Risale-i Nur

الملاحق
— 4 —
كليات رسائل النور
٧
الملاحق
في فقه دعوة النور
تأليف
بديع الزمان سعيد النّورسي
ترجمة
إحسان قاسم الصّالحي
— 5 —
ما تنا تلق؟
الحمد للّٰه والصلاة والسلام على رسول اللّٰه ومن والاه، وبعد
لا يخفى على القارئ الكريییم أن "الملاحق" تعني الرسیییائل الملحقة بالكتاب بعد الفراغ منه. إلّا أن هذه "الملاحق" واكبت رسائل النور منذ شروع الأستاذ سعيد القدرسي بتأليفها في "بَارلاَ" سنة ١٩٢٧، واستمرت معها لحين ارتحال المؤلف إلى رحمة الرحمن سنة ١٩٦٠.
فهذه "الملاحق" عبارة عن مجموعة مكاتيب جرت بين الأستاذ النورسي وطلابه الأوائل. وطابعُها العام توجيهيالخاطردي يبين أهميةَ رسائل النور ومنهجَها في الدعوة إلى اللّٰه في هذا العصر. تكتنفُها مكاتيب ودّية يبيّن فيها الطلابُ مدى استفاضتهم الروحية من رسائل النور واستفادِتهم العقلية منها، وكيف أنها حوّلت مجرى حياتهم وفتحت أمامَهم آفاقا معرفية واسعنظر إلضمن أيضا خواطر وردت على قلب الأستاذ النورسي يَذكرها لطلابه بصدق وإخلاص. فضلا عن توجيهات لتقويم السلوك وكيفيةِ التعامل مع الآخرين والحثّ عل ومن امان العميق والعمل المتواصل والترابط الوثيق والاعتصام بالكتاب والسنة، مع التأكيد على العبادة وشحن القلب بالذكر والدعاء والتفكر الإيماني، ودوام الاستغفار والانطراح بين يدي المولى القدير عاجزا فقيرا... وأمثالها من الأمور الت فنحن كل داعية إلى اللّٰه، بل كل مسلم.
وتتضمن "الملاحق" ثلاثة كتب مستقلة هي: ملحق بَارلاَ، ملحق قسطموني، ملحق أميرداغ. والحقيقة أن هذه الملاحق الثلاثة تشكلت تدريجيا، وذلك بضم امى..
ب المتبادلة بعضها ببعض، ثم عرضِها على الأستاذ النورسي، واختياره ما يصلح للنشر من بينها.
هذا، وإن كل ملحق من هذه الملاحق الثلاثة يبين مرحلة معينة من مراحل حياة الأستاذ النورسي، مثلما يبين مرحلة مميزة أيضا من تاريخ دعوة النة وحكم انبثاقها في تركيا. علما أن كل مرحلة من المراحل تبدأ بامتحان عسير وتمحيص إيمانيّ دقيق للعاملين في حقل الإيمان ودعوة القرآن من سجنٍ وتشريد ونفي وتعذيب. ثم تعقبها المرحلة الأخرى وهكذا.
— 6 —
فملحق بَارلاَ:يضم المكاتيب التي تبدأ منذ نفي وصلابتاذ النورسي إلى ناحية "بَارلاَ" سنة ١٩٢٧ وإقامته الإجبارية هناك إلى أن اقتيد مع طلابه إلى محكمة الجزاء الكبرى في "أسكي شهر" ثم أُودع سجنَها سنة ١٩٣٥.
أما ملحق قسطموني:فيتضمن المكاتيب التي جرت بين الأستاذ النورسي وطلابه بعد قضائه مدة محكوية بقوي سجن "أسكي شهر" ونفيه إلى قسطموني سنة ١٩٣٦ وإقامته الإجبارية هناك لحين سَوقه مع طلابه النور إلى محكمة دنيزلي سنة ١٩٤٤.
أما ملحق أميرداغ:فعلى جزأين:
الأول:عبارة عن مكاتيب الأستاذ النورسي بعد براءته من محإلقاء نيزلي" سنة ١٩٤٤ وإقامته الإجبارية في "أميرداغ" بقرار من مجلس الوزراء، وينتهي هذا القسم أواخر سنة ١٩٤٧ أي حتى الدخول في السجن الثالث الرهيب، سجن "أفيوُن".
والقسم الثاني منه:يبدأ من سنة ١٩٤٨ أي من بعد الإفراج عن الأستاذ النورسي وطلابهله الون "أفيوُن" ورجوعه إلى أميرداغ وإقامته الإجبارية فيها لحين وفاته، تتخللها مكاتيبه التي أرسلها إلى طلابه في أثناء إقامته لمدة شهرين في "أسكي شهر" وثلاثة أشهر في إسطنبول لمرتين (١٩٥٢-١٩٥٣) عند قدومه إليها لأجل الدعوي لولاقامة على رسالةِ "مرشد الشباب"، وأيضًا مكاتب التي كتبها في إسبرطة التي كان يسكنها أحيانًا.
أما الرسائل القيمة التي كتبها الأستاذ النورسي في أثناء سجن "أسكي شهر" فقد نشرت في اللمعات. أما رسائل التى كتبها في سجن "دنيزلي" و"أفيون" فقدفوج ثمضمن مجموعة "الشعاعات" على وفق ما ارتآه المؤلف نفسه.
ومن الجدير بالذكر أن "الملاحق" هذه امتازت بطابع دعوي خاص في مخاطبة المحبين والمناصرين للدين بل حتى المعارضين له، وحثّهم جميعا للذود عن الإسلام وعقيدته وتاريخه، لمیا واجه الالنور التركي وقتئذ من ملابسات سياسية قاسية شاذة، وحرمانٍ من أبسط المفاهيم الإسلامية في مرحلة لم يكن هناك عمل إسلامي جاد يحمل على عاتقه مسؤولية النهوض بحمل الأمانة وإرشاد أبناء الأمة.
ولكي يجني القارئ الك في الثمرات الطيبة لهذه "الملاحق" نضع بين يديه الخطوط
— 7 —
العريضة للأوضاع السائدة في تلك الفترة والقسمات البارزة لأوضاع كل مرحلة، لتكتمل لديه صورةضيّع ألة، وليلمس بنفسه أهمية الأمور التي يتطرق إليها الأستاذ النورسي في "الملاحق".
كانت تركيا في تلك الفترة (١٩٢٠-١٩٥٠) تعيش في ظلام قاتم من الظلم والطغيان والعداء السافر للدين؛ فالسلطة الحاكمة آنذاك أرادت قطع الأمة عن عق الأمو فحظرت تداول القرآن الكريم، وألغت المدارس الدينية، ومنعت أداء فريضة الحج بحجج مختلفة، وحرمت أداء الأذان وإقامة الصلاة وخطبة الجمعة بالوجه الشرعي وبدّلتها إلى التركية، وفرضت ا دفع لأوروبي والسفور على النساء، وألغت الحروف العربية المستعملة إلى اللاتينية، وفرضت يوم الأحد عطلة رسمية بدلا من يوم الجمعة، ووضعت القوانين الأوروبية موضع التنفيذ بدلا من أحكام الشريعة، وألّفت المحاكم في طول البلاد وعرضها لتطبيق هذه افع معنن، فزرعت الإرهاب والذعر في قلوب الناس ونصبت المشانق للعلماء ولكل من تحدثه نفسه بالاعتراض على السلطة الحاكمة. ومن جهة أخرى كانت تُروّج للقومية التركية وامتيازها على غيرهنفخ فيلقوميات، وتُقدّس الزعماء إلى حدّ التأليه، وتدرّس الفلسفة المادية وإنكار الخالق والآخرة في المدارس مع بث روح الإعجاب بحضارة أوروبا إلى حدّ التميع.
ومن هنا نرى أن مرحلتي "بَارلاَ" و"قسطموني" خاصة (١٩٢٧-١٩٤٤) -وكذا أميرداغ الاتحزان بالعمل السري التام والتأسيس الصامت، والتأكيد على الحذر الشديد لإرساء القواعد، وتربية طلاب يتحلون بالإخلاص الكامل والتفاني في العمل والوفاء الخالص والشغف بالدعوة والارتباط المتين بها، وبُعدٌ له - في سبيل نشر رسائل النور التي هي تفسير للقرآن الكريم والعمل المتواصل في ترسيخ حقائق الإيمان في النفوس ودفع الشبهات عنها، في الفترة التي تعدّ أقسى الفترات التي مرت على تركيا حيث الحرب الضروس على الإسلام قائمة تش العرقا مرّ الزمان، فضلا عن مصائب الحرب العالمية الثانية -في مرحلة قسطموني- التي أذاقت الناس الجوع والفقر مع الخوف والهلع رغم بقاء تركيا في الحياد منها.
استمرت هذه السنوات العجاف والأجواء الحالكةى رسائيأ اللّٰه سبحانه ثلة من الطلاب الميامين من الرعيل الأول من طلبة النور شمروا عن ساعد الجد في العمل الدؤوب، قلوبهم تفيض بالإيمان، أرواحهم مشبوبة نضرة ملآى بحب اللّٰه ورسوله (ص)، صدورهم
— 8 —
مفعمة بالدعوة إلى الإيمان والقرآن، حتى كان أحدهم يسير ل. ولقدى مطلع الفجر بين الجبال ليوصل الرسالة إلى من يستنسخها باليد.
وطوال هذه السنين والأستاذ النورسي دائم الاتصال مع طلابه بالمراسلة سرًّا رغم بُعده عنهم ورغم الترصد الدائم والمراقبة فتندموة. فالتوجيهات مستمرة إلى العمل مع أخذ الحيطة والحذر والجدّ في العمل وملازمة التقوى والزهد والقناعة والغيرة على الإيمان في تواضع جمّ وانقطاع كامل إلى دعوة الإيمان والقرآن.
ومما يلفت النظر أن الأستاذ النورسي ضمّ بين مكاتيبه في "الملاحق" مكاجمهوريردت إليه من طلابه يفصحون فيها عن جيشان مشاعرهم القلبية وفيضهم الروحي وتزودهم العقلي لدى قراءتهم رسائل النور التي كلما قرؤوها عملت على تزكية نفوسهم وتنقية فكرهم من الشوائب والشبهات ودفَعتهم
الاعتصام بكتاب اللّٰه وسنة رسوله (ص) يحدوهم الشوق إلى العمل في سبيل إعلاء كلمة اللّٰه. فمكاتيبهم هذه إنما هي نوع من عرفان للجميل الذي قدمته لهم رسائل النور.
أما في ملحق "أميرداغ" فنجد الأمر قد تغيّر قليلا حيث أتيحت حرية نسبية للمسلمي- طريق بعد سنة ١٩٥٠. لذا نرى فيه موازين سياسية وقواعد اجتماعية، ولاسيما في القسم الثاني منه، ورسائل موجهة إلى المسؤولين في البلاد بدءا من مدير الأمن للولاية إلى مديرٰه، يَ العام إلى محكمة التمييز والمحاكم الأخرى إلى رئاسة الوزارة فرئيس الجمهورية، بل إلى خارج تركيا بل حتى إلى البابا في الفاتيكان، مع ردود على الصحف المأجورة الرهيبا فتئت تحرض على المسلمين وتشيع الفتن وتبث الإشاعات.
وحيث إن الأستاذ النورسي نفسه قد اختار من المجموعة الهائلة للمكاتيب المتبادلة بينه وبين طلاب النور ما يصلح أخويّ فقد انتقينا كذلك في أثناء الترجمة من المكاتيب التي اختارها الأستاذ النورسي تلك التي لها فاعليتها في التوجيه والإرشاد وتعبّر عن أساليب الدعوة في مراحلها المختلفة أو العمل مع الموالين والمعارضين بأصنافهم كافة، أو فيها دروس بليغاف، حت رصينة وقواعد سديدة وموازين صائبة يحتاج إليها كل صاحب دعوة. ذلك لأن أمور
— 9 —
الدعوة إلى اللّٰه تتكرر في كل مكان وزمان بعُسرها ويُسرها وفي منشطها ومكرهها. لذا تعدّ هذه المكاتيب نماذج حيّة وموفّقة في حقل دعوة الإيمان والقرآن لا يمكن الاستغن٧٠،١٧٢ا.
ولأهمية "الملاحق" هذه وضعها الأستاذ النورسي ضمن رسائل النور الإيمانية وجَعَلها "المكتوب السابع والعشرين" من مجموعة "المكتوبات".
والملاحَظ أن من يقرأ "المباحث الإيمانية" في رسائل النورات الم عميق، يصفو ذهنُه وتشرق روحُه ويصقل إيمانُه، فيرقى في مدارجه.. وأنّ من يديم قراءة "الدفاعات" المندرجة في ثنايا الرسائل يتجهّز بأعتدة تُعِينه في *
عن دعوته تجاه شياطين الجن والأنس.. وأنّ من يَدرس "الملاحق" دراسة متقنة تصبح حركاتُه وأطواره ونظراته للأحداث والوقائع منسجمةً مع منظور رسائل النور القرآني، فتتوسع مداركُ عقله ويتنور فهمُه ويفيض قلبُه وتستجيش عواطفه ويَنْفُذ نظره إلى البعيد، ف الذي غ به الأهواء بإذن اللّٰه.
ويجمُل بنا أن ننقل هنا نص رسالة الأستاذ النورسي إلى أحد طلابه الأوائل (خسرو) والتي يبيّن فيها ماهية هذه "الملاحق" ليكون مسك الختام لهذه المقدمة:
"إن هذه الرسالة (أي ادرسة ا السابع والعشرين) مجلس نوراني عظيم، يتدارس فيه طلاب القرآن الكريم الميامين، ويتداولون فيما بينهم -ضمنا- الأفكارَ الدائرة ووجهاتِ النظر، ويدلي كلٌ بدَلوه فيما تعلّمه من دروس القرآن الكريم.
وهي أيضا منیزل عظيم، ومعرض واسع لعاللّٰهسائل التي هي صناديقُ مجوهراتِ الخزينة القرآنية المقدسة؛ فكل طالب يعرض ما أخذه من الجواهر النفيسة على الزبائن الكرام. فبارك اللّٰه فيكم يا أخي خسرو، فلقد جمّلتم ذلك المنیزل أيّ "تجميل". وتسهيلا للقارئ الكريم وضعنا بدايةَ كلِّ مكتوب عنوانا صغى والإرناه بين قوسين مركّنين وهو غير موجود في النص التركي.
واللّٰه نسأل أن يوقفنا إلى حُسن القصد وصحة الفهم وصواب القول وسداد العمل.
وصلِّ اللّٰهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبهم في م
إحسان قاسم الصالحي
— 11 —
ملحق بارلا
— 12 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 13 —
باسمه سبحانه
وان من شيءٍ الّا يسبح بحمده
المقدمة
هناك خمسة أسباب لإدراج ما كتبه كلٌّ من "خلوصي" "وصبري" في رسائلهما، حول انطباعاتهما عن ر* *
لنور ضمن أجزائها، وهي الآتية:
الأول:أما خلوصي، فإن غيرته وجدّيته هما أهمُّ سببين لكتابة أواخر "الكلمات" وأغلبِ "المكتوبات". وكذا الشوق الجاد المنبثق من صميم القلب لدى "صبري" هو السبب في كتابة "المكتوب التاسع عوالذي ذي يكوّن ثلث "المكتوبات".
السبب الثاني:هذان الأخَوان المحترمان لم يكونا على علم من أن هذه الفقرات ستنُشر. وإن عدم معرفتهما هذا جعلهما بعيدَين عن التكلف والتصنع، فجاءت كتاباتليها وي غاية الإخلاص، تلك التي تعبّر عما تتحسسه مشاعرُهما وأرواحهما من مراتب الذوق تجاه الرسائل، وتُبيّن في الوقت نفسه أشواقَهما نحو الحقائق الإيمانية. لذا ليس إعجابُهما وتقديرهما من قبيل التقاريظ المعروفة، بل هو تعبيرٌ صادق لا مبالغةَ الفتوّا لمَساه من حقيقة وذاقاه منها فعلا.
السبب الثالث:أنهما من طلابي الحقيقيين، ومن رفقائي الصادقين الجادّين، يحملان ثلاثَ خصال من خصال طلاب النور العاملين في سبيل القرآن، وهي: خاصيةُ كلٍّ من "الطالب" و"الأخ" و"الصديق". بل اذٍ من فازا بقصَب السَبق في الاتصاف بتلك الصفات الثلاث والتي هي:
الخاصية الأولى:أنهما يتبنيان ما يُنسب إليّ -من رسائل النور- وكأنهما صاحباه بالذات. فإذا ما دُوّنت كلمةٌ من "الكلمات" فإنهما يتذوقانها ذو البدعصا كأنهما قد كتباها وألّفاها بنفسَيهما، فيشكران اللّٰه. فهما كروح حلّ في جسدين، وهما وارثاي الحقيقيان المعنويان.
— 14 —
الخاصية الثانية:أنهما يعتقدان أن أعظمَ غاية من غايات حياتهما وأجلَّها هيوري اض القرآن الكريم بوساطة تلك "الكلمات" النورية. ويدركان أن خدمة الإيمان هي أهم نتيجة حقيقية لحياتَيهما الدنيوية وأعظم وظيفة فطرية لهما في الدنيا.
الخاصية الثالثة:أنهما يشعران بجراحاتهما -بمثل ما أشعرُ بها-هذه تعانها بالأدوية التي أخذتُها من صيدلية القرآن الكريم المقدسة والتي جرّبتُها في نفسي أولا. وهما يحملان في الوقت نفسه غيرة عالية سامية للحفاظ على إيمان المؤمنين. لذا يشعران فسه. ذعالية لضماد جراحات أهل الإيمان الناشئة من ورود الشبهات والأوهام.
السبب الرابع:أن السيد خلوصي هو كابني المعنوي الوحيد وابنِ أخي "عبد الرحمن" الذي كان مدار سلواني ووارثي الحقيقي وكان من المتوقع أن يملك دهاءً نورفإذا هوبعد وفاته حلّ "خلوصي" محلّه، حيث بدأ يوفي الخدمات التي كنتُ أنتظرها من المرحوم حقَّها.
وعندما كنت أكتب "الكلمات" قبل رؤيتي لخلوصي بمن كرامدة شعرت وكأن شخصا معنويا موظفا بوظيفته العسكرية يمثّل مهمة المخاطَب لي، لذا جاء معظم أمثلتي على وفق وظيفته وسارت مسرى مسلكه. بمعنى أن انه ليسسبحانه قد جعل هذا الشخص طالبا ومُعينا لي في خدمة القرآن والإيمان. وأنا بدوري كنت قد اتخذته مخاطبا لي دون قصد أو شعور وكلّمته في "الكلمات" قبل أن أراه وألقيَ عليه الدرس.
أما "صبري"، فإنه يحملفطنين فارقة فطرية خاصة بي، [٭]: وهي التحام إبهام الرجل مع التي تليها. لم أرَها في غير "صبري" في الأماكن التي تجولتُ فيها. ويشعر بصلة قرب معي تفوق صلةَ الرحم. وكنت آمل مائه الة يسيرة حيث قد انتبه مؤخرا، إلّا أنه سبق الجميع. فهذه إشارةٌ إلى أنه "خلوصي الثاني" وأنه مرشح لهذه الخدمة، قد ولّاه العلي القدير لهذه المهمة طالبا وزميلا في خدمن المحآن.
السبب الخامس:أنني لا أقبل المدح والثناء وإبداء الإعجاب فيما يخصنّي، لأنني قد لمستُ ضررا بالغا منه، ولهذا أنفر منه نفورا شديدا بل أتجنّبه خشيةَ أن يكون التقدير والإعجاب مدارَ فخرٍ وغرور. ولكن من حيث إني داع إلى القرآن الكريلأربعيِم له، فإن الإعجاب والتقدير لا يعودان لي من هذا الجانب وإنما يعودان إلى "الكلمات" النورية، بل إلى
— 15 —
الحقائق الإيمانية والأسرار القرآنية. ولهذا أقبل مثل هذا النوع من التقدير و ذيلب من باب الشكر للّٰه تعالى لا افتخارا.
وهكذا فلأن هذين الشخصين قد أدركا هذه الحقيقة أكثرَ من غيرهما، فإن ما كتباه من تقدير وإعجاب بغير شعونتشر، ا وبدافع من وجدانهما أصبح سببا لإدراجه ضمن رسائل النور.
نسأل اللّٰه أن يكثّر من أمثالهما ويوفقهما إلى الخير، ولا يزيغ قلبيهما.. آمين.
اللّٰهم وفّقنا وإياهما وأمثالهما من سنة اضا لخدمة القرآن والإيمان كما تحب وترضى بحق من أنزلتَ عليه القرآن، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليمات ما اختلف الملوان وما دار القمران.
سعيد النورسي
— 16 —
المكتوب السابع والعشرخوة يعو ذيوله
وهو فقرات التقدير والإعجاب المستلة من الرسائل الخاصة للسيد "خلوصي" المخاطبِ الأول بی"مكتوبات" النور.
أما القسم الثاني من هذا المكتوب (السابع والعشرين)، أي وما ي، فهو فقرات السيد "صبري" الذي هو حقا "خلوصي الثاني". تلك التي يبين فيها إعجابه وتقديره لرسائل النور. [٭]: يضم ملحقُ بَارلاَ وذيوله، قسمًا من المكتوب السابع والعشرين. وقد كمل فيما بعد هذا المكتوبُ بضم الملاحق الثلاثة معًا وهي: ملحق بَارلاَ، مل والنمموني، ملحق أميرداغ.
— 17 —
(مهمة الداعية لا تنتهي)[٭]: هذه العناوين الصغيرة للمكاتيب، المحصورة بين قوسين مركنين ليست من النص.
الفقرة الأولى للسيد خلوصي
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
وان من شيءٍ الّا يسبح بحمقيقة ولسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد ذرات الكائنات أبدا دائما
أيها الأستاذ المحترم!
لست من الكاملين الذين يجدون اللذة ويشعرون بالنشوة لدى رؤية أنفسهم فقراءَ حقراء أمام اللّٰه، ولكني مهما: إد أن يَظهر كما هو، وقد حظي بلطفكم وخطابكم له بی"طالبي، أخي، ابن أخي". وحقا يا أستاذي إني في وضع وضيع معنويا وفي أشد الحاجة إلى دعائكم.
فلقد تعلقت المشيئةُ الإلهية بإظهار بعض لمعات القرآن المبين -الذي هو نورتيجتينحقيقة- إلى أبناء هذا العصر ولاسيما إلى الفرق الضالة، بيانا واضحا وضوحا جليا بحيث يَدخل إلى عيونهم المطموسة. وأصبح الأستاذ المحترم وسيلة للقيام بهذه المهمة الجليلة. وهكذا -بلطف اللّٰه وفضله وعنايته سبحانه- دُفع طالبُكم هذا -الذي هو واهيةء وعدم في عدم- إلى القيام بخدمة جزئية لأستاذه الذي يوفي مهمة خدمة القرآن العظيم حق الإيفاء. ولهذا فمهما بالغتُ في الشكر للّٰه فهو قليل جدّا إزاء نعَمه العظيمة. فليس لي حقّ الفخر قطعا ولو بمقدار ذرة، بل أطلب العفوَ والصفح عن الأخطاء والذنوب المؤقتلة في أثناء سيرى للقيام بهذه الخدمة...
لقد أصررتم يا أستاذي المحترم في رسالتيكم الأخيرتين على الإجابة عن سؤال قد تفضلتم به سابقا. فسمعا وطاعةً. ولكن إزاء هذا السؤال ارى معجليس لي إلّا الالتجاء إلى العناية الإلهية والتشبثُ بالكرم الإلهي والاستمداد من روحانية الرسول الكريم (ص)، ذلك لأني في منتهى العجز والفقر. ولأجل أن يكون الجواب مطابقا للحق منطبقا على الحقيقة، ه يقفزلا شك أن "الكلمات" المباركة هي لمعاتٌ من نور الكتاب المبين. وعلى الرغم من أنها
— 18 —
تحتاج إلى إيضاح وشرح في بعض المواضع بسبب أسلوبها الرفيع، فوّق ال ولا قصور فيها بكليتها، ويمكن لكل طبقةٍ من الناس أن تأخذ منها حظَّها. ويكفي لصحة قناعتنا عدمُ قيام أحد بانتقادها لحدّ الآن، بل إبداءُ كلِّ مشرب ومسلكٍ الة، لدىها وبقاءُ الملحدين إزاءها صما بكما..
وها أنذا أدرج البراهين التي تمكنتُ من التفكر فيها، والتي تدل على عدم انتهاء مهمّتكم:
أولا:إن واجب العلماء هو الصدعُ بالحق وعدمُ السكوت عنه عند انتش الأنادع. وقد ورد الزجر عن السكوت عن الحق في الحديث الشريف.
ثانيا:أنتم مكلفون باتباع الرسول الكريم (ص)، فضرورةُ أداءِ هذه المهمة مستمرةٌ مدى الحياة.
ثالثا:إن هذه الخدمة ليست محصورة برأيكم، بل أنتم تُستَخدمون فيها. فأنا على قناعة تام(صحبةن مهمة أستاذي المحترم إذا ما كمُلت فإنه تعالى يُلهم قلبَه بختام مهمته. مثلما بُلّغ بختام الرسالة مبلِّغُ القرآن فخرُ العالمين، حبيبُ رب العالمين سيدُنا محمد (ص) بالآية الكريمة اليوم اكملت لكم دينكم (المائدة:٣).
رابعا:إن عدم ورود أي في الثى "الكلمات" والسكوتَ عليها ليس دليلا على أن هذا الوضع سيستمر على هذا المنوال إلى النهاية؛ فإنكم يا أستاذي المحترم مكلّفون أوّلا بالإجابة عن الهجمات المحتملة التي ستأتي عليها وأنتم ما زلتم على قيد الحياة.
خامسا:أظنكم لا تدَعون الإجابن حالتاستيضاحات جانبا، تلك التي يرجوها مَن ارتبط بی"الكلمات". فإن لم يكن هناك إلّا هذا السبب، فلا يمكنكم نسيان الدنيا حتى لو أردتم ذلك.
سادسا:إن الذين أحبّوكم للّٰه ويستوضحون منكم أمورا حول كتاباتكم القيّمة وتقريراتكم في مجالفيه عمعلمية من مسائل متنوعة لم تُدرج كلُّها في "الكلمات". مما تَبين بقطعية تامة أن الحاجة لم تنته بعدُ، والخدمةَ الإيمانية لم تبلغ نهايةَ المطاف.
— 19 —
وأعرض الآن لحضرتكم سدّ، فمور:
في الأوقات التي ييسّر اللّٰه لي قراءة "الكلمات" النورية على الجماعة تستجيش مشاعري، فأرجو التفضل بالسماح لأعرضها لكم:
أولا:عندما أتناول القلم لأكتب لكم -أيها الأستاذ المحترم- ما يعرض لي، أشعر اني إليكلروحي، حتى إنني أجد أن قلمي يكون ترجمانا لمشاعري في تلك اللحظة دون اختيار مني.
ثانيا:لقد فكرت بالآتي: إذا ما فكر كل واحد بأن ينیزوي في زاوية مظلمة بدّلتخداع النفس الأمارة بالسوء -تلك العدوّة الكبرى- ويأمنَ مكر شياطين الجن والإنس، وانسحب إلى زاوية النسيان أو أراد أن ينسحب إليها، وأهمل ما حلّ بالعالم الإسلامي والإنساني حتى لم يعد ينفع أحدٌ أحدا، فأنا أقوم بتبليغ إخواني في الديلا نقصالحقائق النورانية، فليعاملني اللّٰه بما يوافق شأن ألوهيته سبحانه. وأرى من المفيد جدّا صرفَ النظر عن نفسي في تلك الأزمنة. فما الحكمة من هذا الأمر؟
ثالثا:إن اسمَي "الرحمن الرحيم" قى أنوا في البسملة، فما السبب؟ هل هما في أعظم مرتبة من مراتب الأسماء الحسنى، أم إن هناك سببا آخر وحكمةً أُخرى؟ هذا السؤال ورد إلى الذهن أثناء كتابتي الرسالة. [٭]: المكتوب الثامن جواب لهذا الاستفسار.
أستاذي العزيز المحترم! لسنا وتيبَ وحاجة إلى وجودكم، بل العالم الإسلامي كله بحاجة إليكم، لأنكم قد أصبحتم بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى وسيلة لظهور "الكلمات" السامية التي نبعت وتلمّعت من نور القرآن المبين والتي تقوّي إيمانَ المؤمنين، وتوقظ .
وين، وتبين الصراط السوي لهداية الضالين، وتبهت الحكماءَ الفلاسفة وتَدَعُهم في حيرة وذهول.
أسأل اللّٰه الربّ الرحيم أن يديم صحة أستاذنا العزيز وعافيته ويجعله ذخرا للأمة المحمدية. آمين بحرمة سينور السلين
خلوصي

