— 11 —
ملحق بارلا
— 12 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
— 13 —
باسمه سبحانه
﴿ وان من شيءٍ الّا يسبح بحمده ﴾
المقدمة
هناك خمسة أسباب لإدراج ما كتبه كلٌّ من "خلوصي" "وصبري" في رسائلهما، حول انطباعاتهما عن رسائل النور ضمن أجزائها، وهي الآتية:
الأول: أما خلوصي، فإن غيرته وجدّيته هما أهمُّ سببين لكتابة أواخر "الكلمات" وأغلبِ "المكتوبات". وكذا الشوق الجاد المنبثق من صميم القلب لدى "صبري" هو السبب في كتابة "المكتوب التاسع عشر" الذي يكوّن ثلث "المكتوبات".
السبب الثاني: هذان الأخَوان المحترمان لم يكونا على علم من أن هذه الفقرات ستنُشر. وإن عدم معرفتهما هذا جعلهما بعيدَين عن التكلف والتصنع، فجاءت كتاباتُهما في غاية الإخلاص، تلك التي تعبّر عما تتحسسه مشاعرُهما وأرواحهما من مراتب الذوق تجاه الرسائل، وتُبيّن في الوقت نفسه أشواقَهما نحو الحقائق الإيمانية. لذا ليس إعجابُهما وتقديرهما من قبيل التقاريظ المعروفة، بل هو تعبيرٌ صادق لا مبالغةَ فيه عمّا لمَساه من حقيقة وذاقاه منها فعلا.
السبب الثالث: أنهما من طلابي الحقيقيين، ومن رفقائي الصادقين الجادّين، يحملان ثلاثَ خصال من خصال طلاب النور العاملين في سبيل القرآن، وهي: خاصيةُ كلٍّ من "الطالب" و"الأخ" و"الصديق". بل هما قد فازا بقصَب السَبق في الاتصاف بتلك الصفات الثلاث والتي هي:
الخاصية الأولى: أنهما يتبنيان ما يُنسب إليّ -من رسائل النور- وكأنهما صاحباه بالذات. فإذا ما دُوّنت كلمةٌ من "الكلمات" فإنهما يتذوقانها ذوقا خالصا كأنهما قد كتباها وألّفاها بنفسَيهما، فيشكران اللّٰه. فهما كروح حلّ في جسدين، وهما وارثاي الحقيقيان المعنويان.
— 14 —
الخاصية الثانية: أنهما يعتقدان أن أعظمَ غاية من غايات حياتهما وأجلَّها هي خدمةُ القرآن الكريم بوساطة تلك "الكلمات" النورية. ويدركان أن خدمة الإيمان هي أهم نتيجة حقيقية لحياتَيهما الدنيوية وأعظم وظيفة فطرية لهما في الدنيا.
الخاصية الثالثة: أنهما يشعران بجراحاتهما -بمثل ما أشعرُ بها- ويضمدانها بالأدوية التي أخذتُها من صيدلية القرآن الكريم المقدسة والتي جرّبتُها في نفسي أولا. وهما يحملان في الوقت نفسه غيرة عالية سامية للحفاظ على إيمان المؤمنين. لذا يشعران بشفقة عالية لضماد جراحات أهل الإيمان الناشئة من ورود الشبهات والأوهام.
السبب الرابع: أن السيد خلوصي هو كابني المعنوي الوحيد وابنِ أخي "عبد الرحمن" الذي كان مدار سلواني ووارثي الحقيقي وكان من المتوقع أن يملك دهاءً نورانيا. وبعد وفاته حلّ "خلوصي" محلّه، حيث بدأ يوفي الخدمات التي كنتُ أنتظرها من المرحوم حقَّها.
وعندما كنت أكتب "الكلمات" قبل رؤيتي لخلوصي بمدة مديدة شعرت وكأن شخصا معنويا موظفا بوظيفته العسكرية يمثّل مهمة المخاطَب لي، لذا جاء معظم أمثلتي على وفق وظيفته وسارت مسرى مسلكه. بمعنى أن اللّٰه سبحانه قد جعل هذا الشخص طالبا ومُعينا لي في خدمة القرآن والإيمان. وأنا بدوري كنت قد اتخذته مخاطبا لي دون قصد أو شعور وكلّمته في "الكلمات" قبل أن أراه وألقيَ عليه الدرس.
أما "صبري"، فإنه يحمل علامة فارقة فطرية خاصة بي، [٭]: وهي التحام إبهام الرجل مع التي تليها. لم أرَها في غير "صبري" في الأماكن التي تجولتُ فيها. ويشعر بصلة قرب معي تفوق صلةَ الرحم. وكنت آمل منه خدمة يسيرة حيث قد انتبه مؤخرا، إلّا أنه سبق الجميع. فهذه إشارةٌ إلى أنه "خلوصي الثاني" وأنه مرشح لهذه الخدمة، قد ولّاه العلي القدير لهذه المهمة طالبا وزميلا في خدمة القرآن.
السبب الخامس: أنني لا أقبل المدح والثناء وإبداء الإعجاب فيما يخصنّي، لأنني قد لمستُ ضررا بالغا منه، ولهذا أنفر منه نفورا شديدا بل أتجنّبه خشيةَ أن يكون التقدير والإعجاب مدارَ فخرٍ وغرور. ولكن من حيث إني داع إلى القرآن الكريم وخادِم له، فإن الإعجاب والتقدير لا يعودان لي من هذا الجانب وإنما يعودان إلى "الكلمات" النورية، بل إلى
— 15 —
الحقائق الإيمانية والأسرار القرآنية. ولهذا أقبل مثل هذا النوع من التقدير والإعجاب من باب الشكر للّٰه تعالى لا افتخارا.
وهكذا فلأن هذين الشخصين قد أدركا هذه الحقيقة أكثرَ من غيرهما، فإن ما كتباه من تقدير وإعجاب بغير شعور منهما وبدافع من وجدانهما أصبح سببا لإدراجه ضمن رسائل النور.
نسأل اللّٰه أن يكثّر من أمثالهما ويوفقهما إلى الخير، ولا يزيغ قلبيهما.. آمين.
اللّٰهم وفّقنا وإياهما وأمثالهما من إخواننا لخدمة القرآن والإيمان كما تحب وترضى بحق من أنزلتَ عليه القرآن، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات ما اختلف الملوان وما دار القمران.
سعيد النورسي
— 16 —
المكتوب السابع والعشرون
و ذيوله
وهو فقرات التقدير والإعجاب المستلة من الرسائل الخاصة للسيد "خلوصي" المخاطبِ الأول بی"مكتوبات" النور.
أما القسم الثاني من هذا المكتوب (السابع والعشرين)، أي الذيل، فهو فقرات السيد "صبري" الذي هو حقا "خلوصي الثاني". تلك التي يبين فيها إعجابه وتقديره لرسائل النور. [٭]: يضم ملحقُ بَارلاَ وذيوله، قسمًا من المكتوب السابع والعشرين. وقد كمل فيما بعد هذا المكتوبُ بضم الملاحق الثلاثة معًا وهي: ملحق بَارلاَ، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ.
— 17 —
(مهمة الداعية لا تنتهي) [٭]: هذه العناوين الصغيرة للمكاتيب، المحصورة بين قوسين مركنين ليست من النص.
الفقرة الأولى للسيد خلوصي
﴿ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم ﴾
﴿ وان من شيءٍ الّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد ذرات الكائنات أبدا دائما
أيها الأستاذ المحترم!
لست من الكاملين الذين يجدون اللذة ويشعرون بالنشوة لدى رؤية أنفسهم فقراءَ حقراء أمام اللّٰه، ولكني ممن يريد أن يَظهر كما هو، وقد حظي بلطفكم وخطابكم له بی"طالبي، أخي، ابن أخي". وحقا يا أستاذي إني في وضع وضيع معنويا وفي أشد الحاجة إلى دعائكم.
فلقد تعلقت المشيئةُ الإلهية بإظهار بعض لمعات القرآن المبين -الذي هو نور حقا وحقيقة- إلى أبناء هذا العصر ولاسيما إلى الفرق الضالة، بيانا واضحا وضوحا جليا بحيث يَدخل إلى عيونهم المطموسة. وأصبح الأستاذ المحترم وسيلة للقيام بهذه المهمة الجليلة. وهكذا -بلطف اللّٰه وفضله وعنايته سبحانه- دُفع طالبُكم هذا -الذي هو لا شيء وعدم في عدم- إلى القيام بخدمة جزئية لأستاذه الذي يوفي مهمة خدمة القرآن العظيم حق الإيفاء. ولهذا فمهما بالغتُ في الشكر للّٰه فهو قليل جدّا إزاء نعَمه العظيمة. فليس لي حقّ الفخر قطعا ولو بمقدار ذرة، بل أطلب العفوَ والصفح عن الأخطاء والذنوب المحتملة في أثناء سيرى للقيام بهذه الخدمة...
لقد أصررتم يا أستاذي المحترم في رسالتيكم الأخيرتين على الإجابة عن سؤال قد تفضلتم به سابقا. فسمعا وطاعةً. ولكن إزاء هذا السؤال العسير ليس لي إلّا الالتجاء إلى العناية الإلهية والتشبثُ بالكرم الإلهي والاستمداد من روحانية الرسول الكريم (ص)، ذلك لأني في منتهى العجز والفقر. ولأجل أن يكون الجواب مطابقا للحق منطبقا على الحقيقة، أقول: لا شك أن "الكلمات" المباركة هي لمعاتٌ من نور الكتاب المبين. وعلى الرغم من أنها
— 18 —
تحتاج إلى إيضاح وشرح في بعض المواضع بسبب أسلوبها الرفيع، فلا نقص ولا قصور فيها بكليتها، ويمكن لكل طبقةٍ من الناس أن تأخذ منها حظَّها. ويكفي لصحة قناعتنا عدمُ قيام أحد بانتقادها لحدّ الآن، بل إبداءُ كلِّ مشرب ومسلكٍ الرضى عنها وبقاءُ الملحدين إزاءها صما بكما..
وها أنذا أدرج البراهين التي تمكنتُ من التفكر فيها، والتي تدل على عدم انتهاء مهمّتكم:
أولا: إن واجب العلماء هو الصدعُ بالحق وعدمُ السكوت عنه عند انتشار البدع. وقد ورد الزجر عن السكوت عن الحق في الحديث الشريف.
ثانيا: أنتم مكلفون باتباع الرسول الكريم (ص)، فضرورةُ أداءِ هذه المهمة مستمرةٌ مدى الحياة.
ثالثا: إن هذه الخدمة ليست محصورة برأيكم، بل أنتم تُستَخدمون فيها. فأنا على قناعة تامة من أن مهمة أستاذي المحترم إذا ما كمُلت فإنه تعالى يُلهم قلبَه بختام مهمته. مثلما بُلّغ بختام الرسالة مبلِّغُ القرآن فخرُ العالمين، حبيبُ رب العالمين سيدُنا محمد (ص) بالآية الكريمة اليوم اكملت لكم دينكم (المائدة:٣).
رابعا: إن عدم ورود أي نقد على "الكلمات" والسكوتَ عليها ليس دليلا على أن هذا الوضع سيستمر على هذا المنوال إلى النهاية؛ فإنكم يا أستاذي المحترم مكلّفون أوّلا بالإجابة عن الهجمات المحتملة التي ستأتي عليها وأنتم ما زلتم على قيد الحياة.
خامسا: أظنكم لا تدَعون الإجابات والاستيضاحات جانبا، تلك التي يرجوها مَن ارتبط بی"الكلمات". فإن لم يكن هناك إلّا هذا السبب، فلا يمكنكم نسيان الدنيا حتى لو أردتم ذلك.
سادسا: إن الذين أحبّوكم للّٰه ويستوضحون منكم أمورا حول كتاباتكم القيّمة وتقريراتكم في مجالسكم العلمية من مسائل متنوعة لم تُدرج كلُّها في "الكلمات". مما تَبين بقطعية تامة أن الحاجة لم تنته بعدُ، والخدمةَ الإيمانية لم تبلغ نهايةَ المطاف.
— 19 —
وأعرض الآن لحضرتكم بضعة أمور:
في الأوقات التي ييسّر اللّٰه لي قراءة "الكلمات" النورية على الجماعة تستجيش مشاعري، فأرجو التفضل بالسماح لأعرضها لكم:
أولا: عندما أتناول القلم لأكتب لكم -أيها الأستاذ المحترم- ما يعرض لي، أشعر انبساطا لروحي، حتى إنني أجد أن قلمي يكون ترجمانا لمشاعري في تلك اللحظة دون اختيار مني.
ثانيا: لقد فكرت بالآتي: إذا ما فكر كل واحد بأن ينیزوي في زاوية مظلمة ليأمن خداع النفس الأمارة بالسوء -تلك العدوّة الكبرى- ويأمنَ مكر شياطين الجن والإنس، وانسحب إلى زاوية النسيان أو أراد أن ينسحب إليها، وأهمل ما حلّ بالعالم الإسلامي والإنساني حتى لم يعد ينفع أحدٌ أحدا، فأنا أقوم بتبليغ إخواني في الدين هذه الحقائق النورانية، فليعاملني اللّٰه بما يوافق شأن ألوهيته سبحانه. وأرى من المفيد جدّا صرفَ النظر عن نفسي في تلك الأزمنة. فما الحكمة من هذا الأمر؟
ثالثا: إن اسمَي "الرحمن الرحيم" قد دخلا في البسملة، فما السبب؟ هل هما في أعظم مرتبة من مراتب الأسماء الحسنى، أم إن هناك سببا آخر وحكمةً أُخرى؟ هذا السؤال ورد إلى الذهن أثناء كتابتي الرسالة. [٭]: المكتوب الثامن جواب لهذا الاستفسار.
أستاذي العزيز المحترم! لسنا وحدنا بحاجة إلى وجودكم، بل العالم الإسلامي كله بحاجة إليكم، لأنكم قد أصبحتم بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى وسيلة لظهور "الكلمات" السامية التي نبعت وتلمّعت من نور القرآن المبين والتي تقوّي إيمانَ المؤمنين، وتوقظ الغافلين، وتبين الصراط السوي لهداية الضالين، وتبهت الحكماءَ الفلاسفة وتَدَعُهم في حيرة وذهول.
أسأل اللّٰه الربّ الرحيم أن يديم صحة أستاذنا العزيز وعافيته ويجعله ذخرا للأمة المحمدية. آمين بحرمة سيد المرسلين
خلوصي
* * *
— 20 —
(إن اللّٰه بالغ أمره) لقد بدأتُ متوكلا على اللّٰه بقراءة رسائل النور -بين المغرب والعشاء- للضيوف القادمين، في غرفة الاستقبال التي خصصها والدي لهم، وذلك في الليلة الأولى من وصولي.
أستاذي الحبيب!
مثلما عرضت لكم سابقا، أنا لا أعتقد أنني سأعيش لشيء إلّا لمعاونة جزئيةٍ جدّا في إيفاء المهمة المعنوية لأستاذي المحترم وهي الاضطلاع بالدعوة إلى القرآن الكريم، أي خدمة جزئية في سبيل القرآن الكريم ليس إلّا. فإني أرجو رجاءً خاصا ألّا تَدَعوني محروما من استفاضاتكم من القرآن الكريم واستخراجاتكم منه -في سبيل نشر حقائق الإيمان والإسلام- مادمتم باقين هناك.
وسيبلغني اللّٰه سبحانه بدعواتكم المستجابة -إن شاء- إلى ما كنتُ أرغبه وأرجوه من نتائجَ في العمل لرسائل النور، فأكون كالمرحوم عبد الرحمن ممن ينال الإيمان والتوفيق إلى آخر رَمَق من حياته مقتديا بفخر العالمين سيدنا محمد المصطفى (ص) وراجيا السعادة الخالدة، وأكون خَلْفَ أستاذي المحترم وفي جواره.
إن سيد الكائنات وأشرف المخلوقات سيدنا محمد (ص) قد أصبح وسيلة إلى تبليغ القرآن العظيم إلى الناس كافة، فأنتم يا أستاذي تخاطبون الإنسان الغافل في هذا العصر باسم اللّٰه تعالى، وبفيوضات ذلك الكتاب المبين، وذلك من خلال رسائل النور، رغم أنها تبدو من تأليفكم.
لذا فإنني أعتقد أن ذلك الحكيم الرحيم الذي يسخّركم في هذا المضمار لا يدَع الأنوار مهملةً تُداس تحت الأقدام. فلا شك أنه سيَبعث من الفانين بل ممن لا يُحسب لهم حساب، بمراتب متفاوتة، مَن يتبنَّونها من الحُفّاظ المبلّغين الناشرين.
خلوصي
* * *
— 21 —
(متطلبات إنقاذ الإيمان) نعم، إن لي -وللّٰه الحمد- طريقا سويا رفيعا هو الإسلام، ولي منهل عظيم أنهل منه هو مشرَب العجز والفقر إلى اللّٰه، وأقتدي بقائدٍ رائد جليل هو سيد المرسلين الرسول الكريم (ص)، وأسترشد بمرشد عظيم هو القرآن المبين، وأسلك مسلكا قيّما - خدمة الجيش - يبلّغني مرتبة الولاية للّٰه في دقيقة واحدة -كما هو لدى الجندي المرابط في الثغر-؛ فلقد علّمني أستاذي -كما علّم كلَّ ذي عقل- أن الزمان زمانُ إنقاذ الإيمان لا سلوكِ الطريقة الصوفية. فقال: أدِّ حقَّ الصلاة خمسَ أوقات في اليوم، واعمل بالأذكار عقِبها، واتبِع السنةَ الشريفة، واجتنب الكبائر السبع. فاستجبتُ بكل ما أملك من روح وقلب.
قلت: نعم، أيها الأستاذ!. قلتُه بتوفيق من اللّٰه سواءً لهذا الدرس أم للدروس التي تلقيتُها من رسائل النور، قلتُه لما أظهرها الأستاذ من حقائق استنبطها من القرآن الكريم.. وصدّقتُها بكل جناني.
فالذي لقنني هذا الدرس -درسَ الحقيقة- خاطبتُه بی"الأستاذ". تلك الكلمة التي لم أُخاطب بها أحدا في حياتي غيره. أصبتُ ولم أخطأ.
خلوصي
* * *
(لابد من وجدان المخاطب) لقد أكملتُ بفضل اللّٰه كتابة "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين" هديةَ شهر رمضان المبارك. ولئن وفّقني المولى الكريم فسأكتب الرسائل الأخرى في المدة المقررة التي أمرتم بها.
إن هذه "الكلمات" القيمة الرفيعة النورانية جديرة بأن تُیكتب بأجود خط، بل حتى بالذهب. إلّا أنها تُكتب من قِبَل هذا العاجز المحروم من جودة الخط إلّا بقدر ما يساعد على القراءة، بل له أخطاء. وهذا مما يكون مبعثا لأزيد حمدي وشكري للّٰه تعالى.
وحيث إنني سأكون بعيدا بعدا ماديا عن التفاتاتكم الكريمة وعن التحيات السارّة التي
— 22 —
تبعثونها بشتى الوسائل وعن أوامركم التي هي بمثابة تفسير لرسائل النور وهوامش قيمة وذيول لها.. لأجل كل هذا سأكون متألما. ولكني لا أفكر على هذه الصورة من ناحية المعنوية، إذ أقول؛ سأسعى أينما كنت لوجدان المخاطب الذي سيعير السمعَ للدرس الذي تَلقَيتُهُ بفضل العناية الإلهية دون النظر إلى عجزي وفقري في سبيل نشر الحقيقة، وسأطرق بابَ كل وسيلة من الوسائل، بفضل اللّٰه ثم بفضل دعواتكم.. وهكذا أجد العزاء والسلوان.
ولكني آسف من جانب آخر، هو أن الانشغال بالوظائف الدنيوية تعيق إلى حدٍّ ما انشغالي بی"بالكلمات" النورية التي أرتاح إليها فطرةً وانجذبتُ لحقائقها.. ولكن لا حيلة لي، فكلما مرّ يوم من الأيام ظهر وجهُ الدنيا الفاسد والفاني بأوضح صورة. وتذهب نفسي حسراتٍ على الأوقات الماضية التي لم تُستغل في سبيل الحياة السرمدية.
