع الزجاجات في أكبر الدائرة، بسر "المقابلة"..
وإن النور والنوراني تتساوى بالنسبة إلى الاستضاءة والاستفاضة الواحدُ والألوفُ، لا تَزاحُمَ فيه بسر "النورانية". فلنوعِ نورانيةٍ في لطافة الكلمة يتساوى في الاستماع الواحدُ والألوف..
ومثلا: إن الميزان الحساس بدرجةٍ يتحسس بذرّة، لو كان في كفتيه شمسان أو جوزتان، ما تفاوت بين رفع كفةٍ إلى الثريا وكفة إلى الثرى، بوضع جوزة أخرى في كفة بسر "الموازنة"..
ومثلا: إن أعظم السفن لا يتعسر سوقُها وتحريكها على صبي كما لا يتعسرُ عليه تحريك سفينته التي هي ملعبته في كفه، أو تحريكُ ساعته بسر "الانتظام"..
ومثلا: إن "القماندان" [٭]: القماندان: القائد العسكري. لا فرق في أمره بی"آرش" بين نفر وفيلق، يتساوى في التحريك والتحرك النفرُ، وكلُّ العسكر بسر التزام "الامتثال"..
— 192 —
ومثلا: إن الماهية المجردة في الأنواع والكليات، يتساوى بالنسبة إليها فردٌ من أصغر الأفراد وأكبرُ الأفراد وكلُّ الأفراد الغير المحدودة بسر "التجرد"..
وهكذا من الأمثلة الدالة على أنه يمكن عدم التفاوت بين القليل والكثير والصغير والكبير بالنسبة إلى شيء. [٭]: في "الكلمة العاشرة" و"الكلمة التاسعة والعشرين" وفي السانحات (مجلد صيقل الإسلام) توضيح وافٍ لهذه الأسرار الستة.
فبسر "شفافية" الملكوتية في كل شيء، وبسر "مقابلة" وجه كل شيء للقدرة، وبسر "نورانية" تلك القدرة، وبسر "الموازنة" الإمكانية، وبسرّ "الانتظام" بقوانين القضاء والقدر، وبسر "امتثال" كل ذرة من ذرات الكائنات بكمال الشوق واللذة للأوامر التكوينية المندمجة في أمر "كن"، وبسرّ "تجرد" الواجب الوجود عن الماديات.. فبهذه الأسرار الستة تتساوى بالنسبة إلى قدرته إحياءُ البعوضة وإحياء الأرض، وخلقُ النحلة وخلق السماوات والأرض، وإيجاد الذرة وإيجاد الشمس. بل إن التساويَ وعدمَ التفاوت ثابتٌ بالحدس القطعي والمشاهدة؛ إذ تلك القدرة المجهولة بماهيتها، والمعلومة بمعجزاتها تفعل بمثل غصن دقيق -كخيط رقيق- أمثالِ العناقيد التمرية والعنبية وغيرهما، تلك الخوارقَ الحيوية التي لو أحيلَت صنعتُها على الأسباب لاحتاجت إلى ما لا يحد من التكلفات، وتتجلى تلك القدرة بجلوات الوجود في سَمّ الخياط على الشفافات والعيون الناظرة إلى الخيال بالتماثيل البرزخية، لو أحيلَت على الأسباب لامتنعت أو لاحتاجت إلى ما لا يحد من المعالجات.
الحاصل:
أن ما يُرى من إيجاد القدرة للأشياء الحيوية والوجودية والنورية يدل على أمور ثلاثة:
الأول: أنَّ الوسائط والأسباب الظاهرية حُجُبٌ ضعيفة وضِعَت لمحافظة عزة القدرة في المباشرة الظاهرية في وجه المُلك الكثيف الخسيس فقط..
والثاني: أنَّ الحياةَ والوجود والنور -لشفافيةِ وجه مُلكها كملكوتيتها- ما وضعت الحُجُب الكثيفة على يد القدرة، بل ترقرقت الوسائط فيها..
والثالث: لا تكلّف ولا تَعمُّل ولا معالجة في تأثير تلك القدرة؛ إذ مَن يصنع بنواةِ تينةٍ شجرةَ تينة بعظمتها، وبخيطٍ دقيق عنقودا من حبات العنب -وكلُّ حَبة فيها ما فيها- لا
— 193 —
يتعسّر عليه شيء.. ولا ريب في الحقيقة أن ظهور صاحب تلك القدرة الأزلية أشدُّ بمراتبَ من ظهور الكائنات. إذ كلُّ مصنوع دلالته على نفسه بوجوه قليلة مرئية، وعلى صانعه بوجوه كثيرة مشهودة وعقلية وغيرهما. وأي مصنوع كان لو أُحيل على الأسباب، واجتمعت عليه الأسبابُ الأرضيةُ والسماوية لم يَأتُوا بمِثلِهِ وَلَو كانَ بعضُهمْ لبَعضٍ ظهيرا. إذ حبة نواة في حبة تينة ليست بأقلَّ جزالةً من شجرة تينة، وليس الإنسان أقلَّ جزالةً وأدنى صنعة من الأرض. فالقدرة التي أوجدت النواة والإنسان لا يتعسّر عليها إبرازُ الشجر والعالم.
فيا مَن ضلّ بالاستبعاد والاستغراب والحيرة والاستنكاف في جانب الحق! فقد سمعت بهذه التحقيقات أن الاستبعادَ بلا نهاية، والاستغرابَ بلا غاية، والحيرة بلا حدّ، وتحقق الكلفة بما لا يُحصى مع محالات عجيبة، فقد سمعتَها موجودة في جانب باطلك الذي ابتُليتَ به من نسبة الأشياء بالأصالة إلى أنفُسها وأسبابها. فاضطرابات الأرواح والعقول الناشئةُ من هذه الضلالة؛ تُلجئ القلوبَ إلى الفرار بالتسليم إلى الواجب الوجود الواحد الأحد الذي لا يحصُل إيضاحُ شيء من الأشياء إلّا بإضافته إلى قدرته، ولا يحصل فتحُ شيء من المغلقات إلّا باتصاله بإرادته، ولا يطمئنُ قلبٌ ولا يستقر يقينٌ في مسألة من المسائل إلّا بربطها بذكره واسمِه جل جلاله..
اعلم أن ميدانَ اشتغال الإنسان، ومسايرَ جولان الهمة، أوسعُ من أن يُحاط به. فقد يجول في ذرة، ويسبَح في قطرة، وينحبس في نقطة، مع أنه قد يضع العالَم نصب عينيه، وقد يُدخل الكائنات في عقله حتى يتطاول إلى رؤية الواجب الوجود ومشاهدته. فقد يكون الإنسان أصغر من ذرة، وقد يصير أكبرَ من السماوات، فيدخُلُ في القطرة مع أنه يدخل فيه الفِطرةُ بأنواعها وأركانها..
اعلم أن كل ما أَنعم اللّٰه به على الإنسان، له شرائط ومفاتيح بعضها آفاقي وبعضها أنفسي. مثلا: إن اللّٰه أنعم بالضياء والهواء والغذاء والصدى، وعلّق الاستفادةَ منها على فتح العين والأنف والفم والسمع وهكذا.. مع أن هذه الفتوح الأنفسية من كسبنا، فلا يتحصل إلّا بخلقه وإيجاده تعالى. فلا تتخيّلن أيها الغافل هذه النعمَ سدًى مهملة تسئم [٭]: الكلمة مأخوذة من سامت الماشية، أي خرجت إلى المرعى، وليست من سئم، بمعنى ملّ وضجر. فيها كيف تشاء
— 194 —
بلا منّة ولا حساب. كلا! بل تُساق إليك بقصدِ مُنعمها فتُلتَقَم باختيارك ثم تنتشر على مظان حاجاتك بإرادة مُحسنها عمّ نوالُه..
اعلم أن أواخرَ الأشياء ونهاياتِها ليست بأقلَّ انتظاما وإتقانا من أوائلها؛ ولا ظواهرها ولا صورها بأحسن صنعةً وحكمةً من بواطنها. فلا تحسبنَّ أواخرَ الأشياء وبواطنَها سدًى مهملةً تلعب بها يدُ التصادف. ألا ترى الثمرة مع الزهرة، أظهرَ حكمةً من الجرثوم النابت من النواة. فالصانع جل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.
اعلم أن إعجازَ القرآن، حَفظَ القرآن عن التحريف، فلا يتيسر لكلام مفسِّر أو مؤلّفٍ أو مترجم أو محرّف وغيرهم، أن يلتبس بالآيات أو يلبسَ زيّها كما التبست واختلطت سائر الكتب المنیزلة حتى صارت محرفة..
اعلم أن تكرار آيةِ
﴿ فبأيّ الآءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾
في مقاطع الآيات التنیزيلية المشيرة إلى الآيات التكوينية المتنوعة المختلفة في سورة "الرحمن" يدل على أن أكثر عصيان الجن والإنس وأشدَّ طغيانهما وأعظم كفرانهما يتولد من عدم رؤية الإنعام في النعمة.. والغفلةِ عن المنعم.. وإسنادِ النعم إلى الأسباب والتصادفات.. حتى يصيرا مكذِّبَين بآلاء اللّٰه. فلابد للمؤمن من أن يبسمل بَدء كلّ نعمةٍ قاصدا بها أنها منه، أنا آخذها باسمه وبحسابه، لا بحساب الوسائط، فله الشكر والمنة.