* * *

— 20 —
(إن اللّٰه بالغ أمره)لقد بدأتُ متوكلا على اللّٰه بقراءة رسائل النور -بين المغرب والعشاء- للضيوف القادمين، في غرفة م ليس بال التي خصصها والدي لهم، وذلك في الليلة الأولى من وصولي.
أستاذي الحبيب!
مثلما عرضت لكم سابقا، أنا لا أعتقد أنني سأعيش لشيء إلّا لمعاونة جزئيةٍ جدّا في إيسى بقيمهمة المعنوية لأستاذي المحترم وهي الاضطلاع بالدعوة إلى القرآن الكريم، أي خدمة جزئية في سبيل القرآن الكريم ليس إلّا. فإني أرجو رجاءً خاصا ألّا تَدَعوني محروما من استفاض ثانن القرآن الكريم واستخراجاتكم منه -في سبيل نشر حقائق الإيمان والإسلام- مادمتم باقين هناك.
وسيبلغني اللّٰه سبحانه بدعواتكم المستجابة -إن شاء- إلى ما كنتُ أرغبه وأرجوه من نتائجَ في العمل لرسائل النور، فأكولباقي رحوم عبد الرحمن ممن ينال الإيمان والتوفيق إلى آخر رَمَق من حياته مقتديا بفخر العالمين سيدنا محمد المصطفى (ص) وراجيا السعادة الخالدة، وأكون خَلْفَ أستاذي المحترم وفي جبة، ين إن سيد الكائنات وأشرف المخلوقات سيدنا محمد (ص) قد أصبح وسيلة إلى تبليغ القرآن العظيم إلى الناس كافة، فأنتم يا أستاذي تخاطبون الإنسان الغافل في هذا العصر با مسألةّٰه تعالى، وبفيوضات ذلك الكتاب المبين، وذلك من خلال رسائل النور، رغم أنها تبدو من تأليفكم.
لذا فإنني أعتقد أن ذلك الحكيم الرحيم الذي يسخّركم في هذا المضمار لا يدَع الأنوار مهملةً تُداس تحت الأقدام حكمة شك أنه سيَبعث من الفانين بل ممن لا يُحسب لهم حساب، بمراتب متفاوتة، مَن يتبنَّونها من الحُفّاظ المبلّغين الناشرين.
خلوصي

* * *

— 21 —
(متطلبات إنقاذ الإيمان)نعم، إن لي -وللّٰه الحمدان التا سويا رفيعا هو الإسلام، ولي منهل عظيم أنهل منه هو مشرَب العجز والفقر إلى اللّٰه، وأقتدي بقائدٍ رائد جليل هو سيد المرسلين الرسول الكريم (ص)، وأسترشد بمرشد عظيم هو القرآن المبين، وأسلك م بدلاقيّما - خدمة الجيش - يبلّغني مرتبة الولاية للّٰه في دقيقة واحدة -كما هو لدى الجندي المرابط في الثغر-؛ فلقد علّمني أستاذي -كما علّم كلَّ ذي عقل- أن الزمان زمانُ إنقاذ الإيمان لا سلوكِ الطريقة الصوفية التي : أدِّ حقَّ الصلاة خمسَ أوقات في اليوم، واعمل بالأذكار عقِبها، واتبِع السنةَ الشريفة، واجتنب الكبائر السبع. فاستجبتُ بكل ما أملك من روح وقلام المقلت:نعم، أيها الأستاذ!. قلتُه بتوفيق من اللّٰه سواءً لهذا الدرس أم للدروس التي تلقيتُها من رسائل النور، قلتُه لما أظهرها الأستاذ من حقائق استنبطها من القرآن الكريم.. وصدّقتُها بكل جناني.
فالذي لقنني هذا الدرس -درسَ الحقيقة- خار على بی"الأستاذ". تلك الكلمة التي لم أُخاطب بها أحدا في حياتي غيره. أصبتُ ولم أخطأ.
خلوصي

* * *

(لابد من وجدان المخاطب)لقد أكملتُ بفضل اللّٰه كتابة "الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين" هديةَ شهر رمضان المبارك. ولئن وفّقني الموس فيهمريم فسأكتب الرسائل الأخرى في المدة المقررة التي أمرتم بها.
إن هذه "الكلمات" القيمة الرفيعة النورانية جديرة بأن تُیكتب بأجود خط، بل حتى بالذهب. إلّا أنها تُكتب من قِبَل هذا العاجز المحروم من جودة الخط إلّا بقدر ما يساعد على الق بطرازبل له أخطاء. وهذا مما يكون مبعثا لأزيد حمدي وشكري للّٰه تعالى.
وحيث إنني سأكون بعيدا بعدا ماديا عن التفاتاتكم الكريمة وعن التحيات السارّة التي
— 22 —
تبعثحسب اهشتى الوسائل وعن أوامركم التي هي بمثابة تفسير لرسائل النور وهوامش قيمة وذيول لها.. لأجل كل هذا سأكون متألما. ولكني لا أفكر على هذه الصورة من ناحية المعنوية، إذ أقول؛ سأسعى أينما كنت لوجدان المخاطب الذي سيعير السمعَ للدرس الذي تَلقَيتُهُ بو... إعناية الإلهية دون النظر إلى عجزي وفقري في سبيل نشر الحقيقة، وسأطرق بابَ كل وسيلة من الوسائل، بفضل اللّٰه ثم بفضل دعواتكم.. وهكذا أجد العزاء والسلوان.
ولكني آسف من جانب آخر، هو أن الانشغال بالوظائف الو عملا تعيق إلى حدٍّ ما انشغالي بی"بالكلمات" النورية التي أرتاح إليها فطرةً وانجذبتُ لحقائقها.. ولكن لا حيلة لي، فكلما مرّ يوم من الأيام ظهر وجهُ الدنيا الفاسد والفمَامْخوضح صورة. وتذهب نفسي حسراتٍ على الأوقات الماضية التي لم تُستغل في سبيل الحياة السرمدية.
ولهذا لا أتألم كثيرا على فراقنا الصوري، ولا سيما بعدما بشّرأخي بمي الحبيب في درسه الأخير لي بيقين جازم عن الحياة الباقية اللذيذة التي تفوق لذتُها ألذَّ حالاتِ هذه الحياة الفانية بمراتب لا تعد.
خلوصي

* * *

(ساحل السشهادة إن المؤلَّف أو الأثر -كأمثاله- منوَّر مليء بالحِكَم، وسيكون إن شاء اللّٰه دواءً ناجعا وبلسما شافيا لجرحٍ اجتماعيّ بليغ تعاني منه الأمةُ المحمدية. وكما تفضلتم فی"الكلمات" المستفاضة من نور القرآنلإيمانم استفاضة مباشرة، قد عرضتُها على "فلان"، وقرأت عليه عددا من "الكلمات" فصدّق بها، وسأقرؤها عليه كلما سنح لي الوقتُ.
إني عاجز عن الشكر والحمد للّٰه تعالى إزاء النعم التي أنعم بها عليّ جلّ
الوهي لا تُعد ولا تحصى؛ إذ بينما كنت ملطخا بالذنوب والمعاصي، أخرجتموني أيها الأستاذ المحترم بإذن اللّٰه من الظلمات إلى النور بوساطة تلك "الكلمات" الفات مة المنورة.
وبينما كنت أقضي عمري الماضي بالتحرّي عن الحقيقة، ساقني القدرُ الإلهي -وأنا
— 23 —
الضعيف العاصي- إلى الطريقة النقشبندية، وذلك قبل خمس سنوات، تلك الطريقة المتوجهة نحو الشيخ "محمد الكفروي" اا لا تتلمها من "الشاه النقشبند". ولكن بعد ذلك انسدّ عليّ الطريق بعد كسوف عابر. فظل هذا العاجزُ يتخبط في طريق شائك مظلم، وإذا بي أخرج من الظلمات إلى النور ومن الدوامات المغرقة إلى لإسلاملسلامة، ومن المهالك الخطرة إلى السعادة الدائمة بوساطة أنوار "الكلمات" المؤلَّفة من قِبَلكم. فالحمد للّٰه.. وهذا من فضل ربي.
ولقد تفضلتم بالقول: إن زماننا هذا زمن إنقاذ الإيمان..
والأف، أيها الأستاذ المحترم! إن كلامكم على العين والرأس.
خلوصي

* * *

(أهمية قراءة المعجزات)إن هذه الرسالة (المكتوب التاسع عشر) تعلن بين دفتيها المعجزاتِ الكبرى للرسول الكريم (ص)، وإن إرسالم (ص) ّ خصّيصا، بعثَت فيّ حياةً جديدة، فضلا عن أن مطالعتها تمسّ عواطفي ومشاعري كلها وتثيرها حتى أصبحتْ وسيلة لأسكُبَ العبرات ساخنة.
خلوصي

* * *

(مرشدون معنويون)
فقرة من رسالة لأخي عبد المجيد
أقبّل أيانوية اأرجو دعواتكم.. لقد وصلني تأليفُكم الجديد الذي سيكون أستاذا قديرا ومرشدا ساميا لعبد المجيد العاجز في نفسه والذي تجافى عن الدنيا.
وبهذا أبشّر نفسي وأسلّيها؛ فلئن فقدتُ أستاذا يخاطبني لفظا ومشافهة، فقد وجدتُ مرشدِين عديدين معنويين.
بوديته حقا مؤلَّفات نورانية ترشد إلى الصراط السوي والسداد. رضي اللّٰه عنكم.
عبد المجيد
— 24 —
(مرتبة الحب في اللّٰه)نعم، هناك جهتان أتسلّى بهما:
الأولى:وجودُنا دوما في صحبة ومسامرة معنوية بت من ا"الكلمات" المباركة التي بين أيدينا.
الثانية:إيماننا أن محبّتنا بفضل اللّٰه هي في مرتبة "الحب في اللّٰه".
وبناء على هذا فإن أعظم هدية أقدّمها إليكم اليوم وغدا هو تبليغُ ما علّمتمونا من درس إلى المؤمنين، -تبليغا باسمكم وكالةً حسب ال معاول- وحملُ ما وهبنا اللّٰه سبحانه من محبة حقيقية إلى الأبد.
وإزاء هذا أدعو الربَّ الرحيم الكريم الذي هو أحسن الخالقين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يبلّغنا ما تؤول إليه المحبةُ في الل والشتالموضّح في "الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين".
إننا عازمون على سلوك الحق والصدق والإخلاص برفقة السيد حقي الذي التقيناه في طريق الإيمان التحقيقي.
خلوصي

* * *

بلهجتهلأنوار لا تبقى مهملة)آمُل هنا أن أُسمِع الآخرين تلك "الكلمات" التي عُهد إليّ حملُ أمانتها، أُسمِعها إلى آذان صاغية بإذنه تعالى ثم ببركة دعائكم.
اطمئنوا يا نة ١٩٧ المحترم، أن هذه الأنوار لا تبقى مهملة قطعا. فالخالق الكريم الذي أظهرها لأنظار العالم بدلّال القرآن وخادمه سينشرُها وسيحافظ عليها حتى بأناس عاجزين كأمثالنا، وممن لا يُخطَرون ية في ل.
فإنني على قناعة من أن خدام القرآن الذين يقولون قد كسبنا هذا بفضل سعينا وجهودنا سيرَون في ذلك اليوم أن تلك الخدمة المقدسة قد عُهدت إلى أناس هم أهلٌ لها ولو أنهم في
— 25 —
الظاهر يَبات والفاءَ ليسوا من أهلها. ولهذا أرجو من إخواني هناك أن يكونوا على ارتباط وثيق برسائل النور.
خلوصي

* * *

(الساعات المباركة)إنني في الأوقات التي أوفَّق فيها -بحول اللّٰه وقوته الصمدانية وعناحساب لّٰه ولطفه الرباني- إلى السعي لمطالعة رسائل النور، مكتوباتِ النور، واستنساخها ونشرها وتبليغها الناس -حسب المستطاع- وأمثالها من أعمال البر العظيمة.. أكون -وأنا الفقير إلى في نفس- المستفيدَ والمستفيض أولا وبالذات في تلك الأوقات التي أغتنمها لإفادة الآخرين. ولهذا أجد تلك الساعات مباركةً جدا، وأتألم من فراقها. وأتمنءً منثشَ بكل روحي وقلبي دائما في أجواء تلك الساعات ودوامِها وعدم انقطاعها.
ولكن ما الحيلة؟ فإنني في تلك الأوقات التي أغتنمها والتي تمضي بسرعة، أصفّي ذهني وأواجه الأنوار الكفرأجد نفسي أمام مجموعة من الرسائل التي تضم معجزات القرآن، وأحسب نفسي في مدرسة أستاذي العزيز وفي الروضة الطاهرة لسيد الكونين سيدنا الرسول الأعظم (ص). وفي خاتمة المطاف أعرج إلى الحضرة الإلهف المرنیزهة عن المكان.
ولهذا السبب أتمنى ألّا تكون تلك الأوقاتُ التي لا أنشغل بها بالرسائل من أنفاسي المعدودة من حياتي.
خلوصي

* * *

(نوافذ النور)قرأت الأسبوع الماضي "الذيل الأول والثاني للمكتوب الصفع والعشرين"، قرأتهما على جماعتين مختلفتين. وأصبح المستمعون نشاوى من الإعجاب. وأنا هذا الفقير قد غشيني نورُ ذلك الإعجاز القرآني. وأنا أطالع هذهسبح بحئل كأسطعِ وأنورِ ما في "الكلمات" و"المكتوبات" النورية.
— 26 —
وقد قرأت اليوم (الجمعة) لجارنا "السيد فتحي"، الكلمتين "الحادية عشرة والثالثة عشرة". ففي الأوقات التي أغتنمهضعيف، ً للانسلال من المشاغل الدنيوية أُسرع إلى نوافذ النور المفتّحة على مصراعيها، تلك "الكلمات" النورية، فآخذ منها غذائي الروحي والمعنوي وأحاول أن أجد أحدا من الناس لأبلّغه بها.
خلوصي

* * *

(الرسائل تسد حاجة الزمان)تسلّمت "اسل وال السادس والعشرين" بكل سرور، قرأتُه مرات ومرات وبإمعان ولهفة ومحبة ولذة وشوق. وتضرعتُ في الختام إلى الباري الجليل القائل:
قل ما يعبؤا بكم ربثة أضع دعاؤكم
(الفرقان:٧٧). فدعوتُه سبحانه بلسان انتسابي إليه بالعبودية، وأنا في عجز تام وفقر كامل وشوق عارم، دعَوتُه دعوة خالصةً لوجهه الكريم، بالتوفيق لخدماتكم الخالصة للّٰه تعالى، المادية منها والمعنوية، الظاهرة منها والباطنةوتي النيوية منها والأخروية.. وتضرعت إليه جلّ وعلا أن ينشر تلك الأنوار بوضوح وجلاء إلى أهل الإيمان والقرآن. وأن يسجّلها الربُّ الجليل عنده بلطفه وكرمه العميمين. وأن يجعل أستاذنا المحترم عزبا للش الدارين. وأَمَلي أن يحظى دعائي هذا بنور الآية الكريمة: ادعوني استجب لكم (غافر:٦٠).
أستاذي المحترم! أليس الذي تنتظره منا هو الدعاء؟ لقد جرّب هذا الفقيرُ، وحصل لديّ اليقين الجازم أنهذا التعالى:
وقل جاء الحق وزهق الباطل
(الإسراء:٨١) له معجزات خالدة لا تموت. فلقد يسّر اللّٰه أنْ قرأتُ الرسائل المرسَلة إليّ هذه المرة على جماعات متنوعة شتى وكى الطمم علماء، وجميعُهم أبدوا إعجابهم الشديد وتقديرهم العظيم لها.
أما أنا فأقول: إن جميع ما في رسائل النور: "الكلمات" و"المكتوبات" النورية إنما هي لحاجة الزمان،، وذلكها المَقدِرةَ على إقناع كل صنف من أصناف أرباب الدين، بل إلزامِ الملحدين، بشرط ألّا يكونوا عنيدين موغلين في العناد. ومع هذا فإن الذين ابتُلوا بحب الدنيا -التي اللّٰهلى المنافع والمصالح والحرص على الحياة، وفيها الكفر والعناد والغفلة والكسل والشرك والضلال وأمثالها- من المصابين بالأمراض المستعصية، أقول: لا يُستبعَد
— 27 —
من هؤلاء إغماضُ العين إزاء تلك الحقائق وإنكارُهم لما يشاهرة النن حق وحقيقة، وغيرُها من الحماقات والجنون. بمعنى أن مَضيف المولى الكريم لا يخلو من أنعام في صور أناسي.
فلو هيأ اللّٰه سبحانه وتعالى من يقوم بنشر هذه الأنوار، فلا شك أن تنة- قبذيانات والبلاهات تتوضح أكثر.
خلوصي

* * *

(درجات الإعجاب والتقدير)
وهذه فقرة لأخي عبد المجيد
إن هذه المؤلفات تحظى بالتقدير والإعجاب من قبل التجار والكسَبة والجماعات كافة، فما رآها أحدٌ إلّا وأعجب بها. فهي مؤلّفات سالمة من الذين اد، ولكن درجات الإعجاب والتقدير متفاوتة حسب درجات الفهم والإدراك. فكلٌّ يستطيع أن يقدّرها حسب درجة فهمه لها.
عبد المجيد

* * *

(رسالة أخيرة إلى العم الفاضل)رسالة ابن أخي عبد الرحمن -سلف السيد خق التيالذي توفي وهو في السادسة والعشرين من عمره، وقد كتبها قبل وفاته بشهرين.
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
قوانينأياديكم الكريمة، وأرجو دعواتكم الطيبة. وقد تسلّمت خبرَ عافيتكم وراحتكم
— 28 —
مع رسالتكم "الكلمة العاشرة" التي ترشد إلى الخير والسداد. وذلك بوساطة السيد تحسين. فأقدم لكم جزيل شكري وامتناني.
وعلى الرغم من أنني نام أنوا مفارقتي لكم -خلافا لأمركم- ومستحقٌّ لعتابكم عليّ، فإن هذا الأمر كان مقدّرا إذن، ولعل فيما حدث خيرا لنا. وما حدث إلّا بإرادة اللّٰه وأمره..
وبناء على هذا فإنني بدإنفاذاجهل اقترفتُ ذنبا وقصّرت تقصيرا، وقد عوقبتُ من جرائه، فأرجو عفوكم ودعواتكم لكي لا أعاقَب بعد اليوم.
عمي العزيز!
أبيّن لكم أيضا هذا؛ إنه بفضل رعايتكم وغيرتكم وهمتكم صُنت نفسي عن كل ما يمسّ آخرتي بسوءٍ ويضرها من أعمال وأفعال. * *زالُ كذلك بفضل اللّٰه. ومع أنني لاقيتُ كثيرا من ويلات الدنيا التافهة، وتجرّعت غصصها، وشاهدت كثيرا من ملذاتها وأفراحها أيضا، وأمضيتُها كلها.. ولكني رغم كل ذلك ما نسيتُ قطعا -وفي أي وقت كان- أن كل هذا هباءٌ ف بالنء. وأن لذائذ الدنيا كلّها وأفراحها التي ليست للّٰه عاقبتُها وخيمةٌ، وهي الذل والعذاب الشديد. بينما متاعبُ هذه الدنيا التي يعانيها المرء في سبيل اللّٰه إنفاذا لأوامره الجليلة تفضي إلى لذائذ وأثوبة دائمة.
ولما كنت أعتقد الأمر عل نذرواالصورة فقد استطعت بفضل اللّٰه أن أصون نفسي من المفاسد؛ فهذا الشعور وهذه التربية إنما ترسختا في كياني وذهني وخيالى بفضل ما بذلتموه فيّ من جهد. ولكوني أعرف الحقيقة هكذا فإني صابر محتسب للّٰه تجاه كل ما أقة، ولتأكابده.
والآن يا عمي العزيز، ويا أستاذي القدير!
إن مجاهدة نفسي الأمارة بالسوء، وعدم الانصياع لرغباتها المؤلمة العاقبة اضطرتني إلى الزواج. فأنا الآن في راحة من جميع النواحي بفضل اللّٰه وكرمه ولطفه ورحمته تعالى عليّ. حيث لا أختلط ما الأجرين لئلا أسمع المكروه، ولئلا تتسرب فيّ خصالٌ فاسدة، لذا أقضي أوقاتي بعد الدوام الرسمي في البيت شاكرا للّٰه تعالى.
وبعد، فيا عمي العزيز! إن أستاذي العظيم ومرشدي الأكبر هو ما أستشعره وأتحسسه
— 29 —
من الآيةقت الحمة:
اليوم نختم على افواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون
(يس:٦٥). فهي التي أيقظتني من نوم الغفلة ومنعَتني من ارتكاب الشرور والمفاسد عقب إرشاداتكم لي.
وإني لأعتقد أن ذلك اليومأولى. جدّا [٭]: (٭): إنه لجدير بالملاحظة: أنه يخبر عن وفاته. (المؤلف) وأن دعائي دوما "اللّٰهم لا تخرجنا من الدنيا إلّا مع الشهادة والإيمان"، وأن عقيدتي التي أؤمن بها هي: (٭): إنه يعلن أنه سوتعكيرن الدنيا بالإيمان. (المؤلف)
آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من اللّٰه تعالى والبعث بعد الموت حق. أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله.
(٭): إن ذكره - في ختام رسلخواص الكلمات الإيمانية التي ينطقها المرء لدى لفظه أنفاسه الأخيرة يشير إلى أنه قد أنقذ إيمانه ببطولة من قبضة هذه الدنيا وأنه سيتركها هكذا. (المؤلف)
ابن أخيكم: عبد الرحمن

* * *

بمعنى ّضًا عكلمة العاشرة" قد أصبحت له بمثابة مرشدٍ حقيقي بحيث رفعَته إلى مرتبة الولاية مباشرة فأنطقته بهذه الكرامات الثلاث.
لقد فارقني قبل ثماني سنوات، ثم استطاع الحصول على "الكلمة العاشرة". ومثلما يقول في مستهل رسالته، إنه ات". ق منها استفادة عظيمة وطهّر نفسه من لوثات متراكمة طوال ثماني سنوات.
ويقول في موضع آخر من رسالته -التي طويت- بيانا لشوقه إلى "الكلمة العاشرة": أَرسِل إليّ جميع ما ألّفتَه من هل النات" لأكتب من كل منها ثلاثين نسخة ولأستكتبها، كي تنشر ولا تضيع.
وهكذا فقد فقدتُ وارثا بطلا مثل هذا الوارث البطل. فإلى روحه الفاتحة.
سعيد النورسي

* * *

— 30 —
لبشرية
المكتوب السابع والعشرين
(لذة العجز والفقر)
فقرة للسيد خلوصى
إن كل فرد مؤمن يعرف ببصيرته ما هو جميل حقا، كلٌّ حسب درجة فهمه وذوقه، إلّا أن ا... لذلكامنة في العجز والفقر، والسمو الذي تنطوي عليه الشفقة والتفكر، لا يُقاس بشيء إطلاقا.
إنني أتضرع إلى الرب اللطيف الكريم أن يريَنا هذه النتيجة السامية، وهي أن ييسّر لكثير من البصائر رؤيةَ القِطع الألماسية التي تستخرجونها من خز اليومقرآن الخاصة وتَدلّون عليها بتعابيركم الرفيعة، وإفاقةَ الغافلين الثملين، ونجاةَ الحائرين، ويُدخل الفرحَ في قلوب المؤمنين، ويدفع الملحدين والكفار والمشركين إلى دائرة الصواب ونطاق العقل والإنصاف..
أيها الأستاذ المحترم! إًا- عوما بالغتم في تقديم الشكر إلى اللّٰه العلي القدير، فهو في موضعه.
فقد وفقكم اللّٰه -بالعجز والفقر- إلى الوقوف بباب قصر القرآن العظيم والأخذ من خزينته الخاصة مما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت، فتستخرجون ما تشاهدونه -وما يؤذَن لكم منها- هو أههر، الواحدة تلو الأخرى، وتتدبّرون فيها أنتم أولًا ثم تقولون: "أيها الناس، انظروا إلى المولى الكريم الذي فتح لكم أبوابَ مضيفه وخلق العوالم برحمته العميمة وبَرأكم بحكمته وأرسلكم إلى هنيفا.
الم.. ذلكم رب العالمين.. الذي بيّن لكم الحكمة في الخلق والقصد من مجيئكم إلى هنا، والمهمة التي كُلفتم بها، وكل ما تقتضيه العبوديةُ من وظائف وخدمات.. وأمثالها من الأمور التي بيّنها قبل ألف وثلاثمائة سنة بوساطة رسوله الكري، إلّا فأنا بدوري
— 31 —
أبلّغكم تلك الأوامر الرفيعة وتلك الأحكام المقدسة، بلسانكم أنتم بحيث تَقدرون على فهمه فاستمعوا إليها. فإن كنتم ذوي عقل وصواب وذوي بصائر وقلب، وتتمتعون بالإنسانية، فستفهمون الحقيقة وتردون إلى حظير ويدعومان".
نعم، يا أستاذي المحترم!
أنتم تبيّنون هذه الأوامر لا غيرَها. ونحن بدورنا قد سمعنا -قدر المستطاع- تلك الأوامر عن كثب والحمد للّٰه، وحثثنا عليها، لمشاهدتها وإة من ط. فلقد أبرزتم لنا تلك القطع الألماسية وأيقظتمونا من الغفلة وأفهمتمونا الحقيقة، وأصبحتم وسيلةَ خير إلى معرفة الصواب. فليرضَ اللّٰه عنك إلى الأبد.
ونحن وإن لم نكن قد نجونا بعدُ من شرور النفس الأمارة
يل شياطين الجن والإنس إلّا أننا نجد الذوق واللذة في الانهماك في العمل في حقل هذه الخدمة القرآنية المقدسة. فلئن قصّرنا في العمل ولم نتمكن منه بما يستحقا الآنلخدمة الجليلة، فحسبنُا أننا داخلون فيها والحمد للّٰه، وإنما الأعمال بالنيات.
خلوصي

* * *

(حول الكلمة الحادية والعشرين)فقرة من رسالة صبري كتبها لدى اسم أنهم للكلمات: "الأولى، والحادية والعشريین، والثانية والعشريین".
إن جميع رسائل النور، بل كلًا منها، وكل موضوع من موضوعاتها، تَحُل ما لا يُحصر من المشكلات. وأعتقد أن هذا الأمر مشهود ومسلَّم به. لذا فلو أراد أحد وحوّلرب من بحر هذه الأنوار فإن الكلمات "الأولى، والحادية والعشرين، والثانية والعشرين" كافية لإزالة أمراض القلب وتنوير الروح وبث الفرح والسرور فيها، وإن لم تصل يدُه إلى غيرها لى إخو علمًا أن الكلمة الأولى (مفتاح التوحيد)، والشق الأول من الكلمة الحادية والعشرين (مرقاة إلى الجنة)، والشق الثاني منها صيدلية لا نظير لها لضماد جراحات الأمراض القلبية،
— 32 —
بحيث تخنس بإكسيرِ أدويتها الوساوسُ التي قحول رسنجو منها إنسان. فهو طريق خلاص وسبيل نجاة توصل إلى شاطئ السلامة الأبدّية، بما تفتح للقلب والروح من فيوضات أبدية للقرآن الكريم وأنواره الخالدة غير المتناهية.
أما "الكلمة الثانية والعشرون" فإنها ترسّخ العقيدة وترصّن الإي قاطعًراهينها ولمعاتها ودلائلها التي لا نظير لها.
صبري

* * *

(كيف تُقرأ الرسائل؟)"هذه الفقرة من رسالة السيد رأفت"
إن "كلماتكم" رف الاختامية، ترشد السبيل أمام الحائرين، ينبغي قراءتها بدقة وإمعان مع تحليلٍ فكريّ وعمل عقلي، لأن الدلائل العقلية والموازين المنطقية التي تسوقونها لذيذةُ المذاق مع كونها تستعصلإعجاب، حتى إن المرء كلما قرأها زاد شوقُه لقراءة أخرى، وشَعَر بلذة معنوية غير متناهية، فيلازمها ملازمة لا يستطيع أن يتركها ويتخلى عنها. ولهذا لا تكفي قراءتها مرة واحدة بل ينبغي قراءتها باستمرار.
رأفت
* * *للّٰه % الذيل الثاني
هذه مشاعر أخي في الآخرة "بكر آغا" عن الی"كلمات" وهو الذي صار سببا لإيقاظ أهالي إسبارطة وجلب أنظارهم إلى أسرار القرآن، وبهذه الخدمة قد أدّى أعمال علمكثيرة لاء رغییم أنه أمّي.
(مفاتيح الأنوار)حضرة أستاذي الفاضل!
أقبّل أياديكم الكريمة، بكل إجلال واحترام يا سيدي المحترم، وأدعو لكم في كل وقت وآن بما ينطلق به لساني من دعوات خالصة. كما أرجو دعواتكم لي.
سيدي! لا يخفى عليكم أنّقرآن ا وطالبَكم هذا جاهلٌ أمّي، إلّا أنه بفضل اللّٰه قد استقرأ جميع رسائلكم الفريدة من نوعها واستمع إليها.
فرسائلكم النورانية لا يمكن حجبها ع ١٦/٢/ظار كما لا يمكن أن يُحجبَ نور الشمس بشيء، فليس هناك احتمال لذلك.
ولقد راقبتُ قلبي وتحريت عن أحوال روحي لدى الاستماع إلى الرسائل، وبدأت أفتش عن مدى ماي إليك من الرسائل فوجدت فورانا عظيما ينبعث من روحي وجيشانا هائلا ينطلق من قلبي، حتى يسوقني إلى القيام بعمل للإيمان -بغير شعور مني- وكأنه يناديني قائلا وملحّا: هيا هيا!
فأثناء مراقبتي هذه الحالة المنبعثة من رلذي دااهدتُ المفاتيح التي أظهرتْها لي تلك الرسائل النورانية، وأُظهرت لي وكأنني أُبلغت أن أفتح بهذه المفاتيح ما يجب فتحه من الأبواب. وكأنني أُمرت بأن أبحث عن إخواني النوريين وأبلّغ تلك الأنوار المفاضة إلى من تنوب ل له. بل اعتبرت بث الأنوار المشعة من تلك الرسائل ونشرَها مهمة أوكلتْ إليّ.
— 33 —
ا يريد أن يذيب أنانيته -التي هي كقطعة ثلج بطول قامته- ولا يرغب في تغييرها، بل يسوّغ لنفسه ويراها معذورة دائمًا. وها هنا ينشأ النیزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلال على حساب أصحاب الحق وأهله.
ني بوجحادثة الاعتراض في إسطنبول تومئ إلى أن بعض العلماء المعجبين بمشربهم والأنانيين من المتصوفة وبعض المرشدين وأهل الحق ممن لم يقتلوا نفوسهم الأمارة بالسوء ولم ينجوا من ورطة حب الجاه سيعترضون على رسائل عجزوا وطلابها، حفاظًا على رواج مشربهم ومسلكهم، وتوجّه أتباعهم إليهم. بل هناك احتمال قوي أن تكون المقابلة شديدة.. فعند وقوع مثل هذه الحوادث، علينا بالتأني، وضبطِ النفس، والثبات، وعدم الولوج في العداءاغلهم، التهوين من شأن رؤساء الطائفة المعارضة...
فلو افترض -فرضًا محالًا- أن اعتراضًا على رسائل النور ورد حتى من القطب الأعظم ومن مكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور يَثبتون ولا يتزعزعون، بل يتلقون اعتراضَ ذلك القطب الأعظم علها بالِ التفاتةٍ كريمة وتحية وسلام. ويحاولون كسب توجهه وتقبيلَ يده وإيضاحَ مدار الاعتراض على أستاذهم العظيم.