ولهذا لا أتألم كثيرا على فراقنا الصوري، ولا سيما بعدما بشّر أستاذي الحبيب في درسه الأخير لي بيقين جازم عن الحياة الباقية اللذيذة التي تفوق لذتُها ألذَّ حالاتِ هذه الحياة الفانية بمراتب لا تعد.
خلوصي
* * *
(ساحل السلامة) إن المؤلَّف أو الأثر -كأمثاله- منوَّر مليء بالحِكَم، وسيكون إن شاء اللّٰه دواءً ناجعا وبلسما شافيا لجرحٍ اجتماعيّ بليغ تعاني منه الأمةُ المحمدية. وكما تفضلتم فی"الكلمات" المستفاضة من نور القرآن الكريم استفاضة مباشرة، قد عرضتُها على "فلان"، وقرأت عليه عددا من "الكلمات" فصدّق بها، وسأقرؤها عليه كلما سنح لي الوقتُ.
إني عاجز عن الشكر والحمد للّٰه تعالى إزاء النعم التي أنعم بها عليّ جلّ وعلا وهي لا تُعد ولا تحصى؛ إذ بينما كنت ملطخا بالذنوب والمعاصي، أخرجتموني أيها الأستاذ المحترم بإذن اللّٰه من الظلمات إلى النور بوساطة تلك "الكلمات" المباركة المنورة.
وبينما كنت أقضي عمري الماضي بالتحرّي عن الحقيقة، ساقني القدرُ الإلهي -وأنا
— 23 —
الضعيف العاصي- إلى الطريقة النقشبندية، وذلك قبل خمس سنوات، تلك الطريقة المتوجهة نحو الشيخ "محمد الكفروي" الذي استلمها من "الشاه النقشبند". ولكن بعد ذلك انسدّ عليّ الطريق بعد كسوف عابر. فظل هذا العاجزُ يتخبط في طريق شائك مظلم، وإذا بي أخرج من الظلمات إلى النور ومن الدوامات المغرقة إلى ساحل السلامة، ومن المهالك الخطرة إلى السعادة الدائمة بوساطة أنوار "الكلمات" المؤلَّفة من قِبَلكم. فالحمد للّٰه.. وهذا من فضل ربي.
ولقد تفضلتم بالقول: إن زماننا هذا زمن إنقاذ الإيمان..
نعم، أيها الأستاذ المحترم! إن كلامكم على العين والرأس.
خلوصي
* * *
(أهمية قراءة المعجزات) إن هذه الرسالة (المكتوب التاسع عشر) تعلن بين دفتيها المعجزاتِ الكبرى للرسول الكريم (ص)، وإن إرسالها إليّ خصّيصا، بعثَت فيّ حياةً جديدة، فضلا عن أن مطالعتها تمسّ عواطفي ومشاعري كلها وتثيرها حتى أصبحتْ وسيلة لأسكُبَ العبرات ساخنة.
خلوصي
* * *
(مرشدون معنويون)
فقرة من رسالة لأخي عبد المجيد
أقبّل أياديكم وأرجو دعواتكم.. لقد وصلني تأليفُكم الجديد الذي سيكون أستاذا قديرا ومرشدا ساميا لعبد المجيد العاجز في نفسه والذي تجافى عن الدنيا.
وبهذا أبشّر نفسي وأسلّيها؛ فلئن فقدتُ أستاذا يخاطبني لفظا ومشافهة، فقد وجدتُ مرشدِين عديدين معنويين.
إنها حقا مؤلَّفات نورانية ترشد إلى الصراط السوي والسداد. رضي اللّٰه عنكم.
عبد المجيد
— 24 —
(مرتبة الحب في اللّٰه) نعم، هناك جهتان أتسلّى بهما:
الأولى: وجودُنا دوما في صحبة ومسامرة معنوية بوساطة "الكلمات" المباركة التي بين أيدينا.
الثانية: إيماننا أن محبّتنا بفضل اللّٰه هي في مرتبة "الحب في اللّٰه".
وبناء على هذا فإن أعظم هدية أقدّمها إليكم اليوم وغدا هو تبليغُ ما علّمتمونا من درس إلى المؤمنين، -تبليغا باسمكم وكالةً حسب المستطاع- وحملُ ما وهبنا اللّٰه سبحانه من محبة حقيقية إلى الأبد.
وإزاء هذا أدعو الربَّ الرحيم الكريم الذي هو أحسن الخالقين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يبلّغنا ما تؤول إليه المحبةُ في اللّٰه، والموضّح في "الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين".
إننا عازمون على سلوك الحق والصدق والإخلاص برفقة السيد حقي الذي التقيناه في طريق الإيمان التحقيقي.
خلوصي
* * *
(الأنوار لا تبقى مهملة) آمُل هنا أن أُسمِع الآخرين تلك "الكلمات" التي عُهد إليّ حملُ أمانتها، أُسمِعها إلى آذان صاغية بإذنه تعالى ثم ببركة دعائكم.
اطمئنوا يا أستاذي المحترم، أن هذه الأنوار لا تبقى مهملة قطعا. فالخالق الكريم الذي أظهرها لأنظار العالم بدلّال القرآن وخادمه سينشرُها وسيحافظ عليها حتى بأناس عاجزين كأمثالنا، وممن لا يُخطَرون على بال.
فإنني على قناعة من أن خدام القرآن الذين يقولون قد كسبنا هذا بفضل سعينا وجهودنا سيرَون في ذلك اليوم أن تلك الخدمة المقدسة قد عُهدت إلى أناس هم أهلٌ لها ولو أنهم في
— 25 —
الظاهر يَبدون ضعفاءَ ليسوا من أهلها. ولهذا أرجو من إخواني هناك أن يكونوا على ارتباط وثيق برسائل النور.
خلوصي
* * *
(الساعات المباركة) إنني في الأوقات التي أوفَّق فيها -بحول اللّٰه وقوته الصمدانية وعناية اللّٰه ولطفه الرباني- إلى السعي لمطالعة رسائل النور، مكتوباتِ النور، واستنساخها ونشرها وتبليغها الناس -حسب المستطاع- وأمثالها من أعمال البر العظيمة.. أكون -وأنا الفقير إلى اللّٰه- المستفيدَ والمستفيض أولا وبالذات في تلك الأوقات التي أغتنمها لإفادة الآخرين. ولهذا أجد تلك الساعات مباركةً جدا، وأتألم من فراقها. وأتمنى العيشَ بكل روحي وقلبي دائما في أجواء تلك الساعات ودوامِها وعدم انقطاعها.
ولكن ما الحيلة؟ فإنني في تلك الأوقات التي أغتنمها والتي تمضي بسرعة، أصفّي ذهني وأواجه الأنوار. حيث أجد نفسي أمام مجموعة من الرسائل التي تضم معجزات القرآن، وأحسب نفسي في مدرسة أستاذي العزيز وفي الروضة الطاهرة لسيد الكونين سيدنا الرسول الأعظم (ص). وفي خاتمة المطاف أعرج إلى الحضرة الإلهية المنیزهة عن المكان.
ولهذا السبب أتمنى ألّا تكون تلك الأوقاتُ التي لا أنشغل بها بالرسائل من أنفاسي المعدودة من حياتي.
خلوصي
* * *
(نوافذ النور) قرأت الأسبوع الماضي "الذيل الأول والثاني للمكتوب الرابع والعشرين"، قرأتهما على جماعتين مختلفتين. وأصبح المستمعون نشاوى من الإعجاب. وأنا هذا الفقير قد غشيني نورُ ذلك الإعجاز القرآني. وأنا أطالع هذه الرسائل كأسطعِ وأنورِ ما في "الكلمات" و"المكتوبات" النورية.
— 26 —
وقد قرأت اليوم (الجمعة) لجارنا "السيد فتحي"، الكلمتين "الحادية عشرة والثالثة عشرة". ففي الأوقات التي أغتنمها فرصةً للانسلال من المشاغل الدنيوية أُسرع إلى نوافذ النور المفتّحة على مصراعيها، تلك "الكلمات" النورية، فآخذ منها غذائي الروحي والمعنوي وأحاول أن أجد أحدا من الناس لأبلّغه بها.
خلوصي
* * *
(الرسائل تسد حاجة الزمان) تسلّمت "المكتوب السادس والعشرين" بكل سرور، قرأتُه مرات ومرات وبإمعان ولهفة ومحبة ولذة وشوق. وتضرعتُ في الختام إلى الباري الجليل القائل:
﴿ قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾
(الفرقان:٧٧). فدعوتُه سبحانه بلسان انتسابي إليه بالعبودية، وأنا في عجز تام وفقر كامل وشوق عارم، دعَوتُه دعوة خالصةً لوجهه الكريم، بالتوفيق لخدماتكم الخالصة للّٰه تعالى، المادية منها والمعنوية، الظاهرة منها والباطنة، والدنيوية منها والأخروية.. وتضرعت إليه جلّ وعلا أن ينشر تلك الأنوار بوضوح وجلاء إلى أهل الإيمان والقرآن. وأن يسجّلها الربُّ الجليل عنده بلطفه وكرمه العميمين. وأن يجعل أستاذنا المحترم عزيزا في الدارين. وأَمَلي أن يحظى دعائي هذا بنور الآية الكريمة: ادعوني استجب لكم (غافر:٦٠).
أستاذي المحترم! أليس الذي تنتظره منا هو الدعاء؟ لقد جرّب هذا الفقيرُ، وحصل لديّ اليقين الجازم أن قوله تعالى:
﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل ﴾
(الإسراء:٨١) له معجزات خالدة لا تموت. فلقد يسّر اللّٰه أنْ قرأتُ الرسائل المرسَلة إليّ هذه المرة على جماعات متنوعة شتى وكان منهم علماء، وجميعُهم أبدوا إعجابهم الشديد وتقديرهم العظيم لها.
أما أنا فأقول: إن جميع ما في رسائل النور: "الكلمات" و"المكتوبات" النورية إنما هي لحاجة الزمان، وإن لها المَقدِرةَ على إقناع كل صنف من أصناف أرباب الدين، بل إلزامِ الملحدين، بشرط ألّا يكونوا عنيدين موغلين في العناد. ومع هذا فإن الذين ابتُلوا بحب الدنيا -التي تسوق إلى المنافع والمصالح والحرص على الحياة، وفيها الكفر والعناد والغفلة والكسل والشرك والضلال وأمثالها- من المصابين بالأمراض المستعصية، أقول: لا يُستبعَد
— 27 —
من هؤلاء إغماضُ العين إزاء تلك الحقائق وإنكارُهم لما يشاهدونه من حق وحقيقة، وغيرُها من الحماقات والجنون. بمعنى أن مَضيف المولى الكريم لا يخلو من أنعام في صور أناسي.
فلو هيأ اللّٰه سبحانه وتعالى من يقوم بنشر هذه الأنوار، فلا شك أن تلك الهذيانات والبلاهات تتوضح أكثر.
خلوصي
* * *
(درجات الإعجاب والتقدير)
وهذه فقرة لأخي عبد المجيد
إن هذه المؤلفات تحظى بالتقدير والإعجاب من قبل التجار والكسَبة والجماعات كافة، فما رآها أحدٌ إلّا وأعجب بها. فهي مؤلّفات سالمة من الانتقاد، ولكن درجات الإعجاب والتقدير متفاوتة حسب درجات الفهم والإدراك. فكلٌّ يستطيع أن يقدّرها حسب درجة فهمه لها.
عبد المجيد
* * *
(رسالة أخيرة إلى العم الفاضل) رسالة ابن أخي عبد الرحمن -سلف السيد خلوصى- الذي توفي وهو في السادسة والعشرين من عمره، وقد كتبها قبل وفاته بشهرين.
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أقبّل أياديكم الكريمة، وأرجو دعواتكم الطيبة. وقد تسلّمت خبرَ عافيتكم وراحتكم
— 28 —
مع رسالتكم "الكلمة العاشرة" التي ترشد إلى الخير والسداد. وذلك بوساطة السيد تحسين. فأقدم لكم جزيل شكري وامتناني.
وعلى الرغم من أنني نادم على مفارقتي لكم -خلافا لأمركم- ومستحقٌّ لعتابكم عليّ، فإن هذا الأمر كان مقدّرا إذن، ولعل فيما حدث خيرا لنا. وما حدث إلّا بإرادة اللّٰه وأمره..
وبناء على هذا فإنني بدافع الجهل اقترفتُ ذنبا وقصّرت تقصيرا، وقد عوقبتُ من جرائه، فأرجو عفوكم ودعواتكم لكي لا أعاقَب بعد اليوم.
عمي العزيز!
أبيّن لكم أيضا هذا؛ إنه بفضل رعايتكم وغيرتكم وهمتكم صُنت نفسي عن كل ما يمسّ آخرتي بسوءٍ ويضرها من أعمال وأفعال. وما أزالُ كذلك بفضل اللّٰه. ومع أنني لاقيتُ كثيرا من ويلات الدنيا التافهة، وتجرّعت غصصها، وشاهدت كثيرا من ملذاتها وأفراحها أيضا، وأمضيتُها كلها.. ولكني رغم كل ذلك ما نسيتُ قطعا -وفي أي وقت كان- أن كل هذا هباءٌ في هباء. وأن لذائذ الدنيا كلّها وأفراحها التي ليست للّٰه عاقبتُها وخيمةٌ، وهي الذل والعذاب الشديد. بينما متاعبُ هذه الدنيا التي يعانيها المرء في سبيل اللّٰه إنفاذا لأوامره الجليلة تفضي إلى لذائذ وأثوبة دائمة.
ولما كنت أعتقد الأمر على هذه الصورة فقد استطعت بفضل اللّٰه أن أصون نفسي من المفاسد؛ فهذا الشعور وهذه التربية إنما ترسختا في كياني وذهني وخيالى بفضل ما بذلتموه فيّ من جهد. ولكوني أعرف الحقيقة هكذا فإني صابر محتسب للّٰه تجاه كل ما أقاسيه وأكابده.
والآن يا عمي العزيز، ويا أستاذي القدير!
إن مجاهدة نفسي الأمارة بالسوء، وعدم الانصياع لرغباتها المؤلمة العاقبة اضطرتني إلى الزواج. فأنا الآن في راحة من جميع النواحي بفضل اللّٰه وكرمه ولطفه ورحمته تعالى عليّ. حيث لا أختلط مع الآخرين لئلا أسمع المكروه، ولئلا تتسرب فيّ خصالٌ فاسدة، لذا أقضي أوقاتي بعد الدوام الرسمي في البيت شاكرا للّٰه تعالى.
وبعد، فيا عمي العزيز! إن أستاذي العظيم ومرشدي الأكبر هو ما أستشعره وأتحسسه
— 29 —
من الآية الكريمة:
﴿ اليوم نختم على افواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون ﴾
(يس:٦٥). فهي التي أيقظتني من نوم الغفلة ومنعَتني من ارتكاب الشرور والمفاسد عقب إرشاداتكم لي.
وإني لأعتقد أن ذلك اليوم قريب جدّا [٭]: (٭): إنه لجدير بالملاحظة: أنه يخبر عن وفاته. (المؤلف) وأن دعائي دوما "اللّٰهم لا تخرجنا من الدنيا إلّا مع الشهادة والإيمان"، وأن عقيدتي التي أؤمن بها هي: (٭): إنه يعلن أنه سيرحل من الدنيا بالإيمان. (المؤلف)
آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى والبعث بعد الموت حق. أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله.
(٭): إن ذكره - في ختام رسالته - الكلمات الإيمانية التي ينطقها المرء لدى لفظه أنفاسه الأخيرة يشير إلى أنه قد أنقذ إيمانه ببطولة من قبضة هذه الدنيا وأنه سيتركها هكذا. (المؤلف)
ابن أخيكم: عبد الرحمن
* * *
بمعنى أن "الكلمة العاشرة" قد أصبحت له بمثابة مرشدٍ حقيقي بحيث رفعَته إلى مرتبة الولاية مباشرة فأنطقته بهذه الكرامات الثلاث.
لقد فارقني قبل ثماني سنوات، ثم استطاع الحصول على "الكلمة العاشرة". ومثلما يقول في مستهل رسالته، إنه استفاد منها استفادة عظيمة وطهّر نفسه من لوثات متراكمة طوال ثماني سنوات.
ويقول في موضع آخر من رسالته -التي طويت- بيانا لشوقه إلى "الكلمة العاشرة": أَرسِل إليّ جميع ما ألّفتَه من "الكلمات" لأكتب من كل منها ثلاثين نسخة ولأستكتبها، كي تنشر ولا تضيع.
وهكذا فقد فقدتُ وارثا بطلا مثل هذا الوارث البطل. فإلى روحه الفاتحة.
سعيد النورسي
* * *
— 30 —
ذيل
المكتوب السابع والعشرين
(لذة العجز والفقر)
فقرة للسيد خلوصى
إن كل فرد مؤمن يعرف ببصيرته ما هو جميل حقا، كلٌّ حسب درجة فهمه وذوقه، إلّا أن اللذة الكامنة في العجز والفقر، والسمو الذي تنطوي عليه الشفقة والتفكر، لا يُقاس بشيء إطلاقا.
إنني أتضرع إلى الرب اللطيف الكريم أن يريَنا هذه النتيجة السامية، وهي أن ييسّر لكثير من البصائر رؤيةَ القِطع الألماسية التي تستخرجونها من خزينة القرآن الخاصة وتَدلّون عليها بتعابيركم الرفيعة، وإفاقةَ الغافلين الثملين، ونجاةَ الحائرين، ويُدخل الفرحَ في قلوب المؤمنين، ويدفع الملحدين والكفار والمشركين إلى دائرة الصواب ونطاق العقل والإنصاف..
أيها الأستاذ المحترم! إنكم مهما بالغتم في تقديم الشكر إلى اللّٰه العلي القدير، فهو في موضعه.
فقد وفقكم اللّٰه -بالعجز والفقر- إلى الوقوف بباب قصر القرآن العظيم والأخذ من خزينته الخاصة مما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت، فتستخرجون ما تشاهدونه -وما يؤذَن لكم منها- من جواهر، الواحدة تلو الأخرى، وتتدبّرون فيها أنتم أولًا ثم تقولون: "أيها الناس، انظروا إلى المولى الكريم الذي فتح لكم أبوابَ مضيفه وخلق العوالم برحمته العميمة وبَرأكم بحكمته وأرسلكم إلى هذا العالم.. ذلكم رب العالمين.. الذي بيّن لكم الحكمة في الخلق والقصد من مجيئكم إلى هنا، والمهمة التي كُلفتم بها، وكل ما تقتضيه العبوديةُ من وظائف وخدمات.. وأمثالها من الأمور التي بيّنها قبل ألف وثلاثمائة سنة بوساطة رسوله الكريم (ص)، فأنا بدوري
— 31 —
أبلّغكم تلك الأوامر الرفيعة وتلك الأحكام المقدسة، بلسانكم أنتم بحيث تَقدرون على فهمه فاستمعوا إليها. فإن كنتم ذوي عقل وصواب وذوي بصائر وقلب، وتتمتعون بالإنسانية، فستفهمون الحقيقة وتردون إلى حظيرة الإيمان".
نعم، يا أستاذي المحترم!
أنتم تبيّنون هذه الأوامر لا غيرَها. ونحن بدورنا قد سمعنا -قدر المستطاع- تلك الأوامر عن كثب والحمد للّٰه، وحثثنا عليها، لمشاهدتها وإشهادها. فلقد أبرزتم لنا تلك القطع الألماسية وأيقظتمونا من الغفلة وأفهمتمونا الحقيقة، وأصبحتم وسيلةَ خير إلى معرفة الصواب. فليرضَ اللّٰه عنك إلى الأبد.
ونحن وإن لم نكن قد نجونا بعدُ من شرور النفس الأمارة وأحابيل شياطين الجن والإنس إلّا أننا نجد الذوق واللذة في الانهماك في العمل في حقل هذه الخدمة القرآنية المقدسة. فلئن قصّرنا في العمل ولم نتمكن منه بما يستحق هذه الخدمة الجليلة، فحسبنُا أننا داخلون فيها والحمد للّٰه، وإنما الأعمال بالنيات.