اعلم أيها المتوسوس المتخطر بإلقاآت الشيطان، وإخطار مرض القلب والخيال، وبإمرار خسّة النفس ولؤمِها مزخرفاتٍ [٭]: مزخرفات: المقصود بها المستقذرات. شتّى على عين عقلك عند توجهك إلى الحقائق الإلهية، حتى قد تمر على عينيك سحائبُ مظلمة ممطرة رذائلَ وفواحشَ وشتوما تقشعر منها عند نظرك إلى شمس الحقائق، كأنك تمدّ يد التنیزيه والتقديس، وترسل عينَك للتسبيح والتمجيد؛ والحال أن يدَك تَتنجّس بأرجاس خيالك، ويستقذر نظرُك ممّا يمر عليه من سفاسف خبثِ نفسك، ثم تنعكس تلك المستقذراتُ على المقدسات في نظرك، فتتألم فتتأمل في المستقذرات. لا تيأس ولا تتأثر ولا تلقِ نفسَك في الغفلة للفرار من هذه الحال، والنجاة من هذا اللوم الأليم؛ إذ لا ضررَ إلّا ضررُ توهّمِ الضرر، فتتكرر فتتضرر. ألا ترى أنك إذا نظرت إلى الشمس وضيائها، والسماءِ ونجومِها، والجنةِ وأزاهيرها، في مسامات ثوبٍ مستقذَر بمزخرفات شتى، لا
— 195 —
يمكن أن تسري تلك إليها وتتكدر هي بها، بل تنفعل أنت منها. فلا تهتم بها لتذهبَ؛ إذ هذه الوهميات والهوائيات كالهوام والزنابير؛ إن دافعتَهم قاتلوك، وإن تركتَهم فارقوك..
اعلم أيها المتفلسف المرجِّح للعقل على النقل، فتُؤوِّل النقلَ بل تُحرِّف؛ إذ لم يسعه عقلُك المتفسخ بالغرور والتغلغلِ في الفلسفيات! إنني كنتُ في حينٍ كما كنتَ، ثم شاهدتُ قصرا شاهقا شارقا اتصل سطحُه بسقف السماء، قد أُرسِلت متدليةً من شبابيكها العالية زنابيلُ
(٭): إن إيضاح هذه المسألة قد ذكر في بيان الطرق الثلاثة في آخر "الفاتحة" في رسالة "أنا" (الكلمة الثلاثون) وفي (اللوامع) في سياحة خيالية ختام "الكلمات". والزنابيل المتدلية إشارة إلى الحقائق القرآنية التي هي الصراط المستقيم.. (المؤلف).
متفاوتةٌ، حبالُها في المبدأ والمنتهى. فبعضُها قريبٌ من الأرض فيقذف الإنسانُ الموفَّق نفسَه في ذلك الزنبيل فيرتفع إلى أعلى المنازل، وبعضُها أخفض مبدأ وأرفعُ منتهى. وهكذا.. ثم رأيت بعضَ الناس الخاسرين المغرورين لا يبالون بتلك الزنابيل، فيتشبثون للصعود بجمع الأحجار والأشياء ويضعونها تحت أرجلهم، فيتصاعدون قليلا ثم يتساقطون، وأنّى لهم الصعود! وشاهدتُ بعض المعتمدين على أنفسهم المتفرعنة، يدقون مسامير في جدار القصر فيضعون أرجلهم عليها متصاعدين فيخرّون فتندقّ أعناقُهم وهكذا.. ورأيت أن ما جُهزوا به من مكاسبهم وآلاتهم إنما أُعطوها ليستعملوها على قدر الاستعداد والتوفيق في الصعود إلى الزنبيل، لا إلى المنازل. فعقلُكَ عقالُكَ، وبالنقل نقلتُك. مَن توكّل على اللّٰه فهو حسبه..
اعلم يا من تحيّیرَ في سبب غلبةِ الفجار على الأبرار، وتفوُّقِ الطالحين على الصالحين في الحياة الدنيوية. أني قد شاهدتُ في واقعةٍ قصورا، [٭]: الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذه الحالة بالتفصيل. في كل قصر سرادقات متداخلة متصاعدة، سكان طبقاتها متفاوتون في اللطافة والعلوية والنورانية، فمن في المركز العالي كالسلطان، وتحته منازل فيها سكان متفاوتون في القيمة والنورانية، وهكذا إلى الباب. ومن عند الباب خادم مظلم كثيف، وقدام الباب كلبٌ متملق. ثم رأيت بعض القصور تلألأت ساحةُ بابه، فتأملتُ فيها فرأيت ملك القصر يلعب مع الكلب قدّام الباب، والمخَدَّرات [٭]: أي النساء. يداعِبن مكشوفاتٍ رؤوسُهن مع الصبيان، وقد تعطلت الوظائف النیزيهة في الطبقات، وتشعشعت وظائف الكلب والصبيان وسَفَلة الخدام، فتفتق القصر عن مكنوناته متفسقا، مُشرقا مقتدرا قويا ظاهر الباب، مظلما معطَّلا ذليلا في الداخل. وفسوقُه كفتوق فلقتي الرمان مثلا عن حباته. فعلمت
— 196 —
أن تلك القصور هي الأناسي، حتى رأيتُ كل إنسان قصرا، حتى رأيت نفسي العاصية أيضا قصرا.. وسقوطَ أهل القصور على مراتب مختلفة نزولا أدنى فأدنى. فشاهدت أن ما يزعم أهلُ المدنية ترقيا ما هو إلّا سقوطٌ، واقتدارا ما هو إلا ابتذال، وانتباها ما هو إلّا انغماس في نوم الغفلة، و"نزاكة" [٭]: نزاكة: اللطف والرأفة. ما هي إلّا رياءٌ نفاقي، و"ذكاوة" [٭]: ذكاوة: الذكاء والفطنة. ما هي إلّا دساسية شيطانية، وإنسانيةً ما هي إلّا قلبُ الإنسانية حيوانيةً. لكن يلوح على هذا الشخص الساقط العاصي لوائحُ اللطافة والجاذبية لاختلاط لطائفه النورانية بنفسه الظلمانية؛ خلافا للمتدين المطيع الذي عند الباب نفسُه المتكدرة فقط. إلّا أنه قد يتنازل لطائفُ الصالح أيضا، لا للهوسات السفلية، بل لإرشاد الناس الخارجين من الحدود وإمدادِهم بإرجاعهم إلى ما هم خُلقوا لأجله، إن اللّٰه سبحانه إذا أحبّ عبدا لا يحبب إليه محاسن الدنيا بل يُكرّهها إليه بالمصائب.
أيواه! وا أسفا! قد أظهرت هذه المدنيةُ السفيهة خوارقَ جلابة وملاهيَ جذابة، يتساقط إليها سكان قصور الإنسان ومخدَّراتُها، كتساقط الفَراش على النور المشرق المنقلب إلى النار المحرقة..
اعلم أيها السعيد الشقي! ما هذا الغرور والغفلة والاستغناء؟ ألا ترى أن ليس لك من الاختيار إلّا شعرة، وليس من الاقتدار إلّا ذرة، وليس من هذه الحياة إلّا شعلة تنطفئ، وليس من العمر إلاّ قليل مثل دقيقة تنقضي، وليس من الشعور إلّا لمعة تزول، وليس من الزمان إلا آنٌ يسيل، وليس من المكان إلا مقدار القبر! ولك من العجز ما لا يُحدّ، ومن الاحتياج ما لا يتناهى، ومن الفقر ما لا يُحصى، ومن الآمال ما لا غاية لها، وهكذا.. فمَن كان بهذه الحالة من العجز، وفي هذه الدرجة من الحاجة، هل يتوكل على ما في يده ويعتمد على نفسه.. أو يتوكلُ على اللّٰه الرحمن الرحيم الذي من ظروف خزائن رحمته وصناديق نعمته: هذه الشموس وهؤلاء الأشجار المملوءة من الأنوار والأثمار، ومن موازيب حوض فيضه ومسيلاتِ رحمته: الماء والضياء.
اعلم يا من يستعظم النتيجةَ ويستضعف دليلَها! إنه ما من دليل يشهد على حقيقةٍ من الحقائق الإيمانية، إلّا ويزكّيه ويؤيّده ويقوّيه ويمدّه كلُّ ما قام على صدق شيء ما من
— 197 —
الإسلامية. فكأن كلَّ ما لا يعد من الشواهد والشهداء والبراهين والأمارات، كل منها يضعُ إمضاءه على سند كلٍّ من أخواتها، فيختم كلٌّ منها خاتمَ تصديقه على منشور كلِّ واحدٍ، بسرّ ما مرّ -في بداية هذه الرسالة-، خلافا للنافي؛ إذ للمنافاةِ بين النافي والمثبِتِ يُنفى منَ النَّافي ما يُثبَتُ للمُثبِتِ. فألفُ نافٍ كفردٍ.
اعلم أنه قد تصير شدةُ محبة الشيء سببا لإنكاره، وكذا شدةُ الخوف، وكذا غايةُ العظمة، وكذا عدم إحاطةُ العقل..
اعلم أني قد تيقنتُ -كأني شاهدتُ بحدس قطعي- أن جهنم مندمجةٌ بالقوة [٭]: المقصود بالقوة: بالاستعداد والقابلية الكامنة في الشيء. أما بالفعل فيعني: بالمشاهدة والماثل أمام العين. في بذر الكفر كاندماج شجرة الحنظلة في نواتها.. وأن الجنة مندمجة في حبة الإيمان كاندراج شجرة النخلة في نواتها. فكما لا غرابة في استحالة النواة وانقلابها إلى شجرة الحنظلة أو شجرة النخلة، كذلك لا استبعاد في تحول معنى الضلالة متجسما جهنما [٭]: لا تنصرف جهنم إلّا إن نكّرت فتنصرف. تعذِّب، ولا في تمثل أنوار الهداية جنةً تُستَعذب. وفي "اللوامع" [٭]: يراجع بالتفصيل: كل الآلام في الضلالة وكل اللذائذ في الإيمان-اللوامع من مجلد "الكلمات". نبذة من هذه الشهود في هذا العالم أيضا.