* * *

(مرض العصر)نعم، يا إخوتي!
إنه في خضم التيارات الرهيبة والحوادث في إنیلة للحياة والعالم ؛ ينبغي أن يكون الإنسان على ثبات وصلابة لاتُحد بحدود، وضبط للنفس لانهاية له، واسیییتعداد دون حدود للتضحية.
— 34 —
وبعد تسلمي تلك المفاتيح من تلك الأنوار، ولأجل أن تشل أيجيل اللحدين الخونة فتشتُ عن أولئك الإخوة والتقيتهم والحمد للّٰه، وأودعت في أيديهم تلك الأنوار التي هي أمانة اللّٰه وأمانة رسوله الحبيب (ص). فالحمد للّٰه أول - شا على توفيقه سبحانه.
إن من يقرأ مؤلفاتكم القيّمة يدخل حظيرة الإيمان حتما، إن كان إنسانا حقا أو حتى إن كان له مساس بالإنسانية. وإلّا فعليه أن يتخلى عن الإنسانية ويقول: لست إنسانا.
هذه المؤلفات كل منها بمثإن الثاتح" بذاته، وسوف تفتح القلوبَ في أرجاء الأرض كافة إن شاء اللّٰه تعالى. نسأل اللّٰه أن ننال من ثوابها في الآخرة.. آمين.
أقبّل أياديكم الكريمة مكررا وأرجو دعاءكم يا سيدي، فلا ر أمر اللّٰه أوغلو
من مدينة "عادلْ جَوازْ" ونسل عبد الجليل

* * *

(أمل لفهم الرسائل)
فقرة لخسرو
لم أصادف لحدّ الآن مؤلَّفا شبيها بهذه "الكلمات" الراقية الجميلة. آمُل أن يوفقني السلام. عد دعواتكم، لبلوغ ذلك اليوم الذي أتمكن من فهمها جميعا. حيث لا يتيسر لكلِّ أحد إدراكُ جميع معانيها.
أحمد اللّٰه حمدا لا نهاية له، على أن أرشدنوهي ثلم وأن وفقني على استنساخ تلك "الكلمات".
خسرو

* * *

— 35 —
(حول رسالة المعجزات الأحمدية)
فقرة للحافظ زهدي الصغير
لقد استطعت بفضل اللّٰه قطفَ ثمرتين أيضا من الثمرات النورانية لبستان النور. ولكني عاجز عن التعبير عمّا تكمنفإنّ بك الثمار من لذة فائقة. إنني لا أرتوي من أذواقِ مطالعة "المكتوب التاسع عشر" الذي يحملني إلى إدراك تذوق التشرف والمثول في المجلس النبوي المبارك، نبي آخر الزمان (ص)، والحضور والجلوس في مجلسه السعيد.
إن قلمي ناقص و معكم دّا عن التعبير عن إعجابي برسائل النور عامة وتقديري لها.. أسأل اللّٰه المعطي الوهاب أن يوفقني إلى تذوق لذائذ جميع ما في بستان النور من ثمرات يانعة، كما يتذوقها إخواني الأحبة.
الحافظ زهدي الصغير

* * *

(نور المعراج)"فن الأنكائي الفطن الذي سيكون بإذن اللّٰه خسیرو الثیاني وصبري الصغير"
لقد وُفّقت اليوم لإكمال قراءة ذلك الكتاب العظيم، ولكن قلمي عاجز كل العجز، عن التعبير عن مدى السرور والسعادة التي غمرتني بعد إكمال قراءة رسالة "المعراج". ومع هذا سأحاول ععلِ الاعري النابعة من مطالعتها في جملة قصيرة ملخصة: لقد وجدت لدى قراءتي لرسالة "المعراج" نورا يملأ القلب وينير طريق السلامة في خضم متاهات بحر الغوا سواصلا بالإنسان إلى البحر المعنوي الذي يجري نحو السعادة الأبدية.
نعم، إن الحقائق الغزيرة الثابتة بالأدلة القاطعة والواردةَ في كل مثال من أمثلة الكتاب، جعَلَت الحياةَ السعيدة لخير القرون وزمن المعجزات، تنبض بالحياة أمام أعيناء الثك الحياة التي تملأ أرواحنا نورا بمجرد التخيّل بها، وتغمرها بالسرور والبهجة، ولاسيما لدى انتقالها من فكر إلى آخر.. لقد جعلني كتاب "المعراج" في حالة انبهار وذهول. وإنه لكاف وواف
— 36 —
في كل وقت لأن
ومقوال المفتونين بالفلسفة، بل له من القوة في الإثبات والدلائل ما تدفعهم ليعلنوا إفلاسهم.
إن كتاب "المعراج" كتاب تاريخ جليل يُثبت الحقائق التي دايا..ا أصول العقيدة والمستورةَ حتى عن أهل الإيمان، ويقررها بأسلوب معقول وبمنطق سليم بحيث يستطيع المنصفُ المحايد أن يراها ويلمسها.
إن الفيلسوف الغارق في الغفلة، ف نجمالم للضلالة، ويريد أن يعلو تعقّله موقعا مرموقا، يكون شأنه شأن الملِك المعزول عن العرش، المنیزوع عنه جميع الشارات والأوسمة إزاء ذلك الكتاب الرائع، فيستحوذ عليه اليأس والقنوط إالإقبابد. بينما الفيلسوف المدرك، تتحطم قيودُ الفلسفة لديه إزاء هذه الحقائق، وتتحطم أغلال الاعتراض التي تكبّل فكره، الواحدة تلو الأخرى. وعند #386
رك أن دعواه وادعاءاته باطلة، فيهوي للسجود أمام عظمة الخالق القدير سجدةَ تعظيمٍ وإجلال سائلا المغفرة منه تعالى.
ذكائي

* * *

(سبيل مأنوس)
فقرة للدكتور
إنني أقرأ مؤلفاتكم القيمة، مغتنما الفُرص لذلك، رغم أنى لا أتمكن من الإحاطل ذريةمعانيها. فهي سوانح رائعة بإرشاداتها السامية. لقد ملكَتْ عليّ مشاعري كلها وأسَرَتني بأذواقها، وستدوم إن شاء اللّٰه مدى الحياة وإلى القبر.
أستاذي! إن "كلماتكم" قد ظهور ْ فكري الديني تبديلا حقيقيا، وساقتني إلى سبيل مأنوس محبوب. فأنا الآن لا أنظر إلى الحياة كما يَنظر إليها الأطباءُ الآخرون.
الدكتور يوسف كمال

* * *

— 37 —
(شخصيات ثلاث)
وهذه الفق، إذ تطويلة للسيد خلوصي
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد الملك والإنس والجان
أيها الأستاذ العزيز!
إنني محظوظ وسعيد لتسلّمي "المسألة الرابعة من المكتوب الثامن والعشرين" قبل أربعة أيام ولتسلميما وعله "الثانية والثالثة" أمس.
أولا:أرجو التفضل بالسماح لي لأقول بعض الشيء حول الالتفاتة الكريمة والتقدير العظيم لشخصي العاجز، الذي أبداه أخي "السيد صبري" المحترم، والنابع من تواضعه الجم. وذلك: أن في أخيكم هذا المقصّر جدا، قطرةً من بحر صفاح أبلهذه العزيز، فأعرض لكم حالتي انطلاقا من هذه الجملة.
أولاها:لقد كنت منذ نعومة أظفاري -بلطف من الباري الكريم- متحريا عن الحقيقة، ومتلهفا لحقيقة القرآن العظيم. ولقد وجدتُ ما كنت أتحراه وأبحث عنه في قضلإسلامريدر"، وذلك فيما ألّفه الأستاذ المحترم من الكتاب الموسوم بی"الكلمات"، فوجدت أن هذا الكتاب أنقذني من دوامات الحياة ومشكلاتها، وأبلغني ساحل السلامة، ونجّاني من المهالك والظلمات موصلا إياي إلى السعادة والأنوار. فأَورثَ روحي وكياني حبا لا ه المف نحو ناشر هذه الأنوار القرآنية -التي أيقظتني من الغفلة بإذن اللّٰه- وقام بتبليغها للآخرين وإرشاد الناس إليها. فمنذ تلك اللحظة شعرتُ بعلاقة قوية ورابطة وثيقة نحوه، فالحمد للّٰه والشكر له مائة ألف ألف مرة.
إنني أشعر كلذه التغلت بالأنوار بشوق عارم وذوق لطيف تفوقان بمراتب كبيرة جميعَ لذائذ الدنيا.
ثانيتها:أن ما تقتضيه العبودية، وما تُلقيه هذه الأنوار من دروس هو علمي بأن جميع التقصيرات والأخطاء والسراءتهمالذنوب إنما هي من نفسي، بينما أجد الحسنات والفضائل كلها من فضله سبحانه.
— 38 —
فأرغب في الانطلاق إلى ميدان عملِ النورِ والقرآن الكريم حسبةً للّٰه وحده وشكرا للّٰه على وضعي هذا. ولكن لكونلأجل لوفّق في نشرها يتملّكني الألم والحزن، حيث إنها لا تصل إلى يد المؤمنين كافة.
الحالة الثالثة وشخصيتي الحقيقية:إنني أخجل من أن أعرّف هذه الشخصية، فأدعو اللّٰه سبحانه وتعالى أن يحفظني وإخوتي من دسائس النفس الأمارة ومكايد عمة نق الجن والإنس، ولا يجعلنا من الضالين الخائبين. آمين.
إخوتي الأكارم!
إن الأفاضل والأكارم ممن هم إخوة أستاذي وطلابه، يستشعرون الحالة الأولى والثانية في أرواحهم بلا شك. إذن فالذينؤومة، في هذه الطريق مرة واحدة لا يُغلَبون أمام نفوسهم الأمارة بالسوء وشياطينهم، كهذا العاجز. وبنسبة تغلبهم على نفوسهم وشياطينهم تنبسط مشاعرُهم وحواسهم ولطائفهم بالتوفيق الإلهي. حيث اللطائف لا ح ستنقذا في البشر ولا سيما في المؤمنين.
إن توجّه أستاذي المحترم ذلك التوجّه الكريم إلى طالبه، هذا المقصر، دليل ومثال على درجة شفقته الواسعة على الناس، ولا سيما على ال*
، ولا سيما من كان مثلي ممن هو في أمس الحاجة إليه.
الخلاصة:أقول إزاء حسن الظن المفرط نحوي، والالتفاتة التي يبديها الأخ المحترم المتوا تلفت ي: إنني عبد مذنب مقصر وعاجز وفقير مفلس، وواحد من أمة محمد (ص). فأنا محتاج جدّا إلى دعواتكم. إن أعظم ما أتمناه وأسمَى نياتي والذي أرجوه من اللّٰه سبحانه، هو أني أيض -وأنا حامل للعجز والفقر- مُعينا لخادم القرآن والداعي إليه، في خدمته المقدسة خدمةِ القرآن والإيمان وفي استخراجه للآلئِ حقائق القرآن والإعلان عنها.
فلأجه سبحاالنية السامية، وفي الدقائق التي أنشغل فيها بالأنوار، وأنا أشعر بالسعادة،
— 39 —
تَرِد بعض الكلمات إلى قلبي وقلمي من حيث لا أحتسب، فهذه المعرفة لا تعود لي، بل تخص الأنوار المتلمعة من القرآن العظيم. لذا فالأستاذ الحقيقي هو القرآن الكسنوات أما أستاذنا المحترم فهو أليق من يعرّف القرآن الكريم ويبلّغه ويدرّسه. فعلينا أيها الإخوة اغتنام الفرص لشراء تلك الجواهر الثمينة النفيسة. وأن ننقشها نقشا في قلوبنا تي فلرا، لأنها (أي هذه الأنوار) ستكون مدار سلوان لنا في الدارين.. وأن نسعى لنشرها حسب استطاعتنا ونصونَها مما قد يطرأ عليها من مؤثرات خارجية. ومن اللّٰلنوع مفيق.
خلوصي

* * *

(ستكون الرسائل أنشودة)فقرة السيد سليمان الذي عاونني في شؤوني طوال ست سنوات بوفاء خالص، ولم يُثر غضبي وأنا العصبيّ المزاجِ، مُزاولا وظيفة كتابة ة أثناات باستمرار.
سيدي المحترم!
أقبّل أياديكم أولا، وأرجو دعاءكم. فأنا طالبكم وأخوكم ومعاونكم في الأمور، المدعو سليمان، قد طالعتُ ما قمتم بتأليفه من الأنوار إلى الآن، رسالةً تلوَ رسالة. وشاهدت في كل منها من الأنل حسناساطعة ما هو كالشمس المنيرة، واستفدت منها أيّما استفادة؛ حيث وضّحتْ لي تلك الأنوارُ طريقَ الآخرة ونوّرتْه وبينتْ لي كثيرا مما كنت أجهله في ذلك الطريق. فرضي اللّٰه عنكم. وأعتذر عن بيان شكرانّٰه، كم.
ولما كنت عاجزا عن تصوير وتمثيل تلك الأنوار في نفسي، تشبثت روحي فصورتْ مشاعري القلبية على هذه الصورة، أقدمها لكم راجيا عفوكم الكريم عن النقائص والأخطاء.
دير مثي الكريم!
إن ما شاهدتُه من طعوم اللذة والسعادة في بحر رسائل النور، لم أر مثلَها أبدا في حياتي
— 40 —
الدنيا كلها. فلقد أدركتُ بعد محاكماتي الوجدانية يقينا أن كل رسالة من تلك الرسائل بحد ذاتها تفلإخلاصقرآن الكريم، وأن مطالعتها مَرْهَم سريعُ التأثيرِ وترياقٌ نافع للجروح المعنوية التي ابتلي بها المحرومون عن الإنسانية وهم في صور أناسي. فأنا بقريحتي الضئيلة هذه قد أدركت هذا الأمر. وأعتقد أن الزمان سيُظهر قيمة هذه الرسائل، وأم يقينكون أنشودة تترنم بها الألسنة وتجول شرقا وغربا. وستبين لأوربا -بإذن اللّٰه- كيف أن الإسلام نور إلهي ساطع.
أقبل أياديكم مرة أخرى، راجيا دعواتكم الكريمة يا سيدي.
طالبكم سليمان
عليه *
(ماهية الملاحق)أخي السعيد خسرو!
إن هذه الرسالة (أي المكتوب السابع والعشرين) مجلس نوراني عظيم، يتدارس فيه طلابُ القرآن الكريم الميامين، ويتداولون فيما بينهم ضمنا الأفكارَ الدائرة حول الإيمان ويتذاها مداا فيها من المعاني.
فهذه الرسالة رواقُ مدرسةِ عالية رفيعة، يتبادل فيه حملةُ القرآن الآراء والأفكار ووجهات النظر ويدلي كلٌّ بِدَلوه فيما تَعلّمه من دروس القرآن الكريم.
وهي أيضا منیزل عظيم، ومعرض واسع لبيع الرسائل التي هي صناديقُ مجوهروأدركتخزينة القرآنية المقدسة. فكلُّ طالب يعرض ما أخذه من الجواهر النفيسة على الزبائن الكرام.
فبارك اللّٰه فيكم يا أخي خسرو، فلقد جمّلتم ذلك المنیزل أي تجميل.
سعيد النورسي

* * *

— 41 —
الكفا أبحث عن نور)
هذه الفقرة للعقيد المرحوم السيد عاصم
إن هذه الرسائل المباركة المسماة بی"الكلمات" لا تقدَّر بثمن فهي نابعة من موازين القرآن الكريم وب من في، فلقد كنتُ أبحث عن نور مثل هذا منذ مدة مديدة، فللّٰه الحمد والمنة أن أنعم عليّ هذه "الكلمات". إن قلمي ولساني عاجزان عن التعبير عمّا يكنّه قلبي.
عاصم

* * *

(صفة الدلّال)
ف مدار بري
نعم، ينبغي الاعتراف بهذه الحقيقة:
إن خزينة المجواهرات مهما كانت مليئة وغنية ونفيسة، لابد أن يكون دلَّالُها والبائعُ لها على معرفة بأصول البيع والشراء؛ إذ لو لم تكن له تلك القابلية أو المعرفة فإن ما يملكه من الخزائن الثمينة وما لمكتوبن الأمتعة القيمة تُحجَب عن أنظار الناس، أي لا يكون قد أدّى ما يستحقها من قدر.
وبناء على هذا، فإن الذي يقوم بعرض الحقائق القرآنية للناس كافة عرضا خالصا للّٰه، ويدعو إليها منذ أربعين سنة -وليس منذ ست سنوات- وفي خضم هذه الظروف الأن رسا وهو يقرأ على أهل الإسلام الأمرَ الرباني الجليل:
يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم
(الصف:١٠) وينادي منذ ذلك ا أي شيهذا النداء العُلوي، قد جعل الأمة المحمدية في موضع شكران عظيم للّٰه، بما قدم من أنوار إيمانية إلى المحتاجين إليها.
صبري

* * *

— 42 —
الذيل الثالث
للمكتوب السابع والعشرين
فقرة لسعيد
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
رسالة ئة من يب اشتاق كثيرا إلى رسائل النور من جراء صحوة روحية انبعثت فيه لكثرة مطالعته لها. ورغم أن علاقة هذه الرسالة واهية بهذا الذيل، ولكن.. لتكن لي فقرة بين ف الألوخوتي.
مرحبا بك أيها الصديق الحميم، ويا عزيزي الطبيب السعيد الذي اهتدى إلى تشخيص مرضه!
إن الصحوة الروحية التي تُبينها رسالتُكم البارك ا لجديرة بأن تُهنّأ وتُبارك.
يا أخي! اعلم أن الحياة أثمن شيء في عالم الموجودات، وأن ما يَخدم الحياةَ هو أرقى واجب من بين الواجبات كلها، وأن ومكلّلصرف الحياة الفانية إلى حياة باقية هو أغلى وظيفة بين الوظائف الحياتية.
واعلم أن خلاصة قيمة هذه الحياة، وزبدتَها وأهميتها البالغة هي في كونها نواةً للحياة الخالدة ومنشأ لها، حتى إنّ تصور خلافِفينبغيأي حصر الهمّ والعلم في هذه الحياة الفانية، هو إفساد أيّ إفساد للحياة الأبدية، وليس ذلك إلّا جنونا وبلاهة كمن يستبدل برقا خاطفا بشمس سرمدية.
إن الأطباء الغافلين عن الآخرة، والمنغمسين في أوحال المادية هم -في نظر الحق أخاكمسقمُ الناس وأشدُّهم مرضا، ولكن إذا ما تمكّن هؤلاء من تناول العلاج الإيماني من صيدلية
— 43 —
القرآن المقدسة وأخذوا جرعات من مضادات السموم فيها، فإنهم يضمدون جراحاتهم البشرية، ويداوون مرضهم، فضلا عن عليهاكونون السبب في مداواة جراح البشرية كلها.
نسأل اللّٰه تعالى أن تكون صحوتُك الروحية هذه بلسما شافيا لجرحك أنت، ومثالا حيًّا، وقدوةً طيبة، أمام أنظار ال العالالآخرين ودواء لمرضهم.
ولا يخفى عليك ما لإدخال السلوان في قلب مريض يائس قانطٍ من نور الأمل من أهمية، فقد يكون أجدى له من ألف دواء وعلاج. بيد أن الطبيب الغارق في مستنقع المادية والطبيعة الجاسية يزيد اة على لأليم لهؤلاء المساكين حتى يجعل الحياة كلها أمامهم مظلمة محلولكة.. ولكن صحوتك هذه ستجعلك -بإذن اللّٰه- مناط سلوان ومدارَ تسلٍّ لأولئك المساكين وأمثاله فيا نعل منك طبيبا حقا يشع نورا إلى القلوب وينثر البهجة في النفوس.
من المعلوم أن العمر قصير جدا، والوظائفَ المطلوبة كثيرة جدا، فالواجبات أكثر من الأوقات. فإذا تحرّيت ماّه أهلاغك من معلومات، مثلما فعلتُه أنا، ستجد بينها ما لا فائدة له ولا أهمية من معلومات تافهة شبيهة بركام الحطب.. لقد قمتُ أنا بهذا الضرب من البحث والتفتيش، فوجدت شيئا كثيرا مما لا حد إخوله ولا أهمية.
نعم، إنه لا بد من البحث عن علاج وعن وسيلة للوصول إلى جعل تلك المعلومات العلمية والمعارف الفلسفية مفيدةً نافعة، منورةً مضيئة، حية نابضة، تتدفق بالرواء والعطاء.
تَضَرّع أنت كذلك يا أخي وَا علوم لحكيمَ الجليل أن يرزقك صحوةً روحية تُخلّص تفكيرك وتزكّيه لأجله سبحانه، وتُضرمُ النارَ في أكوام بقايا الحطب تلك، لكي تتنور وتتحول -تلك ئق القفُ العلمية التي لا طائل وراءها- إلى معارف إلهية نفيسة غالية.
صديقي الذكي!
إن القلب ليرغب كثيرا في أن يندفع إلى الميدان أشخاصٌ من أمثال "خلوصي" ممن هم من أهل العلم والشوق اللهيف إلى الأنوار الإيماشهادهالأسرار القرآنية.
ولما كانت "الكلمات" تستطيع أن تخاطب وجدانك، فلا تحسبْها رسالة خاصة مني إليك، بل كلُّ "كلمة" من كلماتها أيضا رسالة موجهة إليك من داعٍ إلى القرآن الكريم، والن يقت
— 44 —
عليه. وخذها وصفةً طبية صادرة من صيدلية القرآن الحكيم. فإنك بهذا ستفتح -بظهر الغيب- مجلسا واسعا كريما، وجلسة مباركة حاضرة.
هذا وأنت حرّ في أن تكتب الرساي يحيكّ متى شئت، ولكن أرجو ألّا تتضايق من عدم ردي عليها بجواب، ذلك لأني قد اعتدت -من سالف الأيام- على عدم كتابة الرسائل إلّا قليلا جدا، حتى إنني لم أكتب إلى شقيقي -منذ ثلاث سنوات- سوى جوابٍ واحدٍ على الرغم من كثرة رسائله إليّ.
سعيد النورسي
طلاق ح *
(الرسائل أغرقتنا في بحر النور)
فقرة لخسرو
أستاذي المحترم المحب!
لقد نوّرَتْنا رسالتُكم ماديا ومعنويا ورفعتْنا إلى ما لا يُطال إليه من الفيوضات و الإنسنا في بحر النور. فأحمد اللّٰه ربي بما لا يتناهى من الحمد على نيلنا لهذا الشرف العظيم بوساطتكم، وعلى ما بشّرتمونا بالتوفيق في الأيام الآتية لما يترتب عليه من خدمة القرآن العظيم.
إنني أدعو لكم يا أستاذي،حق قسطرزقكم اللّٰه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أستاذي المحترم!
لقد تذكرتكم كثيرا، إلّا أن الخونة المارقين يحولون بيننا وبين الوصول إليكم في كلًا وسي وهذا يؤلمني جدّا. إن أحوالنا الحاضرة تعصر قلوبنا بالأسى. ولكن لا حول لنا ولا قوة إلّا باللّٰه.
أيما إنسان وصلت إليه رسائل النور المفاضة بالأنوار يرتبط بها ارتباطا وثيقا. لذا فهي جوّالة بين المشتاقين الذين هم أهلٌ لركم بمالحمد للّٰه.. هذا من فضل ربي!
خسرو
— 45 —
(الرسائل بددت الغفلة)أيها الأستاذ المحترم!
إن رسالتكم المؤلفة بفيض من القرآن الكريم، وكأنها مرآة لأنواره، تكفي دلتُفرض لى مدى علوّكم أستاذا جليلا، فلقد بدّدتْ أيها الأستاذ العزيز هذه الرسائلُ الظلماتِ المخيّمةَ على الإسلام وهتكت أستار الغفلة عن اللّٰه المسدلأن هذهالناس، وأبرزت بفضله سبحانه حقائق ساطعة براقة من تحت تلك الأستار الملطخة الملوثة.
فعزمُكم الذي لا يلين وصلابتُیكم التي لا تنثني، وسعيكم المتواصل لملآخرة بإذن اللّٰه دون ثمرات؛ فلقد فجّرتم يا أستاذي المحترم ينبوعا دفاقا بماء الحياة في قلب الأناضول.
(٭): إنه إن كانت لي حصة واحدة من الألف التي تتصورونها من وبخلا والشرف الحاصل في العمل ضمن هذه الخدمة السامية، فإني أشكر اللّٰه تعالى على تلك الحصة الواحدة. أما أهل الفضل فهم أولاء من أمثالكم ممن يعاونونني في الخدمة ويسعون الخيا بها بأقلامهم الألماسية. (المؤلف)
فمنبع تلك الرسائل وكنیزها الدائم إنما هو بحر القرآن الحكيم. ستديم لكم تلك المؤلفات القيمة حياتَكم وتخلّد اسمكم عندما ترحلون من هذه الدار، دار الامتحان إلى عوالم السعادة. فطوبى لأولئك السعالذوق بررة، طلابك الذين تحبهم والذين يقدّرون ما فجرتموه من نبع فياض حقَّ قدره، ويذبّون عنه بالإعلام عنه وتلقين أحكامه بألوف أرواحهم إن استوجب الأمر. فقرّ عينًا يا أستاذي العزيز، إن هؤلاء البررة لن يقوموا بأعمال لا تنشرح لها في الآخرة.
إنأشدَّ م شاكرون لفضلكم ممتنون بكل مهجهم وأرواحهم لما أودعتموه لديهم من مفاتيح كثيرة للأسرار القرآنية.
نعم، إن الأنوار والفيوضات التي تنشرونها وتنثرونها اليوم تجعل الناس الئلَ الن في سرور غامر؛ إذ تعلّمهم خطوات العمل لوظائفهم الأساس على الأرض.
إن سعيكم مشكور وخدماتكم مقبولة بإذن اللّٰه وتضحيتكم جسيمة.
أستاذي العزيز! لتنشر أعمالكم الجليلة مشبعبلغ آفاق السماوات، ولتنطق بها الألسن.
(٭): إنني لا أشارك أخي هذا في دوافعه الحسية ومشاعره هذه، فحسبنا رضي اللّٰه، إذ إن كان معنا فكل شيء معنا إذن، وإلا فلا تغني الدنيا كلها شيئا. إن إعجايرا منس واستحسانهم في مثل هذه الأعمال أي في الأعمال الأخروية إن كان علة فإنه يبطل العمل، ولكن إن كان مرجِّحًا، فإنه يُفسد إخلاصَ العمل، وإن كان مشوِّقًا فإنه يزيل صفوة العمل ونقائه، ولكن إن تفضّل سبحانه به وأح واحد ه، علامةً على القبول بلا طلب، فهو مقبول وشيء حسن إن استُعمل في سبيل بيان تأثير ذلك العمل والعلم في الناس، ويشير إلى هذا قوله تعالى:
واجعل لي لسان صدقٍ في الة تام
(الشعراء:٨٤). (المؤلف)
— 46 —
إن الأعمال الدنيوية التي لم تلق حظا من الدين والتي بدأت بالانتشار في الأوساط عامة، والتي تزيد عتامةَ الغفلة للغمستطاعوتزيد سُكرَهم -بل هي السكرُ بعينه- لا يمكن دفعها إلا بمؤلّفاتكم القيمة، وإرشاداتكم القويمة. فلقد ثبتت بدلائل معقولة ومنطقية أنه لن ترقى الدول القدرُة إلى مستوى الإنسانية بل لا يمكنها أن تدركها وهي ما زالت كذلك، حتى تؤول إلى الخراب أو الانهيار.
إن مؤلفاتكم القيمة عالية رفيعة وجامعة، تنعكس فيها صفاتب الطا السامية.
أستاذي الحبيب!
اطمئِنوا اطمئنانا تاما أن سعيكم مشكور ولم يذهب هباءً منثورا، وسوف تتلقف الأيدي العديدة رسائلَكم إلى الأبد، وستُوقِف ملحدي اليوم عند حدّهم بل ربما تمنحهم نور الإيمان، أليس هذا ما ترجونه؟ أل
سعكم وغايتكم تنحصر في بلوغ إيقاظ الناس وإرشادهم إلى الإيمان؟
إن الأدباء المتربين على فتات موائد الفلاسفة، أولئك المحرومون من الأدب، سيجدون حتما الأدبَ الحقيقي في رسائلكم. نعم، وسيتحقق هذا فعلا. وأنتم بدوركم تكونو * *فّيتم خدمة الإيمان الجليلة حقَّ الإيفاء. إن هذه الأمة وهذا الوطن مدينةً لكم إلى الأبد، وتَعجز أن توفي حقكم. إن ثواب خدماتكم السامية لا تقابلها هذه الأمة، بل سيمنحها اللّٰ دائمانه ما يليق بها. ليرضَ اللّٰه في الدنيا والآخرة عنكم، وعن أمثالنا من الخدام المذنبين.
زكي صديق المرحوم لطفي الطالب القديم لرسائل النور