خلوصي
* * *
(حول الكلمة الحادية والعشرين) فقرة من رسالة صبري كتبها لدى استنساخه للكلمات: "الأولى، والحادية والعشريین، والثانية والعشريین".
إن جميع رسائل النور، بل كلًا منها، وكل موضوع من موضوعاتها، تَحُل ما لا يُحصر من المشكلات. وأعتقد أن هذا الأمر مشهود ومسلَّم به. لذا فلو أراد أحد أن يتقرب من بحر هذه الأنوار فإن الكلمات "الأولى، والحادية والعشرين، والثانية والعشرين" كافية لإزالة أمراض القلب وتنوير الروح وبث الفرح والسرور فيها، وإن لم تصل يدُه إلى غيرها بعد.
علمًا أن الكلمة الأولى (مفتاح التوحيد)، والشق الأول من الكلمة الحادية والعشرين (مرقاة إلى الجنة)، والشق الثاني منها صيدلية لا نظير لها لضماد جراحات الأمراض القلبية،
— 32 —
بحيث تخنس بإكسيرِ أدويتها الوساوسُ التي قلّما ينجو منها إنسان. فهو طريق خلاص وسبيل نجاة توصل إلى شاطئ السلامة الأبدّية، بما تفتح للقلب والروح من فيوضات أبدية للقرآن الكريم وأنواره الخالدة غير المتناهية.
أما "الكلمة الثانية والعشرون" فإنها ترسّخ العقيدة وترصّن الإيمان ببراهينها ولمعاتها ودلائلها التي لا نظير لها.
صبري
* * *
(كيف تُقرأ الرسائل؟) "هذه الفقرة من رسالة السيد رأفت"
إن "كلماتكم" رفيعة وسامية، ترشد السبيل أمام الحائرين، ينبغي قراءتها بدقة وإمعان مع تحليلٍ فكريّ وعمل عقلي، لأن الدلائل العقلية والموازين المنطقية التي تسوقونها لذيذةُ المذاق مع كونها تثير الإعجاب، حتى إن المرء كلما قرأها زاد شوقُه لقراءة أخرى، وشَعَر بلذة معنوية غير متناهية، فيلازمها ملازمة لا يستطيع أن يتركها ويتخلى عنها. ولهذا لا تكفي قراءتها مرة واحدة بل ينبغي قراءتها باستمرار.
رأفت
* * *
— 33 —
الذيل الثاني
هذه مشاعر أخي في الآخرة "بكر آغا" عن الی"كلمات" وهو الذي صار سببا لإيقاظ أهالي إسبارطة وجلب أنظارهم إلى أسرار القرآن، وبهذه الخدمة قد أدّى أعمال علماء أجیلاء رغییم أنه أمّي.
(مفاتيح الأنوار) حضرة أستاذي الفاضل!
أقبّل أياديكم الكريمة، بكل إجلال واحترام يا سيدي المحترم، وأدعو لكم في كل وقت وآن بما ينطلق به لساني من دعوات خالصة. كما أرجو دعواتكم لي.
سيدي! لا يخفى عليكم أنّ أخاكم وطالبَكم هذا جاهلٌ أمّي، إلّا أنه بفضل اللّٰه قد استقرأ جميع رسائلكم الفريدة من نوعها واستمع إليها.
فرسائلكم النورانية لا يمكن حجبها عن الأنظار كما لا يمكن أن يُحجبَ نور الشمس بشيء، فليس هناك احتمال لذلك.
ولقد راقبتُ قلبي وتحريت عن أحوال روحي لدى الاستماع إلى الرسائل، وبدأت أفتش عن مدى ما فهمته من الرسائل فوجدت فورانا عظيما ينبعث من روحي وجيشانا هائلا ينطلق من قلبي، حتى يسوقني إلى القيام بعمل للإيمان -بغير شعور مني- وكأنه يناديني قائلا وملحّا: هيا هيا!
فأثناء مراقبتي هذه الحالة المنبعثة من روحي، شاهدتُ المفاتيح التي أظهرتْها لي تلك الرسائل النورانية، وأُظهرت لي وكأنني أُبلغت أن أفتح بهذه المفاتيح ما يجب فتحه من الأبواب. وكأنني أُمرت بأن أبحث عن إخواني النوريين وأبلّغ تلك الأنوار المفاضة إلى من هو أهل له. بل اعتبرت بث الأنوار المشعة من تلك الرسائل ونشرَها مهمة أوكلتْ إليّ.
— 34 —
وبعد تسلمي تلك المفاتيح من تلك الأنوار، ولأجل أن تشل أيدي الملحدين الخونة فتشتُ عن أولئك الإخوة والتقيتهم والحمد للّٰه، وأودعت في أيديهم تلك الأنوار التي هي أمانة اللّٰه وأمانة رسوله الحبيب (ص). فالحمد للّٰه أولا وآخرا على توفيقه سبحانه.
إن من يقرأ مؤلفاتكم القيّمة يدخل حظيرة الإيمان حتما، إن كان إنسانا حقا أو حتى إن كان له مساس بالإنسانية. وإلّا فعليه أن يتخلى عن الإنسانية ويقول: لست إنسانا.
هذه المؤلفات كل منها بمثابة "فاتح" بذاته، وسوف تفتح القلوبَ في أرجاء الأرض كافة إن شاء اللّٰه تعالى. نسأل اللّٰه أن ننال من ثوابها في الآخرة.. آمين.
أقبّل أياديكم الكريمة مكررا وأرجو دعاءكم يا سيدي.
بكر أمر اللّٰه أوغلو
من مدينة "عادلْ جَوازْ" ونسل عبد الجليل
* * *
(أمل لفهم الرسائل)
فقرة لخسرو
لم أصادف لحدّ الآن مؤلَّفا شبيها بهذه "الكلمات" الراقية الجميلة. آمُل أن يوفقني اللّٰه بعد دعواتكم، لبلوغ ذلك اليوم الذي أتمكن من فهمها جميعا. حيث لا يتيسر لكلِّ أحد إدراكُ جميع معانيها.
أحمد اللّٰه حمدا لا نهاية له، على أن أرشدني إليكم وأن وفقني على استنساخ تلك "الكلمات".
خسرو
* * *
— 35 —
(حول رسالة المعجزات الأحمدية)
فقرة للحافظ زهدي الصغير
لقد استطعت بفضل اللّٰه قطفَ ثمرتين أيضا من الثمرات النورانية لبستان النور. ولكني عاجز عن التعبير عمّا تكمن في تلك الثمار من لذة فائقة. إنني لا أرتوي من أذواقِ مطالعة "المكتوب التاسع عشر" الذي يحملني إلى إدراك تذوق التشرف والمثول في المجلس النبوي المبارك، نبي آخر الزمان (ص)، والحضور والجلوس في مجلسه السعيد.
إن قلمي ناقص وقاصر جدّا عن التعبير عن إعجابي برسائل النور عامة وتقديري لها.. أسأل اللّٰه المعطي الوهاب أن يوفقني إلى تذوق لذائذ جميع ما في بستان النور من ثمرات يانعة، كما يتذوقها إخواني الأحبة.
الحافظ زهدي الصغير
* * *
(نور المعراج) "فقرة لذكائي الفطن الذي سيكون بإذن اللّٰه خسیرو الثیاني وصبري الصغير"
لقد وُفّقت اليوم لإكمال قراءة ذلك الكتاب العظيم، ولكن قلمي عاجز كل العجز، عن التعبير عن مدى السرور والسعادة التي غمرتني بعد إكمال قراءة رسالة "المعراج". ومع هذا سأحاول عرضَ مشاعري النابعة من مطالعتها في جملة قصيرة ملخصة: لقد وجدت لدى قراءتي لرسالة "المعراج" نورا يملأ القلب وينير طريق السلامة في خضم متاهات بحر الحياة واصلا بالإنسان إلى البحر المعنوي الذي يجري نحو السعادة الأبدية.
نعم، إن الحقائق الغزيرة الثابتة بالأدلة القاطعة والواردةَ في كل مثال من أمثلة الكتاب، جعَلَت الحياةَ السعيدة لخير القرون وزمن المعجزات، تنبض بالحياة أمام أعيننا، تلك الحياة التي تملأ أرواحنا نورا بمجرد التخيّل بها، وتغمرها بالسرور والبهجة، ولاسيما لدى انتقالها من فكر إلى آخر.. لقد جعلني كتاب "المعراج" في حالة انبهار وذهول. وإنه لكاف وواف
— 36 —
في كل وقت لأن يدحض أقوال المفتونين بالفلسفة، بل له من القوة في الإثبات والدلائل ما تدفعهم ليعلنوا إفلاسهم.
إن كتاب "المعراج" كتاب تاريخ جليل يُثبت الحقائق التي تتضمنها أصول العقيدة والمستورةَ حتى عن أهل الإيمان، ويقررها بأسلوب معقول وبمنطق سليم بحيث يستطيع المنصفُ المحايد أن يراها ويلمسها.
إن الفيلسوف الغارق في الغفلة، المستسلم للضلالة، ويريد أن يعلو تعقّله موقعا مرموقا، يكون شأنه شأن الملِك المعزول عن العرش، المنیزوع عنه جميع الشارات والأوسمة إزاء ذلك الكتاب الرائع، فيستحوذ عليه اليأس والقنوط إلى الأبد. بينما الفيلسوف المدرك، تتحطم قيودُ الفلسفة لديه إزاء هذه الحقائق، وتتحطم أغلال الاعتراض التي تكبّل فكره، الواحدة تلو الأخرى. وعند ذاك يدرك أن دعواه وادعاءاته باطلة، فيهوي للسجود أمام عظمة الخالق القدير سجدةَ تعظيمٍ وإجلال سائلا المغفرة منه تعالى.
ذكائي
* * *
(سبيل مأنوس)
فقرة للدكتور
إنني أقرأ مؤلفاتكم القيمة، مغتنما الفُرص لذلك، رغم أنى لا أتمكن من الإحاطة بكل معانيها. فهي سوانح رائعة بإرشاداتها السامية. لقد ملكَتْ عليّ مشاعري كلها وأسَرَتني بأذواقها، وستدوم إن شاء اللّٰه مدى الحياة وإلى القبر.
أستاذي! إن "كلماتكم" قد بدّلتْ فكري الديني تبديلا حقيقيا، وساقتني إلى سبيل مأنوس محبوب. فأنا الآن لا أنظر إلى الحياة كما يَنظر إليها الأطباءُ الآخرون.
الدكتور يوسف كمال
* * *
— 37 —
(شخصيات ثلاث)
وهذه الفقرات الطويلة للسيد خلوصي
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد الملك والإنس والجان
أيها الأستاذ العزيز!
إنني محظوظ وسعيد لتسلّمي "المسألة الرابعة من المكتوب الثامن والعشرين" قبل أربعة أيام ولتسلمي مسألته "الثانية والثالثة" أمس.
أولا: أرجو التفضل بالسماح لي لأقول بعض الشيء حول الالتفاتة الكريمة والتقدير العظيم لشخصي العاجز، الذي أبداه أخي "السيد صبري" المحترم، والنابع من تواضعه الجم. وذلك: أن في أخيكم هذا المقصّر جدا، قطرةً من بحر صفات أستاذه العزيز، فأعرض لكم حالتي انطلاقا من هذه الجملة.
أولاها: لقد كنت منذ نعومة أظفاري -بلطف من الباري الكريم- متحريا عن الحقيقة، ومتلهفا لحقيقة القرآن العظيم. ولقد وجدتُ ما كنت أتحراه وأبحث عنه في قضاء "أكريدر"، وذلك فيما ألّفه الأستاذ المحترم من الكتاب الموسوم بی"الكلمات"، فوجدت أن هذا الكتاب أنقذني من دوامات الحياة ومشكلاتها، وأبلغني ساحل السلامة، ونجّاني من المهالك والظلمات موصلا إياي إلى السعادة والأنوار. فأَورثَ روحي وكياني حبا لا يتزلزل نحو ناشر هذه الأنوار القرآنية -التي أيقظتني من الغفلة بإذن اللّٰه- وقام بتبليغها للآخرين وإرشاد الناس إليها. فمنذ تلك اللحظة شعرتُ بعلاقة قوية ورابطة وثيقة نحوه، فالحمد للّٰه والشكر له مائة ألف ألف مرة.
إنني أشعر كلما انشغلت بالأنوار بشوق عارم وذوق لطيف تفوقان بمراتب كبيرة جميعَ لذائذ الدنيا.
ثانيتها: أن ما تقتضيه العبودية، وما تُلقيه هذه الأنوار من دروس هو علمي بأن جميع التقصيرات والأخطاء والسيئات والذنوب إنما هي من نفسي، بينما أجد الحسنات والفضائل كلها من فضله سبحانه.
— 38 —
فأرغب في الانطلاق إلى ميدان عملِ النورِ والقرآن الكريم حسبةً للّٰه وحده وشكرا للّٰه على وضعي هذا. ولكن لكوني لا أوفّق في نشرها يتملّكني الألم والحزن، حيث إنها لا تصل إلى يد المؤمنين كافة.
الحالة الثالثة وشخصيتي الحقيقية: إنني أخجل من أن أعرّف هذه الشخصية، فأدعو اللّٰه سبحانه وتعالى أن يحفظني وإخوتي من دسائس النفس الأمارة ومكايد شياطين الجن والإنس، ولا يجعلنا من الضالين الخائبين. آمين.
إخوتي الأكارم!
إن الأفاضل والأكارم ممن هم إخوة أستاذي وطلابه، يستشعرون الحالة الأولى والثانية في أرواحهم بلا شك. إذن فالذين دخلوا في هذه الطريق مرة واحدة لا يُغلَبون أمام نفوسهم الأمارة بالسوء وشياطينهم، كهذا العاجز. وبنسبة تغلبهم على نفوسهم وشياطينهم تنبسط مشاعرُهم وحواسهم ولطائفهم بالتوفيق الإلهي. حيث اللطائف لا حدود لها في البشر ولا سيما في المؤمنين.
إن توجّه أستاذي المحترم ذلك التوجّه الكريم إلى طالبه، هذا المقصر، دليل ومثال على درجة شفقته الواسعة على الناس، ولا سيما على المؤمنين، ولا سيما من كان مثلي ممن هو في أمس الحاجة إليه.
الخلاصة: أقول إزاء حسن الظن المفرط نحوي، والالتفاتة التي يبديها الأخ المحترم المتواضع صبري: إنني عبد مذنب مقصر وعاجز وفقير مفلس، وواحد من أمة محمد (ص). فأنا محتاج جدّا إلى دعواتكم. إن أعظم ما أتمناه وأسمَى نياتي والذي أرجوه من اللّٰه سبحانه، هو أن أكون -وأنا حامل للعجز والفقر- مُعينا لخادم القرآن والداعي إليه، في خدمته المقدسة خدمةِ القرآن والإيمان وفي استخراجه للآلئِ حقائق القرآن والإعلان عنها.
فلأجل هذه النية السامية، وفي الدقائق التي أنشغل فيها بالأنوار، وأنا أشعر بالسعادة،
— 39 —
تَرِد بعض الكلمات إلى قلبي وقلمي من حيث لا أحتسب، فهذه المعرفة لا تعود لي، بل تخص الأنوار المتلمعة من القرآن العظيم. لذا فالأستاذ الحقيقي هو القرآن الكريم.
أما أستاذنا المحترم فهو أليق من يعرّف القرآن الكريم ويبلّغه ويدرّسه. فعلينا أيها الإخوة اغتنام الفرص لشراء تلك الجواهر الثمينة النفيسة. وأن ننقشها نقشا في قلوبنا ودماغنا، لأنها (أي هذه الأنوار) ستكون مدار سلوان لنا في الدارين.. وأن نسعى لنشرها حسب استطاعتنا ونصونَها مما قد يطرأ عليها من مؤثرات خارجية. ومن اللّٰه التوفيق.
خلوصي
* * *
(ستكون الرسائل أنشودة) فقرة السيد سليمان الذي عاونني في شؤوني طوال ست سنوات بوفاء خالص، ولم يُثر غضبي وأنا العصبيّ المزاجِ، مُزاولا وظيفة كتابة المسودات باستمرار.
سيدي المحترم!
أقبّل أياديكم أولا، وأرجو دعاءكم. فأنا طالبكم وأخوكم ومعاونكم في الأمور، المدعو سليمان، قد طالعتُ ما قمتم بتأليفه من الأنوار إلى الآن، رسالةً تلوَ رسالة. وشاهدت في كل منها من الأنوار الساطعة ما هو كالشمس المنيرة، واستفدت منها أيّما استفادة؛ حيث وضّحتْ لي تلك الأنوارُ طريقَ الآخرة ونوّرتْه وبينتْ لي كثيرا مما كنت أجهله في ذلك الطريق. فرضي اللّٰه عنكم. وأعتذر عن بيان شكراني إليكم.
ولما كنت عاجزا عن تصوير وتمثيل تلك الأنوار في نفسي، تشبثت روحي فصورتْ مشاعري القلبية على هذه الصورة، أقدمها لكم راجيا عفوكم الكريم عن النقائص والأخطاء.
سيدي الكريم!
إن ما شاهدتُه من طعوم اللذة والسعادة في بحر رسائل النور، لم أر مثلَها أبدا في حياتي
— 40 —
الدنيا كلها. فلقد أدركتُ بعد محاكماتي الوجدانية يقينا أن كل رسالة من تلك الرسائل بحد ذاتها تفسير للقرآن الكريم، وأن مطالعتها مَرْهَم سريعُ التأثيرِ وترياقٌ نافع للجروح المعنوية التي ابتلي بها المحرومون عن الإنسانية وهم في صور أناسي. فأنا بقريحتي الضئيلة هذه قد أدركت هذا الأمر. وأعتقد أن الزمان سيُظهر قيمة هذه الرسائل، وأنها ستكون أنشودة تترنم بها الألسنة وتجول شرقا وغربا. وستبين لأوربا -بإذن اللّٰه- كيف أن الإسلام نور إلهي ساطع.
أقبل أياديكم مرة أخرى، راجيا دعواتكم الكريمة يا سيدي.
طالبكم سليمان
* * *
(ماهية الملاحق) أخي السعيد خسرو!
إن هذه الرسالة (أي المكتوب السابع والعشرين) مجلس نوراني عظيم، يتدارس فيه طلابُ القرآن الكريم الميامين، ويتداولون فيما بينهم ضمنا الأفكارَ الدائرة حول الإيمان ويتذاكرون ما فيها من المعاني.
فهذه الرسالة رواقُ مدرسةِ عالية رفيعة، يتبادل فيه حملةُ القرآن الآراء والأفكار ووجهات النظر ويدلي كلٌّ بِدَلوه فيما تَعلّمه من دروس القرآن الكريم.
وهي أيضا منیزل عظيم، ومعرض واسع لبيع الرسائل التي هي صناديقُ مجوهراتِ الخزينة القرآنية المقدسة. فكلُّ طالب يعرض ما أخذه من الجواهر النفيسة على الزبائن الكرام.
فبارك اللّٰه فيكم يا أخي خسرو، فلقد جمّلتم ذلك المنیزل أي تجميل.
سعيد النورسي
* * *
— 41 —
(كنت أبحث عن نور)
هذه الفقرة للعقيد المرحوم السيد عاصم
إن هذه الرسائل المباركة المسماة بی"الكلمات" لا تقدَّر بثمن فهي نابعة من موازين القرآن الكريم وبراهينه، فلقد كنتُ أبحث عن نور مثل هذا منذ مدة مديدة، فللّٰه الحمد والمنة أن أنعم عليّ هذه "الكلمات". إن قلمي ولساني عاجزان عن التعبير عمّا يكنّه قلبي.
عاصم
* * *
(صفة الدلّال)
فقرة لصبري
نعم، ينبغي الاعتراف بهذه الحقيقة:
إن خزينة المجواهرات مهما كانت مليئة وغنية ونفيسة، لابد أن يكون دلَّالُها والبائعُ لها على معرفة بأصول البيع والشراء؛ إذ لو لم تكن له تلك القابلية أو المعرفة فإن ما يملكه من الخزائن الثمينة وما فيها من الأمتعة القيمة تُحجَب عن أنظار الناس، أي لا يكون قد أدّى ما يستحقها من قدر.