اعلم كما أن الحبة من بذور الحبوبات ونوى الثمرات إذا ثُقبت في قلبها، لا تتكبر بالتنبّت. كذلك حبة "أنا" إذا ثُقبت بشعاع ذكر: اللّٰه.. اللّٰه.. لا تتعاظم تلك الأنانية متفرعةً بالانتعاش ومتفرعنةً بالغفلة، ومستحصنةً ومستندةً بآثار النوع، ومبارزةً بالعصيان لجبّار السماوات والأرض. والأولياءُ النقشبنديون موفَّقون لفتح حبة القلب وكشف طريقٍ قصير بثقب جبل "أنا" وكسر رأس النفس بمثقاب الذكر الخفي. كما أن بالذكر الجهري تُخرّب طاغوت الطبيعة أو تمزَّق..
اعلم أن أبعدَ وأوسعَ وأرقَّ دوائر الكثرة وطبقاتها يتلألأ عليها أيضا أثرُ الحكمة والإتقان والاهتمام. فإن شئتَ فانظر إلى نهاية ما انبسط وانتشر إليه التكثّر من جلد الإنسان وصورته، لترى كيف يُحَشِّي قلمُ القدرة صحيفةَ جبهته ووجهه وكفيه بخطوطٍ ونقوش وآلات دالات على معانٍ في روح الإنسان، وعلى طائره المعلق في عنقه المشير إلى القَدر المكتوب في فطرته، حتى لم يترك هذه التحشيةُ منفذا لدخول التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء..
— 198 —
اعلم يا من ابتُلي بحب هذه الحياة حتى حسبتَ أن العلة الغائية في الحياة وبقائها، وأن كل ما أودعتْه القدرةُ الأزلية في جوهر الإنسانية وذوي الحياة من الجهازات العجيبة والتجهيزات الخارقة، إنما أعطاها الفاطر الحكيم لحفظ هذه الحياة السريعةِ الزوال، ولأجل البقاء. كلا ثم كلا! إذ لو كان بقاء الحياة هو المقصود من كتاب الحياة، لصار أظهرُ وأبهرُ وأنورُ دلائلِ الحكمة والعناية والانتظام وعدم العبثية بإجماع شهادات نظامات الكائنات؛ أعجَبَ وأغربَ وأنسَبَ مثال العبثية والإسراف، وعدمِ الانتظام وعدم الحكمة. كمثل شجرٍ -كجبل- ليس لها إلّا ثمرة فردة كخردلة. بل يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجةِ مالكيةِ الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها. ثم سائر الثمرات والغايات راجعةٌ إلى المحيي جلّ جلاله بالمظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوانِ وأنواعِ جلوات رحمته في جنته في الحياة الأخروية التي هي ثمرات بذور هذه الحياة الدنيوية وهكذا..
إذ كما أن الشخص الموظف بأن يجسّ ويضع إصبعه عند اللزوم على الجهازات التي تتحرك بها السفينة العظيمة للسلطان، لا يرجع إليه من فوائد السفينة إلا بمقدار علاقته وخدمته، أي من الألوف واحد.. كذلك درجة تصرّف كل حي في سفينة وجوده. بل هناك يمكن أن يستحق من الألوف واحدا، لكن لا يستحق بالذات هنا من ملايينِ ملايينِ واحدا أيضا..
اعلم يا قلبي أن لذائذ الدنيا وزينتَها بدون معرفة خالقنا ومالكنا ومولانا -ولو كانت جنة- فهي جهنم. هكذا ذقتُ وشاهدتُ. حتى في نعمة الشفقة كما في "قطرة". ومعرفته تُغني عن كل ما في الدنيا حتى عن الجنة أيضا.
اعلم يا قلبي: إن كل ما يجري في هذه الدنيا له وجهان: وجه إلى الدنيا والنفس والهوى، ووجه إلى الآخرة. فأما الوجه الدنيوي فأعظمُ الأمور وأثقلُها وأَثْبَتُها هو في نفس الأمر بدرجة من الصغر والخفة والزوال، بحيث لا يساوي ولا يوازي ولا يليق لأن يُشوَّش له القلب "بالمَرَق" والتضجر، والتألم وشدة التأمل..
اعلم يا قلبي هل ترى أحمقَ وأبلهَ وأجهل ممن يرى تمثالَ الشمس مثلا في ذرةٍ شفافة، أو تجليَها في صبغةِ زهرة؛ ثم يطلب في الشُّميسة المرئية في الذرة ومن لون الزهرة وصبغتها
— 199 —
كلَّ لوازمات السراج الوهاج في سقف العالم، حتى جذبَها للسيارات ومركزيتها للعالم. ثم إذا زال بعارضٍ ما رآه في هذه الذرة والزهرة، شرع -بسبب قصر النظر وانحصاره- ينكر وجودَ الشمس في وسط النهار، مع وجود شهاداتِ سائر الذرات وكل "الشبنمات"
[٭]: الندى.
والرشاشات والقطرات والحبابات والحياض والبحور والسيارات في ضحوة النهار الصحو.
ثم إن ذلك الأجهل يلتبس عليه "الوجود الظلي" بالتجلي بمقدار لياقة قابلية الشيء المرسّمة بالقَدَر بی"الوجود بالأصالة". فإذا رأى الشمسَ في ذرة شفافة يقول: أين عظمة الشمس، وأين حرارتها الخارقة، وكيف وكيف؟. إلى آخر بَلاهاته! وقد يريد أن يقتبسَ من نارها أو يحسَّها بيده أو يؤثر في ذاتها تأثيرا بوجه ما، ولا يتفطنُ أن قربها منه بالتأثير فيه، لا يستلزم قربه منها حتى تتأثر الشمسُ من فعله. ثم إنه يرى في صغار الأشياء وخسائسها إتقانا عجيبا واهتماما غريبا وصنعة فائقة وحكمة رائقة، فيزعم -بالقياس الباطل- أن صانع هاتيك تكلَّفَ في صنعها وتعمَّل كثيرا؛ فيقول: ما قيمة الذباب مثلا، حتى يُصرَف له هذا المَصْرَفُ المهم من صانع حكيم؟ حتى يصير ذلك المسكين سوفسطائيا.
فيا هذا
﴿ وللّٰه المَثَلُ الأعلى ﴾
(النحل:٦٠)
﴿ اللّٰه خالقُ كلّ شيءٍ وَهُوَ على كلّ شيءٍ وكيل ﴾
(الزمر:٦٢)
لابد أن تعلم أُمورا أربعة ينحل بها الإشكال.
الأول: أن كل شيء -من الذرات إلى الشموس- يصفه تعالى بما لَهُ [٭]: يصف اللّٰه تعالى بما له من صفات جليلة. في كمال ربوبيته، لكن لا يتصف بما له لأجل مظهريته لتجليه..
الثاني: أنه ينفتح من كل شيء إلى نوره تعالى بابٌ، لكن بانسداد باب واحد في نظرٍ قاصر لا ينسد ما لا يُحد من الأبواب، وإن أمكن فتحُ الكل بفتح واحدٍ.
والثالث: أن القدرَ المنعكس من العلم المحيط قد قيَّد ورَسَم لكل شيء حصة لائقة من فيض تجلي الأسماء المطلقة النورانية.
والرابع:
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُیینْ فيَیكونُ
(يس:٨٢) و
﴿ مَا خلقُكم ولابَعثُكم الاّ كَنَفسٍ واحدَةٍ ﴾
(لقمان:٢٨) وأما إذا أُسنِد -بالغفلة- الأشياءُ إلى
— 200 —
أنفسها وإلى الأسباب الإمكانية، للزم على كل العقلاء أن يقبلوا المحالات الناشئة من حكم ذلك الأجهل الأبله.
اعلم أن القرآن المعجز البيانِ يعبّر كثيرا عن تبيين الحقائق بضرب المثل، بسر أن الحقائق المجردة الإلهية متمثلةٌ في دائرة الممكنات بقيود الأمثال، فالممكن المسكين ينظر إلى الأمثال في دائرة الإمكان، ويلاحظ من خلفها شؤون دائرة الوجوب -
﴿ وللّٰه المثل الأعلى ﴾
اعلم أن العرش كالقلب، فقلبك فيك مُلكا [٭]: أي كما أن قلبك فيك في حالة مُلك، وأنت في قلبك في حالة ملكوت، أي كما أن الإنسان من حيث الملك ظرف لقلبه ومن حيث الملكوت مظروف.. (ت: ٩٦). وأنت في قلبك ملكوتا. ففي دائرة الاسم "الظاهر" العرش العظيم محيط بالكل، وفي دائرة الاسم "الباطن" كالقلب للكون. وفي الاسم "الأول" يشار إليه بی
﴿ وكانَ عَرشُه على المَاء ﴾
(هود:٧) وفي الآخر يرمز إليه بی: "وسقف الجنة عرش الرحمن" [٭]: الديلمي، المسند ٢/ ٣٣٨؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٧/٤١؛ ابن حجر، فتح الباري ٣/٣٥. إذ لعرش مَن
﴿ هو الاولُ والآخرُ والظاهرُ والباطِنُ ﴾
(الحديد:٣) حصةُ الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية..
اعلم أن العجز معدن النداء، وأن الاحتياج منبع الدعاء.
فيا ربي ويا خالقي ويا مالكي! حُجتي عند ندائي حاجتي. وعُدتي عند دعائي فاقَتي. ووسيلتي انقطاعُ حيلتي. وكنیزي عجزي. ورأسُ مالي آمالي وآلامي. وشفيعي حبيبُك ورحمتك. فاعف عني واغفر لي وارحمني يا اللّٰه، يا رحمین، يا رحيم.