* * *

— 47 —
(الرسائل تجرد قارئيها من المشاعر الهابطة)
فقرة للسيد عاصم
باسعلى ماانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
حمدًا وشكرًا، بما لا يتناهي من الحمد والشكر، أرفَعُه كل دقيقة من دقائق عمري للقدير المطلق وسلطان الأبد والأزل، الحي القيوم الذي لا يموت، الذي أنعم من بحر كريهم الاسع بأستاذي المحترم على هذا الفقير. ومهما بالغتُ من الحمد والشكر للّٰه تعالى فلا أُوفي حق الدّين عليّ. فله الحمد والمنة.. وهذا من فضل ربي.
إنني هذا الفقير الغارق في الذنوب، قد عصفَتْ بي المعاصي بمقتضى جبلّتي البشرية، وتقاذفتني مف الأعا، قليلا أو كثيرا طوال حياتي العسكرية التي دامت أربعا وثلاثين سنة دون انقطاع، فظلت حياتي الدينية والأخروية فقيرة جدّا.. هكذا أمضيتُ حياتي وأنامن هذا بستار الغفلة. فالآن أُدرِك ما فات مني، وأندم عليه أشد الندم. بل أبكي على ما كنت أضحك منه. ولم يحصل هذا إلّا باكتحال عيني بلقائكم ورسائلكم. فألْفُ حمد وحمد للّٰه ير حولعلى هذا الإحسان العميم.
لقد بدأتْ بفضل اللّٰه مراسلتي معكم بوساطة أخينا الشيخ محمد أفندي لدى مجيئي إلى "بوردور" قبل أربع سنوات. فألقت تلك الرسائل في يد هذا الفقير مفاتيحَ تفجّر باّا ويس وتَفيض بالحِكم وتحل المعضلات وتفتح لغزَ الكائنات.
نعم، إن هذه المفاتيح لا تقدَّر بثمن، فهي أغلى من أغلى الجواهر والألماس، بل إن قلمي ولساني ليعجزان عن التعريف بما يكنّه قلبي من مشاعر نحوها. فأفضّل ملازمة عجزي.
، وذلك الرسائل التي تضم بين دفتيها خزائن الشريعة الغراء والحقيقة الصادقة والمعرفة الإلهية وكنوزها، بل إن كل رسالة منها أنورُ من الأخرى وأسطعُ منها ولاسيما رسالة "إعجاز القرآن" فهي تشع الأنوار. فأين وصفي العاجز منهان قد و بستان رائع تنثر الفرح والبهجة والسرور وتضم أزاهير نادرة لطيفة، حتى يحار المرء من أيها يقطف ويشم، لِيزيل حيرته ويبلّ ريقه ويشفي غليله. ولا شيء أمامه ولا مفرّ إلّا أن يجعل أوفّقيعها باقة عظيمة من الأنوار.
— 48 —
فهذه الرسائل المباركة تُغرق قارئيها، وكاتبيها والمستمعين لها في بستان النور، في بحر النور، وتحملهم على التفكر والتات أو م نشاوى بالإعجاب. إنها تجعل الإنسان مجردا من الأحاسيس الدنيوية ومعزولا عن المشاعر الهابطة، موجهةً إياه إلى خالقه الكريم بعبودية خالصة دائمة. إنها ترفع الإنسان إلى منازل عالية تسمو على الأخلاق الرذيلة كلها.. إنها تقتل عنده النفس الأمارة بافي هبا نعم، أستطيع أن أقول: بأن هذه الرسائل النورانية روضة من الجنان، ولكن أسفا وألف أسف على أولئك الشقاة الذين يعجزون عن أخذ حظهم من هذه الروضة الطيبة. وكلّي أمل أن يصل إلى أولئك هذا الإلهام الربانون إخا، ليقدروا على تبديل الغفلة إلى يقظة وصحوة كما جاء في ختام "الكلمة الثالثة والعشرين".
أتضرع إلى المولى القدير الواجب الوجود بأن يجعل المؤمنين الموحّدين على الصواب والسداد، وأدعوه سبحانه دعاءً فعليا باستنسا المرحديّ من الرسائل وتداوُلِ قراءتها في أيام الجُمَع التي قد تستغرق القراءة حتى المساء، فنوفي بفضل اللّٰه سبحانه وتعالى حق عبوديتنا للّٰه تعالى، وندعو لأستاذنا أن يبة! اللّٰه عمرَه ويظل مرشدا لرسائل النور ودالّا عليها قائما بأمر الدعوة إلى النور. وهذا الدعاء دَين في أعناقنا جميعا تجاه الأستاذ.
إننا جميعا -أنا وأهلي- نتضرع إلى اللّٰه سبحانه عقب كل صلاة بمثل هذا الدعاء.
عاصم
* * الكري (وجدت الباب الذي أبغيه)
فقرة بابا جان محمد علي
أيها الأستاذ الموقر يا من هو أغلى من روحي!
إني عاجز عن إيفاء مهمة الطالب حق الإيفاء، ولا -لحدّ تقديم خدمة حقيقية لرسائل النور، إذ كلما فكرت في القوة والقدرة والأسرار والأنوار المتظاهرة في رسائل النور، غبتُ عن نفسي. فأنا لا أستطيع العروج إلى مثل هذه الذرى السامية. ولكن سأحاول إن شاء اللّٰه ما
— 49 —
وسعني أن أستفيد من هذه الغارًا التي تكشف عن أسرار القرآن والتي هي أغلى بألوف المرات من أغلى الجواهر الثمينة. وذلك فضل اللّٰه على عباده المؤمنين. وسأضيء شطرا من الليل بأنوار تلك الرسائل لأنني لا أجد متسعا من الوقت في النهار لانهماكي بمتطلبات العيش.
إنني أشعر في قلبي بكالاشت وفرح في منتهى الحلاوة واللذة كلما أستنسخ تلك الأنوار. وحقا إنني عاجز عن تقديم عظيم الشكر للّٰه المولى القدير الذي أنعم علينا بهذه النعم الجزيلة.. وأحيانا أفقد إرادتي تجاه الأنوار العظيمة؛ إذ كلما أتذكّر الأيام التي خلت ومضت بالغفلة، أجدحداهمانا مهموما، ولكن لما وجدتُ هذه الأنوار فإذا بي أرنو ببصري إلى المستقبل، فأضحك مستبشرا وتغمرني البهجة والسرور. فلقد كنتُ أنتظر مثل هذه الخدمة الجليلة للقرآن منذ خمس عشرة سنة. إذرة خلقنوفا من متع الحياة الدنيا ولكن ما كانت تُشبِع هذه الرغبة العميقة التواقة للأبد. فلقد وجدتُ فيها الغذاء الكامل والاطمئنان التام.. فالحمد للّٰه أولا وآخرا.
نعم، لقد اغترّت نفسي لحدّ الآن بأبرني ونيوية صورية حتى أبلغتني أبواب سجون الآخرة الرهيبة.. ولقد امتطتني نفسي لحدّ الآن وحملتُ أهواءها على كاهلي.. أما الآن فللّٰه الحمد والشكر فقد أغاثني جلّ علاه بأسرار القرآن الكريم بوساطة الأستاذ سعيد، ونجوتُ بفضله تع فيه- أوضار تلك النفس الأمارة. نعم، لقد طرقت أبوابا كثيرة طوال خمس عشرة سنة متحرّيا عن الطريق الموصل إلى الحقيقة وانسحبت من أكثرها لما وجدت فيها من زينة الحياة الدنيا. في حل فللّٰه الحمد وجدت الباب الذي أبغيه حقا. فأسأله تعالى أن يجعلني من خدّام ذلك الباب ويرزقني الثبات على تلك الخدمة السامية.
إن مدى ما تقدّمه هذه الرسائل، رسائل النور، عجز إلئد جليلة بنشرها أنوار حقائق الإيمان وتبديدها ظلمات هذا العصر المظلم، لا يمكن إغماض العين عنها وإنكارها قطعا إلّا بالجهل لا غير.
اللّٰهمّ ارفع الغشاوة عن أبصارنا وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه.
بابا جان محمد علي

* * *

ُ نزعت (هل وجدت في نفسك شيئا؟)كتبت هذه الرسالة لمناسبة ما ورد في مسألة صغيرة من استفسار: هیل وجییدت في نفسك شيئا؟
أيها الأستاذ المحترم، يا أستاذي القدير!
إنك أثمن من حياتي كلها. وإنني على استعداد للتضيحة بها في كل لحظة وة، حي لأمر من أوامرك.
نعم، إنه لا تردد قطعا في بذل تلك الهدية العظيمة، هديةِ الحياة، في سبيل الرب الجليل الذي أنعم بها علينا.
أيها الأستاذ المحترم! إننا مستعدون لأداء تلك الأمانة في كل وقت إلى منعمها الحقيقي جلّ جلعنه هولك الحياة التي وُهبت لنا أمانةً ونجهل وقت سلبها منا. فأنا متهيئ في كل حين ومن دون إحجام لإنفاذ أمره سبحانه وتعالى. وحيث إنكم تبلّغون أوامر ذلك الرب العظيم فإن كلامكم الطيب هو حق ورحمةن المصوقت نفسه.
ثم يا سيدي! إن الأغصان الدانية تقلَّم وتقطّع لترتفع الشجرة وتعلو وتصان من الأحياء المضرة. فليس لتلك الأغصان حق الاعتراض على ذلك العمل قطعا؛ حيث إنها لو ظلت على ما هي عليه ربما يقطعها حيوان مضر، وتتفسخ جذورها وتعدم.
النتيج القدير!
أقولها دون مبالغة: إنني أعتقد أنه ليس هناك أحد غارق في الذنوب والخطيئات مثلي. بل أقنعت نفسي بذلك أحيانا. بل لست غارقا في الذنوب إلى ركبتيّ وظهري ولا إلى عنقي وحدها بل من أخمص قدمي إإذ هم رأسي، بل حتى أعماقُ أعماق وجودي وكياني ملوثة بحمأة تلك الذنوب والخطايا.
وفي الوقت الذي بدأ كياني كله بالتعفن والفساد، باشرتم بإذن اللّٰه بالعلاج والضم إلى ملخضر ولقمان الحكيم عليهما السلام- ووضعتم ذلك المرهم الشافي المستخلَص من صيدلية الشفاء القرآني على الجروح والعفونات. فأنتم وسيلة لمنح الحياة، تلك التي تستحق أن
— 51 —
تسمى "حياة". فليس منسكم ال في شيء ألّا يضحَّى في سبيل من أنعم تلك الحياة، ومن أصبح وسيلة لذلك الإنعام الجليل.
نعم، إن على المريض أن يدرك حاجته إلى إجراء العملية الجراحية، فهو مَدين الصدا والثناء لمن يراقب معالجته ويداويه ليل نهار، بل مدين بما لا يحدّ من الشكر والحمد والثناء لذلك الحكيم العليم الذي ليس كمثله شيء، والذي سلّم ذلك الدواء من صيدلية القرآن الكريم.
ولكن يا أستاذي إنني متألم جدّا لعدم إيفائي هذا الدَّين الذاوة علنقي. ليرضَ اللّٰه عنك أبدا يا أستاذي.
الحافظ علي

* * *

(أركان الإيمان في هجمات الست)إن هذه الآثار النورانية إذ ترغّب من ناحية إذا بها ترهّب من جهة أخرى؛ فهي تتضمن كليهما: الترغيب والترهيب معا، ولا ريب في جدوى تب رسائحدى هاتين الوسيلتين في الإنسان. وفي ضوء هذه الحقيقة توقِظ أهلَ القرآن وتلاميذه واضعة نصب أعينهم ستة أسس لئلا ينخدعوا.
١- إنها تضع بدلا من حب الجاه، ابتغاءَ مرضاة اللّٰه النابعة من الإيمان به سبحانه.
٢- إنهاهو الذدلا من الخوف والوقوع في شكوك الأوهام، الإيمانَ بالقدر.
٣- إنها تضع بدلا من الحرص والطمع، الإيمان بالقرآن والكتب السماوية بدلالة آية إن اللّٰه هو الرزاق ذو القوة المتين (الذاريات: 58).
٤- إنها تضع بدلا من الأحاسيس والمشاعر ا * *
ة الإيمانَ بالرسل الكرام وفي مقدمتهم الرسول الأكرم (ص) المبعوث إلى الجن والإنس كافة والذي يحقق لنا انما المؤمنون اخوة (الحجرات:١٠)، واعتصموا بحبل اللّٰه دائها. ولا تفرقوا (آل عمران:١٠٣).
٥ - إنها تضع بدلا من الأنانية وحب الذات، الاعترافَ بعجزنا، ونقصنا، مع الإدراك التام أننا مكلفون بأداء الخدمة والعمل للقرآن الكريم بنشر الرسائل المترشحة منه والحفاظ
— 52 —
عليها، من دون ترقّب تين، بة؛ بمعنى التجرد من نوازع البشرية إلى حدّ ما والتشبه بالملائكة الذين هم واسطة لإنزال الكتب والصحف السماوية. فنحقق الإيمان بالملائكة بهذه الصورة.
٦- إنها تضع بدلا من الكسل والخلود إلى الدعة والراحة، الإسراعَ إالحين.مل للقرآن، الذي كل ساعة منه تعدل يوما من العبادة. وتجعلنا أن نقدّر الوقت حق قدره ونستمسك بالعمل للقرآن من قبل أن يفلت منا هذا العملُ المقدس، مع فتح الأبصار لإدراك الأمور والأحداث. مام المعرفة قيمة الحياة قبل أن يحل بنا الموتُ فجأة.
وهكذا فيا أستاذي القدير! أنتم ترشدون إلى الإيمان بالآخرة دلالة ورمزا وإشارة وصراحة. ليرضَ اللّٰه عنكم وينقذ الأمة المحمدية من الضلالة ويوفقْكم في ب تألي وجهادكم الخالص في الدعوة إلى القرآن.
آمين.. آمين.. بحرمة سيد المرسلين وبحرمة القرآن المبين.
لقد أرسلتُ "القسم السابع من المكتوب التاسع والعشرين" إلى أخيكم "السيد عبد المجيد" فقال فيرضَ ال:
إنه لا يجوز النظر لأحد -مما سوى خلوصي وعبد المجيد- إلى تلك البنت الجميلة من بنات أفكار أخي الكبير. فالمحارم أيضا في هذا الأمر هم أجانب. أرى من الأفضل أن تَكتب لأخي الكبير أن خروج مثل هذه الحسناء إلى الخارج لا يحققيعا وابل ربما يولّد أضرارا جسيمة. إن سرعة الانفعال والغضب الذي كان لدى سعيد القديم مازال ساريا في سعيد الجديد، علما أن سعيدا الجديد لا ينبغي أن يضيّع وقته مع بنى الإنسان. وهذا ما الأولى مسلكه ومشربه. وعلى كل حال فالحافظ هو اللّٰه سبحانه.
وأنا بدوري قد أجبته بالآتي:
نعم، إن هذا الرأي صحيح بالنسبة لنا، ولكن لا أراه صحيحا بالنسبة للأستاذ الفاضل الذي أدار ظهرَه إلى الدنيا ووفّى بوظيفته حق الإيفاء،إيراثه استخدمه في هذا الأمر الجليل سيعصمه بلا شك.
فلقد اقتنعتُ قناعة تامة بأن الأستاذ يدير ظهره إلينا أيضا إنْ قطعنا علاقتنا مع رسائل النور.
— 53 —
نعم، إن قلق أخينا العزيز، واردٌ وفى محله، واضطرابه خالص وهو محقّ فيه إذا ما أي تطلبهر الأمور بنظر الاعتبار، ولكن حرمان من له علاقة برسائل النور -وهم قلة معدودون- من هذه الحقائق، وحجبَ هذه الآثار السامية عنهم، لا أراه صوابا بل هو مغاير لذلك الأساس.
فاللّٰه خيرمن عدما وهو ارحم الراحمين
(يوسف:٦٤) فهو ناصرنا ومعيننا. وليس لنا إلّا دفع الشكوك والمكايد والالتزام بالنية الصافية والشعور الخالص والشوق الجاد في السعي لشدّ أزر العمل الذي رفع لواءه ّفه للا الفاضل.
تحياتنا إلى إخواننا جميعا مع الدعاء لهم بالتوفيق والسداد مع رجاء الدعاء لي والصفح عن زلاتي، مع التوسل بألّا تُخرجوا طالبكم الصادق من دعواتكم.
الباقي الحب في اللّٰه
خلوصي

* * *

(سبب إعادة هدية)رسیییالة كتبت حییول قة فيصة هديییة أحیید إخوتي العزيزين كی"خلوصي" أدرجت ضمن فقرات إخوتي حسب رأيهم.
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.
عدم إفي الآخرة العزيزين الوفيين، السيد الحاج نوح وملا حميد!
إن أسبابًا كثيرة تمنعني عن قبول الهدايا، أذكر أهمها وهو: الإخلال بالعلاقة الخالصة الحميمة بيني وبين ين يمل علاوة على أنني لست محتاجًا حاجة ماسة، وذلك بفضل
— 54 —
الالتزام بالاقتصاد والقناعة والبركة، بل لا أستطيع أن أمدّ يدي إلى أموال الدنيا، فذلك خارج طوقي وإرادتي.
وسأبين سببًا دقيقًا واحدًا من بين الأسباب الكثيرة:
أتى صديق حميلحين ق، بمقدار من الشاي يبلغ ثمنه ثلاثين قرشًا، فلم أقبله. فقال: لا تردّني خائبًا يا أستاذي، لقد جلبته لك من إسطنبول! فقبلته ولكن دفعت له ضعف ثمنه. فقال: لِمَ تتعامل هكذا يا أستا فإن و الحكمة فيه؟ قلت: لئلا أُنزل قيمة الدرس الذي تتلقاه -وهو بقيمة الألماس- إلى قيمةِ قِطَع زجاجية تافهة. فإنني أدَعُ نفعي الخاص لأجل نفعك أنت!
نعم، إن درس الحقيقة الذي تأخذه من أستاذ لا يتنازل إلى حطام الدنيا ولا تزل قدمه إلاء الدع والذل، ولا يطلب عوضًا عن أدائه الحقَّ والحقيقة، ولا يضطر إلى التصنع.. هذا الدرس هو بقيمة الألماس؛ بينما الدرس الذي يُتلقى من أستاذ اضطر إلى أخترجو أقات، وإلى التصنع للأغنياء وإلى التضحية حتى بعزته العلمية، في سبيل جلب أنظار الناس إليه، فمال إلى الرياء أمام الذين يتصدّقون عليه. وبهذا جوّز أخذ ثمرات الآخرة في الدنيي لو رل: إن هذا الدرس نفسه يَهُون في هذه الحالة إلى مستوى قطع زجاجية.

* * *

(الشعور الأخوي الخالص)أخي العزيز الوفي الصادق النشط، ويا صاحبي في الخدمة القرآنية السيد رأفت!
إن العمل الذي تؤديفأنا شدمة القرآن الكريم عمل مبارك كله، وفقكم اللّٰه في مسعاكم وزاد شوقكم إلى العمل أكثر، دون أن ينال منكم الفتور والملل.
إن وظيفتكم هذه أهم من الاستنساخ اليدوي، وللّٰه تتدعه أيضا. سأبين لكم دستورا في الأخوة عليكم الأخذ به بجد:
إن الحياة نتيجةُ الوحدة والاتحاد، فإذا ذهب الاتحاد المندمج الممتزج، فالحياة المعنوية
— 55 —
تذهب أيضا أدراج الرياح. فالآية الكُ رحمةولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
(الأنفال:٤٦) تشير إلى أن التساند والترابط إذا اختل تَفقد الجماعة مذاقها.
إنكم تعلمون أن ثلاث أَلِفَاتٍ إذا كُتبت منفردةً متفرقة فقيمتها ثلاث، ولكن إذا اجتمعت بالتساند العدفرسائلمتها مائة وأحد عشر. فإن بضعة أشخاص من أمثالكم من خدّام الحق إذا عمل كل منهم على انفراد من دون اعتبار لتقسيم الأعمال، فإن قوتهم تكون بقوة ثلاثة أو أربعة أشخاص، بينما إذاجودي فلوا متساندين بأخوّة حقيقية، مفتخرا كلٌّ منهم بفضائل الآخرين، حتى يبلغوا بسر الفناء في الأخوة أن يكون أحدهم هو الآخرَ بنفسه، أقول: إنهم إذا ما عملوا هكذا فإن قيمة أولئك الأشخاص الأربعة تكون بمثابة أربعمائة شخص.
إنكم يا أولئك ثابة مولدات الكهرباء التي تمدّ الضوء إلى بلد عظيم وليس إلى إسبارطة وحدها، فدواليب الماكينة مضطرة إلى التعاون فيما بينها. فإن كلا من تلك الدواليب -ناهيك عن الغيرة والاستياء- تجد الراحة مما تكسبه من القوة الفائقة التي تمتلكجميع اواليب الأخرى حيث إنها تخفف عنها عبء الوظيفة.
إن الذين يحملون على أكتافهم أعباء خدمة الإيمان والقرآن والتي هي بمثابة خزينة الحق والحقيقة العظيمة الرفيعة يفتخرون كلما انضمت إليهم أكتاف قوية متعاونةً معهم، فيشكرون ربهم.
حذار حذار من فت
(االنقد فيما بينكم؛ إن ما يستحق النقد خارج الصف كثير بل كثير جدا؛ فكما أنني أفتخر بمزاياكم وأجد الراحة والسلوان من مزاياكم التي حُرمتُ منها، وأعدّها كأنها عندي وأنا المالك لها، فأنتم كذلك عل ثم تبنظر إلى مزايا إخوانكم على هذا النمط. فليكن كلٌّ منكم ناشرا لفضائل الآخرين.
ولما كنت أرى أن الشعور الأخوي الخالص الذي أبداه أخونا "الحافظ علي" تجاه أحد إخواننا الذي سيإذا ماافسا له في الاستنساخ اليدوي جدير بأن تطلعوا عليه، أذكره لكم وهو الآتي: جاءني "الحافظ علي"، وقلت له: "إن خط الأخ "فلان" أجودُ من خطك وإنه أكثر منك عملا ونشاطًا". وإذا بي أجد أن "الحافظ علي" يفتخر بإخلاص ومن الصميم بتفاه. بمآخر عليه، بل التذّ بذلك وانشرح، وذلك لأن الآخر قد استطاع جلب محبة أستاذه وثنائه عليه.
— 56 —
راقبتُ قلبه وأمعنت فيه بدقة، وعلمتُ أنه ليس تصنعا قط، بل شعرت أنه شعور خالص، فشكرت الن الأشعالى على أن في إخواننا من يحمل هذا الشعور السامي، وسيُنجز هذا الشعورُ بإذن اللّٰه كثيرا جدّا من الخدمات. والحمد للّٰه فإن ذلك الشعور الأخوي قَ والأتدريجيا في صفوف إخواننا في هذه المنطقة.
سعيد النورسي

* * *

(لا أشبع من مطالعة الرسائل)أستاذي المحترم!
إن هذه "الرموز" [٭]: الرموز الثمانية: رسابة تستن التوافقات اللطيفة في أسماء اللّٰه الحسنى في القرآن الكريم وأسرار حروفه وكلماته. آثار بديعة خارقة تثير الإعجاب، حيث تمنح عشاقَ العلم من القراء أذواقا لا نهاية لها ومشاعر رقيقة رفيعة، ولقد تجددتْ حياتي بهذحد ويداعر العالية، حتى أتمنى من المولى العمر المديد بشرط أن يثبتنا في هذه الحياة الجديدة. فلا غرو أنى لا أشبع من مطالعتها، فمهما قرأتُها وكأني لم أقرأها، وأكو مجالايقرأ مؤلَّفا جديدا فأقرؤها بذوق معنوي لا يُحدّ ولذة روحية لا تنتهي.
وهكذا الأمر سواء في "الكلمات" أو "المكتوبات" أو "الرموز". وأظن أن الوصف الخارق لهذه الرسائ ميدانكز في هذه النقطة الدقيقة. علما أن الإنسان إذا ما قرأ المؤلفات الأخرى مرة واحدة لا تثار عنده رغبةٌ لإعادة القراءة.
نعم، إني مهما بالغت في قراءة هذه الأنوار القرآنية لا أستطيع دفعَ الجوع عن قراءتها مرة أخرى ولاسيما "الرموز"، فقد سحرتني و إلى اي في الإعجاب، لذا باشرتُ فورا باستنساخها.
رأفت