وبناء على هذا، فإن الذي يقوم بعرض الحقائق القرآنية للناس كافة عرضا خالصا للّٰه، ويدعو إليها منذ أربعين سنة -وليس منذ ست سنوات- وفي خضم هذه الظروف المضطربة وهو يقرأ على أهل الإسلام الأمرَ الرباني الجليل:
﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾
(الصف:١٠) وينادي منذ ذلك الوقت بهذا النداء العُلوي، قد جعل الأمة المحمدية في موضع شكران عظيم للّٰه، بما قدم من أنوار إيمانية إلى المحتاجين إليها.
صبري
* * *
— 42 —
الذيل الثالث
للمكتوب السابع والعشرين
فقرة لسعيد
﴿ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم ﴾
رسالة إلى طبيب اشتاق كثيرا إلى رسائل النور من جراء صحوة روحية انبعثت فيه لكثرة مطالعته لها. ورغم أن علاقة هذه الرسالة واهية بهذا الذيل، ولكن.. لتكن لي فقرة بين فقرات إخوتي.
مرحبا بك أيها الصديق الحميم، ويا عزيزي الطبيب السعيد الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه!
إن الصحوة الروحية التي تُبينها رسالتُكم الخالصة، لجديرة بأن تُهنّأ وتُبارك.
يا أخي! اعلم أن الحياة أثمن شيء في عالم الموجودات، وأن ما يَخدم الحياةَ هو أرقى واجب من بين الواجبات كلها، وأن السعي لصرف الحياة الفانية إلى حياة باقية هو أغلى وظيفة بين الوظائف الحياتية.
واعلم أن خلاصة قيمة هذه الحياة، وزبدتَها وأهميتها البالغة هي في كونها نواةً للحياة الخالدة ومنشأ لها، حتى إنّ تصور خلافِ هذا، أي حصر الهمّ والعلم في هذه الحياة الفانية، هو إفساد أيّ إفساد للحياة الأبدية، وليس ذلك إلّا جنونا وبلاهة كمن يستبدل برقا خاطفا بشمس سرمدية.
إن الأطباء الغافلين عن الآخرة، والمنغمسين في أوحال المادية هم -في نظر الحقيقة- أسقمُ الناس وأشدُّهم مرضا، ولكن إذا ما تمكّن هؤلاء من تناول العلاج الإيماني من صيدلية
— 43 —
القرآن المقدسة وأخذوا جرعات من مضادات السموم فيها، فإنهم يضمدون جراحاتهم البشرية، ويداوون مرضهم، فضلا عن أنهم يكونون السبب في مداواة جراح البشرية كلها.
نسأل اللّٰه تعالى أن تكون صحوتُك الروحية هذه بلسما شافيا لجرحك أنت، ومثالا حيًّا، وقدوةً طيبة، أمام أنظار الأطباء الآخرين ودواء لمرضهم.
ولا يخفى عليك ما لإدخال السلوان في قلب مريض يائس قانطٍ من نور الأمل من أهمية، فقد يكون أجدى له من ألف دواء وعلاج. بيد أن الطبيب الغارق في مستنقع المادية والطبيعة الجاسية يزيد اليأس الأليم لهؤلاء المساكين حتى يجعل الحياة كلها أمامهم مظلمة محلولكة.. ولكن صحوتك هذه ستجعلك -بإذن اللّٰه- مناط سلوان ومدارَ تسلٍّ لأولئك المساكين وأمثالهم، وتجعل منك طبيبا حقا يشع نورا إلى القلوب وينثر البهجة في النفوس.
من المعلوم أن العمر قصير جدا، والوظائفَ المطلوبة كثيرة جدا، فالواجبات أكثر من الأوقات. فإذا تحرّيت ما في دماغك من معلومات، مثلما فعلتُه أنا، ستجد بينها ما لا فائدة له ولا أهمية من معلومات تافهة شبيهة بركام الحطب.. لقد قمتُ أنا بهذا الضرب من البحث والتفتيش، فوجدت شيئا كثيرا مما لا فائدة له ولا أهمية.
نعم، إنه لا بد من البحث عن علاج وعن وسيلة للوصول إلى جعل تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية مفيدةً نافعة، منورةً مضيئة، حية نابضة، تتدفق بالرواء والعطاء.
تَضَرّع أنت كذلك يا أخي وَادْعُ الحكيمَ الجليل أن يرزقك صحوةً روحية تُخلّص تفكيرك وتزكّيه لأجله سبحانه، وتُضرمُ النارَ في أكوام بقايا الحطب تلك، لكي تتنور وتتحول -تلك المعارفُ العلمية التي لا طائل وراءها- إلى معارف إلهية نفيسة غالية.
صديقي الذكي!
إن القلب ليرغب كثيرا في أن يندفع إلى الميدان أشخاصٌ من أمثال "خلوصي" ممن هم من أهل العلم والشوق اللهيف إلى الأنوار الإيمانية والأسرار القرآنية.
ولما كانت "الكلمات" تستطيع أن تخاطب وجدانك، فلا تحسبْها رسالة خاصة مني إليك، بل كلُّ "كلمة" من كلماتها أيضا رسالة موجهة إليك من داعٍ إلى القرآن الكريم، والدالِّ
— 44 —
عليه. وخذها وصفةً طبية صادرة من صيدلية القرآن الحكيم. فإنك بهذا ستفتح -بظهر الغيب- مجلسا واسعا كريما، وجلسة مباركة حاضرة.
هذا وأنت حرّ في أن تكتب الرسائل إليّ متى شئت، ولكن أرجو ألّا تتضايق من عدم ردي عليها بجواب، ذلك لأني قد اعتدت -من سالف الأيام- على عدم كتابة الرسائل إلّا قليلا جدا، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي -منذ ثلاث سنوات- سوى جوابٍ واحدٍ على الرغم من كثرة رسائله إليّ.
سعيد النورسي
* * *
(الرسائل أغرقتنا في بحر النور)
فقرة لخسرو
أستاذي المحترم المحب!
لقد نوّرَتْنا رسالتُكم ماديا ومعنويا ورفعتْنا إلى ما لا يُطال إليه من الفيوضات وأغرقتْنا في بحر النور. فأحمد اللّٰه ربي بما لا يتناهى من الحمد على نيلنا لهذا الشرف العظيم بوساطتكم، وعلى ما بشّرتمونا بالتوفيق في الأيام الآتية لما يترتب عليه من خدمة القرآن العظيم.
إنني أدعو لكم يا أستاذي، بأن يرزقكم اللّٰه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أستاذي المحترم!
لقد تذكرتكم كثيرا، إلّا أن الخونة المارقين يحولون بيننا وبين الوصول إليكم في كل جانب. وهذا يؤلمني جدّا. إن أحوالنا الحاضرة تعصر قلوبنا بالأسى. ولكن لا حول لنا ولا قوة إلّا باللّٰه.
أيما إنسان وصلت إليه رسائل النور المفاضة بالأنوار يرتبط بها ارتباطا وثيقا. لذا فهي جوّالة بين المشتاقين الذين هم أهلٌ لها.
والحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي!
خسرو
— 45 —
(الرسائل بددت الغفلة) أيها الأستاذ المحترم!
إن رسالتكم المؤلفة بفيض من القرآن الكريم، وكأنها مرآة لأنواره، تكفي دلالةً على مدى علوّكم أستاذا جليلا، فلقد بدّدتْ أيها الأستاذ العزيز هذه الرسائلُ الظلماتِ المخيّمةَ على الإسلام وهتكت أستار الغفلة عن اللّٰه المسدلة على الناس، وأبرزت بفضله سبحانه حقائق ساطعة براقة من تحت تلك الأستار الملطخة الملوثة.
فعزمُكم الذي لا يلين وصلابتُیكم التي لا تنثني، وسعيكم المتواصل لم تَبق بإذن اللّٰه دون ثمرات؛ فلقد فجّرتم يا أستاذي المحترم ينبوعا دفاقا بماء الحياة في قلب الأناضول.
(٭): إنه إن كانت لي حصة واحدة من الألف التي تتصورونها من الثواب والشرف الحاصل في العمل ضمن هذه الخدمة السامية، فإني أشكر اللّٰه تعالى على تلك الحصة الواحدة. أما أهل الفضل فهم أولاء من أمثالكم ممن يعاونونني في الخدمة ويسعون للقيام بها بأقلامهم الألماسية. (المؤلف)
فمنبع تلك الرسائل وكنیزها الدائم إنما هو بحر القرآن الحكيم. ستديم لكم تلك المؤلفات القيمة حياتَكم وتخلّد اسمكم عندما ترحلون من هذه الدار، دار الامتحان إلى عوالم السعادة. فطوبى لأولئك السعداء البررة، طلابك الذين تحبهم والذين يقدّرون ما فجرتموه من نبع فياض حقَّ قدره، ويذبّون عنه بالإعلام عنه وتلقين أحكامه بألوف أرواحهم إن استوجب الأمر. فقرّ عينًا يا أستاذي العزيز، إن هؤلاء البررة لن يقوموا بأعمال لا تنشرح لها في الآخرة.
إن طلابكم شاكرون لفضلكم ممتنون بكل مهجهم وأرواحهم لما أودعتموه لديهم من مفاتيح كثيرة للأسرار القرآنية.
نعم، إن الأنوار والفيوضات التي تنشرونها وتنثرونها اليوم تجعل الناس الحقيقيين في سرور غامر؛ إذ تعلّمهم خطوات العمل لوظائفهم الأساس على الأرض.
إن سعيكم مشكور وخدماتكم مقبولة بإذن اللّٰه وتضحيتكم جسيمة.
أستاذي العزيز! لتنشر أعمالكم الجليلة، ولتبلغ آفاق السماوات، ولتنطق بها الألسن.
(٭): إنني لا أشارك أخي هذا في دوافعه الحسية ومشاعره هذه، فحسبنا رضي اللّٰه، إذ إن كان معنا فكل شيء معنا إذن، وإلا فلا تغني الدنيا كلها شيئا. إن إعجاب الناس واستحسانهم في مثل هذه الأعمال أي في الأعمال الأخروية إن كان علة فإنه يبطل العمل، ولكن إن كان مرجِّحًا، فإنه يُفسد إخلاصَ العمل، وإن كان مشوِّقًا فإنه يزيل صفوة العمل ونقائه، ولكن إن تفضّل سبحانه به وأحسن إليه، علامةً على القبول بلا طلب، فهو مقبول وشيء حسن إن استُعمل في سبيل بيان تأثير ذلك العمل والعلم في الناس، ويشير إلى هذا قوله تعالى:
﴿ واجعل لي لسان صدقٍ في الأخرين ﴾
(الشعراء:٨٤). (المؤلف)
— 46 —
إن الأعمال الدنيوية التي لم تلق حظا من الدين والتي بدأت بالانتشار في الأوساط عامة، والتي تزيد عتامةَ الغفلة للغافلين وتزيد سُكرَهم -بل هي السكرُ بعينه- لا يمكن دفعها إلا بمؤلّفاتكم القيمة، وإرشاداتكم القويمة. فلقد ثبتت بدلائل معقولة ومنطقية أنه لن ترقى الدول الملحدة إلى مستوى الإنسانية بل لا يمكنها أن تدركها وهي ما زالت كذلك، حتى تؤول إلى الخراب أو الانهيار.
إن مؤلفاتكم القيمة عالية رفيعة وجامعة، تنعكس فيها صفات روحكم السامية.
أستاذي الحبيب!
اطمئِنوا اطمئنانا تاما أن سعيكم مشكور ولم يذهب هباءً منثورا، وسوف تتلقف الأيدي العديدة رسائلَكم إلى الأبد، وستُوقِف ملحدي اليوم عند حدّهم بل ربما تمنحهم نور الإيمان، أليس هذا ما ترجونه؟ أليس عملكم وغايتكم تنحصر في بلوغ إيقاظ الناس وإرشادهم إلى الإيمان؟
إن الأدباء المتربين على فتات موائد الفلاسفة، أولئك المحرومون من الأدب، سيجدون حتما الأدبَ الحقيقي في رسائلكم. نعم، وسيتحقق هذا فعلا. وأنتم بدوركم تكونون قد وفّيتم خدمة الإيمان الجليلة حقَّ الإيفاء. إن هذه الأمة وهذا الوطن مدينةً لكم إلى الأبد، وتَعجز أن توفي حقكم. إن ثواب خدماتكم السامية لا تقابلها هذه الأمة، بل سيمنحها اللّٰه سبحانه ما يليق بها. ليرضَ اللّٰه في الدنيا والآخرة عنكم، وعن أمثالنا من الخدام المذنبين.
زكي صديق المرحوم لطفي الطالب القديم لرسائل النور
* * *
— 47 —
(الرسائل تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة)
فقرة للسيد عاصم
باسمه سبحانه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
حمدًا وشكرًا، بما لا يتناهي من الحمد والشكر، أرفَعُه كل دقيقة من دقائق عمري للقدير المطلق وسلطان الأبد والأزل، الحي القيوم الذي لا يموت، الذي أنعم من بحر كرمه الواسع بأستاذي المحترم على هذا الفقير. ومهما بالغتُ من الحمد والشكر للّٰه تعالى فلا أُوفي حق الدّين عليّ. فله الحمد والمنة.. وهذا من فضل ربي.
إنني هذا الفقير الغارق في الذنوب، قد عصفَتْ بي المعاصي بمقتضى جبلّتي البشرية، وتقاذفتني موجاتُها، قليلا أو كثيرا طوال حياتي العسكرية التي دامت أربعا وثلاثين سنة دون انقطاع، فظلت حياتي الدينية والأخروية فقيرة جدّا.. هكذا أمضيتُ حياتي وأنا ملفّع بستار الغفلة. فالآن أُدرِك ما فات مني، وأندم عليه أشد الندم. بل أبكي على ما كنت أضحك منه. ولم يحصل هذا إلّا باكتحال عيني بلقائكم ورسائلكم. فألْفُ حمد وحمد للّٰه تعالى على هذا الإحسان العميم.
لقد بدأتْ بفضل اللّٰه مراسلتي معكم بوساطة أخينا الشيخ محمد أفندي لدى مجيئي إلى "بوردور" قبل أربع سنوات. فألقت تلك الرسائل في يد هذا الفقير مفاتيحَ تفجّر بالأنوار وتَفيض بالحِكم وتحل المعضلات وتفتح لغزَ الكائنات.
نعم، إن هذه المفاتيح لا تقدَّر بثمن، فهي أغلى من أغلى الجواهر والألماس، بل إن قلمي ولساني ليعجزان عن التعريف بما يكنّه قلبي من مشاعر نحوها. فأفضّل ملازمة عجزي.
إن هذه الرسائل التي تضم بين دفتيها خزائن الشريعة الغراء والحقيقة الصادقة والمعرفة الإلهية وكنوزها، بل إن كل رسالة منها أنورُ من الأخرى وأسطعُ منها ولاسيما رسالة "إعجاز القرآن" فهي تشع الأنوار. فأين وصفي العاجز منها؟ إنها بستان رائع تنثر الفرح والبهجة والسرور وتضم أزاهير نادرة لطيفة، حتى يحار المرء من أيها يقطف ويشم، لِيزيل حيرته ويبلّ ريقه ويشفي غليله. ولا شيء أمامه ولا مفرّ إلّا أن يجعل من جميعها باقة عظيمة من الأنوار.
— 48 —
فهذه الرسائل المباركة تُغرق قارئيها، وكاتبيها والمستمعين لها في بستان النور، في بحر النور، وتحملهم على التفكر والتدبر وهم نشاوى بالإعجاب. إنها تجعل الإنسان مجردا من الأحاسيس الدنيوية ومعزولا عن المشاعر الهابطة، موجهةً إياه إلى خالقه الكريم بعبودية خالصة دائمة. إنها ترفع الإنسان إلى منازل عالية تسمو على الأخلاق الرذيلة كلها.. إنها تقتل عنده النفس الأمارة بالسوء.
نعم، أستطيع أن أقول: بأن هذه الرسائل النورانية روضة من الجنان، ولكن أسفا وألف أسف على أولئك الشقاة الذين يعجزون عن أخذ حظهم من هذه الروضة الطيبة. وكلّي أمل أن يصل إلى أولئك هذا الإلهام الرباني أيضا، ليقدروا على تبديل الغفلة إلى يقظة وصحوة كما جاء في ختام "الكلمة الثالثة والعشرين".
أتضرع إلى المولى القدير الواجب الوجود بأن يجعل المؤمنين الموحّدين على الصواب والسداد، وأدعوه سبحانه دعاءً فعليا باستنساخ ما لديّ من الرسائل وتداوُلِ قراءتها في أيام الجُمَع التي قد تستغرق القراءة حتى المساء، فنوفي بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى حق عبوديتنا للّٰه تعالى، وندعو لأستاذنا أن يديم اللّٰه عمرَه ويظل مرشدا لرسائل النور ودالّا عليها قائما بأمر الدعوة إلى النور. وهذا الدعاء دَين في أعناقنا جميعا تجاه الأستاذ.
إننا جميعا -أنا وأهلي- نتضرع إلى اللّٰه سبحانه عقب كل صلاة بمثل هذا الدعاء.
عاصم
* * *
(وجدت الباب الذي أبغيه)
فقرة بابا جان محمد علي
أيها الأستاذ الموقر يا من هو أغلى من روحي!
إني عاجز عن إيفاء مهمة الطالب حق الإيفاء، ولا أستطيع تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، إذ كلما فكرت في القوة والقدرة والأسرار والأنوار المتظاهرة في رسائل النور، غبتُ عن نفسي. فأنا لا أستطيع العروج إلى مثل هذه الذرى السامية. ولكن سأحاول إن شاء اللّٰه ما
— 49 —
وسعني أن أستفيد من هذه الرسائل التي تكشف عن أسرار القرآن والتي هي أغلى بألوف المرات من أغلى الجواهر الثمينة. وذلك فضل اللّٰه على عباده المؤمنين. وسأضيء شطرا من الليل بأنوار تلك الرسائل لأنني لا أجد متسعا من الوقت في النهار لانهماكي بمتطلبات العيش.
إنني أشعر في قلبي بانشراح وفرح في منتهى الحلاوة واللذة كلما أستنسخ تلك الأنوار. وحقا إنني عاجز عن تقديم عظيم الشكر للّٰه المولى القدير الذي أنعم علينا بهذه النعم الجزيلة.. وأحيانا أفقد إرادتي تجاه الأنوار العظيمة؛ إذ كلما أتذكّر الأيام التي خلت ومضت بالغفلة، أجدني حزينا مهموما، ولكن لما وجدتُ هذه الأنوار فإذا بي أرنو ببصري إلى المستقبل، فأضحك مستبشرا وتغمرني البهجة والسرور. فلقد كنتُ أنتظر مثل هذه الخدمة الجليلة للقرآن منذ خمس عشرة سنة. إذ ذقت صنوفا من متع الحياة الدنيا ولكن ما كانت تُشبِع هذه الرغبة العميقة التواقة للأبد. فلقد وجدتُ فيها الغذاء الكامل والاطمئنان التام.. فالحمد للّٰه أولا وآخرا.
نعم، لقد اغترّت نفسي لحدّ الآن بأذواق دنيوية صورية حتى أبلغتني أبواب سجون الآخرة الرهيبة.. ولقد امتطتني نفسي لحدّ الآن وحملتُ أهواءها على كاهلي.. أما الآن فللّٰه الحمد والشكر فقد أغاثني جلّ علاه بأسرار القرآن الكريم بوساطة الأستاذ سعيد، ونجوتُ بفضله تعالى من أوضار تلك النفس الأمارة. نعم، لقد طرقت أبوابا كثيرة طوال خمس عشرة سنة متحرّيا عن الطريق الموصل إلى الحقيقة وانسحبت من أكثرها لما وجدت فيها من زينة الحياة الدنيا. والآن فللّٰه الحمد وجدت الباب الذي أبغيه حقا. فأسأله تعالى أن يجعلني من خدّام ذلك الباب ويرزقني الثبات على تلك الخدمة السامية.
إن مدى ما تقدّمه هذه الرسائل، رسائل النور، من فوائد جليلة بنشرها أنوار حقائق الإيمان وتبديدها ظلمات هذا العصر المظلم، لا يمكن إغماض العين عنها وإنكارها قطعا إلّا بالجهل لا غير.