— 201 —
هذه المناجاة تخطرت إلى القلب هكذا باللسان الفارسي
يَا رَبْ بَشَشْ جِهَتْ نَظَرْ مِى كَرْدَمْ دَرْدِ خُودْ رَا دَرْمَانْ نَمِى دِيدَمْ
دَرْ رَاسْت مِى دِيدَمْ كِه دِى رُوزْ مَزَارِ پَدَرِ مَنَسْت
وَدَرْ چَپْ دِيدَمْ كِه فَرْدَا قَبْرِ مَنَسْت
وَاِيمْرُوزْ تَابُوتِ جِسْمِ پُرْ اِضْطِرَابِ مَنَسْت
بَرْ سَرِ عُمْرْ جَنَازَهِٔ مَنْ اِيسْتَادَه اَسْت
دَرْ قَدَمْ آبِ خَاكِ خِلْقَتِ مَنْ وَخَاكِسْتَرِ عِظَامِ مَنَسْت
چُونْ دَرْ پَسْ مِى نِگَرَمْ بِينَمْ اِينْ دُنْيَاءِ بِى بُنْيَادْ هِيچْ دَرْ هِيچَسْت
وَدَرْ پِيشْ اَنْدَازَهِٔ نَظَرْ مِى كُنَیمْ دَرِ قَبْر كُشَادَه اَسْت
وَرَاهِ اَبَدْ بَدُورِ دِرَازْ پَدِيدَارَسْت
مَرَا جُزْ جُزْءِ اِخْتیِیيَارِى چِيیزِى نِيسْت دَرْ دَسْت
كِه اُو جُیزْء هَیمْ عَاجِیزْ، هَیمْ كُوتَاه وهَیمْ كَمْ عَیيَارَسْت
نَه دَرْ مَاضِى مَجَالِ حُلُولْ نَه دَرْ مُسْتَیقْبَیلْ مَدَارِ نُفُوذَسْت
مَیيْدَانِ اُو اِينْ زَمَانِ حَال ويَكْ آنِ سَیيَّالَسْت
بَا اِينْ هَمَه فَقْرْهَا وَضَعْیفْهَا قَلَیمِ قُیدْرَتِ تُو آشِكَارَه
نُوِشْیتَه اَسْت، دَرْ فِطْرَتِ مَا مَيْیلِ اَبَدْ وَاَمَیلِ سَرْمَدْ
بَلْكِه هَیرْ چِیه هَسْت هَسْت
دَائِیرَهِٔ اِحْتِیيَاجْ مَانَینْدِ دَائِیرَهِٔ مَیدِّ نَظَیرْ بُیزُرْگِى دَارَسْت
خَیيَالْ كُدَامْ رَسَیدْ اِحْتِییيَاجْ نِيیزْ رَسَیدْ
دَرْ دَسْت هَرْ چِه نِيسْت دَرْ اِحْتِییيَاجْ هَسْت
دَائِرَهِٔ اِقْتِیدَارْ هَمْچُو دَائِیرَهِٔ دَسْتْ كُوتَاهْ كُوتَاهَسْت
— 202 —
پَسْ فَقْرُ وحَاجَاتِ مَا بَقَدْرِ جِهَانَسْت
سَرْمَايَهِٔ مَا هَیمْ چُو جُیزْءِ لَايَیتَجَیزَّا اَسْت
اِينْ جُزْء كُدَامْ وَاِينْ كَائِینَاتِ حَاجَاتْ كُدَامَسْت
پَسْ دَرْ رَاهِ تُو اَزْ اِينْ جُیزْء نِيیزْ بَازْ مِى گُذَشْتَنْ چَارَهِٔ مَنْ اَسْت
تَا عِنَايَتِ تُو دَسْتْگِيرِ مَنْ شَوَدْ، رَحْمَتِ بِى نِهَايَتِ تُو پَینَاهِ مَنْ اَسْت
آنْ كَسْ كِه بَحْرِ بِى نِهَايَتِ رَحْمَتْ يَافْت اَسْت
تَكْيَه نَه كُنَدْ بَرْ اِينْ جُزْءِ اِخْتِيَارِى كِه يَكْ قَطْرَه سَرَابَسْت
اَيْوَاهْ اِينْ زَنْدَگَانِى هَیمْ چُو خَوابَسْت
وِينْ عُمْرِ بِى بُنْیيَادْ هَیمْ چُو بَادَسْت
اِنْسَانْ بَیزَوَالْ دُنْیيَا بَفَینَا اَسْت آمَالْ بِى بَقَا آلاَمْ بَییبَقَا اَسْت
بِیيَا اَىْ نَفْسِ نَافَرْجَامْ! وُجُودِ فَانِى خُودْ رَا فَدَا كُنْ
خَالِقِ خُودْ رَا كِه اِينْ هَسْتِى وَدِيعَه هَسْت
وَمُلْكِ اُو وَاُو دَادَه فَینَا كُنْ تَا بَقَا يَابَدْ
اَزْ آنْ سِرِّى كِه نَفْىِ نَفْى اِثْیبَاتَسْت
خُیدَاىِ پُیرْكَرَمْ خُودْ مُلْكِ خُودْ رَا مِى خَرَدْ اَزْ تُو
بَیهَاىِ بِى گِرَانْ دَادَه بَیرَاىِ تُو نِگَاهْ دَارَسْت
— 203 —
ترجمة المناجاة
[٭]: تفضل مشكورا الأخ الكريم فاروق رسول يحيى بترجمة نص هذه المناجاة. أما ترجمتها الوافية ففي الكلمة السابعة عشرة وفي الرجاء السابع من اللمعة السادسة والعشرين "رسالة الشيوخ".
التي تخطرت إلى القلب باللسان الفارسي
يا رب! لقد بحثتُ في الجهات كلها (الجهات الست) فلم أجد دواءً لدائي.
فنظرت نحو اليمين، وإذا بقبر أبي بالأمس.
ورنا بصري نحو اليسار، فإذا قبري في الغد.
وهذا اليوم هو تابوت يحمل جسمي المضطرب.
فجنازتي ماثلة أمامي فوق رأس عمري.
وتحت الأقدام ماءُ خلقتي ورميم عظامي ممزوجين.
وكلما نظرت إلى الخلف رأيت هذه الدنيا سرابا في سراب.
وإذا ما امتد نظري إلى الأمام، فالقبر فاغرٌ فاه. وطريق الأبد يتراءى من بعيد.
وإنني لا أملك سوى "الجزء الاختياري" وهو عاجز، قاصر، عديم الجدوى.
إذ لا مجال له للحلول في الماضي، ولا النفوذ إلى المستقبل.
وإنما ميدان تجواله هو: زمان الحال، وآنٌ واحدٌ سيال.
وعلى الرغم من هذا الفقر والضعف فقد كَتب قلمُ قدرتك في الفطرة مَيلا إلى الأبد وأملا في الخلود.
فدائرة الاحتياج واسعةٌ سعةَ امتداد النظر، فأينما يصلُ الخيالُ تصل الحاجةُ أيضا.
بينما دائرة اقتداري قاصرةٌ كاليد.
ففقري وحاجتي بسعةِ الدنيا إذن.
ورأس مالي مثل "الجزء الذي لا يتجزأ" فأين هذا الجزء من تلك الحاجات التي تسع الكائنات؟
— 204 —
ولكني أنطلق في سبيلك من هذا الجزء كي أحظى بعنايتك.
إن رحمتك المطلقة ملاذي.
فالذي يجد فيضا من الرحمات، لا يعتمد على هذا الجزء الاختياري، الذي هو قطرة من سراب.
يا رب! هذه الدنيا ما هي إلّا كالمنام، وهذا العمر يذهب أدراج الرياح.
والإنسان فانٍ بفناء الدنيا، والآمال الفانية آلامٌ في البقاء.
تعالي أيتها النفس التي لا حدود لها ضَحّي بوجودِكِ الفاني.
فخالقك الذي بيده الوجود.. موجود.
له الملك وهو المعطي، فأفنِ نفسكِ كي تجد النفسُ البقاء.
وذلك بسر: نفيُ النفي إثبات.
إن اللّٰه ذا الكرم الواسع يشتري ملكه منك
ويحافظ عليه لأجلك، وقد أعطى قيمة غالية..))
— 205 —
خطاب إلى مجلس الأمة
[٭]: أُلقي هذا الخطاب في مجلس الأمة التركي في ١٩/١/١٩٢٣ (١٣٣٩) وهو محفوظ في سجلات المجلس، وكانت الدولة عندئذٍ على مفترق الطرق.. وكان من تأثير هذا الخطاب البالغ أن أقبل كثير من النواب (المبعوثين) إلى أداء الفرائض. وقد نشر كلّه بالتركية في الكتاب فترجمناه كاملا.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ انَّ الصّلوةَ كانت على المؤمنينَ كتاباً مَوقُوتاً ﴾
(النساء:١٠٣)
يا أيها المبعوثون! إنكم لمبعوثون ليوم عظيم.
أيها المجاهدون! ويا أهل الحل والعقد!
أرجو أن تُعِيروا سمعا إلى مسألة يُسديها إليكم هذا الفقير إلى اللّٰه في بضع نصائح وفي عشر كلمات:
أولا:
إن النعمة الإلهية العظمى في انتصاركم هذا تستوجب الشكر، لتستمر وتزيد، إذ إن لم تُستقبل النعمة بالشكر فستزول وتنقطع. فمادمتم قد أنقذتم القرآن الكريم من إغارة العدو -بفضل اللّٰه تعالى- فعليكم إذن الامتثالُ لأمره الصريح وهو الصلاة المكتوبة، كي يظل عليكم فيضُه وتدوم أنواره بمثل هذه الصورة الخارقة.
ثانيا:
لقد أبهجتم العالمَ الإسلامي بهذا الانتصار، وكسبتم ودّهم وإقبالهم عليكم، ولكن هذا الودّ والتوجّه نحوكم إنما يدومان بالتزام الشعائر الإسلامية؛ إذ يحبكم المسلمون ويَوَدّونكم لأجل الإسلام.
ثالثا:
لقد توليتم قيادةَ مجاهدين وشهداءَ في هذا العالم وهم بمثابة أولياء صالحين، فمِن شأن أمثالكم من الغيارى السعيُ والجدّ لامتثال أوامر القرآن الكريم لنيل صحبة أولئك النورانيين، والتشرفِ برفاقتهم في ذلك العالم. وإلّا فستضطرون إلى الْتِماس العون والمدد من أبسط جندي هناك، في حين أنتم قادة هنا. فهذه الدنيا بما فيها من شهرة وشرف لا تستحق أن تكون متاعا تُرضي كراما أمثالَكم، ولا تكون لكم غاية المنى ومبلغَ العلم.