* * *

— 57 —
(سلواني الوحيد)أستاذي العزيز الرؤوف!
إنكم تحاولون تنبيه طالبكم الذي يُكنّ لكم الحب في اللّٰه، هذا العاجز، وتسعَون لإرشاده بشتى الوسائل وتعليمه دروسا معنوية رفيعة جدّشجعته أنى لا أستطيع أن أستفيض كما يستفيض إخوتي الأعزاء الموقرون الذين يجالسونكم ويتشرفون بصحبتكم وقربكم معنًى ومادة ممن لهم قدم صدق في خدمة القرآن الكريم بتوفيق البع المدحانه وتعالى.
إنني أحيل سبب ذلك إلى العصيان وإلى زيادة الخطيئات وإلى تأثير المحيط والأحداث التي تعرقل العمل المنور، وأحيلها في أوقات كثيرة إلى هجماتِ نفسي الأمارة بالسوء وهجمات شياطين البُه ملإنس.. ومن هنا أشعر بشقاوتي.
نعم، وفضلا عن هذا فإني أشعر بالنِعم التي نلتُها والتي لا تعد ولا تحصى، والتي لم أتمكن من إيفاء شكرها مع الأسف الشديد. علما أن كل يوم وكل ساعة بل كل دقيقة وثانية تنبهني بانقضاء حياتي الفانية والرحيل من هذه امبرر- القصيرة العمر، ورغم هذا لا أستطيع أن أكف يدي عنها. وإن سلواني الوحيد هو ارتباطي الوثيق بالقرآن العظيم وإيماني الذي لا يتزعزع بالدين المبين والنبة.
ريم (ص) وما أتاه من شريعة غراء، وشدة ارتباطي بأستاذي المحبوب. فآمل ألّا تدع هذا الغارقَ في الذنوب محروما من دعواتك الطيبة.
خلوصي
رضى عن*
(حول العلاقات بين الأستاذ والطلاب)إخوتي خسرو، لطفي، رشدي!
سأبين لكم وجهة نظري -بما يفيدكم- حول العلاقات القائمة بين الأستاذ والطلاب وزملاء الدرس، وهي:
أنتم رسائلتي، طلابي -بما هو فوق حدّي- من جهة، وزملائي في الدرس من جهة أخرى، ومساعديّ وأصحاب الشورى من جهة أخرى.
— 58 —
إخوتي الأعزاء!
إن أستاذكناعة تمعصوما من الخطأ، بل من الخطأ الاعتقاد أنه لا يخطئ. ولكن وجود تفاح فاسد في بستان لا يضر بالبستان، ووجود نقد مزوّر في خزينة لا يسقط قيمة الخزينة.
ولما كانت السيئةُ تُعدّ واحدة بينما الحسنة بعشر أمثالها، فالإنصاف يقتضي عدم الاعتراض عنوية ِ صفو القلب تجاه الحسنات إذا ما شوهدت سيئةٌ واحدة وخطأ واحد.
وحيث إن المسائل التي تخص الحقائق والمسائل الكلية والتفصيلاتِ هي من قبيل السانحات الإلهامية بصورة عامة، فلفلسفة عليها قطعا، وهي يقينية.
أما مراجعتي لكم فيما يخص تلك المسائل واستشارتي لكم حولها، فهي في نمط تلقّيكم لها، وليست لكونها حقيقة وحقا أم لا؟ فلا تردد لي قطعا من كونها حقيقة، إلّا أن الإشارات التي تعود إلى المناسبات التوافقية تَرِد بصورة مطور وماجملة وكلية، إذ هي سانحات إلهامية. ولكن أحيانا يختلط ذهني القاصر، فيخطئ فتظل التفاصيل والتفرعات ناقصة. فخطئي في هذه التفرعات لا يورث ضررا للأصل وما هو بحكم المطلق.
وحيث إني لا أجيد الكتابة، ولا يتيسرة في سالكاتب لديّ دائما، تظل التعابير مجملة وعلى صورة ملاحظات ليس إلّا، فيستشكل على الفهم.
اعلموا يا إخوتي ويا رفقائي في الدرس، إنني أسرّ إن نبهتموني بكل صراحة لأي خطأ ترونه عندي، بل أقول: ليرضَ اللّٰه عنكم إذا قلتموه لي بشدة؛ إذ لالشريف إلى أمور أخرى بجانب الحق. إنني مستعد لقبول أية حقيقة كانت يفرضها الحق، وإن كنت أجهلها ولا أعرفها فأقبلها وأضعها على العين والرأس ولا أناقشها وإن خلال خالِفة لأنانية النفس الأمارة.
اعلموا أن هذه الوظيفة الإيمانية وفي هذا الوقت جليلةٌ ومهمة. فلا ينبغي لكم أن تضعوا هذا الحمل الثقيل على كاهل شخص ضعيف مثلي وقد تشتت فكرُه، بل عليكم معاونته قدر المستطاع.
نعم، إن غفر تلق المجملة والمطلقة، تنطلق ونكون نحن وسائلَ ظاهرية لها، أما تنظيمُها
— 59 —
وتنسيقها وتصويرها فهي تعود إلى إخوتي الأكفاء، وأحيانا أتدخل في التفاصيل والتنظيم بدلا عنهم فتظل ناقصة.
إنهي الآمون أن الغفلة تستحوذ أكثر في موسم الصيف، حيث يفتر كثيرٌ من الزملاء عن الدرس ويضطرون إلى تعطيل الأشغال، فلا يقدرون على الانشغال بجد بالحقائق.
إخوتي! نحن في أشد الحاجةالإنصاا الزمان إلى القوة المعنوية تجاه الضلالة والغفلة، فأنا مع الأسف باعتباري الشخصي ضعيف ومفلس؛ فليست لي كرامةٌ خارقة كي أثبت بها هذه الحقائق، وليست لي همة قدسية كي أجلب بها القلوب، وليس لي دهاء عُلوي كي أسخّر به العقول، بل أنا بمثابة خادم متسوون الد ديوان القرآن الكريم.
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(سؤال حول الروح)
باسمه سبحانه
كُتب للسيد خلوصى
سؤال:ما الداعي لقول الإمام الغزالي: إن النشأة الأواصفةُ لفة تماما للنشأة الأخرى؟
الجواب:إن قول حجة الإسلام الإمام الغزالي من أن النشأة الأولى مخالِفة تماما للنشأة الأخرى، هي مخالفةٌ باعتبار الكيفية والصورة. وليست باعتبار الماهية والجنسية، لأنها تكون معارضة لصراحة آيات كريمة كثيرة، مثل:
ويحيي ا حياتبعد موتها وكذلك تخرجون
(الروم:١٩)، و
وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده
(الروم:٢٧).
ثم إنه إشارة إلى أن الأمور الأخروية من حيث المرتبة رفيعة ُهما ف ثم إنه إشارة للغزالي إلى وقوع الحشر الجسماني مع الحشر الروحاني أيضًا، تقليدا ومسايرة لبعض الباطنية.
سؤال:إن سعد الدين التفتازاني بعد تقسيمه الروح إلى قسمين؛ أحدهما: روح
— 60 —
إنسانية، والأخرى: روح حيوانية، يقول: "إنأما دفضة للموت هي الروح الحيوانية وحدها؛ أما الإنسانية فليست مخلوقة، وليست بينها وبين اللّٰه نسبة ولا سبب. فقد استقلت بذاتها وليست قائمة بالجسد". ما سبب قوله هذا وما إيضاحه؟
الجواب:إن قول سعد الدين التفتازاني "الرتد كلمنسانية ليست مخلوقة": يعني أن ماهية الروح قانون أمري ذو حياة ومرآة ذات شعور لاسم اللّٰه الحي، وجلوة ذات جوهر من تجليات الحياة السرمدية، وذلك مضمون قوله تعالى:
قل الروح من امر ربي
(الإسراء:٨٥). لذا فهي مجعولة. ومن هذه الجهةإيجابيال: إنها مخلوقة. وقد قال السعد في المقاصد وفى شرح المقاصد موافقا لجميع علماء الإسلام المحققين ومنسجما مع نصوص الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة: "إن قانون الأمر ذاك قد أُلبس وجودا خارجيًّا، فهي مخلوقة وحادثة كسائر المخلوقات". وجمسين وضره شاهدة على عدم قوله بأزلية الروح.
أما قوله: "ليست بينها وبين اللّٰه نسبة" فهو إشارة إلى ردِّ مذهبٍ باطل كالحلول. فروح الحيوانات كذلك باقية، وتفنى أجسامُها وحدها في القيامة. بينتقوى، وت ليس فناءً بل هو انقطاع العلاقة.. أما قوله: "ولا سبب" فإشارة إلى خلق الروح مباشرة دون توسط الأسباب، كما جاء في مناجاة عزرائيل عليه السلاملموجودض الأرواح.. أما قوله: "استقلت بذاتها" فإن الجسد يستند إلى الروح فيبقى قائما؛ بينما الروح قائمة بذاتها -كما ذكر في إثبات بقاء الروح- فإذا ما دُمّر الجسد تكون الروحُ حرة أكثر وتحلّق إلى السماء كالملاك، وهو إشارة إلى ردّ مذهب باطل.

* * *

#61تُعير (العلاقة التي لا يقيدها زمان ولا مكان)
خطاب إلى السيد خلوصي
باسم من
تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الّا يسبح بحمده
(الإسراء:٤٤).
وعليكم السلياة، ومة اللّٰه وبركاته بعدد عاشرات دقائق عمركم، عمّركم اللّٰه بالسلامة والعافية.
أخي العزيز!
لقد آلمتني رسالتُكم، ولكن فكرت في حقيقةٍ، فزال الألمُ. والحقيقة هي الآتية:
إن العلاقة التي تربطنا والأخوة القائمة بينحبتك ثصةٌ وفي سبيل اللّٰه -إن شاء اللّٰه- لذا لا يقيّدها زمان ولا مكان. فالمدينة والبلدة والبلاد بأكملها بل الكرة الأرضية، بل الدنيا، بل عالم الوجود، بمثابة مجلس بالنسبة لأخوَين حقيقيين. فلا فراق في هذهم، يبيقة والأخوة، بل وصالٌ كلها. ومالَنا.. فليفكر أصحابُ الصداقات الفانية المجازية الدنيوية! إنیه لا فییراق في مسیلكنا. أينما تكن تستطع إجیراء الأقول: مع أخيك هذا، بوساطة میا فیي يیدك من "الكلمات"؛ وأنیا كذلك متى ما شئت يمكنني مشیاهدتك بجنبي رافعين أيدينا إلى المولى الكريم. فإن أرسیلك القدرُ الإلهي إلى مكان آخر فسیلّمْ أمرَك إليه بكمال الرضى، إذ حيث يظ فيما اختیاره اللّٰه. ولعل الأماكن الأخرى محتاجیة إلى صیاحیب قلب سیليم وعقل مستقيم مثلك يلقّن درس الإيمان التحقيقي. فلقد خدمتَ وللّٰه الحمد للإيمان خدمة جليلة في "أكريدير".
أختي هن يز!
إن مشاغل الربيع والصيف وقِصَرَ الليالي ومرور الشهور الثلاثة، وأخذَ أغلب إخوتي نصيبهم منها.. وأسبابًا أخرى تقلل - بلا شك - من الشوق المتواجد في دروس الشتاء. ولكن الفتور الناشئ من تلك الأسباب يجب ألّا يصيبكم، لأن تلك الدروسدون ظلإيمانية، يكفي للإنسان أن يُسمعها لنفسه وحده. فضلا عن أنكم تجدون دوما أخا أو أخوَين حقيقيين. ثم إن
— 62 —
الذين يستمعون إلى ذلك الدرس ليسوا من البشر فقط، بل للّٰه سبحانه وتعالى مخلوقاتٌ ذوات شعور كثيرةٌ تتلذذ كثيرا من استماع الحقائقهي معجانية، فلكم إذن أصدقاء كثيرون ومستمعون كثيرون من هذا النوع.
وكذا فإن المجالسة الإيمانية المتسمة بالتفكر على هذا النمط، زينة وبهجة لسطح الأرض ومدارُ شرفٍ لها، ولقد قال أحدهم إشارة لهذا:
آسْمَانْ رَشْك بَرَدْ بَهْرِ زَم البساِه دَارَدْ
يَكْ دُو كَسْ يَك دُو نَفَسْ بَهْرِ خُدَا بَرْ نِشِينَنْدْ
بمعنى أن السماوات تغبط الأرض لما فيها من شخصين يجلسان أنفاسا معدودة -أي لدقيقتين- مجالسة خالصة لوجه اللّٰه، في ذكر وتفكر. فيبة تستعٌ منهما للآخر الآثار الجميلة لرحمة ربه الجليل وصنعته المزينة الحكيمة فيحب ربه ويحببه، ويفكر في آثاره ويحمل الآخر على التفكير.
ثم إن العلم قسمان: نوأقوياءيكفي العلمُ به ومعرفته والتفكر فيه مرة أو مرتين.. والآخر: كالخبز والماء؛ يحتاجه الإنسان ويفكر فيه كلَّ وقت. فلا يمكنه أن يقول: لقد فهمته وكفى. فالعلوم الإيمانية من هذا القسم، و"الكلماالة نفي في أيديكم من هذا القسم -على الأكثر- إن شاء اللّٰه..

* * *

— 63 —
مسائل متفرقة
المسألة الأولى
سؤال:ما حكمة كثرة الصلاة على الرسول (ص)، وما سرّ ذكر السلام مع ثم إالجواب:إن الصلاة على الرسول الكريم (ص) وحدها طريقُ الحقيقة؛ فهو (ص) مع أنه قد حظي بمنتهى الرحمة الإلهية قد أظهرَ الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه، ذلك لأن الرسول الكريحملون ذو علاقة مع آلام الأمة جميعا، وله حظّ بسعاداتهم. ولعلاقته بسعادة جميع الأمة المتعرضة لأحوال لا نهاية لها في مستقبل غير محدود يمتد إلى أبد الآباد، أظهَرَ (ص) الحاجة إلى منتهى الصلاة عليه.
ثم إن الرسول الكريم (ص) عبدٌ، وهو رسولٌ في وأي ق نفسه، فيحتاج إلى الصلاة من حيث العبودية، ويحتاج إلى السلام من حيث الرسالة، إذ العبودية تتوجه من الخلق إلى الخالق حتى تنال المحبوبية والرحمة، فی الصلاة تفيد هذا المعنى؛ أما الرسالة فهي مجيئين الخالق سبحانه إلى الخلق، فتطلب السلامة (للمبعوث) والتسليم له، وقبولَ مهمته والتوفيق لإجراء وظيفته. فلفظ السلام يفيد هذا المعنى.
ثم إننا نقول "سيدنا" ونعبّر به: يا رب ارحم رئيسَنا الذي هو رسولُكم إلينا ومبعوثُنا إلى ديوان حضرتكم، كي تسري العالرحمةُ فينا.
اللّٰهم صلّ وسلّم على سيدنا محمد عبدك ورسولك وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

— 64 —
المسألة الثانية
جواب قصير لسؤال طويل أورده أحد إخواننا.
إذا قلت:ما هذه الطبيعة التي زلّ إليها أهلُ الضلال والغفلة فدخلوا الهمة والكفران وسقطوا إلى أسفل سافلين بعد أن كانوا في مرتبة أحسن تقويم؟
الجواب:إن ما يطلقون عليه بی"الطبيعة" هو: الشريعة الفطرية الإلهية الكبرى، التي هي عبارة عن مجموع قوانين عادة اللّٰفي ظلمي تبين تنظيم الأفعال الإلهية ونظامها.
من المعلوم أن القوانين أمور اعتبارية، لها وجود علمي، وليس لها وجود خارجي. ولكن الغفلة والضلالة أدت بهم إلى الجهل بالكاتب والنقَّاش الأزلي، لذا ظنوا الكتابَ والكتالة والبا، والنقشَ نقاشا، والقانونَ قدرةً، والمِسطَر مصدرا، والنظامَ نظّاما، والصنعةَ صانعا!
فكما إذا دخل إنسان جاهل لم يَرَ الحياة الاجتماعية إلى معسكر عظيم وشاهد حركات الجيش المطردة وفق الأنظمة المعنوية، خُيّل لمضايقنهم مربوطون بحبال مادية، أو دخل مسجدا عظيما وشاهد الأوضاع الطيبة المنظمة للمسلمين في صلاة الجماعة أو العيد، تخيل أنهم مربوطون بروابط مادية.. كذلك أهلُ الضلالة الذين هم أجهل من ذلك الجاهل يدخلون هذا الكون دًا ولو معسكر عظيم -لمن له جنود السماوات والأرض سلطانِ الأزل والأبد- أو يدخلون هذا العالم الذي هو مسجد كبير للمعبود الأزلي، ثم يذكرون أنظمة ذلك السلطان باسم الطبيعة، ويتخيلون شريعته الكبرى المشحونة بالحِكم غير المتناهية أنها كالقوة أو كالمادة ت هذه عمياءُ جامدة مختلطة.
فلا شك أنه لا يقال عن مثل هذا: إنه إنسان، بل حتى لا يقال له: حيوان وحشي، لأن ما تخيله "طبيعة" يفرِض عليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب قوةً قادرة على خلق الموجودات كلها وعلما محيطا بكل شيءان ٦/٣ليه أن يمنح كلَّ ذرة وكلَّ سبب جميعَ صفات الواجب الوجود. وما ذاك إلّا محال في منتهى الضلالة بل هذيان نابع من بلاهة الضلالة.
فی"الكلمات" ورسائل أخرى قد أردتْ مفهومَ الطبيعة قتيلا في مائة موضع وموضع، وإلى غير رجعة! وكذا "الكلديد وطانية والعشرون" أثبتت هذا الأمر إثباتا قاطعا.
— 65 —
الحاصل:لقد أُثبتت في "الكلمات" إثباتا قاطعا: أن الذي يؤلّه الطبيعة يضطر إلى قبول آلهة غير متناهية لإنكاره الإ الأاحد، فضلا عن أن كلَّ إله قادرٌ على كل شيء، وضدُّ كلِّ إله، ومثله.. وذلك لينتظم الكون!. والحال أنه لا موضع للشريك قطعا، بدءا من جناح ذبابة إلى المنظومة الشمسية ولو بمقدار جناح الذباب، فكيف يَتدخل في شؤونه تعالى غيره؟
نعم، إاضر لاة الكريمة:
لو كان فيهما آلهة الّا اللّٰه لفسدتا فسبحان اللّٰه رب العرش عما يصفون
(الأنبياء:٢٢) تقطع أساس الشرك والاشتراك ببراهين دامغة.

* * *

أستاذيسألة الثالثةإن الكفر بذرة لجهنم معنوية، كما أن ثمرته جهنم مادية -كما أُثبت في الكلمة الثانية والثامنة وفي سائر الكلمات- فكما أنه سببٌ لدخول جهنم، فهو سببٌ لوجودها. إذ كما أن حاكما صغيرا بعزة في ظرفوغيرة قليلة وجلال بسيط لو قال له شرير: لا تقدرُ على عقابي، ولن تقدر. فإنه بلا شك ينشئ لذلك الشرير سجنا ويقذفه فيه حتى لو لم يكن هناك سجن.
كذلك الكافر بإنكاره جهنم، فإنه يَصِم من له منتهى الغيرة والعزة واليها الويكذّبه ويتهمه بالعجز والكذب، فيمسّ عزته بشدة ويتعرض لجلاله بسوء. فلا شك لو لم يكن أي سبب لوجود جهنم -فرضا محالا- فإنه سبحانه يخلقها لذلك الكفر لأصحامن للاتهام بالعجز والتكذيب إلى هذا الحد، وسيقذف فيها الكافر.

* * *

المسألة الرابعة
إذا قلت:لماذا يتغلب أهلُ الكفر والضلال على أهل الهداية في الدنيا؟
الجواب:لأن اللطائف الإنسانية واستعداداب ظاهرتي مُنحت لشراء الألماس الأبدي تصرفها بلاهة الكفر وسُكرُ الضلالة وحيرةُ الغفلة إلى قطع زجاجية تافهة وبلورات ثلجية سرعان ما تزول. فلا شك أن قِطع الزجاج المتكسر والجماد لأنه قد اُشتري بثمن الألماس، يشتري أفضل زجاج وأجلى جماد!
— 66 —
كان فيمايسوق توهري ثري، فقدَ عقله وأصبح معتوها، ولما ذهب إلى السوق أخذ يعطي خمس ليرات ذهبية لقطعة زجاجية لا تساوي شيئا. ولما رأى الناس هذا منه، بدأوا يعطونه ما لديهم من أجمل زجاج، حتى الضئيلة أعطوه بلورات ثلجية جميلة لقاء قطعة ذهب.
وكذا، فقد سكِر سلطان في زمن ما، ودخل ضمن الأطفال ظنا منه أنهم وزراء وقواد، وبدأ بإصدار أوامر سلطانية إليهم. سُرّ الأطفال بذلك، وقضى هو لهوا بينهم لطاعتهم له.
وهكسوق إلفر بلاهة، والضلالة سُكر، والغفلة حيرة، بحيث يشتري الكافر المتاع الفاني بدلا من الباقي. وهذا هو السر في قوة مشاعر أهل الضلالة. فيشتد العناد والحرص والحسوانه جالها من الأحاسيس لديهم، حتى ترى أحدهم يعاند -لسنة كاملة- لما لا يساوي دقيقة واحدة من الاهتمام.
نعم، إنه ببلاهة الكفر وسكر الضلالة وحيرة الغفلة تهوي اللطيفةُ الإنسانية التي خُلقت -فطرةً- للأبد والأبدية، فتأخذ أشياء ار الببدلا من الباقية وتعطيها ثمنا غاليا.
وهناك مرض عصبي أو مرض قلبي ينتاب المؤمن أيضا حتى إنه -كأهل الضلالة- يعطي اهتماما لما لا يستحق الاهتمام به. لكن سرعان ما يدرك خطأه فيستغفر ربه ولا يصر عليه. ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (الذلك تس86)

* * *

المسألة السادسة "مسألة صغيرة"إن سبب إطلاق اسم "رسائل النور" على مجموع الكلمات (وهي ثلاث وثلاثون كلمة)، والمكتوبات (الكتاباثة وثلاثون مكتوبًا)، واللمعات (وهي إحدى وثلاثون لمعة) والشعاعات (وهي ثلاثة عشر شعاعًا) هو أن كلمة النور قد جابهتني في كل مكان طوال حياتي، منها:
أن قريتي اسمها: نورس.
واسم والدتي إلّا ومة: نورية.
وأستاذي في الطريقة النقشبندية: سيد نور محمد.
— 67 —
وأستاذي في الطريقة القادرية: نور الدين.
وأستاذي في القرآن: نوري.
وأكثر من يلازمني من طلاها، فتيسمّون باسم نور.
وأكثر ما يوضح كتبي وينورها هو التمثيلات النورية.
وأول آية كريمة التمعت لعقلي وقلبي وشغلت فكري هي
اللّٰه نور السموات والأرض مثل نوره كمشمكوة...
(النور:٣٥).
وأكثر ما حل مشكلاتي في الحقائق الإلهية هو: ِينْ كلنور" من الأسماء الحسنى.
ولشدة شوقي نحو القرآن وانحصار خدمتي فيه فإن إمامي الخاص هو سيدنا عثمان ذو النورين رضي اللّٰه عنه.

* * *

جواب لسؤال حول تغليف الأسنان
جواب لسؤال السيد خلوصي
ى أهل كم مجملا مسألة أو مسألتين شرعيتين:
إن المضمضة سنة في الوضوء وليست فرضا. بينما هي فرض في الاغتسال، فلا يجوز بقاء داخلِ الفم دون غَسل ولو شيئا جزئيا. ولهذا لم يجرأ العلماء على الفتوى بجواز تغليف الأسنان. والإموالأرو حنيفة والإمام محمد رضي اللّٰه عنهما لهما فتاوى في جواز صنع الأسنان من الفضة أو الذهب بشرط ألّا يكون تغليفا ثابتا. بينما هذه المسألة منتشرة بحيث أخذت طور البلوى العامة، لا يمكن رفعها.
فوردت إلى القلب فجأةً هذه النقطةُ: إكاتيب في طوقي ولا من حدّي التدخل في مهمة المجتهدين، ولكني أقول على الرغم من عدم ميلي إلى الرخص: إذا أوصى طبيب حاذق متدين بتغليف السن، عند ذاك تخرج السن من كونها من ظاهر الفم وتكون بمثابة باطنه. فلا يبطل الاغتسال بعدم غسلها، لأن غلافها يراض فهفحلّ محلها. فكما يَحِل شرعا غسلُ
— 68 —
أغلفة الجرح محل الجرح نفسه لوجود المضرة، فغسل هذا الغلاف الثابت -المبني على الحاجة- يحل محل غسل السن، فلا يبطل الاغتسال. والعلم عند اللّٰه.
ولما كانت هذه الرخصة ت وتعالاجة، فلا شك أن الذي يقوم بتغليف الأسنان أو حشوها للتجميل لا يستفيد من هذه الرخصة، لأنه لو عمل ذلك بسوء اختياره حتى في حالة الضرورة لا تباح له ذلك. ولكن لو كان قد حدث دون علمه فالجواز للضرورة.
سعيد النورسي

* * *

(وا صحتالة الحشر)
النكتة الثالثة للمسألة الثامنة من المكتوب الثامن والعشرين.
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
السلام عليكم وعلى والديكم وعلى إخوانكم وعلى رفقائكم في درس القرآن
أخي العزيز!
أولا:لقد سرّني كثيرا رأيكم: أنه لا داباط ال رآه عبد المجيد من أن المبحث الثالث للمكتوب السادس والعشرين، زائد لا داعي له، بناء على حذر في غير محله. علينا أن ندرك أننا نحظى بسر الآية الكريمة: ملة ابراهيموالعملا (البقرة:١٣٥). والتي تشير إلى اتباعنا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي نال ثناء القرآن الكريم في قوله تعالى:
وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم باللّٰه
(الأنعام:٨١).
ثانيا:يكتب عبد المجيد أن مفتيا -من أهالي ملة التهم صداقة عامة نحوي- قد أورد انتقادات واهية، بنظرٍ سطحيّ عابرٍ على تفرعاتِ "الكلمة العاشرة". فأجوبة عبد المجيد له كافية، عدا موضعين. إذ هو الآخر قد أجاب جوابا سطحيا في موضعين اثنين حول ذلك السؤال السطحي.
— 69 —
الأول:لقد قال ذلك الفاضل: إن حخدماتيالكلمة العاشرة" ليست للمنكرين، لأنها مؤسسة على الصفات الإلهية والأسماء الحسنى. ويقول عبد المجيد في جوابه له: قد حمل المنكرين على الإقرار بالإيمان في الإشارات الأربعة التي تسبق الحقائق، ثم يسرد الحقائق.
والجواب الحقيقي هو الآتي:
إن كل حلإيمانن الحقائق -الاثنتي عشرة لهذه الرسالة- تثبت أمورًا ثلاثة في آن واحد: وجود واجب الوجود، وأسمائه وصفاته، ثم تبني الحشرَ على تلك الأمور وتُثبته. فيستطيع كل شخص من أعتى المنكرين إلى أخل، وتسخمنين أن يأخذ حظه من كل حقيقة، لأنها تلفت الأنظار إلى الموجودات والآثار، وتقول: "في هذه الموجودات أفعال منتظمة، والفعل المنتظم لا يكون بلا فاعل، لذا فلها فاعل. ولما كان اوية كميفعل فعله بالانتظام والنظام يلزم أن يكون حكيمًا عادلًا، وحيث إنه حكيم، فلا يفعل عبثًا، وحيث إنه يفعل بالعدالة فلا يضيّع الحقوق، فلا بد إذن من محشر أكبر ومحكمة كبرى".
وعلى هذا المنوال تسير الحقائق، وتلبس هذا الطبرى وأ التسلسل، وتثبت الدعاوى الثلاث دفعة واحدة. ولأنها مجملة فالنظر السطحي يعجز عن التمييز. علمًا أن كل حقيقة منها قد فصلت بإيضاح تام في رسائل أُخر وفي "الكلمات".
الجواب الثاني الناقص الذي أورده عبد المجيد:
لقد أخطأ عبد شأ على لمسايرته السؤال الخطأ لذلك الفاضل ولقبوله الخطأ، لأنه لم يُذكر في حاشية "الكلمة العاشرة" أن الاسم الأعظم هو عبارة عن مرتبة عظمى لكل اسم فقط. بل ذكرنا في مواضع كثيرة: أن الحشر يظهر من الاسم الأعظم ومن المرتبة العظمى لكل اسم. فمع إ القوةلرسالة -الكلمة العاشرة- الاسمَ الأعظم، فلكل اسم مرتبة عظمى أيضا بحيث حظي الرسول الأعظم (ص) بهذه المراتب. فالحشر الأعظم أيضا متوجه إليها.
فمثلا:اسم "الخامام ال مراتب ابتداءً من مرتبة كونه سبحانه وتعالى خالقي إلى المرتبة العظمى في كونه خالقا لكل شيء.
وقد قال ذلك الفاضل الذي ساوره الشك: إن وجود مرتبة عظمى لكل اسم من كلام
— 70 —
فذن اللالمتصوفة، قاصدا ردّه. بينما يتغير الاسم بالنسبة للإمام الأعظم أبى حنيفة والإمام الغزالى وجلال الدين السيوطي والإمام الرباني والشيخ الكيلاني وأمثالهم من المحققين الصدّيقين. فقد قال الإمام الأعظم:إننهم لا الأعظم هو: العدل، الحكم.. وهكذا.
على كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة.
وقد جعلتنى انتقادات ذلك الفاضل ممتنا بثلاث جهات:
أولاها:أنه عجز عن الانتقاد مع إرادته له. مما يبين أن حقائق "الكلمة العاشرة"نوية لي على الجرح والنقد. إلّا ما كان موجها إلى بعض العبارات في الفرعيات.
ثانيتها:نسأل اللّٰه تعالى أن تحث تلك الانتقادات همةَ عبد المجيد الفطن الغيور ليصبح رفيق "خلوصي" نشمهوريةها أهلا لصداقته.
ثالثتها:أن ذلك الفاضل راغب في الرسائل، ولهذا انتقد، إذ الذي لا يرغب في شيء لا يهتم به، لذا سيستفيد بإذن اللّٰه من الرسائل في الميقة معاستفادة تامة.
يمكنكم إجمال هذه النكتة إجمالا جيدا وإرسالها إلى ذلك الفاضل، مع تحياتي له وامتناني منه.
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(خادم الشخص المنتظر)أخي العزيز الغيور، يا أخيتكم الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن، صبري الأول وخلوصي الثاني!
أبارك حُسن فهمكم وإدراككم الجيد للمكتوب العشرين واستنساخكم الجيد له، تذكرون في رسالتكم رغبتكم في تلقي درس في علم الكلام مني. أنتم بها بِ تتلقون ذلك الدرس فعلا، فما استنسختموه من "الكلمات" دروس منورة لعلم الكلام الحقيقي.
— 71 —
فقد قال علماء محققون، كالإمام الرباني: سيبين أحدُهم في آخر الزمان علم الكلام -أي المسائل الإيمانيعا:منامية لمذهب أهل الحق- بيانا جليا بحيث يفوق على جميع ما كتبه أهلُ الكشف والطريقة الصوفية، فيكون وسيلة لنشر تلك الأنوار. حتى إن الإمام الر "الشيد رأى نفسه ذلك الشخص.
فأخوك هذا العاجز الفقير الذي لا يُذكر بشيء لا يمكنني أن أدّعي -بما يفوق حدّي ألف مرة- أنني ذلك الشخص المنتظر، إذ لست أهلا لأكون ذاك من أية ناحية كانت. ولكن يمكنني أن أقول: إنني ّا اثنسي خادما لذلك الشخص المنتظر، أهيئ الميدان لمجيئه، وجنديا من جنود طلائعه، ولهذا فقد أحسستم بتلك الرائحة العجيبة من تلك الأمور المكتوبة.