اللّٰهمّ ارفع الغشاوة عن أبصارنا وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه.
بابا جان محمد علي
* * *
— 50 —
(هل وجدت في نفسك شيئا؟) كتبت هذه الرسالة لمناسبة ما ورد في مسألة صغيرة من استفسار: هیل وجییدت في نفسك شيئا؟
أيها الأستاذ المحترم، يا أستاذي القدير!
إنك أثمن من حياتي كلها. وإنني على استعداد للتضيحة بها في كل لحظة إنفاذا لأمر من أوامرك.
نعم، إنه لا تردد قطعا في بذل تلك الهدية العظيمة، هديةِ الحياة، في سبيل الرب الجليل الذي أنعم بها علينا.
أيها الأستاذ المحترم! إننا مستعدون لأداء تلك الأمانة في كل وقت إلى منعمها الحقيقي جلّ جلاله، تلك الحياة التي وُهبت لنا أمانةً ونجهل وقت سلبها منا. فأنا متهيئ في كل حين ومن دون إحجام لإنفاذ أمره سبحانه وتعالى. وحيث إنكم تبلّغون أوامر ذلك الرب العظيم فإن كلامكم الطيب هو حق ورحمة في الوقت نفسه.
ثم يا سيدي! إن الأغصان الدانية تقلَّم وتقطّع لترتفع الشجرة وتعلو وتصان من الأحياء المضرة. فليس لتلك الأغصان حق الاعتراض على ذلك العمل قطعا؛ حيث إنها لو ظلت على ما هي عليه ربما يقطعها حيوان مضر، وتتفسخ جذورها وتعدم.
أستاذي القدير!
أقولها دون مبالغة: إنني أعتقد أنه ليس هناك أحد غارق في الذنوب والخطيئات مثلي. بل أقنعت نفسي بذلك أحيانا. بل لست غارقا في الذنوب إلى ركبتيّ وظهري ولا إلى عنقي وحدها بل من أخمص قدمي إلى قمة رأسي، بل حتى أعماقُ أعماق وجودي وكياني ملوثة بحمأة تلك الذنوب والخطايا.
وفي الوقت الذي بدأ كياني كله بالتعفن والفساد، باشرتم بإذن اللّٰه بالعلاج والضماد -كالخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام- ووضعتم ذلك المرهم الشافي المستخلَص من صيدلية الشفاء القرآني على الجروح والعفونات. فأنتم وسيلة لمنح الحياة، تلك التي تستحق أن
— 51 —
تسمى "حياة". فليس من العقل في شيء ألّا يضحَّى في سبيل من أنعم تلك الحياة، ومن أصبح وسيلة لذلك الإنعام الجليل.
نعم، إن على المريض أن يدرك حاجته إلى إجراء العملية الجراحية، فهو مَدين بالشكر والثناء لمن يراقب معالجته ويداويه ليل نهار، بل مدين بما لا يحدّ من الشكر والحمد والثناء لذلك الحكيم العليم الذي ليس كمثله شيء، والذي سلّم ذلك الدواء من صيدلية القرآن الكريم.
ولكن يا أستاذي إنني متألم جدّا لعدم إيفائي هذا الدَّين الذي في عنقي. ليرضَ اللّٰه عنك أبدا يا أستاذي.
الحافظ علي
* * *
(أركان الإيمان في هجمات الست) إن هذه الآثار النورانية إذ ترغّب من ناحية إذا بها ترهّب من جهة أخرى؛ فهي تتضمن كليهما: الترغيب والترهيب معا، ولا ريب في جدوى تأثير إحدى هاتين الوسيلتين في الإنسان. وفي ضوء هذه الحقيقة توقِظ أهلَ القرآن وتلاميذه واضعة نصب أعينهم ستة أسس لئلا ينخدعوا.
١- إنها تضع بدلا من حب الجاه، ابتغاءَ مرضاة اللّٰه النابعة من الإيمان به سبحانه.
٢- إنها تضع بدلا من الخوف والوقوع في شكوك الأوهام، الإيمانَ بالقدر.
٣- إنها تضع بدلا من الحرص والطمع، الإيمان بالقرآن والكتب السماوية بدلالة آية إن اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين (الذاريات: 58).
٤- إنها تضع بدلا من الأحاسيس والمشاعر العنصرية الإيمانَ بالرسل الكرام وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص) المبعوث إلى الجن والإنس كافة والذي يحقق لنا انما المؤمنون اخوة (الحجرات:١٠)، واعتصموا بحبل اللّٰه جميعًا ولا تفرقوا (آل عمران:١٠٣).
٥ - إنها تضع بدلا من الأنانية وحب الذات، الاعترافَ بعجزنا، ونقصنا، مع الإدراك التام أننا مكلفون بأداء الخدمة والعمل للقرآن الكريم بنشر الرسائل المترشحة منه والحفاظ
— 52 —
عليها، من دون ترقّب النتيجة؛ بمعنى التجرد من نوازع البشرية إلى حدّ ما والتشبه بالملائكة الذين هم واسطة لإنزال الكتب والصحف السماوية. فنحقق الإيمان بالملائكة بهذه الصورة.
٦- إنها تضع بدلا من الكسل والخلود إلى الدعة والراحة، الإسراعَ إلى العمل للقرآن، الذي كل ساعة منه تعدل يوما من العبادة. وتجعلنا أن نقدّر الوقت حق قدره ونستمسك بالعمل للقرآن من قبل أن يفلت منا هذا العملُ المقدس، مع فتح الأبصار لإدراك الأمور والأحداث. بمعنى معرفة قيمة الحياة قبل أن يحل بنا الموتُ فجأة.
وهكذا فيا أستاذي القدير! أنتم ترشدون إلى الإيمان بالآخرة دلالة ورمزا وإشارة وصراحة. ليرضَ اللّٰه عنكم وينقذ الأمة المحمدية من الضلالة ويوفقْكم في مسعاكم وجهادكم الخالص في الدعوة إلى القرآن.
آمين.. آمين.. بحرمة سيد المرسلين وبحرمة القرآن المبين.
لقد أرسلتُ "القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين" إلى أخيكم "السيد عبد المجيد" فقال في جوابه:
إنه لا يجوز النظر لأحد -مما سوى خلوصي وعبد المجيد- إلى تلك البنت الجميلة من بنات أفكار أخي الكبير. فالمحارم أيضا في هذا الأمر هم أجانب. أرى من الأفضل أن تَكتب لأخي الكبير أن خروج مثل هذه الحسناء إلى الخارج لا يحقق نفعا بل ربما يولّد أضرارا جسيمة. إن سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم مازال ساريا في سعيد الجديد، علما أن سعيدا الجديد لا ينبغي أن يضيّع وقته مع بنى الإنسان. وهذا ما يقتضيه مسلكه ومشربه. وعلى كل حال فالحافظ هو اللّٰه سبحانه.
وأنا بدوري قد أجبته بالآتي:
نعم، إن هذا الرأي صحيح بالنسبة لنا، ولكن لا أراه صحيحا بالنسبة للأستاذ الفاضل الذي أدار ظهرَه إلى الدنيا ووفّى بوظيفته حق الإيفاء، فالذي استخدمه في هذا الأمر الجليل سيعصمه بلا شك.
فلقد اقتنعتُ قناعة تامة بأن الأستاذ يدير ظهره إلينا أيضا إنْ قطعنا علاقتنا مع رسائل النور.
— 53 —
نعم، إن قلق أخينا العزيز، واردٌ وفى محله، واضطرابه خالص وهو محقّ فيه إذا ما أُخذ ظاهر الأمور بنظر الاعتبار، ولكن حرمان من له علاقة برسائل النور -وهم قلة معدودون- من هذه الحقائق، وحجبَ هذه الآثار السامية عنهم، لا أراه صوابا بل هو مغاير لذلك الأساس.
﴿ فاللّٰه خير حافظًا وهو ارحم الراحمين ﴾
(يوسف:٦٤) فهو ناصرنا ومعيننا. وليس لنا إلّا دفع الشكوك والمكايد والالتزام بالنية الصافية والشعور الخالص والشوق الجاد في السعي لشدّ أزر العمل الذي رفع لواءه أستاذنا الفاضل.
تحياتنا إلى إخواننا جميعا مع الدعاء لهم بالتوفيق والسداد مع رجاء الدعاء لي والصفح عن زلاتي، مع التوسل بألّا تُخرجوا طالبكم الصادق من دعواتكم.
الباقي الحب في اللّٰه
خلوصي
* * *
(سبب إعادة هدية) رسیییالة كتبت حییول إعییادة هديییة أحیید إخوتي العزيزين كی"خلوصي" أدرجت ضمن فقرات إخوتي حسب رأيهم.
باسمه سبحانه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
أخويّ في الآخرة العزيزين الوفيين، السيد الحاج نوح وملا حميد!
إن أسبابًا كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، أذكر أهمها وهو: الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين طلابي، علاوة على أنني لست محتاجًا حاجة ماسة، وذلك بفضل
— 54 —
الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا أستطيع أن أمدّ يدي إلى أموال الدنيا، فذلك خارج طوقي وإرادتي.
وسأبين سببًا دقيقًا واحدًا من بين الأسباب الكثيرة:
أتى صديق حميم تاجر، بمقدار من الشاي يبلغ ثمنه ثلاثين قرشًا، فلم أقبله. فقال: لا تردّني خائبًا يا أستاذي، لقد جلبته لك من إسطنبول! فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه. فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا أستاذي، ما الحكمة فيه؟ قلت: لئلا أُنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه -وهو بقيمة الألماس- إلى قيمةِ قِطَع زجاجية تافهة. فإنني أدَعُ نفعي الخاص لأجل نفعك أنت!
نعم، إن درس الحقيقة الذي تأخذه من أستاذ لا يتنازل إلى حطام الدنيا ولا تزل قدمه إلى الطمع والذل، ولا يطلب عوضًا عن أدائه الحقَّ والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس؛ بينما الدرس الذي يُتلقى من أستاذ اضطر إلى أخذ الصدقات، وإلى التصنع للأغنياء وإلى التضحية حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب أنظار الناس إليه، فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدّقون عليه. وبهذا جوّز أخذ ثمرات الآخرة في الدنيا. أقول: إن هذا الدرس نفسه يَهُون في هذه الحالة إلى مستوى قطع زجاجية.
* * *
(الشعور الأخوي الخالص) أخي العزيز الوفي الصادق النشط، ويا صاحبي في الخدمة القرآنية السيد رأفت!
إن العمل الذي تؤديه في خدمة القرآن الكريم عمل مبارك كله، وفقكم اللّٰه في مسعاكم وزاد شوقكم إلى العمل أكثر، دون أن ينال منكم الفتور والملل.
إن وظيفتكم هذه أهم من الاستنساخ اليدوي، ولكن لا تدعه أيضا. سأبين لكم دستورا في الأخوة عليكم الأخذ به بجد:
إن الحياة نتيجةُ الوحدة والاتحاد، فإذا ذهب الاتحاد المندمج الممتزج، فالحياة المعنوية
— 55 —
تذهب أيضا أدراج الرياح. فالآية الكريمة:
﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ﴾
(الأنفال:٤٦) تشير إلى أن التساند والترابط إذا اختل تَفقد الجماعة مذاقها.
إنكم تعلمون أن ثلاث أَلِفَاتٍ إذا كُتبت منفردةً متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العددي فقيمتها مائة وأحد عشر. فإن بضعة أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال، فإن قوتهم تكون بقوة ثلاثة أو أربعة أشخاص، بينما إذا ما عملوا متساندين بأخوّة حقيقية، مفتخرا كلٌّ منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الأخوة أن يكون أحدهم هو الآخرَ بنفسه، أقول: إنهم إذا ما عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.
إنكم يا أخي بمثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء إلى بلد عظيم وليس إلى إسبارطة وحدها، فدواليب الماكينة مضطرة إلى التعاون فيما بينها. فإن كلا من تلك الدواليب -ناهيك عن الغيرة والاستياء- تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكها الدواليب الأخرى حيث إنها تخفف عنها عبء الوظيفة.
إن الذين يحملون على أكتافهم أعباء خدمة الإيمان والقرآن والتي هي بمثابة خزينة الحق والحقيقة العظيمة الرفيعة يفتخرون كلما انضمت إليهم أكتاف قوية متعاونةً معهم، فيشكرون ربهم.
حذار حذار من فتح باب النقد فيما بينكم؛ إن ما يستحق النقد خارج الصف كثير بل كثير جدا؛ فكما أنني أفتخر بمزاياكم وأجد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حُرمتُ منها، وأعدّها كأنها عندي وأنا المالك لها، فأنتم كذلك عليكم النظر إلى مزايا إخوانكم على هذا النمط. فليكن كلٌّ منكم ناشرا لفضائل الآخرين.
ولما كنت أرى أن الشعور الأخوي الخالص الذي أبداه أخونا "الحافظ علي" تجاه أحد إخواننا الذي سيكون منافسا له في الاستنساخ اليدوي جدير بأن تطلعوا عليه، أذكره لكم وهو الآتي: جاءني "الحافظ علي"، وقلت له: "إن خط الأخ "فلان" أجودُ من خطك وإنه أكثر منك عملا ونشاطًا". وإذا بي أجد أن "الحافظ علي" يفتخر بإخلاص ومن الصميم بتفوّق الآخر عليه، بل التذّ بذلك وانشرح، وذلك لأن الآخر قد استطاع جلب محبة أستاذه وثنائه عليه.
— 56 —
راقبتُ قلبه وأمعنت فيه بدقة، وعلمتُ أنه ليس تصنعا قط، بل شعرت أنه شعور خالص، فشكرت اللّٰه تعالى على أن في إخواننا من يحمل هذا الشعور السامي، وسيُنجز هذا الشعورُ بإذن اللّٰه كثيرا جدّا من الخدمات. والحمد للّٰه فإن ذلك الشعور الأخوي قد سرى تدريجيا في صفوف إخواننا في هذه المنطقة.
سعيد النورسي
* * *
(لا أشبع من مطالعة الرسائل) أستاذي المحترم!
إن هذه "الرموز" [٭]: الرموز الثمانية: رسالة تبين التوافقات اللطيفة في أسماء اللّٰه الحسنى في القرآن الكريم وأسرار حروفه وكلماته. آثار بديعة خارقة تثير الإعجاب، حيث تمنح عشاقَ العلم من القراء أذواقا لا نهاية لها ومشاعر رقيقة رفيعة، ولقد تجددتْ حياتي بهذه المشاعر العالية، حتى أتمنى من المولى العمر المديد بشرط أن يثبتنا في هذه الحياة الجديدة. فلا غرو أنى لا أشبع من مطالعتها، فمهما قرأتُها وكأني لم أقرأها، وأكون كمن يقرأ مؤلَّفا جديدا فأقرؤها بذوق معنوي لا يُحدّ ولذة روحية لا تنتهي.
وهكذا الأمر سواء في "الكلمات" أو "المكتوبات" أو "الرموز". وأظن أن الوصف الخارق لهذه الرسائل يتمركز في هذه النقطة الدقيقة. علما أن الإنسان إذا ما قرأ المؤلفات الأخرى مرة واحدة لا تثار عنده رغبةٌ لإعادة القراءة.
نعم، إني مهما بالغت في قراءة هذه الأنوار القرآنية لا أستطيع دفعَ الجوع عن قراءتها مرة أخرى ولاسيما "الرموز"، فقد سحرتني وأغرقتني في الإعجاب، لذا باشرتُ فورا باستنساخها.
رأفت
* * *
— 57 —
(سلواني الوحيد) أستاذي العزيز الرؤوف!
إنكم تحاولون تنبيه طالبكم الذي يُكنّ لكم الحب في اللّٰه، هذا العاجز، وتسعَون لإرشاده بشتى الوسائل وتعليمه دروسا معنوية رفيعة جدّا. بيد أنى لا أستطيع أن أستفيض كما يستفيض إخوتي الأعزاء الموقرون الذين يجالسونكم ويتشرفون بصحبتكم وقربكم معنًى ومادة ممن لهم قدم صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق الباري سبحانه وتعالى.
إنني أحيل سبب ذلك إلى العصيان وإلى زيادة الخطيئات وإلى تأثير المحيط والأحداث التي تعرقل العمل المنور، وأحيلها في أوقات كثيرة إلى هجماتِ نفسي الأمارة بالسوء وهجمات شياطين الجن والإنس.. ومن هنا أشعر بشقاوتي.
نعم، وفضلا عن هذا فإني أشعر بالنِعم التي نلتُها والتي لا تعد ولا تحصى، والتي لم أتمكن من إيفاء شكرها مع الأسف الشديد. علما أن كل يوم وكل ساعة بل كل دقيقة وثانية تنبهني بانقضاء حياتي الفانية والرحيل من هذه الدنيا القصيرة العمر، ورغم هذا لا أستطيع أن أكف يدي عنها. وإن سلواني الوحيد هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم وإيماني الذي لا يتزعزع بالدين المبين والنبي الكريم (ص) وما أتاه من شريعة غراء، وشدة ارتباطي بأستاذي المحبوب. فآمل ألّا تدع هذا الغارقَ في الذنوب محروما من دعواتك الطيبة.
خلوصي
* * *
(حول العلاقات بين الأستاذ والطلاب) إخوتي خسرو، لطفي، رشدي!
سأبين لكم وجهة نظري -بما يفيدكم- حول العلاقات القائمة بين الأستاذ والطلاب وزملاء الدرس، وهي:
أنتم يا إخوتي، طلابي -بما هو فوق حدّي- من جهة، وزملائي في الدرس من جهة أخرى، ومساعديّ وأصحاب الشورى من جهة أخرى.
— 58 —
إخوتي الأعزاء!
إن أستاذكم ليس معصوما من الخطأ، بل من الخطأ الاعتقاد أنه لا يخطئ. ولكن وجود تفاح فاسد في بستان لا يضر بالبستان، ووجود نقد مزوّر في خزينة لا يسقط قيمة الخزينة.
ولما كانت السيئةُ تُعدّ واحدة بينما الحسنة بعشر أمثالها، فالإنصاف يقتضي عدم الاعتراض وتعكيرِ صفو القلب تجاه الحسنات إذا ما شوهدت سيئةٌ واحدة وخطأ واحد.
وحيث إن المسائل التي تخص الحقائق والمسائل الكلية والتفصيلاتِ هي من قبيل السانحات الإلهامية بصورة عامة، فلا غبار عليها قطعا، وهي يقينية.
أما مراجعتي لكم فيما يخص تلك المسائل واستشارتي لكم حولها، فهي في نمط تلقّيكم لها، وليست لكونها حقيقة وحقا أم لا؟ فلا تردد لي قطعا من كونها حقيقة، إلّا أن الإشارات التي تعود إلى المناسبات التوافقية تَرِد بصورة مطلقة ومجملة وكلية، إذ هي سانحات إلهامية. ولكن أحيانا يختلط ذهني القاصر، فيخطئ فتظل التفاصيل والتفرعات ناقصة. فخطئي في هذه التفرعات لا يورث ضررا للأصل وما هو بحكم المطلق.
وحيث إني لا أجيد الكتابة، ولا يتيسر وجود الكاتب لديّ دائما، تظل التعابير مجملة وعلى صورة ملاحظات ليس إلّا، فيستشكل على الفهم.
اعلموا يا إخوتي ويا رفقائي في الدرس، إنني أسرّ إن نبهتموني بكل صراحة لأي خطأ ترونه عندي، بل أقول: ليرضَ اللّٰه عنكم إذا قلتموه لي بشدة؛ إذ لا يُنظر إلى أمور أخرى بجانب الحق. إنني مستعد لقبول أية حقيقة كانت يفرضها الحق، وإن كنت أجهلها ولا أعرفها فأقبلها وأضعها على العين والرأس ولا أناقشها وإن كانت مخالِفة لأنانية النفس الأمارة.
اعلموا أن هذه الوظيفة الإيمانية وفي هذا الوقت جليلةٌ ومهمة. فلا ينبغي لكم أن تضعوا هذا الحمل الثقيل على كاهل شخص ضعيف مثلي وقد تشتت فكرُه، بل عليكم معاونته قدر المستطاع.