— 206 —
رابعا:
إن هذه الأمة الإسلامية مع أن قسما منهم لا يؤدون الصلاة، إلّا أنهم يتطلعون أن يكون رؤساؤهم صالحين أتقياء حتى لو كانوا هم فسقة. بل إن أول ما يبادر أهلُ كردستان (الولايات الشرقية) مسؤوليهم هو سؤالهم عن صلاتهم. فإن كانوا مقيمين لها، فبها ونِعمَت ويثقون بهم، وإلّا فسيظل الموظف المسؤول موضع شك وارتيابٍ رغمَ كونه مقتدرا في أداء واجباته. ولقد حَدَثَتْ في حينه اضطرابات في عشائر "بيت الشباب" فذهبتُ لأستقصي أسبابها، فقالوا: إن كان مسؤولنا "القائم مقام" لا يقيم الصلاة ويشرب الخمر، فكيف نطيع أوامر أمثال هؤلاء المارقين من الدين؟ هذا علما أن الذين قالوا هذا الكلام هم أنفسهم كانوا لا يؤدون الصلاة، بل كانوا قطّاعَ طرق!
خامسا:
إنَّ ظهور أكثر الأنبياء في الشرق وأغلب الفلاسفة في الغرب رمزٌ للقَدر الإلهي بأن الذي يستنهض الشرقَ ويقوّمه إنما هو الدين والقلب، وليس العقل والفلسفة.. فمادمتم قد أيقظتم الشرقَ ونبهتموه، فامنحوهم نهجا ينسجم مع فطرته. وإلّا فستذهب مساعيكم هباءً منثورا، أو تظل سطحية مؤقتة.
سادسا:
إن خصومَكم وأعداءَ الإسلام الأفرنجَ قد استغلوا ولا يزالون يستغلون إهمالكم أمور الدين، حتى أستطيعَ أن أقول: إن الذين يستغلون تهاونَكم هذا يضرون بالإسلام بمثل ما يضرّ به أعداؤكم فينبغي لكم باسم مصلحة الإسلام وسلامة الأمة تحويلُ هذا الإهمال إلى أعمال. ولقد تبيّن لكم كيف لاقى زعماء "الاتحاد والترقي" نفورا وازدراءً من الأمة في الداخل رغم ما بذلوه من تضحية وفداء وعزم وإقدام، حتى كانوا سببا -إلى حدٍّ ما- في هذه اليقظة الإسلامية، وذلك لعدم اكتراث قسم منهم بالدين وبشعائره، بينما المسلمون في الخارج قد منحوهم التقديرَ والاحترام لعدم رؤيتهم تهاونَهم وإهمالَهم في الدين.
سابعا:
على الرغم من تمكن عالم الكفر في الإغارة على العالم الإسلامي منذ مدة مديدة فإنه لم يتغلب عليه دينيا مع جميع إمكاناته وقدراته ووسائله الحضارية وفلسفته وعلمه ومبشّريه. فبقيت الفرقُ الضالة جميعها -في الداخل- أقليةً محكومة. لذا ففي الوقت الذي حافظ الإسلامُ على صلابته ومتانته بأهل السنة والجماعة لن يتمكن تيار بدعي مترشح من الجانب الخبيث للحضارة الأوروبية، أن يجدَ سبيلا إلى صدر العالم الإسلامي. أي إن القيام
— 207 —
بحركة انقلابية جوهرية لا يمكن أن تحدث إلّا بالانقياد لدساتير الإسلام، وإلّا فلا. علما أنه لم يحدث مثل هذه الحركة في السابق، ولو كانت قد حدثت فلقد تلاشت سريعا وأفَلَت.
ثامنا:
ليس بالإمكان القيام بعمل إيجابي بنّاء مع التهاون في الدين، حيث اقتربت الحضارة القرآنية من الظهور وأوشكت الحضارة الأوربية الضالة المسؤولة عن ضعف الدين على التمزق والانهيار. أما القيام بعمل سلبي فليس الإسلام بحاجة إليه، كفاه ما تعرض له من جروح ومصائب.
تاسعا:
إن الذين يولونكم الحبَّ قلبا ولسانا، ويثمّنون خدماتكم وانتصاراتكم في "حرب الاستقلال" هؤلاء هم جمهور المؤمنين، وبخاصة طبقة العوام، وهم المسلمون الصادقون. فهم يحبونكم بجد، ويعتزون بكم بصدق، ويساندونكم بإخلاص، ويقدّرون تضحياتكم، ويمدّونكم بأضخم ما تنبه لديهم من قوة. وأنتم بدوركم ينبغي لكم الاتصالُ بهم والاستناد إليهم اتباعا لأوامر القرآن الكريم ولأجل مصلحة الإسلام، وإلّا فإن تفضيلَ المتجردين من الإسلام والمبتوتي الصلة بالأمة من مقلدي أوربا المعجَبين بها، وترجيحَهم على عامة المسلمين منافٍ كليا لمصلحة الإسلام؛ وسيولّي العالم الإسلامي وجهه إلى جهة أخرى طلبا للمساعدة والعون.
عاشرا:
إنْ كان في طريقٍ تسعةُ احتمالات للهلاك، واحتمالٌ واحد فقط للنجاة، فلا يسلكها إلاّ مجنون طائش لا يبالي بحياته.. ففي أداء الفرائض الدينية نجاة بتسع وتسعين بالمائة، علما أنه لا يستغرق -هذا الأداءُ- إلّا ساعةً واحدة في اليوم، مقابلَ ما قد يمكن أن يكون احتمال ضرر واحد فقط يصيب الدنيا ومن حيث الغفلة والكسل. بينما إهمال الفرائض وتركها فيه احتمال تسع وتسعين بالمائة من الضرر مقابل واحد بالمائة من احتمال النجاة من حيث الغفلة والضلالة.. فيا ترى أي مسوّغٍ وأيّ مبرر يمكن ابتداعه في ترك الفرائض الذي يصيب ضررُه الدينَ والدنيا معا؟ وكيف تسمح حَمِيّةُ الفرد ونخوته بذلك التهاون؟
إن تصرفات هذه القافلة المجاهدة من أعضاء هذا المجلس العالي بالغةُ الأهمية، إذ إنها سوف تُقلَّد.. فالأمة إما أنها تقلِّد أخطاءهم أو تنتقدُها، وكلاهما مليء بالأضرار والأخطار. فتمسّكهم بحقوق اللّٰه وتوجّهُهم لأداء الفرائض يتضمن حقوق العباد أيضا.
— 208 —
إن عملا جادا لا يُنجز مع أولئك الذين يَرضون بأوهام براقة نابعة من سفسطة النفس ووسوسة الشيطان ويُصمّون آذانهم عن البلاغ المبين والبراهين الساطعة بالتواتر والإجماع..
ألا إن الحجر الأساس لهذا الانقلاب العظيم يجب أن يكون متينا صلدا.
إن الشخصيةَ المعنوية لهذا المجلس العالي قد تعهّدت معنى "السلطنة" بما تتمتع به من قوة، فإن لم يتعهد -هذا البرلمان- معنى "الخلافة" وكالةً أيضا ولم يقم بامتثال الشعائر الإسلامية ولم يأمر الآخَرين بالقيام بها، أي إذا أخفق في تقديم "معنى الخلافة" ولم يستوفِ حاجةَ الأمة الدينية -هذه الأمة التي لم تفسد فطرتها والمحتاجةُ إلى الدين أكثر من حاجتها لوسائل العيش- والتي لم تَنس حاجتَها الروحية تحت كل ضغوط المدنية الحاضرة ولهوها، فإنها تضطر إلى منح معنى الخلافة إلى ما ارتضيتموه -تماما - من اسم ولفظ. فتمنح له القوةَ والإسناد أيضا لإدامة ذلك المعنى. والحال أن مثل هذه القوة التي ليست بيد المجلس ولا تأتي عن طريقه تسبب الانشقاق، وشقّ عصا الطاعة يناقض أمر القرآن الكريم الذي يقول:
﴿ واعتَصموا بِحَبلِ اللّٰه جَميعاً ولا تَفرَّقوا ﴾
(آل عمران:١٠٣).
إنَّ هذا العصر عصرُ الجماعة، إذ الشخصية المعنوية -التي هي روح الجماعة- أثبتُ وأمتن من شخصية الفرد. وهي أكثر استطاعةً على تنفيذ الأحكام الشرعية. فشخصية الخليفة تتمكن من القيام بوظائفها استنادا إلى هذه الروح المعنوية. إن الشخصية المعنوية تعكس روحَ العامة فإن كانت مستقيمة فإن إشراقَها وتألّقها يكون أسطع وألمع من شخصية الفرد، أما إن كانت فاسدة فإن فسادها يستشري وفق ذلك. فالشر والخير محددان في الفرد، بينما لا يحدهما حدود في الجماعة. فإياكم أن تمحقوا المحاسنَ التي نلتموها تجاه الخارج بإبدالها شرورا في الداخل.
أنتم أعلم بأن أعداءكم الدائميين وخصومكم يحاولون تدميرَ شعائر الإسلام، مما يستوجب عليكم إحياءَ هذه الشعائر والمحافظة عليها. وإلّا فستُعينون -بغير شعورٍ منكم- العدو المتحفز للانقضاض عليكم.
إنَّ التهاون في تطبيق الشعائر الدينية يفضي إلى ضعف الأمة، والضعف يُغرى العدو فيكم ويشجعه عليكم ولا يوقِفه عند حدّه.
﴿ حسبنا اللّٰه ونعم الوكيل.. نعم المولى ونعم النصير. ﴾
— 209 —

ذيل الحباب

مَن كان للّٰه كان له كل شيء..