* * *

(حول توافقات القرآن الكريم)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا ي السرومده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد حروف القرآن وأسرارها
يا سلوانى في دار الفناء هذه، ويا أنسي في دار الغربة هذه، يا من تحثونني على الكلام في الأسرار القرآنية بشوقهم ولهفتهم. يا إخوتي المخاطبين الأذكن لمسلمتفرسين!
لأجل إشعاركم مبلغ عملي الذي يُرثى له بخط ناقص رديء، ولأجل إحساسكم كم هو مهم لديّ أقلامُكم القيمة، فقد أرسلت لكم بخطي "فهرس الحروف يسوا سية" [٭]: وهو جزء من رسالة "الرموز الثمانية". من دون تصحيح، للاطلاع عليه لدقائق. والحال أنكم تأملتم فيه ساعات طوالا بدلا من دقائق قليلة ودونتموه لأيام عدة. فأدركت من هذا أنكم تهتمون بذلك الفهرس اهتماما بالغا. لذا أُرسِلُ لكم اللمية دنفسها بعد تبييضها، فيمكنكم استنساخها. ولكن اعلموا أن هذا الفهرس قد كتب بشكل تقريبي ليكون مرجعا مؤقتا، فقد كتبته في ظرف تسع ساعات مع خطي الرديء وكتبت قسما منه استنادا إلى محفوظاتي السابقة والآخر بناء على مقياسين اثنين، ثم أدركت
— 72 —
أن هناك تفسيُقال: ]: المقصود المقياس في تفسير ابن عباس للفيروزابادى صاحب القاموس. في هذا الباب، فجلبناه، وقابلناه مع قائمتنا فشاهدنا أن الغالبية العظمى متوافقة، إلّا أن هناك خلافا في عدد قليل ُخذ ظاجموعات وفي حوالي خمسة عشر موضعا من المواضع الجزئية.
ونتيجةَ التحقيقات أدركنا أن المخالفة هي نتيجة أخطاء مطبعية للتفسير والمستنسخين، بينما صححنا مسوّدتنا في مكانين أو ثلاث، ثم أدركنا أنّا أخطأنا في ذلك التصحيح. فلم نغير لمعاوائمتنا. وظننا أن التفسير بحاجة إلى تصحيح من جراء الأخطاء المطبعية. ولكن لم أجرؤ على التصحيح لأن صاحبه مدقق عظيم والمطبعة قريبة للجامع ال النورقد أشرف على الطبع علماء أزهريون.
أبعث لكم التفسير نفسه مع الفهرس المبيّض، لتطالعوهما ولكن لا تحاولوا الانتقاد، لأن قائمتي تقريبية فلم أجعلها تحقيقية، أما الت كبيت هو يعتمد على الروايات على الأغلب. ثم إن هناك بعض السور المكية دخلت فيها آياتٌ مدنية وربما لم يدخلها في العدّ. فمثلا ذكر أن عدد حروف سورة العلق مائة ونيف، ومراده النصف الأول منها النازل أول مرة. فقد أصاب. أما أنا فاستنادا إلى ما حموقع اابقا أخطأت فيما أصاب فيه حيث أخذت السورة بمجموعها.
ثم إن أسرار التوافقات تأخذ بنظر الاعتبار المجاميع الكلية. فالفهرس التقريبي كافٍ لنا. والتوافقات المذكورة في النكات الثلاث لدعاء "كنیز العرش" [٭]: دعاء طويل يبدأ بالتوسل بالبسملة وبدايايقوموار القرآنية سورة سورة ثم بكل حرف من حروف القرآن مع ذكر أعدادها في القرآن الكريم (مجموعة الأحزاب لضياء الدين الكموشخانوي. ج٣). لا تتغير بتغير الكسور. ولا تفسد تلك التوافقات حتى بتغير المجاميع الكبيرة. مثلُ لدى الكهف ومعها تسع وثلاثون سورة تتفق في عدد الألف. فإذا ما فقدت إحدى السور أو اثنتان منها ذلك العدد الألف فلا يفسد ذلك التوافق.. وهكذا. أنا بد الكسور لها أسرار فإنها لم تُفتح أمامنا بعدُ فتحا جليا. ونسأل اللّٰه أن يفتحها لنا وعندها يأخذ الفهرس صورته التحقيقية.
سعيد النورسي

* * *

— 73 —
(الرسائل من االنور الإيمانية)
أولا:إن هذه الكلمة (الكلمة العاشرة) لم تُقدّر حق قدرها؛ فقد طالعتُها بنفسي ما يقرب من خمسين مرة، وفى كل مرة أجد لذة جديدة وأشعر بحاجة إلى قراءة أخرى. فوقدحِ ه الرسالة يقرؤها بعضهم مرة واحدة ويكتفي بها وكأنها رسالة كسائر الرسائل العلمية، والحال أن هذه الرسالة من العلوم الإيمانية التي تتجدد الحاجة إليها في كل وقت كحاجتنا إلى الخبز كل يوم.
سعيد النورسي

* * *

(سعادتي بدعاي الدو فقرة غريبة لمسعود
عندما كنت أكدّ في ضرب المنجل لحصاد الشعير، والقمر ينور الأرجاء، والجو اللطيف ينمّي الشعير. تأملت في حالي يائسا وأنا غارق فية لا النور الوضيء، ولكن لا يكف عمل المنجل من الانتهاء. فأظل محروما من استنساخ رسائل النور. فقلت ما ورد على الخاطر، ولا أعلم أهو من الغفلة أم من طلوعات قلبية: "يا رب إن اسمي مسعود، ولكنى غير مسعود، فقد كدحت في العملبحيث تسعد!" واستمررت في الحصاد. وبعد فترة غلبني النوم ورأيت فيما يرى النائم أن أحدا يقول لي: لا تغادر طرف ثوب الأستاذ فهو الذي يجعلك مسعودا... أفقتُ من النوم، والقمرُ على وشك الغروب. فقلت حالا: "أستر.
ا رب، إنني لم أطلب السعادة الدنيوية". فيا أستاذي لقد لُقِّنت أن سعادتي الأخروية ستحصل بدعائكم. فأرجو دعاءكم. وتقبلوا فائق الاحترام مقبّل المكم وأقدامكم يا سيدي.
مسعود

* * *

— 74 —
(الرسائل مرشدة)
رسالة "مزينة" من أخواتنا في الآخرة وطالبات
رسائل النور.
أستاذي المحترم!
إن عيوني الغارقة في آلام هذه الدنيا الفانية، ارتبطت "بكلماتكم" المؤثرة وبرسائلكم الشافيقاذ إيل قلبي وروحي، وكلما قرأتها أدركتُ كم هي مرشدة تلك الرسائلُ، بحيث أعجز عن وصفها.
نعم، إن المظالم التي أرخت سدولَها وخيّمت على الدنيا في هذا الزمان، تُمزقها وتهتكها "كلماتكاد -كابدد تلك الظلمات وتشتت تلك الغفلات. أيُّ عقل يا ترى يمكن أن يقذف نفسه في الظلمات بعد أن شاهد الحقيقة وسطوعَ أنوارها، فيغمض عينه دونها. فأنا بفضل اللّٰه تعالى لا أرمي نفسي إلى الظلمات مذ أصبحت محظوظةً وسعيدةً. فلا أرجع إلى الشقاء بإخوتي اّٰه مرة أخرى.
أستاذي، إنني محرومة كسائر أخواتي من أخذ الدرس منكم بالذات، ولكني أتصور أنى آخذه غيابيا منكم باستماعي إلى تلك "الكلمات" الرفيعة مرة في الأسبوع أو في الشهر، فأتصور كأنني أتلقاه منكم مباشرة. نتضرع أن كیلمولى القدير دائما -وأنتم في المقدمة ونحن مِن خلفكم- لسلامة المسلمين وليحوّل حالنا وحالي من الظلمات إلى النور وليُنعم علينا سبحانه بأفضاله. إن لساني وعجزي وقصوري لا يسمح لي بالإسهاب والاستمرار في الكلام. فأنا معد المرالتقصير يا أستاذي!
نسأله تعالى أن يجعل لنا يوما ننجو فيه -بتأثير الرسائل- من الأوضاع التي نفعلها دون اختيارنا وخارج إرادتنا -بإرشاد كلماتكم- كما نجا منها أخونا المتقي المستقيم السيد لطفي.
لقد تسلمنا من أخينا ذكائي "الكلمة السانها أمرة" و"المكتوب الثامن عشر والعشرين" ورسالة "النوافذ" الساطعة بالأنوار، وبدأنا بمطالعتها.
هذا ولا يغادر أيدينا أستاذُنا الحقيقي وهو القرآن العظيم.
مزينة

* * *

— 75 —
(قراءة الرسائل عبادةفضباط )أخي العزيز السيد رأفت!
تسلمت رسالتكم والكتاب المرسل معها، بكل سرور وامتنان. ولقد شعرت فيكم روحَ أحد طلابي "خلوصي" الذي أكن له حبا عميقا. فقبلتك طالبا للنور، وليس طالبا حديثا بل قديما كقدم ا ما ف إن خاصية الطالب هي أن يتبنى العملَ للرسائل المؤلّفة كأنه هو صاحبها، وكأنه هو الذي ألّفها وكتبها فيسعى جادا لنشرها وإبلاغها إلى من هو أهل لها.
إن خطكم جميل.. بارك اللّٰه فيكم. فإن كانفضل التّسع من الوقت، فاستنسخوا قسما من الرسائل. وقسم منها سيستنسخه طلابٌ مجدّون أمثال خسرو. وأنتم بدوركم تستلمون منهم وتستنسخونه وتكونون من المشاركين لهم في أ٤) الذ.
فلقد كنت أنتظر منذ سنوات أن يظهر في إسبارطة طلاب مجدّون، فالحمد للّٰه والمنّة له وحده، فقد ظهر معكم عددٌ منهم، فالطالب الواحد يفضُل على مائة من الأصدقاء.
إن الأنليلة جقرآنية المسماة بی"الكلمات" هي من نوع العبادة الفكرية التي تعدّ من أعظم العبادات.
إن المهمة الجليلة في هذا الوقت هي خدمة الإيمان. إذ الإيمان مفتاح السعادة الأبدية.
الباقي هما لديقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

— 76 —
(حول الاسم الأعظم)
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
أخي العزيز الوفي السيد رأفت!
أنتم تتابعون الرسائله أنموسخونها، كما كنت آمل، فبارك اللّٰه فيكم. إن سعيا قليلا من أمثالكم بمثابة الكثير، لأن الكثيرين يقلّدونكم لثقتهم بكم. ولقد غدت ديارُ الغربة هذه في حكم موطني الساسا للوجداني فيها إخوانا نشطين جادين مثلكم. بل أنستني موطني الأصلي.
إن مصدر علو المؤلفات ومعدنها السامي ومنبع رفعتها بعد القرآن الكريم هو وجود مخاطبين سوى الها حق الإدراك ويشتاقون إليها اشتياقا جادا. فلئن شكرتم اللّٰه لوجدانكم إياي مرة واحدة فأنا أشكره سبحانه ألف مرة لوجداني إياكم.
تسألون في رسائلكم عن الاسم الأعظم. إن الاسم الأعظم مخفي، مثلم موازيل مخفي في العمر، وليلة القدر في شهر رمضان. واستتارُ الاسم الأعظم ضمن الأسماء الحسنى فيه حِكَم كثيرة. ومن حيث زاوية نظري أن الاسم الأعظم الحقيقي مخفي. يُعرّف به الخواص. ولكن لكل اسم مرتبة عظمى بحيث تكون بمثابة الاسم اتتحرك
فتبايُن وجدان الأولياء للاسم الأعظم نابع من هذا السر الدقيق. فالاسم الأعظم للإمام علي رضي اللّٰه عنه ستة أسماء، كما ذكر في أرجوزته الواردة في يُتترّمجموعة الأحزاب". [٭]: للشيخ أحمد ضياء الدين الكموشخانوي، جمع فيه الأدعية المأثورة عن الأئمة والأقطاب والأولياء العظام في ثلاثة مجلدات. طبع بإسطنبول بخط اليد سنة ١٣١١ وفي حاشيته شرح لبعض الأدعية. وقد بيّن الإمام الغزالي مزايا ما ذكره الإمامذا التضي اللّٰه عنه من الاسم الأعظم وتلك الأسماء الستة المحيطة به، وشرحها في كتابه "جُنة الأسماء" وتلك الأسماء الستة هي: فرد، حيّ، قيوم، حكم، عدي أشعرس..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
— 77 —
(كنت أكتب العلم في روحي)
ثالثا:تطلبون رسالة مني بخطي! فقد قيل لفاقد الشفاه: انفخ وأطفئ المصباح! فقال: لقد طلبتم أصعب الأمور، فلبما لي عليه.
نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى لم يهب لي جودة الخط، حتى إنني أملّ من كتابة سطر واحد وكأنه عمل مرهق. فكنت أقول في السابق -متفكرا لا شاكيا-: ربّ رغم احتياجي إلى الخط ومحبتي النظم لم تمنحني هاتين النعمتين.أن يتقيّن لي بيانا قاطعا، أنه كان إحسانا عظيما عدم منحي الشعر والخط. فإن معاونة أمثالكم من أبطال الكتابة تحقق لي حاجتي إلى الخط. فلو كنت أجيد الكتابة، لما كانت المسائل تقرّ في القلب، فما من علم بدأتُ بر منهما، إلّا وكنت أكتبه في روحي لحرمانى من الكتابة الجيدة، فكانت تلك المَلَكة نعمة عظمى عليّ.
أما الشعر فرغم أنه وسيلة مهمة للتعبير، فإن بيانهل يقضي فيه بحُكمه، فيختلط بالحقيقة ويغيّر من صورتها. وأحيانا تتداخل الحقائق. ولم يفتح القدرُ الإلهي باب الشعر أمامنا، عنايةً وفضلا منه تعالى، لأنه كان من المقدّرم ظلم"ون في المستقبل في خدمة القرآن الكريم التي هي حق خالص ومحض الحقيقة. فالآية الكريمة وما علّمناه الشعر (يس:٦٩). متوجهة إلى هذا المعنى.
سأكتب لكم عدة سطور لأجلكم أنتم بإذن اللّٰه...
الباقي هو الباقي
أخوكمه، حيثيد النورسي

* * *

(سبب الاستهلال)أخي العزيز المدقق، ويا أخي في الآخرة ورفيقي في خدمة القرآن!
أولا:تستفسرون في رسالتكم عن سبب استهلالي الرسائل كلها بالآية الكريمة وإن من شيء إلّا يراء ونمده (الإسراء:٤٤).
— 78 —
الجواب:إن حكمة ذلك هي أن أول باب فُتح لي من خزائن القرآن الكريم المقدسة هو هذه الآية الكريمة. فحقيقةُ هذه الآية ظهرت أول ما ظهرت لي من بين الحقائقاد الأنية السامية، ولقد سرَت تلك الحقيقة في أغلب الرسائل.
وحكمة أخرى هي أن أساتذتي الكرام الذين أثق بهم قد استهلّوا بها رسائلهم.
وتسألون ا في أي رسالتكم عن الكبائر السبع، فأقول: إن الكبائر كثيرة، إلا أن أكبر الكبائر وأعظم الذنوب التي تطلق عليها الموبقات السبع هي القتل والزنا والخمر وعقوق الوالدين (أي قطع صلة طيعة، والقمار وشهادة الزور وموالاة البدع التي تضر بالدين.
الباقي هو الباقي
أخوك
سعيد النورسي

* * *

(الرسائل قوت وغذاء)
١٤ شوال ١٣٥٢
كانون الثاني ١٩٣٤
(٭): تاب الطرول الرسالة إلى السيد رأفیت.
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي في الآخرة، العزيز المدقق، السيد رأفت، يا رفيقي المتفكر الناشد للحقيقة
أولا:تذكرون في رسالتكم أنكم كلما قرأتمم الحقن رسائل النور استفدتم أكثر.
نعم، يا أخي إن تلك الرسائل قُوتٌ وغذاء لأنها مستقاة من القرآن الكريم، فكما يَستشعر الإنسان الحاجة إلى الغذاء يوميا، يستشعر الحاجة إلى هذا الغذاء الروحاني أيضا. فلا
— 79 —
يسأم من القراءة من انكشفت روحُه وانبسط قئت من ن أمثالكم. فهذه الرسائل القرآنية لا تشبه الرسائل الأخرى، فهي ليست من أنواع الفاكهة كي تُسئِم بل هي غذاء..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(حول الزيدية)
٥ شباط ١٩٣٤
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلامذا أُع ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق المشتاق السيد رأفت!
ثانيا:إن سؤالكم حول الإمام زيد، إمام أهل اليمن سؤال ذو أهمية ويُمن إلّا أنه صادف وقتا لا يُمن فيه حيث الوضع لا يسمح، وذهني مسدود و... م تاجرلّا أنني أقول:
إن الإمام زيدا من السادات العظام، ومن أئمة أهل البيت، وهو الذي ردّ غلاة الشيعة قائلا: اذهبوا أنتم الروافض، ولا يقرّ بالتبرئة من أبى بكر وعمر رضي اللّٰه عنهمدود لهيقرّ بخلافتهما ويجلّهما. وإن أتباعه هم أعدلُ الشيعة وأقربُهم إلى السنة، فهم يتصفون بالإنصاف وقبولِ الحق بسرعة. وسيستقيم -بإذن اللّٰه- عُدول الزيديين عن أهل السنة والجماعة وسيلحقون بأهل السنة والجماعة ويمتزجون معهم.
إن هذا لا تفس الأخير يضطرب كثيرا، وتُشعر فتنةُ آخر الزمان هذه بولادة أمور عجيبة. سلامي إلى من له علاقة بالرسائل.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
— 80 —
(يمكنكم مجالسة سعيد) *
شباط ١٩٣٤
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
ثانيا: (...) وقد قلت لكم سابقا: لا أهمية لشخص "سعيد" كي يُرغَب تتوضحلسته ومحاورته.
أما "سعيد" الذي هو أستاذكم فيمكنكم مجالسته ومحاورته كلما فتحتم رسالة من الرسائل.
أما "سعيد" الذي هو أخوكم في الآخرة، فهو معكطا ناب مساء في الدعاء والتضرع إلى المولى الكريم. فالسيد "سزائي" يمكنه أن يرى أستاذه وأخاه "سعيد" في أي وقت يشاء.
أما شخص "سعيد" فيندم بعض من يراه، حسب المثل "تسمع بالمعيدى خير من أن تراه" [٭]: المثل للنعمان بن المنذر أورده اة أُخرى (٦٥٥) ١/١٧٨؛ والعسكري في جمهرة الأمثال ١/٢٦٦؛ والزمخشري في المستقصى ١/١٤٨؛ وابن منظور في لسان العرب مادة (معد). ويقول: ليتني لم أره! إنه شبيه بطبل حسن الصوت من . لأنهفارغ في القرب.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

— 81 —
(حول آل العباء)
١٤ نيسان ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاجتنابِ أخي العزيز الوفي المدقق المهتم، السيد رأفت!
إن سؤالكم في هذه المرة ذو جهتين:
الأولى:جهة آل العباء، وهى سر، لست أهلا لذلك السر لأجيب عنتتستر م، أو لا يمكن التعبير عن كل سر بالكتابة، لأن جلوة من جلوات الحقيقة المحمدية تظهر في آل العباء.
أما الجهة الثانية الظاهرية: فهي واضحة مبينة في كتب الأحاديث كصحيح مسلم، برواية أم المؤمنين عائشن المطّيقة رضي اللّٰه عنها وهي: "خرج النبي (ص) غداة وعليه مرطٌ مرحّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جیاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:
انما يريد اللّٰه لالبعد نكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا
(الأحزاب:٣٣).
وأمثال هذا الحديث الشريف موجودة في الصحاح الستة بروايات مختلفة تبين آل العباء. كان تسلم، فضائل الصحابة ٦١؛ الترمذي، تفسير سورة الأحزاب ٧، المناقب ٣١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٠، ٤/١٠٧.
وقد قال أحد الفاضلين للاستشفاء والاستشفاع: [٭]: ورد في مجموعة الأحزاب للكموشخانوي جزء ٢ ص٥٠٥ في دعاء دفع الطاعون. و منتهىي خمسة أطفي بها حر الوباء ...الخ.
لي خمسة أطفي بها نار الوباء الحاطمة المصطفى والمرتضى وابناهما وفاطمة
— 82 —
اكتفيت بهذا القدر حاليا، لا تتألم.شخصية. لكل من ذكرتموه في رسالتكم فردا فردا، وأدعو لهم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(تهنئة بولادة طفلة)
٩ مايس ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة رين ال وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت!.
أولا:إن قدومَ طفلتكم المباركة إلى الدنيا فأل خير لكم. أهنئكم عليها. وستنال بإذنه تعالى فياطيون أنوار الآية الكريمة: وليس الذكر كالأنثى (آل عمران:٣٦). إذ الابنة التي رُزقتم بها -كما رزق أخونا عاصم- تجعلانكما في ظني أهلا لمزيد من التهنئة والتبريك؛ ذلك لأن أهم أساس في مشربنا هو "الشفقة" والبنات بطلات الشفقة والحنان، وهن المخلوقات المحبوبن
#161ني أعتقد أن الأولاد الذكور في هذا الزمان أكثر خطرا من الإناث.
أسأله تعالى أن يجعلها مبعث سلوان وأنس لكم، ويجعلها كملاك صغير يجول في بيتكم. وأفضّل أن يكون اسمها "زينب" بدلا من "رنكى گول".
ثانيا:إن ما كتبتم تغلّب والسيد شريف حول رسالة "حكمة الاستعاذة" و"أسرار البسملة" إفادات مقتضبة جدّا بحيث لا يُفهم أهو تقدير أم نقد؟ علما أنني قلت مكررًا: إن كل شخص ليس محتاجا إلى إدراك كل مسألة من مسائل كل رسالة، شبه عفيه ما فهم منها.
— 83 —
ثالثا:إن عالم المثال برزخ بين عالمِ الأرواح وعالمِ الشهادة، فهو شبيه بكل منهما بوجه. حيث إن أحد وجهيه ينظر إلى ذاك والآخر إلى هذا.
مثلا:إن صورتك المثالية في المري عليّهة بجسمك وهي لطيفة كروحك في الوقت نفسه. فذلك العالم، عالم المثال، ثابت قطعا كقطعية ثبوت عالم الشهادة وعالم الأرواح
(٭): أعتقد أن وجود عالم المثال مشهود. وتَحقُّى الأمدهي كبداهة عالم الشهادة، حتى إن الرؤيا الصادقة والكشف الصادق، والتمثلات في الأشياء الشفافة، ثلاث نوافذ مطلة من هذا العالم إلى ذلك العالم بحيث تظهر للعوام وللناس كلهم جوانبُ من ذلك العالم. (المؤلف)
فهو مَشهَر العجائب والغرن من أو مُتَنَیزه أهل الولاية، فكما أن القوة الخيالية موجودة في الإنسان الذي هو عالم صغير، كذلك عالم المثال موجود في العالم الذي هو إنسان كبير بحيث يؤدي تلك المهمة. فهذا العالم ذو حقيقة. فكما تخبر القوةُ الحافظة في الإنسان عن اللوح المحلى خلاالقوة الخيالية أيضا تخبر عن عالم المثال.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(اللطائف العشر)
٢٠ حزيران ١٩٣٤ الأربعاء
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
تشغل م عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المهتم السيد رأفت
تسألون في رسالتكم عن اللطائف العشر، إنني الآن لست في حالة تدريس الطريقة الصوفية. والعلماء المحققون النقشبنديون لهم آثار حول اللطائف العشر.
فوظيفتنا في الوقت الحاضر استخرلنُ أيار القرآن الكريم، لا نقل المسائل الموجودة. فلا تتألم، لا أستطيع سرد التفاصيل. إلّا إنني أقول:
— 84 —
إن اللطائف العشر لدى الإمام الرباني هي: القلب، الروح، السر، الخفي، الوجاتُهولكل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفة إنسانية بما يناسب ذلك العنصر. وقد بحث إجمالا عن رقي كل لطيفة من تلك اللطائف وأحوالها في كل مرتبة من المراتب أثن كثيروير والسلوك.
إنني أرى أن في الماهية الجامعة للإنسان، وفي استعداداته الحياتية، لطائفَ كثيرة، ولكن اشتهرت عشرة منها. وقد اتخذ الحكماء والعلماء الظاهريون تلك اللطائف العشر أيضا وبصورة أخرى أ المصنحكمتهم، كالحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة كنوافذ تلك اللطائف العشر أو نماذجها.
وللطائف العشر الإنسانية علاقة مع اللطائف العشر لدى أهل التصوف -كما هخاصة ضرف بين العوام- فمثلا: الوجدان، الأعصاب، الحس، العقل، الهوى، القوة الشهوية، القوة الغضبية وأمثالها من اللطائف إذا أضيفت إلى القلب والروح والسر تظهر اللطائف العشر في صورة أخرى.
وهناك لطائف كثيرة غير هذه المذكورة، كايفها و والشائقة والحس المسبق -قبل الوقوع-. فلو كتبتُ الحقيقة حول هذه المسألة، لطالت. لذا اضطررت إلى الاقتضاب لضيق الوقت.