نعم، إن الحقائق المجملة والمطلقة، تنطلق ونكون نحن وسائلَ ظاهرية لها، أما تنظيمُها
— 59 —
وتنسيقها وتصويرها فهي تعود إلى إخوتي الأكفاء، وأحيانا أتدخل في التفاصيل والتنظيم بدلا عنهم فتظل ناقصة.
إنكم تعلمون أن الغفلة تستحوذ أكثر في موسم الصيف، حيث يفتر كثيرٌ من الزملاء عن الدرس ويضطرون إلى تعطيل الأشغال، فلا يقدرون على الانشغال بجد بالحقائق.
إخوتي! نحن في أشد الحاجة في هذا الزمان إلى القوة المعنوية تجاه الضلالة والغفلة، فأنا مع الأسف باعتباري الشخصي ضعيف ومفلس؛ فليست لي كرامةٌ خارقة كي أثبت بها هذه الحقائق، وليست لي همة قدسية كي أجلب بها القلوب، وليس لي دهاء عُلوي كي أسخّر به العقول، بل أنا بمثابة خادم متسول أمام ديوان القرآن الكريم.
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(سؤال حول الروح)
باسمه سبحانه
كُتب للسيد خلوصى
سؤال: ما الداعي لقول الإمام الغزالي: إن النشأة الأولى مخالفة تماما للنشأة الأخرى؟
الجواب: إن قول حجة الإسلام الإمام الغزالي من أن النشأة الأولى مخالِفة تماما للنشأة الأخرى، هي مخالفةٌ باعتبار الكيفية والصورة. وليست باعتبار الماهية والجنسية، لأنها تكون معارضة لصراحة آيات كريمة كثيرة، مثل:
﴿ ويحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾
(الروم:١٩)، و
﴿ وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده ﴾
(الروم:٢٧).
ثم إنه إشارة إلى أن الأمور الأخروية من حيث المرتبة رفيعة جدّا.. ثم إنه إشارة للغزالي إلى وقوع الحشر الجسماني مع الحشر الروحاني أيضًا، تقليدا ومسايرة لبعض الباطنية.
سؤال: إن سعد الدين التفتازاني بعد تقسيمه الروح إلى قسمين؛ أحدهما: روح
— 60 —
إنسانية، والأخرى: روح حيوانية، يقول: "إن المعرضة للموت هي الروح الحيوانية وحدها؛ أما الإنسانية فليست مخلوقة، وليست بينها وبين اللّٰه نسبة ولا سبب. فقد استقلت بذاتها وليست قائمة بالجسد". ما سبب قوله هذا وما إيضاحه؟
الجواب: إن قول سعد الدين التفتازاني "الروح الإنسانية ليست مخلوقة": يعني أن ماهية الروح قانون أمري ذو حياة ومرآة ذات شعور لاسم اللّٰه الحي، وجلوة ذات جوهر من تجليات الحياة السرمدية، وذلك مضمون قوله تعالى:
﴿ قل الروح من امر ربي ﴾
(الإسراء:٨٥). لذا فهي مجعولة. ومن هذه الجهة لا يقال: إنها مخلوقة. وقد قال السعد في المقاصد وفى شرح المقاصد موافقا لجميع علماء الإسلام المحققين ومنسجما مع نصوص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة: "إن قانون الأمر ذاك قد أُلبس وجودا خارجيًّا، فهي مخلوقة وحادثة كسائر المخلوقات". وجميع آثاره شاهدة على عدم قوله بأزلية الروح.
أما قوله: "ليست بينها وبين اللّٰه نسبة" فهو إشارة إلى ردِّ مذهبٍ باطل كالحلول. فروح الحيوانات كذلك باقية، وتفنى أجسامُها وحدها في القيامة. بينما الموت ليس فناءً بل هو انقطاع العلاقة.. أما قوله: "ولا سبب" فإشارة إلى خلق الروح مباشرة دون توسط الأسباب، كما جاء في مناجاة عزرائيل عليه السلام في قبض الأرواح.. أما قوله: "استقلت بذاتها" فإن الجسد يستند إلى الروح فيبقى قائما؛ بينما الروح قائمة بذاتها -كما ذكر في إثبات بقاء الروح- فإذا ما دُمّر الجسد تكون الروحُ حرة أكثر وتحلّق إلى السماء كالملاك، وهو إشارة إلى ردّ مذهب باطل.
* * *
— 61 —
(العلاقة التي لا يقيدها زمان ولا مكان)
خطاب إلى السيد خلوصي
باسم من
﴿ تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الّا يسبح بحمده ﴾
(الإسراء:٤٤).
وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد عاشرات دقائق عمركم، عمّركم اللّٰه بالسلامة والعافية.
أخي العزيز!
لقد آلمتني رسالتُكم، ولكن فكرت في حقيقةٍ، فزال الألمُ. والحقيقة هي الآتية:
إن العلاقة التي تربطنا والأخوة القائمة بيننا خالصةٌ وفي سبيل اللّٰه -إن شاء اللّٰه- لذا لا يقيّدها زمان ولا مكان. فالمدينة والبلدة والبلاد بأكملها بل الكرة الأرضية، بل الدنيا، بل عالم الوجود، بمثابة مجلس بالنسبة لأخوَين حقيقيين. فلا فراق في هذه الصداقة والأخوة، بل وصالٌ كلها. ومالَنا.. فليفكر أصحابُ الصداقات الفانية المجازية الدنيوية! إنیه لا فییراق في مسیلكنا. أينما تكن تستطع إجیراء المحاورة مع أخيك هذا، بوساطة میا فیي يیدك من "الكلمات"؛ وأنیا كذلك متى ما شئت يمكنني مشیاهدتك بجنبي رافعين أيدينا إلى المولى الكريم. فإن أرسیلك القدرُ الإلهي إلى مكان آخر فسیلّمْ أمرَك إليه بكمال الرضى، إذ الخيرُ فيما اختیاره اللّٰه. ولعل الأماكن الأخرى محتاجیة إلى صیاحیب قلب سیليم وعقل مستقيم مثلك يلقّن درس الإيمان التحقيقي. فلقد خدمتَ وللّٰه الحمد للإيمان خدمة جليلة في "أكريدير".
أخي العزيز!
إن مشاغل الربيع والصيف وقِصَرَ الليالي ومرور الشهور الثلاثة، وأخذَ أغلب إخوتي نصيبهم منها.. وأسبابًا أخرى تقلل - بلا شك - من الشوق المتواجد في دروس الشتاء. ولكن الفتور الناشئ من تلك الأسباب يجب ألّا يصيبكم، لأن تلك الدروس علوم إيمانية، يكفي للإنسان أن يُسمعها لنفسه وحده. فضلا عن أنكم تجدون دوما أخا أو أخوَين حقيقيين. ثم إن
— 62 —
الذين يستمعون إلى ذلك الدرس ليسوا من البشر فقط، بل للّٰه سبحانه وتعالى مخلوقاتٌ ذوات شعور كثيرةٌ تتلذذ كثيرا من استماع الحقائق الإيمانية، فلكم إذن أصدقاء كثيرون ومستمعون كثيرون من هذا النوع.
وكذا فإن المجالسة الإيمانية المتسمة بالتفكر على هذا النمط، زينة وبهجة لسطح الأرض ومدارُ شرفٍ لها، ولقد قال أحدهم إشارة لهذا:
آسْمَانْ رَشْك بَرَدْ بَهْرِ زَمِينْ كِه دَارَدْ
يَكْ دُو كَسْ يَك دُو نَفَسْ بَهْرِ خُدَا بَرْ نِشِينَنْدْ
بمعنى أن السماوات تغبط الأرض لما فيها من شخصين يجلسان أنفاسا معدودة -أي لدقيقتين- مجالسة خالصة لوجه اللّٰه، في ذكر وتفكر. فيبين كلٌّ منهما للآخر الآثار الجميلة لرحمة ربه الجليل وصنعته المزينة الحكيمة فيحب ربه ويحببه، ويفكر في آثاره ويحمل الآخر على التفكير.
ثم إن العلم قسمان: نوع منه يكفي العلمُ به ومعرفته والتفكر فيه مرة أو مرتين.. والآخر: كالخبز والماء؛ يحتاجه الإنسان ويفكر فيه كلَّ وقت. فلا يمكنه أن يقول: لقد فهمته وكفى. فالعلوم الإيمانية من هذا القسم، و"الكلمات" التي في أيديكم من هذا القسم -على الأكثر- إن شاء اللّٰه..
* * *
— 63 —
مسائل متفرقة
المسألة الأولى
سؤال: ما حكمة كثرة الصلاة على الرسول (ص)، وما سرّ ذكر السلام معها؟
الجواب: إن الصلاة على الرسول الكريم (ص) وحدها طريقُ الحقيقة؛ فهو (ص) مع أنه قد حظي بمنتهى الرحمة الإلهية قد أظهرَ الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه، ذلك لأن الرسول الكريم (ص) ذو علاقة مع آلام الأمة جميعا، وله حظّ بسعاداتهم. ولعلاقته بسعادة جميع الأمة المتعرضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبل غير محدود يمتد إلى أبد الآباد، أظهَرَ (ص) الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه.
ثم إن الرسول الكريم (ص) عبدٌ، وهو رسولٌ في الوقت نفسه، فيحتاج إلى الصلاة من حيث العبودية، ويحتاج إلى السلام من حيث الرسالة، إذ العبودية تتوجه من الخلق إلى الخالق حتى تنال المحبوبية والرحمة، فی الصلاة تفيد هذا المعنى؛ أما الرسالة فهي بعثة من الخالق سبحانه إلى الخلق، فتطلب السلامة (للمبعوث) والتسليم له، وقبولَ مهمته والتوفيق لإجراء وظيفته. فلفظ السلام يفيد هذا المعنى.
ثم إننا نقول "سيدنا" ونعبّر به: يا رب ارحم رئيسَنا الذي هو رسولُكم إلينا ومبعوثُنا إلى ديوان حضرتكم، كي تسري تلك الرحمةُ فينا.
اللّٰهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
— 64 —
المسألة الثانية
جواب قصير لسؤال طويل أورده أحد إخواننا.
إذا قلت: ما هذه الطبيعة التي زلّ إليها أهلُ الضلال والغفلة فدخلوا الكفر والكفران وسقطوا إلى أسفل سافلين بعد أن كانوا في مرتبة أحسن تقويم؟
الجواب: إن ما يطلقون عليه بی"الطبيعة" هو: الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى، التي هي عبارة عن مجموع قوانين عادة اللّٰه، التي تبين تنظيم الأفعال الإلهية ونظامها.
من المعلوم أن القوانين أمور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي. ولكن الغفلة والضلالة أدت بهم إلى الجهل بالكاتب والنقَّاش الأزلي، لذا ظنوا الكتابَ والكتابة كاتبا، والنقشَ نقاشا، والقانونَ قدرةً، والمِسطَر مصدرا، والنظامَ نظّاما، والصنعةَ صانعا!
فكما إذا دخل إنسان جاهل لم يَرَ الحياة الاجتماعية إلى معسكر عظيم وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الأنظمة المعنوية، خُيّل إليه أنهم مربوطون بحبال مادية، أو دخل مسجدا عظيما وشاهد الأوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة أو العيد، تخيل أنهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك أهلُ الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون الذي هو معسكر عظيم -لمن له جنود السماوات والأرض سلطانِ الأزل والأبد- أو يدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الأزلي، ثم يذكرون أنظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحِكم غير المتناهية أنها كالقوة أو كالمادة صماءُ عمياءُ جامدة مختلطة.
فلا شك أنه لا يقال عن مثل هذا: إنه إنسان، بل حتى لا يقال له: حيوان وحشي، لأن ما تخيله "طبيعة" يفرِض عليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلما محيطا بكل شيء، بل عليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب جميعَ صفات الواجب الوجود. وما ذاك إلّا محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.
فی"الكلمات" ورسائل أخرى قد أردتْ مفهومَ الطبيعة قتيلا في مائة موضع وموضع، وإلى غير رجعة! وكذا "الكلمة الثانية والعشرون" أثبتت هذا الأمر إثباتا قاطعا.
— 65 —
الحاصل: لقد أُثبتت في "الكلمات" إثباتا قاطعا: أن الذي يؤلّه الطبيعة يضطر إلى قبول آلهة غير متناهية لإنكاره الإله الواحد، فضلا عن أن كلَّ إله قادرٌ على كل شيء، وضدُّ كلِّ إله، ومثله.. وذلك لينتظم الكون!. والحال أنه لا موضع للشريك قطعا، بدءا من جناح ذبابة إلى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يَتدخل في شؤونه تعالى غيره؟
نعم، إن الآية الكريمة:
﴿ لو كان فيهما آلهة الّا اللّٰه لفسدتا فسبحان اللّٰه رب العرش عما يصفون ﴾
(الأنبياء:٢٢) تقطع أساس الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.
* * *
المسألة الثالثة إن الكفر بذرة لجهنم معنوية، كما أن ثمرته جهنم مادية -كما أُثبت في الكلمة الثانية والثامنة وفي سائر الكلمات- فكما أنه سببٌ لدخول جهنم، فهو سببٌ لوجودها. إذ كما أن حاكما صغيرا بعزة ضئيلة وغيرة قليلة وجلال بسيط لو قال له شرير: لا تقدرُ على عقابي، ولن تقدر. فإنه بلا شك ينشئ لذلك الشرير سجنا ويقذفه فيه حتى لو لم يكن هناك سجن.
كذلك الكافر بإنكاره جهنم، فإنه يَصِم من له منتهى الغيرة والعزة والجلال، ويكذّبه ويتهمه بالعجز والكذب، فيمسّ عزته بشدة ويتعرض لجلاله بسوء. فلا شك لو لم يكن أي سبب لوجود جهنم -فرضا محالا- فإنه سبحانه يخلقها لذلك الكفر المتضمن للاتهام بالعجز والتكذيب إلى هذا الحد، وسيقذف فيها الكافر.
* * *
المسألة الرابعة
إذا قلت: لماذا يتغلب أهلُ الكفر والضلال على أهل الهداية في الدنيا؟
الجواب: لأن اللطائف الإنسانية واستعداداتها التي مُنحت لشراء الألماس الأبدي تصرفها بلاهة الكفر وسُكرُ الضلالة وحيرةُ الغفلة إلى قطع زجاجية تافهة وبلورات ثلجية سرعان ما تزول. فلا شك أن قِطع الزجاج المتكسر والجماد لأنه قد اُشتري بثمن الألماس، يشتري أفضل زجاج وأجلى جماد!
— 66 —
كان فيما مضى جوهري ثري، فقدَ عقله وأصبح معتوها، ولما ذهب إلى السوق أخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا تساوي شيئا. ولما رأى الناس هذا منه، بدأوا يعطونه ما لديهم من أجمل زجاج، حتى الأطفال أعطوه بلورات ثلجية جميلة لقاء قطعة ذهب.
وكذا، فقد سكِر سلطان في زمن ما، ودخل ضمن الأطفال ظنا منه أنهم وزراء وقواد، وبدأ بإصدار أوامر سلطانية إليهم. سُرّ الأطفال بذلك، وقضى هو لهوا بينهم لطاعتهم له.
وهكذا الكفر بلاهة، والضلالة سُكر، والغفلة حيرة، بحيث يشتري الكافر المتاع الفاني بدلا من الباقي. وهذا هو السر في قوة مشاعر أهل الضلالة. فيشتد العناد والحرص والحسد وأمثالها من الأحاسيس لديهم، حتى ترى أحدهم يعاند -لسنة كاملة- لما لا يساوي دقيقة واحدة من الاهتمام.
نعم، إنه ببلاهة الكفر وسكر الضلالة وحيرة الغفلة تهوي اللطيفةُ الإنسانية التي خُلقت -فطرةً- للأبد والأبدية، فتأخذ أشياء فانية بدلا من الباقية وتعطيها ثمنا غاليا.
وهناك مرض عصبي أو مرض قلبي ينتاب المؤمن أيضا حتى إنه -كأهل الضلالة- يعطي اهتماما لما لا يستحق الاهتمام به. لكن سرعان ما يدرك خطأه فيستغفر ربه ولا يصر عليه. ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (البقرة:286)
* * *
المسألة السادسة "مسألة صغيرة" إن سبب إطلاق اسم "رسائل النور" على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة)، والمكتوبات (وهي ثلاثة وثلاثون مكتوبًا)، واللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعًا) هو أن كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
أن قريتي اسمها: نورس.
واسم والدتي المرحومة: نورية.
وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.
— 67 —
وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.
وأستاذي في القرآن: نوري.
وأكثر من يلازمني من طلابي من يسمّون باسم نور.
وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
وأول آية كريمة التمعت لعقلي وقلبي وشغلت فكري هي
اللّٰه نور السموات والأرض مثل نوره كمشمكوة...
(النور:٣٥).
وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: اسم "النور" من الأسماء الحسنى.
ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي اللّٰه عنه.
* * *
جواب لسؤال حول تغليف الأسنان
جواب لسؤال السيد خلوصي
أكتب لكم مجملا مسألة أو مسألتين شرعيتين:
إن المضمضة سنة في الوضوء وليست فرضا. بينما هي فرض في الاغتسال، فلا يجوز بقاء داخلِ الفم دون غَسل ولو شيئا جزئيا. ولهذا لم يجرأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الأسنان. والإمام أبو حنيفة والإمام محمد رضي اللّٰه عنهما لهما فتاوى في جواز صنع الأسنان من الفضة أو الذهب بشرط ألّا يكون تغليفا ثابتا. بينما هذه المسألة منتشرة بحيث أخذت طور البلوى العامة، لا يمكن رفعها.
فوردت إلى القلب فجأةً هذه النقطةُ: إنه ليس في طوقي ولا من حدّي التدخل في مهمة المجتهدين، ولكني أقول على الرغم من عدم ميلي إلى الرخص: إذا أوصى طبيب حاذق متدين بتغليف السن، عند ذاك تخرج السن من كونها من ظاهر الفم وتكون بمثابة باطنه. فلا يبطل الاغتسال بعدم غسلها، لأن غلافها يُغسَل فحلّ محلها. فكما يَحِل شرعا غسلُ
— 68 —
أغلفة الجرح محل الجرح نفسه لوجود المضرة، فغسل هذا الغلاف الثابت -المبني على الحاجة- يحل محل غسل السن، فلا يبطل الاغتسال. والعلم عند اللّٰه.
ولما كانت هذه الرخصة تقع للحاجة، فلا شك أن الذي يقوم بتغليف الأسنان أو حشوها للتجميل لا يستفيد من هذه الرخصة، لأنه لو عمل ذلك بسوء اختياره حتى في حالة الضرورة لا تباح له ذلك. ولكن لو كان قد حدث دون علمه فالجواز للضرورة.
سعيد النورسي
* * *
(حول رسالة الحشر)
النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين.
﴿ بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم ﴾
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم وعلى رفقائكم في درس القرآن
أخي العزيز!
أولا: لقد سرّني كثيرا رأيكم: أنه لا داعي لما رآه عبد المجيد من أن المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين، زائد لا داعي له، بناء على حذر في غير محله. علينا أن ندرك أننا نحظى بسر الآية الكريمة: ملة ابراهيم حنيفًا (البقرة:١٣٥). والتي تشير إلى اتباعنا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي نال ثناء القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم باللّٰه ﴾
(الأنعام:٨١).
ثانيا: يكتب عبد المجيد أن مفتيا -من أهالي مدينة لهم صداقة عامة نحوي- قد أورد انتقادات واهية، بنظرٍ سطحيّ عابرٍ على تفرعاتِ "الكلمة العاشرة". فأجوبة عبد المجيد له كافية، عدا موضعين. إذ هو الآخر قد أجاب جوابا سطحيا في موضعين اثنين حول ذلك السؤال السطحي.
— 69 —
الأول: لقد قال ذلك الفاضل: إن حقائق "الكلمة العاشرة" ليست للمنكرين، لأنها مؤسسة على الصفات الإلهية والأسماء الحسنى. ويقول عبد المجيد في جوابه له: قد حمل المنكرين على الإقرار بالإيمان في الإشارات الأربعة التي تسبق الحقائق، ثم يسرد الحقائق.