ومَن لم يكن له، يكن عليه كلُّ شيء.
والكونُ له بتركِ الكلّ له والإذعانِ بأن الكلَّ مالُه ومنه وإليه..
— 210 —
في (ط١)
إفادة مرام
يا أيها الناظر في رسائلي العربية الثمان! [٭]: وهى: "قطرة وذيلها"، "ذرة"، "شمة"، "حبة وذيلها"، "حباب وذيله"، ويلحق بها: "نقطة" و"شعاعات" و"لمعات".
إني أولَ ما كتبتُها، ما كتبتُ إلّا لنفسي، ثم تخطّرتُ أن هذه النعمة من شُكرها نشرُها، لعل أن ينتفع بها أناسٌ. ثم بعد تكرار النظر فيها تفطنت فيها سرًّا ترددتُ في إظهاره من زمان، ولكن أُحسّ في قلبي الآن سائقا لإظهاره، وهو:
أنه أرى مسائل تلك الرسائل وسائلَ وسلالم للصعود إلى الزنابيل النورانية المتدليّة من عرش الرحمن التي هي الآيات الفرقانية. فما من مسألةٍ منها إلّا ويماسّ رأسُها قدمَ آيةٍ من الفرقان. فمسائلها وإن حصلت لي أولَ ما حصلت شهوديةً وحدسية وذوقية، لكن لدخولي في صحراء الجنون مع رفاقة عقلي مفتوحَ الجفون -فيما يغمض فيه ذوو الأبصار- لفّ عقلي على عادته ما رآه قلبي في مقاييسه وَوَزَنه بموازينه واستمسكه ببراهينه.. صارت مسائل هذه الرسائل من هذه الجهة كأنها مبرهنة استدلالية.
فيمكن لمن ضلّ من جهة الفكر والعلم أن يستفيدَ منها ما يُنجيه من مزالق الأفكار الفلسفية.
بل يمكن أن يَستخرج منها بالتهذيب والتنظيم والإيضاح عقائدَ إيمانيةً وعلمَ كلام جديد في غاية القوة والرصانة لردّ ضلالات أفكار هذا الزمان.
بل يمكن لمن اختلط عقلُه بقلبه، أو التحق قلبُه بعقله المتشتتِ في آفاق الكثرة أن يستنبطَ منها طريقة كسكّة الحديد متينةً أمينةً يسلك فيها تحت إرشاد القرآن الكريم..
كيف لا، وكل ما في رسائلي من المحاسن ما هو إلّا من فيض القرآن..
وللّٰه الحمد كان القرآن هو مرشدي وأستاذي في هذا الطريق.
نعم، مَن استمسكَ به استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
— 211 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
الحمد للّٰه الذي تقدست عن الأشباه ذاتُه، وتنزّهت عن مشابهة الأمثال صفاتُه، الخلّاق الذي ذاك العالمُ الكبير إبداعُه.. وهذا العالَمُ الصغير (أي الإنسان) إيجادُه.. وذا إنشاؤه وهذا بناؤه.. وذا صنعتُه وهذا صبغتُه.. وذا نقشه وهذا زينتُه.. وذا رحمتُه وهذا نعمته.. وذا قدرتُه وهذا حكمته.. وذا عظمتُه وهذا ربوبيتُه وذا مخلوقُه وهذا مصنوعُه.. وذا ملكهُ وهذا مملوكُه.. وذا مسجدُه وهذا عبده.. وعلى جوانبهما بل على كلِّ جزءٍ منهما سكتُه الناطقة بأن الكلَّ مالُه.
اَللّٰهمَّ يا قيومَ الأرض والسماء إنّا نُشهِدك ونُشهدُ حَملَة عرشكَ وملائكتك بشهادة جميع أنبيائكَ وأوليائك وآياتك وجميع مصنوعاتك وجميع خلقك بأنك أنت اللّٰه لا إلهَ إلّا أنت وحدك لا شريكَ لك، ونستغفركَ ونتوب إليك ونشهد أن محمدا عبدك ورسولك، أرسلتَهُ رحمةً للعالمين.
اَللّٰهمَّ صلِّ عليه كما يناسب حرمته وكما يليقُ برحمتك وعلى آله وصحبه أجمعين..
اعلم أن ما أنعم اللّٰه عليك من وجودك وتوابعه، ما هو إلّا إباحةٌ وليس بتمليك. فلك أن تتصرَّف فيما أعطاكَ كما يرضى مَن أعطى، لا كما ترضى أنت. كمن أضاف أحدا، ليس للضيف أن يُسرف أو يَصرف فيما لا إذن للمضيِّف فيه.
اعلم يا من يستغرب الحشرَ الأعظم ويستبعده! ألا تنظر إلى ما بين يديك مما لا يُحصى من أنواع الحشر والنشر والقيامات الخصوصية! وكيف تستبعد القيامة الكبرى مع مشاهدة ما لا يحد من القيامات في كل سنة، حتى في كل شجرة مثمرة أو مزهرة؟ وإن شئتَ اليقينَ الشهودي، فاذهب مع عقلك في آخر الربيع والصيف إلى تحت شجرة التوت أو المشمش، مثلا.. وانظر كيف حُشرت ونُشرت هذه الثمراتُ الحلوة الحية.. والمخلوقاتُ الطرية اللطيفة النظيفة. كأنها أعيانُ الثمرات اللاتي ماتت في السنة الخالية. فهؤلاء الثمرات المنشورة المنثورة اللاتي يضحكن في وجهك، ما هي إلّا أخواتُ الميتات الخاليات وأمثالُها كأنها هي. ولو كانت لها "الوحدة الروحية" كالإنسان كانت هي إياها، أي عينَها، لا مثلَها! ثم تأمل في
— 212 —
الشجرة مع يبسها وجمودها وحقارتها وصغرها، مع ضيق مجاريها واشتباك مسيل حَمَلة أرزاق الأزهار والأثمار..كيف صارت تلك الشجرة برأسها عالَما عجيبا، يصور للمدقق تمثال: وإذا القُبورُ بُعثِرَت (الانفطار:٤). الحق أن القدرة التي تنشُر من الشجرة اليابسة هذه المصنوعاتِ اللطيفة لا يتعسر عليها شيء ما في الإمكان. آمنا.
اعلم أن تضمين كلِّ سورةٍ سورةٍ من القرآن مجمَلَ ما في كل القرآن وسائرِ السوَر من المقاصد وأهم القصص، لأجل أن لا يُحرَمَ مَن يقرأ سورة فقط عما أُنزلَ له التنیزيل؛ إذ في المكلَّفين الأمّيُّ أو الغبيُّ، ومَن لا يتيسر له إلّا قراءة سورةٍ قصيرة فقط، فمِن هذه اللمعة الإعجازية تصير السورةُ قرآنا تاما لمَن قرأها.
اعلم أن الواحد المتصرفَ في الكثير لا يلزم أن يكون مباشرا مخالطا متداخلا فيما بينهم؛ لاسيما إذا كان مباينَ الماهية، ولاسيما إذا كان غيرَ مادي ولا ممكنٍ، بخلاف الكثير. والفاعلُ الكثير -كفعل الأمير في النفرات- يحصل بالإرادة والأمر بدون الاختلاط والمعالجة. ولو أُحيلت وظائفُ الإمارة وأفاعيلُها على النفرات، لَزِمت المباشرةُ الذاتية والمعالجة، أو انقلاب النفرات إلى ماهية الأمير. فالحق سبحانه مع غاية تقدّسه وتنیزّهه وعلوّه وعظمته، ونهاية بُعدنا وخساستنا، يتصرف فينا كما يشاء.وهو سبحانه كالشمس قريبٌ منا.. ونحن بعيدون منه جلّ جلاله.
اعلم أن الكثرةَ تنجر إلى الوحدة بجهة صيرورة الجزء أنموذجَ الكل، كالشجرة إلى الثمرة؛ فيصيرُ الكل كالكلي، والجزء كالجزئي كضياء الشمس المنبسط في الفضاء، إذ قد تضمن كلٌّ من ذرات ذلك الضياء لتمثالٍ من تماثيل الشمس، كأن الذرات المهتزة شُميساتٌ اتصلت فصارت ضياء مثلا: - وللّٰه المثل الأعلى -.. هكذا تجليات أسماء نور الأنوار الأزلي فتجلي أسماء اللّٰه يُري بهذين الوجهين كلا وكليا.
اعلم يا مَن اطمأن بالدنيا وسكن إليها! إن مَثَلكَ كمثل من يتدحرج ساقطا من أعلى قصر، يتدحرج ذلك القصر في سيلٍ، يتساقط ذلك السيل من أعالي جبل، يتدحرج ذلك الجبل متنازلا بالزلزلة إلى أعماق الأرض.. إذ قصرُ الحياة ينهدم، وطائرُ العمر يمرّ كالبرق أوشك أن يبيضك في وكر القبر، وسيلُ الزمان تسرع دواليبُه بدرجةٍ تُدهش العقول، وسفينةُ الأرض تمرّ
— 213 —
مرّ السحاب. فمَن كان في "شمندوفر" [٭]: شمندوفر: القطار. وتوضيح المسألة في الكلمة الثالثة والعشرين. يسرع سرعة شديدة، ثم مدَّ يدَه -في وسط الطريق وفي آن السرعة- إلى أزاهيرَ ذات أشواك مفترسة في جانب الطريق، فمزّقت الأشواكُ يدَه.. فلا يلومنّ إلّا نفسَه. فإذا كان هذا هكذا.. فلا تمدنّ عينيك ولا يديك إلى زهرة الدنيا، فإن أشواكَ آلام الفراق تمزّق القلوبَ في آنِ التلاقي؛ فكيف بوقت الفراق!