* * *

(المعنى الحرفي والاسمي)
أما سؤالك الثاني:إذا نظرت إلى ا والآثمن حيث إنها زجاجة، فأنت ترى مادتها الزجاجية، وتكون الصورة المتمثِّلة فيها شيئا ثانويا، بينما إن كان القصد من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثّلیة فيها، فالصیورة تتوضیح أمامك حتىذ تنشأ إلى القول: فتبارك اللّٰه احسن الخالقين (المؤمنون:١٤) بينما يبقى زجاج المرآة أمرا ثانويا.
فالنظرة الأولى تمثل "المعنى الاسمي" أي: إن زجاجة المرآة معنى مقصودًا، وصورة الشخص المتمثلة فيها "معنى حرفيًثانية مقصود.
— 85 —
أما النظرة الثانية فصورة الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى "اسمي" أما الزجاج فمعنى "حرفي".
وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم: بأنه دلّ على معنى في نفسه. أما الحرف فهو الذي دلّن جامععنى في غيره.
فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعها حروفا، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.
أما نظرة الك المع-المادية- الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم)
٢٧حزيران ١٩٣٤ الرات ال
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..
أخي العزيز المستفسر والمغالي في البحث والتحري، السيد رأفت!
إن ذكاءك الفائق وملاحظتك الدقيقةاس، فخنني إلى أن أجيب باختصار عن أكثر أسئلتكم، فلا تتألم، رغم أني أريد محاورتك إلّا أن الوقت لا يسمح.
إن معنى مسلم غير مؤمن ومؤمن غير مسلم هو كالآتي:
— 86 —
كنت أرى -في بداية عهد الحرية- [٭]: وهو عهد الإعلان الثاني للدستور، أي المشروطية ال أضحي وتم ذلك في سنة ١٩٠٨ من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني. ملحدين داخلين ضمن الاتحاديين يقولون: إن في الإسلام والشريعة المحمدية دساتير قيمة شاملة نافعة جدًّا وجديرة بالتطبيق للمجتمع البشري ولاسيما للسياسة العثمانية. فكانوا ينحازون إبضعة أريعة المحمدية بكل ما لديهم من قوة، فهم من هذه النقطة مسلمون، أي يلتزمون الحق ويوالونه، مع أنهم غير مؤمنين، بمعنى أنهم أهل لأن يدعون: "مسلمون غير مؤمنين".
أمأخفى، فهناك مَن يعتقد بنفسه الإيمان، فيؤمن باللّٰه ورسوله واليوم الآخر، إلّا أنه يوالى التيارات المناهضة للشريعة والموافقة للأجانب، تحت اسم المدنية. ولما كان لا يلتزم ملفّعين الشريعة الأحمدية التي هي الحق والحقيقة ولا يواليها موالاة حقيقية، فيكون إذن مؤمنًا غير مسلم. ويصح القول: كما أن الإسلام بلا إيمان لا يكون سببًا للنن قياملك الإيمان بلا إسلام -على علم- لا يصمد ولا يمنح النجاة.
سؤالكم الثاني:الأجل المبرم والمعلق، فهو بتعبير آخر: الأجل المسمى وأجل القضاء، كما تعلمون.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد إلى حي

* * *

(الفقه الأكبر والمسائل الفرعية)
باسمه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المدقق السيد رأفت!
إن أفضل جواب وأس ماسة لحامل للرخصة الشرعية هو جوابكم أنتم. فقد قال شرح
— 87 —
الملتقى "للداماد" وفي مرقاة الفلاح: كفارة واحدة كافية لشهري رمضان. فكفارة واحدة كافية لوقائع متعددة لأن التداخل موجود. وقد قالا: هو الصحيح.
وهناك العزيمة في أخصة في هذه المسألة من زاوية نظر الحقيقة. فالعزيمة أن لكل رمضان كفارته إن كان الشخص يطيق. أما جهة الرخصة فبمقتضى التداخل، فالفرض كفارة واحدة لعدة شهور رمضان. وتظل الكفارات المتفرقة في درجة المستحبات. ولأن معن لا تجوبة ومعنى العبادة مندرجان في هذه الكفارة فلا يكره عليها. فضلا عن التداخل.
إننا منهمكون بأسس الإيمان المسمى بی"الفقه الأكبر"، فلا يتوجه ذهني توجها جادا في الوقت الحاضر إلى نقل دقائق المسائل الفرعية ومراجعة مصادر المجون به ومداركهم، ولا يخفى عليكم أن الكتب أيضا ليست متوفرة لدي. فضلا عن أنه لا متسع لي من الوقت كي أراجعها. علاوة على ذلك فإن علماء الإسلام قد بحثوا هذه المسائل با أيضًت صائبة بحيث لم تدع حاجة إلى تدقيقات عميقة في الفرعيات. فلو كنت أشعر بالحاجة الحقيقية لكنت أراجع المصادر القيمة للمجتهدين حول هذه المسائل وأمثالها وكنت أبينها ل الضلاما لم يأت بعدُ زمنُ الانشغال بمثل هذه الحقائق..
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

مسألة تخص الاقتصادأيها الإنسان ويا نفسي!
اعلالرغائا أن بدنك وأعضاءك ووجودك ومالك وحيواناتك التي أنعم بها اللّٰه سبحانه عليك ليس للتمليك بل للإباحة. أي إنه ملّكك ملكَه لتستفيد، وأباحه لك للانتفاع، ولم يملّكه لك ملكا. فمثلُك العاجز أن المرة المعدة -التي هي أسهل إدارة وأظهرها والداخلة ضمن الاختيار والشعور- كيف يكون مالكا للعين والأذن وأمثالهما من الحواس التي تستدعي إدارة خارجة عن إلى جالاختيار والشعور.
— 88 —
فما دامت الحياة وما تتطلبها من أمور لم تُمنح لك للتمليك بل للإباحة، فما عليك إلّا العمل وفق دستور الإباحة، أي بمثل المُضيّف يستضيف ضيوفا ويبيح لهم الانتفاع مما * *امهم في المجلس من دون تملك لها، إذ قاعدة الإباحة والضيافة هي التصرف ضمن رضى المضيّف. فلا يمكن الإسراف فيما أُبيح للضيف ولا إكرامُ أحدٍ بشيء منه ولا التصرف فيه ولا تضييعه والعبث به، إذ لومًا منمليكا لكان يستطيع أن يتصرف فيه وفق رغباته وأهوائه.
فمثلَ هذا تماما؛ لا يجوز الانتحار وإنهاء الحياة التي وهبها لك اللّٰه سبحانه إباحةً، ولا يجوز أن تفقأ عينك ولا أن تفقأها معنًى تتضمنهس النظر إلى محرمات لا يرضى بها صاحبها. وكذا الأذن واللسان والأنف وما شابهها من الجوارح والحواس والأجهزة لا يمكن قتلها معنًى بالولوج في الحرام. فينبغي التصرف في جميع النعم في الدنيا وفق شريعة المُضووجدانريم.
سعيد النورسي
إنذار نهائي إلى مفتى "أكريدر"
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
سأدير معكم محاورة، لكونكم صديقا قديما وزميلا في العلم.
إنني أخبركم عن مصيبة دينية عظمية تتعلق بكلينا، فلنسع معا لدرء هذه المصيبة ورفعِها. وهآة شبيتي:
في الوقت الذي ينبغي أن يكون شخصكم الكريم أكثر اهتماما وأزيد تأييدا لعملنا للقرآن والإيمان وأسبق الناس في الذود عنه؛ نراكم مع الأسف تنظرون إلينا نظرة باردة تنطوي على روح المنافس، حتى اتخذتم منا موقف المنحاز المناوئ، لأسباب مجهولن كمن سعيتم في تعيين ابنكم مديرا في هذه القرية [٭]: وهو الذي يذكره الأستاذ النورسي في المسألة السابعة من المبحث الرابع للمكتوب السادس والعشرين (الشخص الثاني)على شر ثم إيجاد مؤازرين وأصدقاء له، مما آل الأمر إلى حالة ترتعد فرائصي بدلا منكم كلما فكرت في ماهيتها. وذلك لأنكم السبب والمسؤول عن الخطايا والآثام الناشئة من هذه الحالة، وذلك وفق قاعدة: "السبب كالفاعل".
فكما لا يتحول السالسياسترياق بمجرد التسمية كذلك إطلاق أيّ اسم كان على أوضاع هيئة تُضمر روح الزندقة وتهيئ الأمور للإلحاد، لا يغير من الأمر شيئا. فليطلق عليها أي اسم
— 89 —
كان، سواءً: منظمة الشباب، أو منظمة الميامين، فالمعنى لود ذي ر. إذ الهيئات الموجودة في أماكن أخرى التي تتسمى بمنظمات الشباب ومجالس القوميين الأتراك، ومحافل التجدد، وما شابهها من الأسماء يمكن أن توجد في أشكال أخرى من دون أن تولد ضررا، ولكن سعي تلك الهيئة في هذه القرية وبإصرار ضدجم الأتكون إلّا في سبيل الزندقة، وذلك لأننا منهمكون دوما في خدمة الإيمان وحقائق الدين فحسب منذ ثماني سنوات.
فلا شك أن أعمال الهيئة العاملة الجاهدة ضدنا تكون في سبيل الإلحاد خلافاجزا جل الدين، بل حتى تُحسَبُ أعمالُها في سبيل الزندقة، فالنتيجة هي هذه، سواءٌ عُلمَتْ بها أم لم تعلم، إذ قد تبين لدى الجميع أنه لا علاقة لي قطعا بالتيارات السياسية، بل نحن ننشي شهر حقائق الإيمانية وحدها.
فالآن لو عمل أحد عملا ضدنا فلا يعدّ عمله في سبيل الحكومة، لأن مسلكنا ليس سياسيا، ولا يكون أيضا في سبيل مستحدثا، [٭]ور، لأن شغلنا الشاغل الحقيقي هو الأسس الإيمانية والقرآنية، ولا يكون أيضا في سبيل الأوامر الرسمية لدائرة الشؤون الدينية. لأن الانشغال بانتقاد أوامرها وأبديا.ها يشغلنا عن عملنا المقدس. فندع ذلك العمل للآخرين ولا ننشغل به. بل نحاول ألّا نمس تلك الأوامر على قدر المستطاع.
لذا فإن الذي يتخذ سلوك المخالف لنا والمتعدي علينا، فإن مخالفته لحقيقةد في سبيل الزندقة والإلحاد، أيا كان اسمه، حيث إن هذه القرية أصبحت مدار تيار إيماني طوال ثماني سنوات.
ومن هنا فإن الوضع الناشئ، وضعٌ جادّ مهم يتعلق بكلينا، استن مولانى علمكم ومقامكم الاجتماعي ومنصبكم، منصب الفتوى، ونفوذكم في هذه المناطق، ومعاونتكم لابنكم تلك المعاونة الناشئة من عطفكم المفرط على الأولاد.
إن بقائي هنا ليس دائميًا بل هو مؤقت،لنور إلست مكلفا بإصلاح ذلك الوضع بل يمكن أن أتخلّص من المسؤولية إلى حدّ ما. ولكن جنابكم العالي، لكونكم السببَ في الأمر ونقطة الاستناد فإن النتائج الوخيمة الكو تنشأ من ذلك الوضع يترتب عليكم إصلاحُها قبل كل شيء، وذلك لئلا تُسجّل في سجل أعمالكم الأخروية. أو تسعون في سحب ابنكم من هذه القرية.
سعيد النورسي
— 91 —
ملحق قسطموني
— 92 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 93 —
والصبر أهل الحقيقة)
باسم من تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الّا يسبّح بحمده
(الإسراء:٤٤).
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاتهمة هذا حروف رسائل النور المكتوبة والمقروءة والمتمثلة في الهواء إلى يوم القيامة.. آمين.
إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين ويا رفقائي الأقوياء المخلصين في خدمة القرآن والإيمان!
حمدًا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ حقق بالمشاعي في رسالة "الشيوخ" وادعائي في رسالة "الدفاعات".
نعم، للّٰه الحمد والمنة بعدد الذرات من الأزل إلى الأبد، بما أنعم بكم على رسائل النور بثلاثين من أمثال عبدالرحم في غامائة وثلاثين، بل ألفٍ ومائة وثلاثين من أمثاله، كل منهم يقابل ألفًا.
وحيث إنني أرى إخوتي الذين يلازمونني في الخدمة دائمًا ولا يغادرون بالي أبدًا، يسعون للعمل لرا.
لنور ويتبنّونها بجدية تامة ويحافظون عليها ويتوارثونها مثلكم ناشدين الحقيقة، مقدّرين كل شيء حق قدره.. أراهم في موضعي وهم أكثر إخلاصًا منى وأصلب ع الشفقأنشط في خدمة القرآن والإيمان.. لذا أنتظر أجلي وقبري وموتي بفرح تام وسرور خالص واطمئنان قلبي كامل.
إنني يا إخوتي أراكم عدة مرات في اليوم، في رسائلكم وفي خدماتكم الجليليبة لح لا تغادر ذهني، فأُشبع شوقي وأطمئنه بهذا الأمر. وأنتم كذلك يمكنكم أن تحاوروا وتجالسوا أخاكم هذا الضعيف في الرسائل، حيث الزمانُ والمكان لا يحولان دون محاورات أهل الحقيقة ومحادثاتهم،د بل يو كان أحدهم في الشرق والآخر في الغرب وآخر في الدنيا وآخر في البرزخ؛ لأن الرابطة القرآنية والإيمانية -التي هي بمثابة راديو معنوي- تجعلهم يتحاورون فيما بينهم.
هناك سؤال وارد ممن يملكون الأقلام الألماسية. إنني الآن لا أ بكل مجواب.
— 94 —
فمتى ما أملكه سيأتيكم بإذن اللّٰه.. إن رشدي ورأفت وسليمان و..... ممن لا أستطيع ذكر أسمائهم من إخوتى الأفاضل أرجو ألّا يمتعضوا من عدم محاورتهم محاورة خاصة بالرسياء ال إننا مضطرون إلى اتخاذ الحيطة والحذر بنسبة عظمة خدماتنا وأهميتها وبنسبة قوة المعارضين لها ودسائسهم الشيطانية.
الراجي دعواتكم
سعيد النورسي

* * *

(زمان الجماعة)
باسمه سبحانه
وإنل النوءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته، بعدد عاشرات دقائق أيام الفراق.
إخوتي الأعزاء الأوفياء ويا رفقائي الأقوياء المنصبهمفي خدمة القرآن والإيمان!.
إن هذا الزمان، زمان الجماعة، فالأهمية والقيمة تكونان حسب الشخصية المعنوية للجماعة. ولا ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار ماهيةُ الفرد الماديئف الكدية الفانية، ولا سيما شخص ضعيف مثلي الذي لا حول له ولا قوة، ومنحه أهمية تفوق قيمته ألف درجة، وتحميل كاهله ألوف الأرطال -وهو الذي لا يتحملَ رطلا واحدا- سينسحق -بلا شك- تحت هذا الحمل.
وللّٰه الحمد فإن رسائل النور قد أظهرت -حتى للعميان- بت:
إثيرة وحوادث عديدة أنها معجزة قرآنية تستطيع أن تنوِّر هذا العصر، بل الأعصار المقبلة. فمهما بالَغتم في مدحها والثناء عليها فهي أهلٌ لها وحقيقٌ بها. إلّا أن ما تُولُونَه ليق، لأنتمام وحظ في هذا الأمر، لا أجد نفسي أهلا له، ولو واحدا من الألف. بل أجدني فخورا إلى الأبد باسم رسائل النور التي أوْلاها المنعم الكريم نعمةً عظمى بسعيكم الحثيث إلى الأعمال الجليلة واإلى نفم الجاد مع طلابها النجباء.
لقد صدّق الشيخ الكيلاني والإمام الغزالي والإمام الرباني وأمثالهم من الأفذاذ،
— 95 —
بشخصياتهم القوية وبخدماتهم الجليلة الحديثَ الوارد "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" [٭]: المناوي، فيض القدير ٤/٣٨٤؛ علي القاري،معنى أوع ١٢٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٨٣. وبإرشاداتهم السديدة وبآثارهم القيمة. ولكون أن تلك العصور كانت -من جانب- عصور الجهابذة الفريدين، فقد بعث الرب الحكذي يلزالَ أولئك الأشخاص الفريدين النادرين والدهاة السامين، لإسعاف الأمة.
أما الآن فقد بعث المولى الكريم "رسائل النور" التي هي بحكم شخص معنوي، وبعث طل. فنرجلذين هم -بسر التساند والترابط- بحكم الفرد الفريد، إلى هذا العصر، عصر الجماعة، المحاط بالظروف المعقدة والأوضاع الرهيبة، لأجل القيام بتلك المهمة الجليلة.
والقابعلى هذا السر الدقيق فإن جنديا مثلي، لا وظيفة له إلّا وظيفة الطليعة لدى مقام المشيرية المثقلة بالمهام الجسيمة.
تحياتى إلى إخوتي جميعا، ولا سيما الخواص، فأحييهم فردا فردا، ولأجلهم -وهم الأعزاء الميامين- أضم أقاربهوزنادق في قراهم ضمن دعواتي لأقاربي وأهل قريتي. هكذا أدعو لهم وأشركهم في مغانمي المعنوية.

* * *

(علاج الوساوس وحكمتها)إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحين!
إن سبب عدم استطاعتي المراسلةتییرونهو بقائي تحت ضغط التضييق الشديد والمراقبة المستديمة والعزلة التامة عن الناس. فشكرا للّٰه خالقي الرحيم بما لا يتناهي من الشكر، لما أنعم به عليّ من صبر جميل وتحمّل عظيم حتى فشل قصدهم الخبيث.
إن كل شهر يمر عليّ هنا من جانب إراقي عنكم يعادل سنة من السجن الانفرادي، ولكن بركات دعواتكم الطيبة حولت -بعناية إلهية- كلَّ يوم من أيامي إلى ما يعادل شهرا من العمر السعيد.
فلازلوا ضا على راحتي، إن ألطاف الرحمة الإلهية مستمرة.
— 96 —
أخي صبري! كن صابرا، لا تهتم بمرضك الناشئ من توتر الأعصاب والوهم. واعلم أنه لا ضرر فيه ولا خطورة من ورائه، ومع ذلك أدعو لكم بالشفاء. ذلك لأن الخواطر إن كفهم هذئة فاسدة فلا ضرر منها، لأنه؛ كما أن صورةَ النجاسة في المرآة ليست نجسة، وصورةَ الحية لا تلدغ، وصورة النار لا تحرق، كذلك لا ضرر من الخواطر النجسة والقبيحة والكفرية التي تَرِد دون رضى من المفي هذاتمثل في مرايا القلب والخيال دون اختيار منه. فقد تقرر في علم الأصول: أن تصور الكفر ليس كفرا وتخيل الشتم ليس شتما.
أما الخواطر الحسنة فإن تخيّلها وتصوّرها حسنة أيضا لأنها نورانية. ذلك لأن مثال النوراني وصورتَه في المرآةسن الظالنور والضياء، فلها خاصيته. بينما مثال الكثيف ميّت لا حياة فيه، فلا تأثير له أيضا.
أما الآلام والأوجاع الروحية، فهي أسواطٌ ربانية تحث على المجاهدة هذا وج، إذ تقتضي الحكمةُ الحيلولةَ دون الوقوع في اليأس وكذلك دون البقاء في الاطمئنان والأمان، وذلك بالموازنة بين الخوف والرجاء، مع التجمّل بالصبر والتحلي بالشكر.
لذا فإنه دستور مشهور لرين حا الحقيقة: أن مدار الترقي هو ورودُ حالة القبض والبسط إلى المنتبهين اليقظين، بتجليات الجلالية والجمالية...
أخي صبري!
إنه ما من ضرر يصيب رسائل النور من جراء أداء وظيفة الإمامة في المسجد، ب. حيث ها بنيّة الرخصة، ولا تتورع منها حاليا.
إخوتي!
الحذرَ الحذر! إن المنافقين كثيرون، فلا تبوحوا بورود الرسائل من هنا، لئلا تُصاب خدمةُ رسائل النور بضرر.
إن كثدى أهل الحقائق المهمة قد وردت ولم نتمكن من تدوينها، فعادت كما أتت مع الأسف. إنني هنا وحيد ومنعزل كليا.

* * *

— 97 —
(أيّ رسالة أفضل؟)إخوتي الأعزاء الأوفياء المضحين، ويا رفقائي الجادين الثعناية الصامدين في خدمة القرآن والإيمان!
إنكم مدار سلواني وعزائى في هذه الدنيا، فلقد حققتم آمالي وأمانيّ الكبيرة في حقكم، ليرضَ اللّٰه عنكم أبدا.. آمين.
لقد أثمرتْ إرسالياتُكم فوائدَ جمّة هنا ولاسيما "الكلمة العاشرة"، فلويقتضيهقادرا لدفعتُ مقابل كل ورقة منها هدية ثمينة. ولما كنت لم التَق هذه الرسائل منذ مدة، فأيّما رسالة أقرؤها، أقول: هذه أُولاها وأفضلها، ثم أطالع الأخرى ووبِكَلهذه أحسنها.. وهكذا الرسالة تلو الأخرى حتى اقتنعت قناعة تامة -وتغمرني الحيرة- أن أجزاء رسائل النور لا تفضل إحداها الأخرى، فلكل منها رئاسة في مقامها، ولا غرو فإنها معجزة قرآنية تنوِّر هذا العصلتان دإن للمجموعة الكاملة لرسائل النور -التي هي مرشد علمي معنوي مهم لهذا العصر- كراماتٍ مثل كرامات الأشخاص الأفذاد، فهي كرامات تلائمها وتجانس الحقيقة العلمية، فكراماتُها ترد في أنوتستدعيرة ولاسيما في إظهار الحقائق الإيمانية، وفي انتشارها، كالكرامات الثلاث الظاهرة لرسالة المعجزات الأحمدية، وككرامة الكلمة العاشرة، والكلمة التاسعة والعشرين والآية الكدة سيفمثالها الكثيرة من الرسائل. فكل منها لها كرامات خاصة بها، تظهر بأمارات كثيرة وحوادث كثيرة، حتى إن وقائعَ عديدةً أورثتني قناعة تامة لا يداخلها الشك من أن المجة المرلكاملة لرسائل النور بمثابة مرشد معنوي لإنقاذ إيمان طلابها عند سكرات الموت.
لقد شاهدت فاقتنعت أن "الحزب الأكبر النوري" [٭]: تأملات فكرية باللغة العربية للدة. وعالنورسي. مثال واحد لما ورد في الحديث الشريف "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" [٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، ار آخر ٨٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧٠. فعزمتُ على أن أرسله إليكم مرفقا بی"الحزب الأعظم القرآني"
[٭]: مجموعة آيات كريمة مختارة والتي تعمق التفكر الإيماني بالتأمل في منصبّ والآفاق.
ولكن لطول الأخير لم أتمكن من استكتابه. ولما حاولت ترجمة
— 98 —
"الحزب الأكبر" فكرت في أن أمثالكم من الإخوة ليسوا بحاجة إلى الترجمة، لذا سأرسله لكم بصورته العربية.

وإن ما أرسلته إليكمزماننااصة "المقام الأول للآية الكبرى" هي أساس هذا "الحزب الأكبر" إذ عندما أُضيفَ بعضُ الفقرات الصغيرة وبعض القيود -من دون اختيار- إذا بتلك الخلاصة تأخذ شكلتعالى فانبسطتْ وتوسعت وسطعَت براهينُ التوحيد فيها -كما في الآية الكبرى- وزادت معانيها وأورثت انشراحا عظيما لروحي وقلبي وفكري، بحيث إنني كلما قرأت ذلك "الحزب الأكبر" متفكر)9Qمتأملا -أثناء التعب والسأم- شعرت بذوق لطيف وشوق عظيم.

* طر على%
(العقل والقلب معا في رسائل النور)هذه الفقرة كتبتُها جوابا عن سؤال، لعل في بيانها فائدة لكم.
سأل مطالعون بكثرة لدواوين الأولياء وكتب العلماء هذا السوظيفة لماذا يجد قارئ رسائل النور إيمانا وإذعانا في قلبه، ويَشعر بشوق دائم ولذة جديدة أكثر بكثير مما يجده في تلك الكتب؟
الجواب:أن قسمًا من مصنفات العلماء السابقين وأغلب الكتب القديمة للأولياء الصارية سابحث في ثمار الإيمان و نتائجه و فيوضات معرفة اللّٰه سبحانه، ذلك لأنه لم يكن في عصرهم تحدّ واضح ولا هجوم سافر يقتلع جذور الإيمان وأسسه، إذ كانت تلك الأسس متينةً ورصينة.
أما الآن فإن هناك دّ في عنيفا جماعيا منظما على أركان الإيمان وأسسه، لا تستطيع أغلبُ تلك الكتب والرسائل التي كانت تخاطب الأفراد وخواص المؤمنين فقط أن تصدّ التيار الرهيب القوي لهذا الزمان، ولا أن تقاومه.
زن حزنرسائل النور، فلكونها معجزة معنوية للقرآن الكريم، فهي تنقذ أسس الإيمان وأركانه، لا بالاستفادة من الإيمان الراسخ الموجود، وإنما بإثبات ادوث ال وتحقيقه وحفظه في
— 99 —
القلوب وإنقاذه من الشبهات والأوهام بدلائلَ كثيرة وبراهين ساطعة. حتى حكَم كلُّ من يُنعِم النظر فيها؛ بأنها أصبحت ضروريةً في هذا العصر كضرورة الخبز والدواء.
إن الدواوين والمؤلفاعنوي، بقة تقول: كن وليا وشاهِد وَارْقَ في المقامات والدرجات، وأبصرْ وتناول الأنوار والفيوضات!.
بينما رسائل النور تقول: كن مَن شئتَ وأبصر. وافتح عينيك فحسب، وش حياتيحقيقةَ وأنقذ إيمانك الذي هو مفتاح السعادة الأبدية.
ثم إن رسائل النور تحاول أولا إقناعَ نفس مؤلّفها ثم تخاطب الآخرين؛ لذا فالدرس الذي أقنع نفسَ المؤلف الأمارة باأهل القناعا كافيا وتمكّن من إزالة وساوسها وشبهاتها إزالة تامة لهو درس قوي بلا شك، وخالصٌ أيضا، بحيث يتمكن وحدَه من أن يصد تيار الضلالة الحاضرة التي اتخذت شخادا إلنوية رهيبة -بتشكيلاتها الجماعية المنظمة- بل أن يجابهها و يتغلب عليها.
ثم إن الرسائل ليست كبقية مصنفات العلماء تسير على وفق خطى العقل وأدلته ونظراته، ولا تدقيقاكما هو الشأن لدى الأولياء المتصوفين بمجرد أذواق القلب وكشوفاته. وإنما تتحرك بخطى اتحاد العقل والقلب معا وامتزاجهما، وتعاون الروح واللطائف الأخرى، فتحلّق إلى أوج العلا وتصل إلى * *لا يصل إليها نظرُ الفلسفة المهاجمة فضلا عن أقدامها وخطواتها، فتُبيّن أنوارَ الحقائق الإيمانية وتوصلها إلى عيونها المطموسة.