والجواب الحقيقي هو الآتي:
إن كل حقيقة من الحقائق -الاثنتي عشرة لهذه الرسالة- تثبت أمورًا ثلاثة في آن واحد: وجود واجب الوجود، وأسمائه وصفاته، ثم تبني الحشرَ على تلك الأمور وتُثبته. فيستطيع كل شخص من أعتى المنكرين إلى أخلص المؤمنين أن يأخذ حظه من كل حقيقة، لأنها تلفت الأنظار إلى الموجودات والآثار، وتقول: "في هذه الموجودات أفعال منتظمة، والفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، لذا فلها فاعل. ولما كان الفاعل يفعل فعله بالانتظام والنظام يلزم أن يكون حكيمًا عادلًا، وحيث إنه حكيم، فلا يفعل عبثًا، وحيث إنه يفعل بالعدالة فلا يضيّع الحقوق، فلا بد إذن من محشر أكبر ومحكمة كبرى".
وعلى هذا المنوال تسير الحقائق، وتلبس هذا الطراز من التسلسل، وتثبت الدعاوى الثلاث دفعة واحدة. ولأنها مجملة فالنظر السطحي يعجز عن التمييز. علمًا أن كل حقيقة منها قد فصلت بإيضاح تام في رسائل أُخر وفي "الكلمات".
الجواب الثاني الناقص الذي أورده عبد المجيد:
لقد أخطأ عبد المجيد لمسايرته السؤال الخطأ لذلك الفاضل ولقبوله الخطأ، لأنه لم يُذكر في حاشية "الكلمة العاشرة" أن الاسم الأعظم هو عبارة عن مرتبة عظمى لكل اسم فقط. بل ذكرنا في مواضع كثيرة: أن الحشر يظهر من الاسم الأعظم ومن المرتبة العظمى لكل اسم. فمع إثبات الرسالة -الكلمة العاشرة- الاسمَ الأعظم، فلكل اسم مرتبة عظمى أيضا بحيث حظي الرسول الأعظم (ص) بهذه المراتب. فالحشر الأعظم أيضا متوجه إليها.
فمثلا: اسم "الخالق" له مراتب ابتداءً من مرتبة كونه سبحانه وتعالى خالقي إلى المرتبة العظمى في كونه خالقا لكل شيء.
وقد قال ذلك الفاضل الذي ساوره الشك: إن وجود مرتبة عظمى لكل اسم من كلام
— 70 —
فلاسفة المتصوفة، قاصدا ردّه. بينما يتغير الاسم بالنسبة للإمام الأعظم أبى حنيفة والإمام الغزالى وجلال الدين السيوطي والإمام الرباني والشيخ الكيلاني وأمثالهم من المحققين الصدّيقين. فقد قال الإمام الأعظم:إن الاسم الأعظم هو: العدل، الحكم.. وهكذا.
على كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة.
وقد جعلتنى انتقادات ذلك الفاضل ممتنا بثلاث جهات:
أولاها: أنه عجز عن الانتقاد مع إرادته له. مما يبين أن حقائق "الكلمة العاشرة" تستعصي على الجرح والنقد. إلّا ما كان موجها إلى بعض العبارات في الفرعيات.
ثانيتها: نسأل اللّٰه تعالى أن تحث تلك الانتقادات همةَ عبد المجيد الفطن الغيور ليصبح رفيق "خلوصي" نشطا نابها أهلا لصداقته.
ثالثتها: أن ذلك الفاضل راغب في الرسائل، ولهذا انتقد، إذ الذي لا يرغب في شيء لا يهتم به، لذا سيستفيد بإذن اللّٰه من الرسائل في المستقبل استفادة تامة.
يمكنكم إجمال هذه النكتة إجمالا جيدا وإرسالها إلى ذلك الفاضل، مع تحياتي له وامتناني منه.
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(خادم الشخص المنتظر) أخي العزيز الغيور، يا أخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن، صبري الأول وخلوصي الثاني!
أبارك حُسن فهمكم وإدراككم الجيد للمكتوب العشرين واستنساخكم الجيد له، تذكرون في رسالتكم رغبتكم في تلقي درس في علم الكلام مني. أنتم يا أخي تتلقون ذلك الدرس فعلا، فما استنسختموه من "الكلمات" دروس منورة لعلم الكلام الحقيقي.
— 71 —
فقد قال علماء محققون، كالإمام الرباني: سيبين أحدُهم في آخر الزمان علم الكلام -أي المسائل الإيمانية الكلامية لمذهب أهل الحق- بيانا جليا بحيث يفوق على جميع ما كتبه أهلُ الكشف والطريقة الصوفية، فيكون وسيلة لنشر تلك الأنوار. حتى إن الإمام الرباني قد رأى نفسه ذلك الشخص.
فأخوك هذا العاجز الفقير الذي لا يُذكر بشيء لا يمكنني أن أدّعي -بما يفوق حدّي ألف مرة- أنني ذلك الشخص المنتظر، إذ لست أهلا لأكون ذاك من أية ناحية كانت. ولكن يمكنني أن أقول: إنني أظن نفسي خادما لذلك الشخص المنتظر، أهيئ الميدان لمجيئه، وجنديا من جنود طلائعه، ولهذا فقد أحسستم بتلك الرائحة العجيبة من تلك الأمور المكتوبة.
* * *
(حول توافقات القرآن الكريم)
باسمه سبحانه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها
يا سلوانى في دار الفناء هذه، ويا أنسي في دار الغربة هذه، يا من تحثونني على الكلام في الأسرار القرآنية بشوقهم ولهفتهم. يا إخوتي المخاطبين الأذكياء المتفرسين!
لأجل إشعاركم مبلغ عملي الذي يُرثى له بخط ناقص رديء، ولأجل إحساسكم كم هو مهم لديّ أقلامُكم القيمة، فقد أرسلت لكم بخطي "فهرس الحروف القرآنية" [٭]: وهو جزء من رسالة "الرموز الثمانية". من دون تصحيح، للاطلاع عليه لدقائق. والحال أنكم تأملتم فيه ساعات طوالا بدلا من دقائق قليلة ودونتموه لأيام عدة. فأدركت من هذا أنكم تهتمون بذلك الفهرس اهتماما بالغا. لذا أُرسِلُ لكم القائمة نفسها بعد تبييضها، فيمكنكم استنساخها. ولكن اعلموا أن هذا الفهرس قد كتب بشكل تقريبي ليكون مرجعا مؤقتا، فقد كتبته في ظرف تسع ساعات مع خطي الرديء وكتبت قسما منه استنادا إلى محفوظاتي السابقة والآخر بناء على مقياسين اثنين، ثم أدركت
— 72 —
أن هناك تفسيرا [٭]: المقصود المقياس في تفسير ابن عباس للفيروزابادى صاحب القاموس. في هذا الباب، فجلبناه، وقابلناه مع قائمتنا فشاهدنا أن الغالبية العظمى متوافقة، إلّا أن هناك خلافا في عدد قليل من المجموعات وفي حوالي خمسة عشر موضعا من المواضع الجزئية.
ونتيجةَ التحقيقات أدركنا أن المخالفة هي نتيجة أخطاء مطبعية للتفسير والمستنسخين، بينما صححنا مسوّدتنا في مكانين أو ثلاث، ثم أدركنا أنّا أخطأنا في ذلك التصحيح. فلم نغير بعدُ قائمتنا. وظننا أن التفسير بحاجة إلى تصحيح من جراء الأخطاء المطبعية. ولكن لم أجرؤ على التصحيح لأن صاحبه مدقق عظيم والمطبعة قريبة للجامع الأزهر وقد أشرف على الطبع علماء أزهريون.
أبعث لكم التفسير نفسه مع الفهرس المبيّض، لتطالعوهما ولكن لا تحاولوا الانتقاد، لأن قائمتي تقريبية فلم أجعلها تحقيقية، أما التفسير فهو يعتمد على الروايات على الأغلب. ثم إن هناك بعض السور المكية دخلت فيها آياتٌ مدنية وربما لم يدخلها في العدّ. فمثلا ذكر أن عدد حروف سورة العلق مائة ونيف، ومراده النصف الأول منها النازل أول مرة. فقد أصاب. أما أنا فاستنادا إلى ما حفظته سابقا أخطأت فيما أصاب فيه حيث أخذت السورة بمجموعها.
ثم إن أسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكلية. فالفهرس التقريبي كافٍ لنا. والتوافقات المذكورة في النكات الثلاث لدعاء "كنیز العرش" [٭]: دعاء طويل يبدأ بالتوسل بالبسملة وبدايات السور القرآنية سورة سورة ثم بكل حرف من حروف القرآن مع ذكر أعدادها في القرآن الكريم (مجموعة الأحزاب لضياء الدين الكموشخانوي. ج٣). لا تتغير بتغير الكسور. ولا تفسد تلك التوافقات حتى بتغير المجاميع الكبيرة. مثلا سورة الكهف ومعها تسع وثلاثون سورة تتفق في عدد الألف. فإذا ما فقدت إحدى السور أو اثنتان منها ذلك العدد الألف فلا يفسد ذلك التوافق.. وهكذا. رغم أن الكسور لها أسرار فإنها لم تُفتح أمامنا بعدُ فتحا جليا. ونسأل اللّٰه أن يفتحها لنا وعندها يأخذ الفهرس صورته التحقيقية.
سعيد النورسي
* * *
— 73 —
(الرسائل من العلوم الإيمانية)
أولا: إن هذه الكلمة (الكلمة العاشرة) لم تُقدّر حق قدرها؛ فقد طالعتُها بنفسي ما يقرب من خمسين مرة، وفى كل مرة أجد لذة جديدة وأشعر بحاجة إلى قراءة أخرى. فمثل هذه الرسالة يقرؤها بعضهم مرة واحدة ويكتفي بها وكأنها رسالة كسائر الرسائل العلمية، والحال أن هذه الرسالة من العلوم الإيمانية التي تتجدد الحاجة إليها في كل وقت كحاجتنا إلى الخبز كل يوم.
سعيد النورسي
* * *
(سعادتي بدعائكم)
فقرة غريبة لمسعود
عندما كنت أكدّ في ضرب المنجل لحصاد الشعير، والقمر ينور الأرجاء، والجو اللطيف ينمّي الشعير. تأملت في حالي يائسا وأنا غارق في هذا النور الوضيء، ولكن لا يكف عمل المنجل من الانتهاء. فأظل محروما من استنساخ رسائل النور. فقلت ما ورد على الخاطر، ولا أعلم أهو من الغفلة أم من طلوعات قلبية: "يا رب إن اسمي مسعود، ولكنى غير مسعود، فقد كدحت في العمل ولم أسعد!" واستمررت في الحصاد. وبعد فترة غلبني النوم ورأيت فيما يرى النائم أن أحدا يقول لي: لا تغادر طرف ثوب الأستاذ فهو الذي يجعلك مسعودا... أفقتُ من النوم، والقمرُ على وشك الغروب. فقلت حالا: "أستغفرك يا رب، إنني لم أطلب السعادة الدنيوية". فيا أستاذي لقد لُقِّنت أن سعادتي الأخروية ستحصل بدعائكم. فأرجو دعاءكم. وتقبلوا فائق الاحترام مقبّلا أيديكم وأقدامكم يا سيدي.
مسعود
* * *
— 74 —
(الرسائل مرشدة)
رسالة "مزينة" من أخواتنا في الآخرة وطالبات
رسائل النور.
أستاذي المحترم!
إن عيوني الغارقة في آلام هذه الدنيا الفانية، ارتبطت "بكلماتكم" المؤثرة وبرسائلكم الشافية من كل قلبي وروحي، وكلما قرأتها أدركتُ كم هي مرشدة تلك الرسائلُ، بحيث أعجز عن وصفها.
نعم، إن المظالم التي أرخت سدولَها وخيّمت على الدنيا في هذا الزمان، تُمزقها وتهتكها "كلماتكم" فتُبدد تلك الظلمات وتشتت تلك الغفلات. أيُّ عقل يا ترى يمكن أن يقذف نفسه في الظلمات بعد أن شاهد الحقيقة وسطوعَ أنوارها، فيغمض عينه دونها. فأنا بفضل اللّٰه تعالى لا أرمي نفسي إلى الظلمات مذ أصبحت محظوظةً وسعيدةً. فلا أرجع إلى الشقاء بإذن اللّٰه مرة أخرى.
أستاذي، إنني محرومة كسائر أخواتي من أخذ الدرس منكم بالذات، ولكني أتصور أنى آخذه غيابيا منكم باستماعي إلى تلك "الكلمات" الرفيعة مرة في الأسبوع أو في الشهر، فأتصور كأنني أتلقاه منكم مباشرة. نتضرع إلى المولى القدير دائما -وأنتم في المقدمة ونحن مِن خلفكم- لسلامة المسلمين وليحوّل حالنا وحالي من الظلمات إلى النور وليُنعم علينا سبحانه بأفضاله. إن لساني وعجزي وقصوري لا يسمح لي بالإسهاب والاستمرار في الكلام. فأنا معترفة بالتقصير يا أستاذي!
نسأله تعالى أن يجعل لنا يوما ننجو فيه -بتأثير الرسائل- من الأوضاع التي نفعلها دون اختيارنا وخارج إرادتنا -بإرشاد كلماتكم- كما نجا منها أخونا المتقي المستقيم السيد لطفي.
لقد تسلمنا من أخينا ذكائي "الكلمة السابعة عشرة" و"المكتوب الثامن عشر والعشرين" ورسالة "النوافذ" الساطعة بالأنوار، وبدأنا بمطالعتها.
هذا ولا يغادر أيدينا أستاذُنا الحقيقي وهو القرآن العظيم.
مزينة
* * *
— 75 —
(قراءة الرسائل عبادة فكرية) أخي العزيز السيد رأفت!
تسلمت رسالتكم والكتاب المرسل معها، بكل سرور وامتنان. ولقد شعرت فيكم روحَ أحد طلابي "خلوصي" الذي أكن له حبا عميقا. فقبلتك طالبا للنور، وليس طالبا حديثا بل قديما كقدم خلوصي. إن خاصية الطالب هي أن يتبنى العملَ للرسائل المؤلّفة كأنه هو صاحبها، وكأنه هو الذي ألّفها وكتبها فيسعى جادا لنشرها وإبلاغها إلى من هو أهل لها.
إن خطكم جميل.. بارك اللّٰه فيكم. فإن كان لكم متّسع من الوقت، فاستنسخوا قسما من الرسائل. وقسم منها سيستنسخه طلابٌ مجدّون أمثال خسرو. وأنتم بدوركم تستلمون منهم وتستنسخونه وتكونون من المشاركين لهم في أعمالهم.
فلقد كنت أنتظر منذ سنوات أن يظهر في إسبارطة طلاب مجدّون، فالحمد للّٰه والمنّة له وحده، فقد ظهر معكم عددٌ منهم، فالطالب الواحد يفضُل على مائة من الأصدقاء.
إن الأنوار القرآنية المسماة بی"الكلمات" هي من نوع العبادة الفكرية التي تعدّ من أعظم العبادات.
إن المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الإيمان. إذ الإيمان مفتاح السعادة الأبدية.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
— 76 —
(حول الاسم الأعظم)
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
أخي العزيز الوفي السيد رأفت!
أنتم تتابعون الرسائل وتستنسخونها، كما كنت آمل، فبارك اللّٰه فيكم. إن سعيا قليلا من أمثالكم بمثابة الكثير، لأن الكثيرين يقلّدونكم لثقتهم بكم. ولقد غدت ديارُ الغربة هذه في حكم موطني الأصلي، لوجداني فيها إخوانا نشطين جادين مثلكم. بل أنستني موطني الأصلي.
إن مصدر علو المؤلفات ومعدنها السامي ومنبع رفعتها بعد القرآن الكريم هو وجود مخاطبين يدركونها حق الإدراك ويشتاقون إليها اشتياقا جادا. فلئن شكرتم اللّٰه لوجدانكم إياي مرة واحدة فأنا أشكره سبحانه ألف مرة لوجداني إياكم.
تسألون في رسائلكم عن الاسم الأعظم. إن الاسم الأعظم مخفي، مثلما الأجل مخفي في العمر، وليلة القدر في شهر رمضان. واستتارُ الاسم الأعظم ضمن الأسماء الحسنى فيه حِكَم كثيرة. ومن حيث زاوية نظري أن الاسم الأعظم الحقيقي مخفي. يُعرّف به الخواص. ولكن لكل اسم مرتبة عظمى بحيث تكون بمثابة الاسم الأعظم.
فتبايُن وجدان الأولياء للاسم الأعظم نابع من هذا السر الدقيق. فالاسم الأعظم للإمام علي رضي اللّٰه عنه ستة أسماء، كما ذكر في أرجوزته الواردة في كتاب "مجموعة الأحزاب". [٭]: للشيخ أحمد ضياء الدين الكموشخانوي، جمع فيه الأدعية المأثورة عن الأئمة والأقطاب والأولياء العظام في ثلاثة مجلدات. طبع بإسطنبول بخط اليد سنة ١٣١١ وفي حاشيته شرح لبعض الأدعية. وقد بيّن الإمام الغزالي مزايا ما ذكره الإمام علي رضي اللّٰه عنه من الاسم الأعظم وتلك الأسماء الستة المحيطة به، وشرحها في كتابه "جُنة الأسماء" وتلك الأسماء الستة هي: فرد، حيّ، قيوم، حكم، عدل، قدوس..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
— 77 —
(كنت أكتب العلم في روحي)
ثالثا: تطلبون رسالة مني بخطي! فقد قيل لفاقد الشفاه: انفخ وأطفئ المصباح! فقال: لقد طلبتم أصعب الأمور، فلا أقدر عليه.
نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى لم يهب لي جودة الخط، حتى إنني أملّ من كتابة سطر واحد وكأنه عمل مرهق. فكنت أقول في السابق -متفكرا لا شاكيا-: ربّ رغم احتياجي إلى الخط ومحبتي النظم لم تمنحني هاتين النعمتين. ثم تبيّن لي بيانا قاطعا، أنه كان إحسانا عظيما عدم منحي الشعر والخط. فإن معاونة أمثالكم من أبطال الكتابة تحقق لي حاجتي إلى الخط. فلو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقرّ في القلب، فما من علم بدأتُ به سابقا، إلّا وكنت أكتبه في روحي لحرمانى من الكتابة الجيدة، فكانت تلك المَلَكة نعمة عظمى عليّ.
أما الشعر فرغم أنه وسيلة مهمة للتعبير، فإن الخيال يقضي فيه بحُكمه، فيختلط بالحقيقة ويغيّر من صورتها. وأحيانا تتداخل الحقائق. ولم يفتح القدرُ الإلهي باب الشعر أمامنا، عنايةً وفضلا منه تعالى، لأنه كان من المقدّر أن نكون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم التي هي حق خالص ومحض الحقيقة. فالآية الكريمة وما علّمناه الشعر (يس:٦٩). متوجهة إلى هذا المعنى.
سأكتب لكم عدة سطور لأجلكم أنتم بإذن اللّٰه...
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(سبب الاستهلال) أخي العزيز المدقق، ويا أخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن!
أولا: تستفسرون في رسالتكم عن سبب استهلالي الرسائل كلها بالآية الكريمة وإن من شيء إلّا يسبح بحمده (الإسراء:٤٤).
— 78 —
الجواب: إن حكمة ذلك هي أن أول باب فُتح لي من خزائن القرآن الكريم المقدسة هو هذه الآية الكريمة. فحقيقةُ هذه الآية ظهرت أول ما ظهرت لي من بين الحقائق القرآنية السامية، ولقد سرَت تلك الحقيقة في أغلب الرسائل.
وحكمة أخرى هي أن أساتذتي الكرام الذين أثق بهم قد استهلّوا بها رسائلهم.
وتسألون أيضا في رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة الرحم) والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين.
الباقي هو الباقي
أخوك
سعيد النورسي
* * *
(الرسائل قوت وغذاء)
١٤ شوال ١٣٥٢
كانون الثاني ١٩٣٤
(٭): تاريخ وصول الرسالة إلى السيد رأفیت.