فيا نفسي الأمارة بالسوء! اعبدي مَن شئت وادْعي ما شئت.. وأما أنا فلا أعبدُ إلّا الذي فطرني واقَتَدَر على أن سخّر لي الشمسَ والقمر والأرض والشجر، ولا أستمدُّ إلا ممن حَملني في طيارة العمر السابح في فضاءِ محيط القَدر، وسخّر لي الفَلكَ الدائر الطائر بين النجوم السيارات، وأركبني في "شمندوفر" الزمان المار كالبرق في أخدود الأرض وتحت جبل الحياة إلى باب القبر في طريق أبد الآباد.. وأنا قاعد بإذنه وتذكرته في "واغون" [٭]: واغون: عربة من القطار. هذا اليوم المتصل طرفاه بحلقتي الأمس والغد..
ولا أدعو ولا أستغيث إلّا مَن يقتدر على توقيف "جرخ الفَلَك" [٭]: جرخ الفلك: دولاب العالم، أي المقدرات. المحرك ظاهرا لفُلكِ الأرض.. وعلى تسكين حركة الزمان بجمع الشمس والقمر.. وعلى تثبيت هذه الدنيا المتغيرة المتدحرجة من شواهق الوجود في أعماق أودية الفناء والزوال بتبديل الأرض غيرَ الأرض؛ إذ لي آمال ومقاصد متعلقة بكل شيء، تبقى آمالي ملتزقة على ما يمر عليه الزمان، وتذهب عليه الأرض وتفارقه الدنيا، ولي علاقة ولذة بسعادةِ كلِّ صالح من أهل السماوات والأرض. ولا أعبد إلّا مَن هو؛ كما يسمع أدقّ هواجس سري ويُصلح لي أرقّ آمالِ قلبي وميوله.. كذلك يقتدر مع ذلك على ما يتمناه عقلي وخيالي من تحصيل السعادة الأبدية لنوع البشر بإقامة القيامة وتقليب الدنيا بالآخرة؛ فيصل يدُه إلى الذرة وإلى الشمس، فلا تتصاغر الذرةُ مختفيةً عن تصرفه، ولا يتكبر كبرُ الشمس على قدرته.. إذ هو الذي إذا عرفتَه انقلبت لك الآلامُ لذائذَ، وبدونه تُنتج العلومُ أوهاما.. والحِكَمُ أسقاما.. بل هي هي.
نعم، وبدون نوره تبكي الوجودات لك إعداما، والأنوار ظلماتٍ، والأحياء أمواتا، واللذائذ آلاما وآثاما، ويصيرُ الأودّاءُ بل الأشياءُ أعداء، وما البقاء بدونه إلّا بلاءٌ، والكمال هباءٌ، والعمر هواءٌ، والحياة عذاب، والعقل عقاب، وتبكي الآمالُ آلاما.
— 214 —
مَن كان للّٰه تعالى كان له كل شيء، ومَن لم يكن له كان عليه كل شيء، والكون له بترك الكل له والإذعان بأن الكلّ مالُه.. وهو الذي فطرك بصورة أحاطت بك دوائرُ متداخلة من الحاجات وجهّزك في أصغرها التي نصف قطرها مدُّ يدك باقتدار واختيار. وجهّزك في البواقي التي وسعت بعضُها كما بين الأزل والأبد والفرش والعرش بالدعاء فقط.. وفي التنیزيل:
﴿ قُل مَا يَعبؤا بِكُم ربي لَولاَ دُعاؤكم ﴾
(الفرقان:٧٧) فالصبي ينادي أبويه فيما لا يصل يدهُ إليه؛ فالعبد يدعو ربَّه فيما عجز عنه.
اعلم أن كمالَ صنعة كل شيء وإتقانَها، ما هو إلاّ من سر الوحدة. ولولا الوحدة بلا توزيع وبلا تجزؤ وبلا تزاحم لتفَاوَتَت المصنوعات. كوحدة الشمس ووجودها بالتجلي في كل ما مسَّه ضياؤها.. من ذرةٍ شفافة إلى وجه البحر، ولا يشغلها شيء عن شيء. فهذا السر تشاهده في هذه الشمس الممكنة المسكينة المقيدة المحدودة الجامدة الميتة التي هي قطرة متلمعةٌ بتجلي شعلةٍ من اسم النور الحق. فكيف شمسُ الأزل والسلطان الأبد والقيومُ السرمد الواجبُ الوجود الواحد الأحد الحي القدير الصمد جل جلاله؟ - وللّٰه المثل الأعلى - فوحدة الضياء المحيط تشير إلى الواحدية، ووجود الشمس بخاصيتها بالتجلي في كل جزء وذرة من ذلك الضياء المحيط يرمز إلى الأحدية. فتأمل!
اعلم أن مِن أصدق شواهد الأحدية:
"الوحدةُ في كل شيء" من ذرات حجيرة من عينك، إلى وحدة العالم.
و"الإتقانُ الأكمل في كل شيء" بما تَسَعه لياقة قابليته المجعولة بقلم القضاء وقالب القدر.
و"السهولةُ المطلقة في إنشاء كل شيء وإيجاده". وأن السهولة المطلقة تدل على أن وجود الصانع ليس من جنس وجود المصنوع، بل لابد أن يكون أثبتَ وأرسخَ منه بما لا يتناهى.
اعلم أن الأرضَ تعطيكم وتبيعكم متاعَها والمالَ الذي في يدها، رخيصا بنهاية الرخيصية. فلو كان المتاع مالَها أو نسجَ الأسباب الإمكانية، لمَا اشتريتم رمانةً فردةً بجميع ما تصرفون، لاستحصال جميع ما تأخذونه من جميع الأرض بأيادي أشجارها ومزارعها؛ إذ يُرى في كل حبةٍ أن صانعها اهتم بها وأتقن فيها بنهاية الإتقان وغاية التزيين، وجَمعَ فيها
— 215 —
ما جمع بشعور تام، ومهارة حكيمة، وجهّزها بلطائف اللّون والطعم والرائحة لجلب أنظار المشترين. فلو لم تكن هي مصنوعةَ مَن لا كُلفةَ ولا معالجةَ ولا مباشرة في صُنعه وإيجاده حتى تتساوى بالنسبة إلى قدرته الحبةُ والحديقةُ والفردةُ الفذةُ وكلُّ النوعِ والذرةُ والشمس.. لمَا كان هذا هكذا بلا ريب وبالبداهة وبالحدس القطعي؛ إذ لابد أن يكون صانعُ هذه الحبّات العِنَبية والرمانية المصنوعة ظاهرا لتطمين ذوقٍ مؤقت وهَوَس جزئي لبعض الحشرات والحيوانات، إما مسلوبَ الشعور ومفقودَ الحسّ وعديمَ الإرادة بلا علم وبلا اختيار وبلا كمال، ليكون هذا هكذا رخيصا تافها مبذولا؛ والحال أن الصنعة الشعورية المتقنة الحكيمة المختارة تكذّب هذا الفرضَ أشدَّ تكذيب.. وإما واجب الوجود، قدير، مريد، عليم، حكيم، بيده ملكوت كل شيء:
انّمییا امیرُه اذا أرادَ شییيئاً انْ يَیقولَ لهُ كُیینْ فيَیكونُ
(يس:٨٢)
﴿ مَا خلقُكُم ولا بَعثُكم الاّ كنفسٍ واحدةٍ ﴾
(لقمان:٢٨) بالنسبة إليه،
وله في كل مصنوع حِكَمٌ وغايات تنظر إلى تجليات أسمائه وإلى أسرارٍ له في الفعالية الشؤونية، غيرُ ما يعود إلى المستهلكين من الفوائد الجزئية. فلا يمكن أن يكون منشأُ هذا الفيض العام قوّةً عمياء تسيل منها هذه الثمرات كالسيل، ثم تلعب بها يد التصادفات والاتفاقيات؛ إذ تشخصاتها المنتظَمة الحكيمة وخصوصياتها المتقنة الشعورية تردّ يد التصادف الأعمى والاتفاقية العوراء ردا قطعيا يقينا. فبالضرورة تدل هذه الرخيصية المبذولة والسهولة نوعا وكمّا، والإتقان والاقتصاد فردا وشخصا وكيفا، وتشهد على الجود المطلق من الجواد المطلق والحكيمِ المطلق والقدير المطلق جلّ جلالُه وعمّ نوالُه وشمل إحسانه.
فسبحان مَن جَمع نهايةَ الجود المطلق مع نهاية الحكمة المقتصدة، وأدرج الفيض المطلق الغير المحدود في ظروف النظام التام والميزان الحساس والعدل العادل.. الحساسة -تلك الثالثة- بدرجة تُجبر الفيلَ لمدافعة الذباب العاض على ذرة من جسمه الجسيم، وتُقلق هذا الإنسانَ المتكبر، الذي يحكّ بيافوخه [٭]: مثل يضرب على التكبر. كتفَ السماء بطعن البعوض "رُميحته" فيتشمر لمقاتلته:
﴿ ضَعُفَ الطالبُ والمَطلوب ﴾
(الحج:٧٣).. ويسكن غضبُ البحر ويسكت غيظُ العاصفات وتسكن حدةُ البرودة بدعاءٍ خفي من قلبٍ منكسر لصبيّ نجا على لوح منكسر في البحر اللجيّ..
﴿ أمَّنْ يُجيبُ المُضطرَّ اذا دَعاه ﴾
(النمل:٦٢) يجيبُه مَن يسمع هواجس القلب والسر، ويحكم على حركات الشمس والقمر، جلّ سلطانه..
— 216 —
اعلم يا أيها المبتلى بالأسباب، إن خلق السبب وتقدير سببيته وتجهيزه بلوازمِ إنشاء المسبَّب، ليس بأسهل وأولى وأكمل وأعلى من خلق المسبَّب عند السبب بأمر "كن" ممن يتساوى بالنسبة إليه الذراتُ والشموسُ..
اعلم يا قلبي أن ما يُرى ملء الدنيا من آلام الأعدام، إنما هي تجدّد الأمثال، ففي الفراق مع وجود الإيمان توجد لذةُ التجدد دون ألم الزوال. فآمِن تُؤمَن، وأسْلِم تسلَم.