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي في الآخرة، العزيز المدقق، السيد رأفت، يا رفيقي المتفكر الناشد للحقيقة
أولا: تذكرون في رسالتكم أنكم كلما قرأتم موازين رسائل النور استفدتم أكثر.
نعم، يا أخي إن تلك الرسائل قُوتٌ وغذاء لأنها مستقاة من القرآن الكريم، فكما يَستشعر الإنسان الحاجة إلى الغذاء يوميا، يستشعر الحاجة إلى هذا الغذاء الروحاني أيضا. فلا
— 79 —
يسأم من القراءة من انكشفت روحُه وانبسط قلبُه من أمثالكم. فهذه الرسائل القرآنية لا تشبه الرسائل الأخرى، فهي ليست من أنواع الفاكهة كي تُسئِم بل هي غذاء..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(حول الزيدية)
٥ شباط ١٩٣٤
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق المشتاق السيد رأفت!
ثانيا: إن سؤالكم حول الإمام زيد، إمام أهل اليمن سؤال ذو أهمية ويُمن إلّا أنه صادف وقتا لا يُمن فيه حيث الوضع لا يسمح، وذهني مسدود و... و... إلّا أنني أقول:
إن الإمام زيدا من السادات العظام، ومن أئمة أهل البيت، وهو الذي ردّ غلاة الشيعة قائلا: اذهبوا أنتم الروافض، ولا يقرّ بالتبرئة من أبى بكر وعمر رضي اللّٰه عنهما، بل يقرّ بخلافتهما ويجلّهما. وإن أتباعه هم أعدلُ الشيعة وأقربُهم إلى السنة، فهم يتصفون بالإنصاف وقبولِ الحق بسرعة. وسيستقيم -بإذن اللّٰه- عُدول الزيديين عن أهل السنة والجماعة وسيلحقون بأهل السنة والجماعة ويمتزجون معهم.
إن هذا الزمان الأخير يضطرب كثيرا، وتُشعر فتنةُ آخر الزمان هذه بولادة أمور عجيبة. سلامي إلى من له علاقة بالرسائل.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
— 80 —
(يمكنكم مجالسة سعيد)
١٥ شباط ١٩٣٤
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
ثانيا: (...) وقد قلت لكم سابقا: لا أهمية لشخص "سعيد" كي يُرغَب في مجالسته ومحاورته.
أما "سعيد" الذي هو أستاذكم فيمكنكم مجالسته ومحاورته كلما فتحتم رسالة من الرسائل.
أما "سعيد" الذي هو أخوكم في الآخرة، فهو معكم صباح مساء في الدعاء والتضرع إلى المولى الكريم. فالسيد "سزائي" يمكنه أن يرى أستاذه وأخاه "سعيد" في أي وقت يشاء.
أما شخص "سعيد" فيندم بعض من يراه، حسب المثل "تسمع بالمعيدى خير من أن تراه" [٭]: المثل للنعمان بن المنذر أورده الميدانى (٦٥٥) ١/١٧٨؛ والعسكري في جمهرة الأمثال ١/٢٦٦؛ والزمخشري في المستقصى ١/١٤٨؛ وابن منظور في لسان العرب مادة (معد). ويقول: ليتني لم أره! إنه شبيه بطبل حسن الصوت من البعد فارغ في القرب.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
— 81 —
(حول آل العباء)
١٤ نيسان ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق المهتم، السيد رأفت!
إن سؤالكم في هذه المرة ذو جهتين:
الأولى: جهة آل العباء، وهى سر، لست أهلا لذلك السر لأجيب عن سؤالكم، أو لا يمكن التعبير عن كل سر بالكتابة، لأن جلوة من جلوات الحقيقة المحمدية تظهر في آل العباء.
أما الجهة الثانية الظاهرية: فهي واضحة مبينة في كتب الأحاديث كصحيح مسلم، برواية أم المؤمنين عائشة الصدّيقة رضي اللّٰه عنها وهي: "خرج النبي (ص) غداة وعليه مرطٌ مرحّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جیاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:
﴿ انما يريد اللّٰه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾
(الأحزاب:٣٣).
وأمثال هذا الحديث الشريف موجودة في الصحاح الستة بروايات مختلفة تبين آل العباء. [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ الترمذي، تفسير سورة الأحزاب ٧، المناقب ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٠، ٤/١٠٧.
وقد قال أحد الفاضلين للاستشفاء والاستشفاع: [٭]: ورد في مجموعة الأحزاب للكموشخانوي جزء ٢ ص٥٠٥ في دعاء دفع الطاعون. وفيه: لي خمسة أطفي بها حر الوباء ...الخ.
لي خمسة أطفي بها نار الوباء الحاطمة المصطفى والمرتضى وابناهما وفاطمة
— 82 —
اكتفيت بهذا القدر حاليا، لا تتألم. سلامي لكل من ذكرتموه في رسالتكم فردا فردا، وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(تهنئة بولادة طفلة)
٩ مايس ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه سبحانه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت!.
أولا: إن قدومَ طفلتكم المباركة إلى الدنيا فأل خير لكم. أهنئكم عليها. وستنال بإذنه تعالى فيضا من أنوار الآية الكريمة: وليس الذكر كالأنثى (آل عمران:٣٦). إذ الابنة التي رُزقتم بها -كما رزق أخونا عاصم- تجعلانكما في ظني أهلا لمزيد من التهنئة والتبريك؛ ذلك لأن أهم أساس في مشربنا هو "الشفقة" والبنات بطلات الشفقة والحنان، وهن المخلوقات المحبوبات. إنني أعتقد أن الأولاد الذكور في هذا الزمان أكثر خطرا من الإناث.
أسأله تعالى أن يجعلها مبعث سلوان وأنس لكم، ويجعلها كملاك صغير يجول في بيتكم. وأفضّل أن يكون اسمها "زينب" بدلا من "رنكى گول".
ثانيا: إن ما كتبتموه أنت والسيد شريف حول رسالة "حكمة الاستعاذة" و"أسرار البسملة" إفادات مقتضبة جدّا بحيث لا يُفهم أهو تقدير أم نقد؟ علما أنني قلت مكررًا: إن كل شخص ليس محتاجا إلى إدراك كل مسألة من مسائل كل رسالة، بل يكفيه ما فهم منها.
— 83 —
ثالثا: إن عالم المثال برزخ بين عالمِ الأرواح وعالمِ الشهادة، فهو شبيه بكل منهما بوجه. حيث إن أحد وجهيه ينظر إلى ذاك والآخر إلى هذا.
مثلا: إن صورتك المثالية في المرآة شبيهة بجسمك وهي لطيفة كروحك في الوقت نفسه. فذلك العالم، عالم المثال، ثابت قطعا كقطعية ثبوت عالم الشهادة وعالم الأرواح
(٭): أعتقد أن وجود عالم المثال مشهود. وتَحقُّقُه بَدهي كبداهة عالم الشهادة، حتى إن الرؤيا الصادقة والكشف الصادق، والتمثلات في الأشياء الشفافة، ثلاث نوافذ مطلة من هذا العالم إلى ذلك العالم بحيث تظهر للعوام وللناس كلهم جوانبُ من ذلك العالم. (المؤلف)
فهو مَشهَر العجائب والغرائب وهو مُتَنَیزه أهل الولاية، فكما أن القوة الخيالية موجودة في الإنسان الذي هو عالم صغير، كذلك عالم المثال موجود في العالم الذي هو إنسان كبير بحيث يؤدي تلك المهمة. فهذا العالم ذو حقيقة. فكما تخبر القوةُ الحافظة في الإنسان عن اللوح المحفوظ، فالقوة الخيالية أيضا تخبر عن عالم المثال.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(اللطائف العشر)
٢٠ حزيران ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المهتم السيد رأفت
تسألون في رسالتكم عن اللطائف العشر، إنني الآن لست في حالة تدريس الطريقة الصوفية. والعلماء المحققون النقشبنديون لهم آثار حول اللطائف العشر.
فوظيفتنا في الوقت الحاضر استخراج أسرار القرآن الكريم، لا نقل المسائل الموجودة. فلا تتألم، لا أستطيع سرد التفاصيل. إلّا إنني أقول:
— 84 —
إن اللطائف العشر لدى الإمام الرباني هي: القلب، الروح، السر، الخفي، الأخفى، ولكل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفة إنسانية بما يناسب ذلك العنصر. وقد بحث إجمالا عن رقي كل لطيفة من تلك اللطائف وأحوالها في كل مرتبة من المراتب أثناء السير والسلوك.
إنني أرى أن في الماهية الجامعة للإنسان، وفي استعداداته الحياتية، لطائفَ كثيرة، ولكن اشتهرت عشرة منها. وقد اتخذ الحكماء والعلماء الظاهريون تلك اللطائف العشر أيضا وبصورة أخرى أساسا لحكمتهم، كالحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة كنوافذ تلك اللطائف العشر أو نماذجها.
وللطائف العشر الإنسانية علاقة مع اللطائف العشر لدى أهل التصوف -كما هو متعارف بين العوام- فمثلا: الوجدان، الأعصاب، الحس، العقل، الهوى، القوة الشهوية، القوة الغضبية وأمثالها من اللطائف إذا أضيفت إلى القلب والروح والسر تظهر اللطائف العشر في صورة أخرى.
وهناك لطائف كثيرة غير هذه المذكورة، كالسائقة والشائقة والحس المسبق -قبل الوقوع-. فلو كتبتُ الحقيقة حول هذه المسألة، لطالت. لذا اضطررت إلى الاقتضاب لضيق الوقت.
* * *
(المعنى الحرفي والاسمي)
أما سؤالك الثاني: إذا نظرت إلى المرآة من حيث إنها زجاجة، فأنت ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثِّلة فيها شيئا ثانويا، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثّلیة فيها، فالصیورة تتوضیح أمامك حتى تدفعك إلى القول: فتبارك اللّٰه احسن الخالقين (المؤمنون:١٤) بينما يبقى زجاج المرآة أمرا ثانويا.
فالنظرة الأولى تمثل "المعنى الاسمي" أي: إن زجاجة المرآة معنى مقصودًا، وصورة الشخص المتمثلة فيها "معنى حرفيًا" غير مقصود.
— 85 —
أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى "اسمي" أما الزجاج فمعنى "حرفي".
وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم: بأنه دلّ على معنى في نفسه. أما الحرف فهو الذي دلّ على معنى في غيره.
فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفا، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة -المادية- الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم)
٢٧حزيران ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
أخي العزيز المستفسر والمغالي في البحث والتحري، السيد رأفت!
إن ذكاءك الفائق وملاحظتك الدقيقة يدفعانني إلى أن أجيب باختصار عن أكثر أسئلتكم، فلا تتألم، رغم أني أريد محاورتك إلّا أن الوقت لا يسمح.
إن معنى مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم هو كالآتي:
— 86 —
كنت أرى -في بداية عهد الحرية- [٭]: وهو عهد الإعلان الثاني للدستور، أي المشروطية الثانية وتم ذلك في سنة ١٩٠٨ من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني. ملحدين داخلين ضمن الاتحاديين يقولون: إن في الإسلام والشريعة المحمدية دساتير قيمة شاملة نافعة جدًّا وجديرة بالتطبيق للمجتمع البشري ولاسيما للسياسة العثمانية. فكانوا ينحازون إلى الشريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، أي يلتزمون الحق ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنهم أهل لأن يدعون: "مسلمون غير مؤمنين".
أما الآن فهناك مَن يعتقد بنفسه الإيمان، فيؤمن باللّٰه ورسوله واليوم الآخر، إلّا أنه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للأجانب، تحت اسم المدنية. ولما كان لا يلتزم بقوانين الشريعة الأحمدية التي هي الحق والحقيقة ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون إذن مؤمنًا غير مسلم. ويصح القول: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكون سببًا للنجاة كذلك الإيمان بلا إسلام -على علم- لا يصمد ولا يمنح النجاة.
سؤالكم الثاني: الأجل المبرم والمعلق، فهو بتعبير آخر: الأجل المسمى وأجل القضاء، كما تعلمون.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
(الفقه الأكبر والمسائل الفرعية)
باسمه
﴿ وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت!
إن أفضل جواب وأسهله والحامل للرخصة الشرعية هو جوابكم أنتم. فقد قال شرح
— 87 —
الملتقى "للداماد" وفي مرقاة الفلاح: كفارة واحدة كافية لشهري رمضان. فكفارة واحدة كافية لوقائع متعددة لأن التداخل موجود. وقد قالا: هو الصحيح.
وهناك العزيمة والرخصة في هذه المسألة من زاوية نظر الحقيقة. فالعزيمة أن لكل رمضان كفارته إن كان الشخص يطيق. أما جهة الرخصة فبمقتضى التداخل، فالفرض كفارة واحدة لعدة شهور رمضان. وتظل الكفارات المتفرقة في درجة المستحبات. ولأن معنى العقوبة ومعنى العبادة مندرجان في هذه الكفارة فلا يكره عليها. فضلا عن التداخل.
إننا منهمكون بأسس الإيمان المسمى بی"الفقه الأكبر"، فلا يتوجه ذهني توجها جادا في الوقت الحاضر إلى نقل دقائق المسائل الفرعية ومراجعة مصادر المجتهدين ومداركهم، ولا يخفى عليكم أن الكتب أيضا ليست متوفرة لدي. فضلا عن أنه لا متسع لي من الوقت كي أراجعها. علاوة على ذلك فإن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسائل بتدقيقات صائبة بحيث لم تدع حاجة إلى تدقيقات عميقة في الفرعيات. فلو كنت أشعر بالحاجة الحقيقية لكنت أراجع المصادر القيمة للمجتهدين حول هذه المسائل وأمثالها وكنت أبينها لك. وربما لم يأت بعدُ زمنُ الانشغال بمثل هذه الحقائق..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * *
مسألة تخص الاقتصاد أيها الإنسان ويا نفسي!
اعلم يقينا أن بدنك وأعضاءك ووجودك ومالك وحيواناتك التي أنعم بها اللّٰه سبحانه عليك ليس للتمليك بل للإباحة. أي إنه ملّكك ملكَه لتستفيد، وأباحه لك للانتفاع، ولم يملّكه لك ملكا. فمثلُك العاجز عن إدارة المعدة -التي هي أسهل إدارة وأظهرها والداخلة ضمن الاختيار والشعور- كيف يكون مالكا للعين والأذن وأمثالهما من الحواس التي تستدعي إدارة خارجة عن دائرة الاختيار والشعور.
— 88 —
فما دامت الحياة وما تتطلبها من أمور لم تُمنح لك للتمليك بل للإباحة، فما عليك إلّا العمل وفق دستور الإباحة، أي بمثل المُضيّف يستضيف ضيوفا ويبيح لهم الانتفاع مما وضع أمامهم في المجلس من دون تملك لها، إذ قاعدة الإباحة والضيافة هي التصرف ضمن رضى المضيّف. فلا يمكن الإسراف فيما أُبيح للضيف ولا إكرامُ أحدٍ بشيء منه ولا التصرف فيه ولا تضييعه والعبث به، إذ لو كان تمليكا لكان يستطيع أن يتصرف فيه وفق رغباته وأهوائه.
فمثلَ هذا تماما؛ لا يجوز الانتحار وإنهاء الحياة التي وهبها لك اللّٰه سبحانه إباحةً، ولا يجوز أن تفقأ عينك ولا أن تفقأها معنًى باختلاس النظر إلى محرمات لا يرضى بها صاحبها. وكذا الأذن واللسان والأنف وما شابهها من الجوارح والحواس والأجهزة لا يمكن قتلها معنًى بالولوج في الحرام. فينبغي التصرف في جميع النعم في الدنيا وفق شريعة المُضيف الكريم.
سعيد النورسي
إنذار نهائي إلى مفتى "أكريدر"
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
سأدير معكم محاورة، لكونكم صديقا قديما وزميلا في العلم.
إنني أخبركم عن مصيبة دينية عظمية تتعلق بكلينا، فلنسع معا لدرء هذه المصيبة ورفعِها. وهي كالآتي:
في الوقت الذي ينبغي أن يكون شخصكم الكريم أكثر اهتماما وأزيد تأييدا لعملنا للقرآن والإيمان وأسبق الناس في الذود عنه؛ نراكم مع الأسف تنظرون إلينا نظرة باردة تنطوي على روح المنافس، حتى اتخذتم منا موقف المنحاز المناوئ، لأسباب مجهولة. بل سعيتم في تعيين ابنكم مديرا في هذه القرية [٭]: وهو الذي يذكره الأستاذ النورسي في المسألة السابعة من المبحث الرابع للمكتوب السادس والعشرين (الشخص الثاني). ومن ثم إيجاد مؤازرين وأصدقاء له، مما آل الأمر إلى حالة ترتعد فرائصي بدلا منكم كلما فكرت في ماهيتها. وذلك لأنكم السبب والمسؤول عن الخطايا والآثام الناشئة من هذه الحالة، وذلك وفق قاعدة: "السبب كالفاعل".
فكما لا يتحول السم إلى ترياق بمجرد التسمية كذلك إطلاق أيّ اسم كان على أوضاع هيئة تُضمر روح الزندقة وتهيئ الأمور للإلحاد، لا يغير من الأمر شيئا. فليطلق عليها أي اسم
— 89 —
كان، سواءً: منظمة الشباب، أو منظمة الميامين، فالمعنى لا يتغير. إذ الهيئات الموجودة في أماكن أخرى التي تتسمى بمنظمات الشباب ومجالس القوميين الأتراك، ومحافل التجدد، وما شابهها من الأسماء يمكن أن توجد في أشكال أخرى من دون أن تولد ضررا، ولكن سعي تلك الهيئة في هذه القرية وبإصرار ضدنا لا تكون إلّا في سبيل الزندقة، وذلك لأننا منهمكون دوما في خدمة الإيمان وحقائق الدين فحسب منذ ثماني سنوات.
فلا شك أن أعمال الهيئة العاملة الجاهدة ضدنا تكون في سبيل الإلحاد خلافا لأصول الدين، بل حتى تُحسَبُ أعمالُها في سبيل الزندقة، فالنتيجة هي هذه، سواءٌ عُلمَتْ بها أم لم تعلم، إذ قد تبين لدى الجميع أنه لا علاقة لي قطعا بالتيارات السياسية، بل نحن ننشغل بالحقائق الإيمانية وحدها.
فالآن لو عمل أحد عملا ضدنا فلا يعدّ عمله في سبيل الحكومة، لأن مسلكنا ليس سياسيا، ولا يكون أيضا في سبيل مستحدثات الأمور، لأن شغلنا الشاغل الحقيقي هو الأسس الإيمانية والقرآنية، ولا يكون أيضا في سبيل الأوامر الرسمية لدائرة الشؤون الدينية. لأن الانشغال بانتقاد أوامرها ومعارضتها يشغلنا عن عملنا المقدس. فندع ذلك العمل للآخرين ولا ننشغل به. بل نحاول ألّا نمس تلك الأوامر على قدر المستطاع.
لذا فإن الذي يتخذ سلوك المخالف لنا والمتعدي علينا، فإن مخالفته هذه تعد في سبيل الزندقة والإلحاد، أيا كان اسمه، حيث إن هذه القرية أصبحت مدار تيار إيماني طوال ثماني سنوات.
ومن هنا فإن الوضع الناشئ، وضعٌ جادّ مهم يتعلق بكلينا، استنادا إلى علمكم ومقامكم الاجتماعي ومنصبكم، منصب الفتوى، ونفوذكم في هذه المناطق، ومعاونتكم لابنكم تلك المعاونة الناشئة من عطفكم المفرط على الأولاد.
إن بقائي هنا ليس دائميًا بل هو مؤقت، وأنا لست مكلفا بإصلاح ذلك الوضع بل يمكن أن أتخلّص من المسؤولية إلى حدّ ما. ولكن جنابكم العالي، لكونكم السببَ في الأمر ونقطة الاستناد فإن النتائج الوخيمة التي تنشأ من ذلك الوضع يترتب عليكم إصلاحُها قبل كل شيء، وذلك لئلا تُسجّل في سجل أعمالكم الأخروية. أو تسعون في سحب ابنكم من هذه القرية.
سعيد النورسي