اعلم أن العصبيةَ العنصريةَ الجاهلية، ما هي إلّا الغفلةُ المتساندة المتصالبة، وإلّا الضلالةُ والرياء والظلم المتجاوبة المتعاونة.. فيصير الخلقُ وملّته كمعبودِه -العياذ باللّٰه- وأما الحمية الإسلامية، فهي النور المهتز المنعكس من ضياء الإيمان.
اعلم يا من يشتغل بالمناظرة مع الملحدين والمتشككين والمقلدين للزنادقة الأوروبائيين! إنك على خطر عظيم إن كانت نفسُك غيرَ مزكاة، لأجل التحاق نفسك سرًّا وتدريجا من حيث لا تشعر بخصمائك.. على أن المناظرة بالإنصاف المسمّى بالتركي "بي طَرَفَانَه مُحَاكَمَه" [٭]: أي المناظرة الموضوعية الحيادية والمنصفة. أشدُّ خطرا على ذي النفس الأمارة؛ إذ بكثرة تكرار فرض المنصف نفسَه في موقع الخصم يقيمُ في ذهنه خصما خياليا فيتولد منه في دماغه "لُمّةُ تنقيدٍ" تصيرُ وكيلَ خصمه داخلا، فيتعشش الشيطانُ في تلك اللمة. لكن لا تيأس إن كانت نيتُك خالصة. فإذا أحسَستَ بهذا الحال فاصرف عنان الجهاد إلى عدوك الأكبر الداخلي، وعليك بكثرة التضرع والاستغفار.
اعلم أن الآلات الجامدة والحيوانات وجهَلةَ العَمَلة المستخدمة في بناء قصر عجيب لسلطان عظيم، وترسيمِ نقوشه، يعلم كلُّ مَن رآها أنها "لا تعمل بحساب أنفسها بل بحساب مَن يستخدمها" في مقاصده العالية الواسعة وأغراضِه الرقيقة التي تتقاصر عن إدراكها أفكارُ خواصّ العلماء، فكيف بجَهلَة العوام وبهيمةِ الأنعام وجامدات الأقلام.. كذلك من أمعن في جلوات الأزاهير وتودداتها وتحبباتها إلى أنظار ذوي الحياة تيقَّن أن الأزاهير موظفون -من جانبِ حكيمٍ كريمٍ- بالخدمة والتودد لضِيفَان ذلك الكريم النازلين بإذنه في أرضه، وكذلك الحيوانات.
نعم، أين حس الزهرة وشعور البهيمة، وأين دَرْكُ غايات نقوش الحِكَم ولطائف
— 217 —
محاسن الكرم المودَعة في جلوات الأزاهير بتزييناتها، وتطورات الأنعام بمنافعها؟ فما هذه الحالات إلا تعرُّفُ ربٍّ كريم وتودُّده وتحبّبه إلى عباده وضيوفه جلّ جلاله وعمَّ نوالُه وشمل إحسانُه.
اعلمي! أيتها النفس المشؤومة! إنك تطلبين كلَّ لوازمات المراتب المختلفة في كل مرتبةٍ، وحاجاتِ كل الحواسّ في حاجة كل حسٍّ، وأذواق كل اللطائف في درجةِ كل لطيفةٍ، وشعاعات كل الأسماء الحسنى في كلِّ اسمٍ، وعظمةَ المؤثر خلفَ كل أثرٍ ومصنوعٍ، وخواصَّ المعنى الخارجي في المدلول الظلي، [٭]: المعاني المتولدة في الذهن (ت: ١٠٣) بل في الدال. فاطلبي من كلٍّ ما يليق به وما يَسَعه لئلا تستهوي بك الأوهامُ.
اعلم أنه لابد إذا رأيت نفسَك بعظمتها أن تنظر إلى ما هو أعظمُ منك من السماوات وغيرها، وإذا رأيت ما هو أصغر منك من الهوام والحشرات فانظر إلى حُجيرات جسدك وادخل مع نظرك في حُجيرة منها، ثم انظر إليها حتى ترى البعوضةَ فما فوقها أكبرَ منك، لئلا يسقطَ في عينك أهمية الحِكمة والرحمة والنعمة وإتقان الصنعة فيك. وإذا رأيت الغيرَ الغيرَ المحدود المماثلين لك في النِّعم، فانظر إلى احتياجك وعَجز نفسك وحكمة النعمة، لئلا تهونَ عندك قيمةُ نعمتك.
نعم، هل يخفّف احتياجَك إلى العين وجودُ العين في عموم الحيوان؟. أم هل يُنقِص الشمولُ أثر القصد والإنعام الخاص؟ كلا، بل يشدّه ويزيده.
اعلم أن الحياة في كل ذي حياة لها غايات لا تعد ولا تحصى، يعود إلى الحي واحدٌ وإلى المحيي بمقدار مالكيته الغير المتناهية؛ ولا حق للكبير أن يتكبر على الصغير في الخلقة، ولا عبثية في الواقع، وإنما هي في نظر البشر النفسي الغَرور الذي يزعم ويرى أن الأشياءَ كلَّها لأجل منافعه وهَوَساته. ويحسب أن لا غاية لها غير ما يعود إليه..
نعم، هذه الضيافة المفروشة على ظهر الأرض إكرامٌ للبشر بسرّ الخلافة وبشرط استحصال لياقة الكرامة.. لا لَهُ ولاستفادته فقط.
اعلم أنه إذا قال لك الموسوِس: ما أنت إلّا حيوان مما لا يحد من الحيوانات،
— 218 —
والنمل أخوك والنحلة أختك، فأين أنت وأين مَن يَطوي السّماء كَطيّ السِّجلِّ للكُتبِ (الأنبياء: ١٠٤)
﴿ والارضُ جَميعاً قَبضتُهُ يَومَ القيامَة والسّمواتُ مطويَّاتٌ بيمينه ﴾
(الزمر:٦٧)؟
فقل له: إن عدم تناهي عجزي وفقري وذلّي، مع علمي الإذعانيّ به يصيرُ مرآةً لعدم تناهي قدرته وغَنائه وعزته. فهذا السر رقّاني من مرتبة إخواني الحيوانات. وإن من لوازم كمال عظمته وإحاطة قدرته أن يسمعَ ندائي ويرى حاجاتي ولا يُشغله تدبيرُ الأرض والسماوات عن تدبير شؤوني الحقيرة.
وأما تباعد الإنسان والممكن بدرجة عظمته عن الاشتغال بجزئيات الأمور وخسائسها، فليس من عظمته.. بل إنّما ينشأ من عجزه ونقصه وضعفه. أفلا تشاهد كلَّ حَبابٍ بل كل رشاشةٍ من القطرات والذرات الزجاجية، تشتمل على تمثال الشمس، لو تكلّمت تلك لقالت كلٌّ منها: الشمس لي وعندي وفيّ ومعي.. وما يزاحم تلك الذراتِ في المناسبة مع الشمس لا عيونُ السيارات ولا خدودُ البحور ولا عظمةُ الشمس. بل بدرجة علمنا بعدم تناهي فقرنا وحقارتنا تتزايد القربة -والمناسبة بعدم المناسبة- [٭]: أي مع عدم المناسبة. فما ألطفَ مناسبةَ من لا يتناهى في فقره وعجزه، مع من لا نهاية لغناه وقدرته وعزته وعظمته!
فسبحان مَن أدرج نهايةَ اللطف في نهاية العظمة، وغايةَ الرأفة في غاية الجبروت، وجَمعَ نهاية القُرب مع غاية البُعد. وآخى بين الذرات والشموس، فأظهر قدرته بجمع الأضداد!
فانظر كيف لا تُشغلهُ حشمةُ تدبير الأرض والسماوات عن لطافة تربية الهوام والحشرات، ولا يعوقُه تدبيرُ البر والبحر عن إيجاد أصغر النحل والطير وعن إحياء صغار السماك في أعماق البحور، ولا تزاحمه شدةُ عاصفات البر وحدّة غضب البحر عن كمال لطفه وإحسانه إلى أخفى وأضعفِ وأعجزِ وأصغرِ حيوان ساكنٍ في أخفى مكان، متوكلا تحت ظلمات كثافة البحر وغياهب أمواجه وتفاقم ارتجاجاته، وظلمةِ الليل وظلمات سحابه..
فتبسُّمُ الرحمة في خلال غضب البحر وخلف وجهه العبوس القمطرير؛ إذ ينادي هذا البحر بنغماته الواسعة: يا عظيم، يا جليل، يا كبير، يا اللّٰه.. سبحانك ما أعظم كبرياءك. فيقابله
— 219 —
ذلك الحيوان الصغير بترنّماته الخفية: يا لطيف، يا كريم، يا رزاق، يا رحيم، يا اللّٰه.. سبحانك ما ألطفَ إحسانَك. ففي اقتران هذين الذِّكرين، وامتزاج هذين التسبيحين حِشمةٌ لطيفة ولطافة محتشَمة وعبودية عالية للواحد الأحد الصمد جلّ جلاله وعمّ نواله..
اعلم أن الأهم الألزم بعد علوم الإيمان، إنما هو العمل الصالح؛ إذ القرآن الحكيم يقول على الدوام:
﴿ الذينَ آمنوا وعملوا الصالحات ﴾
نعم، هذا العمر القصير لا يكفي إلّا لما هو أهمّ.. وأما العلوم الكونية المأخوذة من الأجانب فمضرة؛ [٭]: إن كانت تفضي إلى السفاهة والفساد (ت: ١٠٥). إلا للضرورة وللحاجات وللصنعة واستراحة البشر.
اَللّٰهمَّ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَوِّرْ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِنُورِ اْلإيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَنَوِّرْ بُرْهَانَ الْقُرْآنِ، وَعَظِّمْ شَرِيعَةَ اْلإسْلَامِ، آمِينَ.