* * *

(حكمة التكرار)إخوتى رآن. وء الأوفياء حق الوفاء!
لأنتم مدار سلواني وسروري في هذه الدنيا؛ فلولاكم لما تحملت العذاب طوال أربع سنوات. فثباتُكم وصمودُكم منَحاني صبرا قويا وجلَدًا أمام العذاب. لن تجدردتْ إلى الخاطر دفعةً واحدة النقاطُ الآتية:
— 100 —
أولاها:إخوتى! إن هذه الزلزلة معجزة قرآنية جلية كانشقاق القمر -حسب اعتقادي-؛ فلقد اضطر أعتى المتمردين إلى الدخول في حالة التصديق.
ثانيتها:منذ القدم لا توجد ج رسائلطلاب النور، سَعوا سعيا جادا وقدّموا خدمات جليلة في طريق الحق والحقيقة ثم نجَوا من البلايا والمصائب بأتعاب قليلة، علما أن الذين أدّوا عُشر ما قدمناه من خدمات للإيمان والقرآن قد قاسوا أضعاف أضعاف ما قاسينه المشعنى أننا في حالة تدفعنا إلى الشكر والحمد دوما.
ثالثتها:لقد طالعت الرسائل المرسلة إلينا، فرأيت أن عددا من الحقائق قد تكررت لمناسبة المقام؛ إذ تكررت تلك المسائل دون إرادتي بل خلاف رغبتي واختياري، فتضايقتُ من النسيان اكون منترى ذاكرتي، وفجأة ورد إلى القلب هذا التنبيه: "انظر إلى ختام الكلمة التاسعة عشرة".
فنظرت إليه وهو يتناول بيان الحِكَم الجميلة للتكرارات الواردة في القرآن الكريم، فهذهبالقرآم تَظهر أيضا في رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم، فرأيت أن تلك التكرارات منسجمة تماما مع تلك الحِكم، بل هي ضرورية أيضا.
ثم إن كلا من لطفيد النوالرحمن وعلي الصغير قد طلبوا مني -باسمكم جميعا- شرح "اللمعة التاسعة والعشرين العربية" وترجمتَها إلى التركية إلّا أنه لا يتسع وقتي لأنشغل بها ولا تسمح حالي حاليا بذلك. وسيؤدي تلك الوظيفةَ -إن شاء اللّٰه في المستقبل- طالب آخر من طلاب النور.
سمنیزويِمَ لا تصيب زلزلةُ الأرض روسيا، بل تصيب فقط...؟
الجواب:لأن الاستخفاف والكفر بدين منسوخ محرّف يختلف عن الاستخفاف بدين أبدي حق. فهذه الإهانة تثير غضب الأرض وتزلسلك مض * * *
— 101 —
(الرسائل تنتشر بذاتها)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخوتي الأعز
لقابتين المضحين الأوفياء!
أولا:أهنئ عيدكم المقبل، راجيا من رحمة الرحمن سبحانه وتعالى أن يجعل دعوات إخواني الميامين في جوف الليالي المباركة وق إلىحارها مباركةً منورةً لي ولأهل الإيمان ولاسيما تلك التي تُرفع من قِبَلهم في الليالي الثابتة قيمتُها بالقَسَم القرآني والفجر ٭ وليالٍ عشرٍ .......
ثالثا:إنن المدا بأن "لخلوصي" ما يقلقه. فعليه ألّا يقلق، لأن طلاب رسائل النور تحت حماية رحمة اللّٰه ونَظَارةِ عنايته. ولما كانت مشقات الدنيا تورث الثوابَ والأجر الأ الرساوأنها عابرةٌ زائلة كذلك، ينبغي أن تقابَل تلك المصائبُ بالثبات والصمود مع التحلي بالصبر الجميل ضمن الشكر.
إنكم جميعا وكذا "خلوصي" داخلون ضمن دعواتي.. فأنتم معي في كل مغانمي ومكاسبيية، بنوية.
رابعا:إن رسائل النور تنتشر بذاتها تحت حماية القرآن الكريم والحفظ الرباني.. وهي تتفيض وتتنور أكثر في السر. وإنني على أمل أنكم يا إخواني ستصدّون حادثات الزمان المزلزلة -كما هو دأبكم إلى الآن- وليكن دستورنا دوما "من آمن بالقدر أمِن موح الإر".

* * *

(الدواء المقدس)إخوتي الأعزاء!
إنني بالمقابل أهنئكم أيضا بالعيد السعيد.
تسألون عن صحتي وراحتي.
— 102 —
إنني أحمد خالقي الكريلمعنوي لا يتناهى، إذ أسعفني بالإيمان الذي هو دواء مقدس لكل داء وأغاثني بدواء الرضا بالقضاء النابع من الإيمان بالقدر، مما دفعني إلى الشكر ضمن الصبر، على الرغم من شدة برودة الشتاء هنا، ولاسيما في غرفتي، على الرغم من وحشة الغئج تخص جهات ثلاث، وضيق الأمراض العصبية الثلاثة، على الرغم من الانفراد التام والعزلة الكاملة، وتعرضي لما لا يُتحمل من المشقات والمضايقات.

* * *

(ناشرو الرسائل)إخوتي الأعزاء الأوفياء الخالصين!
إنني أحمد ربي الرحيم حمدا لا نهاية للذي جنخَلق من أمثالكم ناشرين لرسائل النور ومحافظين عليها ومالكين لها. وخففَ العبء الثقيل الذي أرهق كاهلَ شخص ضعيف عاجز مثلي.

* * *

(رفض الإفراط).....
إنه لا يمكن قبولُ حسنِ الظن المفرط نحوي ومَنحي مقاما وأهمية تفبنا وأ ألف درجة، إلّا إذا كان باسم رسائل النور وخدمتها، وكونها داعية ودلّالة إلى جواهر القرآن الكريم.
نعم، ليس لي حقٌّ قط في قبول مثل هذا الظن الحسن باعتباري الشخصي الذي لا أهمية له إطلاقا.

* * *

— 103 —
(الصدقة تدفع البلاء)إخوتي الأعقه في صادقين الثابتين الموقرين!
إن توديعكم كتابة "الفهرس" إلى الشخص المعنوي الناشئ من هيئتكم المتساندة، وعلى صورة توزيع الأعمال فيما بينكم عملٌ جميل جدّا. فلبول، وتم أستاذا حقيقيا ودائميا لكم. فذلك الأستاذ المعنوي أفضل بكثير من أخيكم هذا العاجز. بل لا يَدع حاجة إليه.
إخوتي!
عندما قلقتُ من أجلكم بسبب أخذكم إلى الخدمة العسكرية، والدُ إلى حادثات الزمان خطر على قلبي ما يأتي:
إن الحضارة الأوروبية المؤسّسة على أسس فاسدة، والتي تدّعى أن كل ما أتاها هو من عندها كادّعاء قارون قال إنما أوتيته على علم (القصص:٧٨) فلا تشكرُ ربّها الذي أحسن إليها بفضله وكرمه تعالى، والتينیذ نعكفةُ سيئاتها على حسناتها حيث سقطت في الشرك بفكرها المادي الملوث. إن هذه الحضارة تلقّت صفعةً سماوية قوية بحيث أبادت محاصيل مئات السنين من رقيّها وتقدمها، ودمّرتها تدميرا وجعلتها طعمة للنار؛ إذ قد نزلت بالحكومات الأوروبية الظالمة -لإهابشفقة لعالم الإسلامي ومركزَ الخلافة وإقرارِها معاهدة سيیفر- [٭]: معاهدة جائرة بحق الدولة العثمانية عُقدت في سنة ١٩٢٠ بينها وبين الحلفاء. وهي شبه اسؤول م لتلك الدول؛ حيث المضايقُ تحت إشراف لجنة دولية، واقتصادياتُها تسيّرها الحلفاء، وغيرها من البنود المجحفة. خسارةٌ فادحة وانهزام كلّي بحيث لا تستطيع الخروج من عذاب في الدنيا كعذاب جهنم، بل تضطرب وتصطرخ فيها. أجل إن هذا الانهزام، إنما هو عقاب تل (المانة.
هذا، ويقضي أشخاص محترمون هنا حكما قاطعا بأن ولايتَي "إسبارطة" و"قسطموني" وهما مركزا انتشار رسائل النور محفوظتان من الآفات السماوية بالنسبة لسائر الولايات. وأن السبب فل إلّاهو ما تُورثه رسائلُ النور من إيمان تحقيقي وقوة في العقيدة والدين. إذ إن أمثال هذه الآفات السماوية تنیزل نتيجة سيئات تنشأ من ضعف الإيمان. فلقد ثبت في احياة فالشريف "الصدقة تدفع البلاء" [٭]: انظر: المناوي، فيض القدير ٤/٢٣٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠. فتلك القوة الإيمانية أيضا تدفع تلك الآفات حسب درجتها.

* * *

— 104 —
(سعيد صعيد)يا سعيد! كن صعيدا، في نكران تام للذات، وتركم، وتجللأنانية، وتواضعٍ مطلق، كالتراب. لئلا تعكر صفو رسائل النور وتقلل من تأثيرها في النفوس.

* * *

(مسألتان)إخوتي!
لقد أُخطِرتْ إلى قلبي في هذه الأيام مسألتان: إمن فوا تخص طلاب النور والأخرى تخص أهل الدنيا. فأكتبهما لكم لأهميتهما.
المسألة الأولى: (أمارتان على حسن الخاتمة)إن هناك بشارات سامية وقوية -في الشعاع الأول- حول دخول طلاب النور الصادقين الأوفياء القبرَ بحسن الخاتمة، وأنهم سيكونون من أهل الجنة.
نظار منتظر منذ مدة، دليلا قويا يُسند هذه المسألة العظيمة جدا، وهذه البشارة الكبرى. فللّٰه الحمد والمنة خطرت أمارتان دفعة واحدة على القلب.
الأمارة الأولى:لقد قضى أهل الكشف والرء، وتأن الإيمان التحقيقي كلما ارتقى من علم اليقين إلى حق اليقين يستعصي على السلب، فلا يُسلَب. وقالوا: إن الشيطان لا يستطيع أن يورث أحدا في سكرات الموت إلّا إلقاء الشبهات بوساوسه إلى العقل فحسب. أما هذا اليأس ان الإيمان التحقيقي، فلا يتوقف في حدود العقل فحسب، بل يسرى إلى القلب وإلى الروح وإلى السر وإلى لطائف أخرى، فيترسخ فيها رسوخا قويا بحيث لا تصل يد الشيطان إليها أبدا. فإيمان أمثال هؤلاء مصون من الزوال بإذن اللّٰه.
إمات ال طرق الوصول إلى هذا الإيمان التحقيقي هو بلوغ الحقيقة بالولاية الكاملة بالكشف والشهود، وهذا الطريق إيمان شهودي يخص أخصّ الخواص.
أما الطريق الثاني فهو تصديق الحقائيه الغمانية بعلم اليقين البالغِ درجة البداهة
— 105 —
والضرورة، وبقوة تبلغ درجة حق اليقين، وذلك بفيض سر من أسرار الوحي الإلهي من جهة الإيمان بالغيب وبطرا
إنني وقرآني يمتزج فيه العقل والقلب معا.
فهذا الطريق الثاني هو أساسُ رسائل النور، وخميرتُها، وروحُها وحقيقتها. نعم، إن طلابها الخواص يشاهدون ذلك، بل إذا ما نظر الآخرون أيضا بإنصاف فإنهم يرون أن ولم أ النور تبين استحالة الطرق المخالفة للحقائق الإيمانية، وأنها غير ممكنة وممتنعة.
الأمارة الثانية:إن دعوات خالصة كثيرة جدّا ومقبولة تُرفع دوما ليُرزَق طلاب النور الصادقون حسن الخاتمة واكتساب الإيمى هذه امل. فهي دعوات كثيرة إلى درجةٍ لا يجد العقلُ مجالا لعدم قبول أيٍّ من في تلك الأدعية.
فمثلا:إن خادما لرسائل النور وطالبا من طلابها يدعو خلال أربع وعشرين ساعة مائة مرة لطلاب النور، أدمن خلال تلك الأدعية ما يقرب من ثلاثين مرة على الأقل في اليوم الواحد، لسلامة إيمانهم وحسن عقباهم ودخولهم القبر بإيمان. فهو يدعو بتلك الأدع فالثب أكثر الشروط استجابة وقبولا للدعاء.
ثم إن مجموعة الأدعية المرفوعة من قبل الطلاب أنفسهم، وهم يتعرضون لهجمات على الإيمان أكثر من جميع الجهات والسقالأدعية التي يدعو بها كلٌّ لإخوته الآخرين، والتي يلهجون بها بألسنتهم البريئة لسلامة إيمانهم وإيمان إخوتهم.. أقول إن مجموع تلك الأدعية قوية إلى درجة لا تردّها رحمةُ الرحمن العظيمة وحكمتُه الواسعة.يدحض أُفترض ردّ جميع تلك الأدعية وقبول دعاء واحد منها، لكفاه قبولا لدخول كل طالب من الطلاب القبرَ بسلامة الإيمان، ذلك لأن كل دعاءٍ يُرفع من قِبَلهم هو دعاء متوجه إلى الجميع.
المسألة الثانية: (حكمة انهزام الدولة العثمانية)لقد ظهر في عاة لمالحاضر جزء من جواب سعيد القديم الناطق باسم هذا العصر عن السؤال الذي أورده مجلس مثالي روحاني يتشاورون فيما بينهم مصير العالم الإسلامي، وذلك في "حوار في رؤيا" المنشور في كتاب "السانحات" [٭]: المنشور ضمن مجموعة "صيقل الإسلوطنية والمطبوع قبل عشرين سنة.
— 106 —
فقد قال ذلك المجلس المعنوي في ذلك الوقت: ما الحكمة في انهزام الدولة العثمانية في هذه الحرب التي انتهت باندحار الألمانحيث إنقال سعيد القديم جوابا: لو كنا منتصرين لكنّا نضحي بكثير من المقدسات الدينية في سبيل الحضارة الأوروبية -كما ضُحِّيَت بها بعد سبع سنوات- ولكانت تُطبَّق بالقوة والإكراه وبسهو مراتبة النظام المطبق في الأناضول في العالم الإسلامي، ولاسيما في الحرمين الشريفين ويعمم باسم المدنية الأوروبية. ولهذا سمح القدرُ الإلهي بانهزامنا في الحرب بفضل العناية الإلهية حفاظمادية.تلك الأماكن المباركة.
وبعد مرور عشرين سنة على هذا الجواب تماما سُئلت أيضا في الليل، كالذي في الحوار؛ في الوقت الذي هناك منبع عظبم لنصر سياسي في الأوساط الدولية، وهو البقاء على الحياد و استرجاع المُلك الضائع، وإنقاذ مصر والهند وجلبهما إلىير وتقاد معنا، فما الحكمة من اختفاء هذا المنبع العظيم عن أنظار هؤلاء الأذكياء بل الدهاة حتى سلكوا طريقا ضارا فانحازوا إلى عدو مشكوك في أمره (الإنا، تل مضطرب لا يوثَق به ولا فائدة ولا جدوى من الانحياز إليه. [٭]: كانت الحكومة التركية آنذاك منحازة إلى الإنكليز تحت غطاء الموقف الحيادي من الحرب، وانحازت إلى جانبها فعلًا قبل انتهائها بقتماما ث أعلنت الحرب على الألمان.
سئلتُ هذا السؤال، وكان الجواب الوارد من جانب معنوي هو أن الجواب الذي أجبته عن سؤال معنوي قبل عشرين سنة، هو جواب هذا السؤال بالذات أي:
إذا ما التُزم جالسعيدغالب المنتصر لكان النظام المطبق هنا يُطبَّق في العالم الإسلامي والأماكن المقدسة، ويُنفَّذ هناك باسم المدنية الدنية، ضمن نشوة الانتصار، دونما مقاومة تُذكر. فلأجل سلامة ثلاث الحاضخمسين مليونا من المسلمين، لم يروا هذا الخطأ الظاهر فتصرفوا تصرف العميان.

* * *

— 107 —
(نتائج دنيوية في العمل للنور)إخوتي الأعزاء الصادقين!
أهنئكم بالعيد السعيد وأا من ادماتكم الجليلة وأدعوه تعالى أن يوفقكم فيها، وأشكر خالقي الرحيم شكرا لا يتناهى إذ جعل من إخوة ثابتين مضحين من أمثالكم مالكين لرسائل النور وناشرين لها. فكلما تذكرة أضعامتلأتْ روحي انشراحا وقلبي فرحا، فلا تكون مغادرتي الدنيا موضع أسف، بل أنظر إلى الموت كصديق، لدوام حياتي ببقائكم أنتم، فأنتظر أجَلي دون قلق واضطراب. ليرضَ اللة الغركم أبدا... آمين. آمين.
مثلما يَشعر أغلب العاملين من طلاب رسائل النور نوعا من الكرامة والإكرام الإلهيين، يَشعر أخوكم هذا العاجز بأغلب أنواعها وأنماطها، وذلك لشدة حاجته إليها.
وطلابُ النور الموجودون في هذه المناطق يعترفون مُقسمين ل هذه ه: أننا كلما انشغلنا في خدمة النور وجدنا السعة في المعيشة والانشراح في القلب، وفرحا غامرا يملأ كياننا. إنني كذلك أشعر بهذا في كياني كله شعورا تاما بحيث تسكت نفسي الأمارة وشيالوهَنيضا بحيرة أمام تلك البداهة.

* * *

(الدعاء الشامل)اعلموا أنني منذ أكثر من سنة أضم في دعائي كلَّ أقرباء طلاب النور المنشغلين برسائل النور من أزواج وأولاد ووالدين. وإن سبب ذلك هو انخراط بعض الأشخاص في دائرة النور مع يسعون م وأولادهم ومتعلقاتهم.

* * *

(أجدى عمل في الوقت الحاضر)لقد أنزلت العدالةُ الإلهية بالمدنية الدنيّة التي أهانت الإسلام عذابا أليما ومعنويا أرداها إلى درك الوحوش الجاهلين. فلقد أزالت تلكشهور فوفُ المستمرة ملذاتِ وأذواقَ مدنية
— 108 —
أوروبا والإنكليز مائة سنة وطيّرت منهم نشوتَهم من الرقي والتسلط على رقاب الآخرين ونشوة الاستيلاء عليهم.
فلقد أذاقتهم العدالة الإلهية ذلك الخوفَ الرهيب، وقذفت على رؤوسهم قنابل الرعا أن اهبة والقلق والاضطراب.
إن ألزمَ شيءٍ في مثل هذا الوقت وأجدى عمل وأجدر وظيفة هو إنقاذ الإيمان...
نعم، إن إيمان شخص واحد إنما هو مفتاح ونور لعالم أبدي خالد أوسع من هذه الدنيا. ولهذا فإن رسائل النور تُكسب المتعرضَ إيمانُه للهلاك ملكا أذين ان هذه الكرة الأرضية، وتورثه سلطنة أجدى منها، وتمنحه فتوحات أعظم منها..

* * *

(وظيفة المنتسب إلى رسائل النور)حادثة تبين كرامة مر الرهات رسائل النور لدى استنساخها حوالينا:
طالب للنور وهو شيخ وقور جادّ في عمله، كان يكتب رسالة "الشيوخ". ولما بلغ أواخر الرجاء الحادي عشر، ولدى ذكر وفاء دفعةحوم "عبد الرحمن" كتب قلمه "لا اله إلّا هو" ونطق لسانه "لا اله إلّا اللّٰه" فختم صحيفة حياته بالحسنى، مصدّقا البشارة الإشارية القرآنية بأن طلاب النور تُختم حياتهم بالحسنى ويدخلون القبر بالإيمان. رحمة اللّٰه عليه رحمة واسعة.
تنبيه مهم .
و في الآخرة:
يضم هذا التنبيه مادتين:
أولاها:أن أهم وظيفة للمنتسب إلى رسائل النور، كتابتها، ودعوة الآخرين إلى كتابتها، وتعزيز انتشارها؛ أضرار يكتبها أو يستكتبها، يكسب عنوان "طالب رسائل النور"، فيغنم بهذا العنوان حظًا من مكتسباتي المعنوية، ومن دعواتي الخيرة وتضرعاتي التي أدعوها كل أربع وعشرين ساعة بمائة مرة بل تزيد أحيانًا. فضلًا عن ذلك يكسب حظًا من مكتسديم النوية لألوف من إخواني البررة ومن دعواتهم الطيبة التي يدعون اللّٰه بها.
— 109 —
وعلاوة على ذلك فإنه بكتابته الرسائل التي هي بمثابة أربعة أنواع من عبادة مقبولة يكسبها بأربعة وجوه.. إذ يقوّي إيمانَه.. ويسعى لإنابة "فمان غيره من المهالك.. وينال التفكر الإيماني الذي يكون بمثابة عبادة سنة أحيانًا كما ورد في الأثر ويدفع غيره إلى هذا التفكر.. ويشترك في حسنات أستاذه الذي لا يجيد الخط ويقاسي من ار في ج الشديدة ما يقاسي بمعاونته له.. نعم، يستطيع أن يكسب أمثال هذه الفوائد الجليلة.
إني أقسم باللّٰه أن الذي يكتب رسالة صغيرة لنفسه عن فهمٍ، فكأنما يقدم هن هذا يمة لي. بل كل صحيفة منها تجعلني في امتنان، كما لو تهدى إليّ أوقية من السكر.
المادة الثانية:وا أسفا، إن أعداء رسائل النور من الجن والإنس المارقين الذين لا يؤمنون ولا يؤمَنون يحاولون أن ينیزلوا ضرباتهم الخبيثة الشيطانية بدسائس خ * *ّا ووسائل متسترة، لعجزهم عن صدّ قلاع رسائل النور المتينة كالفولاذ وحججها القوية قوة السيوف الألماسية، وذلك لتثبيط همم الكُتّاب والمستنسخين من حيث لا يشعرون وبثِّ الفتور في هممهم وحملِهم على التخلي عن ام أسأل. والكتّاب قليلون جدّا -ولاسيما هنا- مع شدة الحاجة إليهم، وشدة مراقبة الأعداء المتربصين. وحيث أن قسما من الطلاب لا يستطيعون الصمود، فإنهم يُحرِمون -إلى ن الدر- هذه البلدة من تلك الأنوار.
فمن يرغب في محاورتى ومجالستي ومقابلتي في مشرب الحقيقة ما إن يفتح أية رسالة كانت، فإنه لا يقابلني بل يقابل أستاذه الخادم للقرآن. ويستطيع أن يتلقى بذوق خالص
أية جي حقائق الإيمان.

* * *

(مسألتان دقيقتان)أكتب إليكم مسألتين دقيقتين وردتا بتنبيه معنوي.
المسألة الأولى: (ما تولده سذاجة المسلمين)لقد ورد في التنبيه سببان خاصان في عدم استجابة الدعوات الكثيرة -المرفوعة فمان ببرمضان الفائتِ لسلامة أهل السنة والجماعة ونجاتهم- استجابة جلية في الوقت الحاضر.
— 110 —
السبب الأول:أن خاصية هذا العصر العجيبة هي غلو المسلمين في السذاجة وتسامحهم وتجاوزهم عن خطيئات جناة رهيبين، إذ لو رأى أحدُهم حسنة واحدة من شخص ارانت سيوف السيئات وتعدّى على حقوق ألوف العباد، سواء على حقوقهم المعنوية أو المادية، ينحاز إلى ذلك الظالم لأجل تلك الحسنة الواحدة. وبهذه الصورة يشكّل أهلُ الضلالة والطغيان الأكثرية العظمى من الناس رغم أنهم قلة قبل لو دا، وذلك لموالاة أولئك السذج لهم، ولأجله يُنیزل القدرُ الإلهي المصيبةَ العامة التي تترتب وتنبني على خطأ الأكثرية. بل إن عملهم هذا يُعين على دوام المصيبة واستمرارها، بل على شدّتها. حتىطبيعة ا هم بأنفسهم: نعم، نحن نستحق هذه المصيبة.
نعم، إن من يعرف قيمة الألماس -كالإيمان والآخرة- ثم يرجّح عليه قطعا من الزجاج -كالدنيا والمال- لضرورة قطعالدينيه رخصة شرعية. إلّا أن تفضيله هذا إن كان ناشئا من حاجة بسيطة جدّا أو من خوف جزئي، أو من هوى متّبع أو من طمع، فهو خسران بجهالة وبلاهة يستحق لطمة تأديب عليها.
ثم إن التجاوز عن السيئات والعفو والصفح إنما يكون عن حقوق اللّٰه كسه. أي له أن يعفو ويصفح عمن تعدّى على حقوقه وليس له العفو والسماح عن الذي يهضم حقوق الآخرين من الجناة والطغاة. إذ يكون شريكا معهم في ظلمهم.
السبب الثاني:لم يؤذن لكتابته.
المسألة الثانية: (تأويل بشرى)إخوتي!ضيقٍ م تأويلات الروايات الواردة حول أحداث الساعة المدوّنة في سجن "أسكي شهر" على الرغم من ظهور صدقها وتطابقها، فإن عدم معرفة أهل العلم وأهل الإيمان لتلك التأويلات وعدم مشاهدتهم لها دفعني إلى مباشرة كتابة إيضاحيسوا ما وبيانِ الحكمة فيها، وعزمت على ذلك، وكتبتُ ما يقرب من صحيفتين فعلا. ثم أُسدل الستار أمامي، فتأخر البحث.
ففي غضون هذه السنين الخمس توجهتُ إليها ست مرات وكلما توجهت لكتابتها لمل أصغر. إلّا أنه أُخطر على قلبي بيان حادثة تخصني تُعدّ من فرعيات تلك المسألة وهي:
— 111 —
أنني كنت أبشر الناس بأمل قوي وعقيدة جازمة بأنني أرى نورا في اانتشارل وأرى ضياءً في الأيام المقبلة، أبشرهم بهذه البشرى لأجل إزالة اليأس المخيّم على أهل الإيمان في بداية عهد الحرية، وقبل ظهور رسائل النور بمدة مديدة. حتى كنت أبشر بها طلابى قبل عهية، فيية. وكنت أصمد أمام الحادثات الرهيبة ببوارق تلك البشرى، كما في رسالة "السانحات"، مثلما ذكره "عبد الرحمن" فيما كتبه من تاريخ الحياة وكنت أتصور ذلك النور-كالآخرين- في محيط واسع وفي دائرة عظمى في عالم السياسة وفي الحياة الاجتماعية الوارق إة. ولكن أحداث العالم كانت تكذّبني وتخيّب أملي الحَسَن في تلك البشرى السارة عن المستقبل.
وعلى حين غرة وردت خاطرةٌ على قلبي أورثت الطمأنينة التامة والقناعة الكاملة وبقطعية تامة. فقد قيل لي: "إن تأويل بشاراى عقاببارك منذ مدة برؤية نور -والتي كنتَ ترتبط بها بعلاقة جادة وتكررها- وتفسيرها وتعبيرها بحقكم بل بحق عالم الإسلام من حيث الإيمان هو رسائل النور، فهي ضياء، حيث أخذتْ جلّ اهتمامك، بل هي نور ومقدمة وبشرى لما كنتَ تتخيله وتظنه في دائرة واسعة وفي عالريخ وصاسة ولما سيأتي من حالات سعيدة متّسمة بالدين. هذا النور المعجّل تصورتَه تلك السعادةَ المؤجلة فكنتَ تبحث عنه لدى باب السياسة".
نعم، لقد شعرتَ بهذا قبل ثلاثين سنة بحسّ مسبقديكم وكنتَ كمن ينظر إلى موضع أسود من خلال ستار أحمر فكنتَ ترى اللون أحمر. إذن فما شاهدتَه من نورٍ صدقٌ وصواب، ولكن طبّقتَه بشكل خطأ، فقد خدعَتك فتنةُ السياسة.

* * *

(مهمة رسائل النور)إن رسائل النور لا تعمّر تخريبات جزئية، ولا ترمم بيتا صغيرا مهدما وحده، بل تعمّر أيضا تخريبات عامة كلية، وترمم قلعة عظيمة -صخورها كالجبال- تحتضن الإسلام وتحيط به. وهي لا تسعى لإصلاح قلبع منه وجدان معين وحده بل تسعى أيضا -وبيدها إعجاز القرآن- لمداواة القلب العام المجروح، وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هُيئت لها ورُكّمت منذ ألف سنة، وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجّه نحو الفساد نغل بالتحطُّم
— 112 —
الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع ولا سيما عوام المؤمنين. نعم، إنها تسعى لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدويةِ إعجاز القرآن والإيمان.
فأمام هذه التخريبات الكلية ال:كان والشقوق الواسعة، والجروح الغائرة، ينبغي وجود حجج دامغة وأعتدة مجهّزة بدرجة حق اليقين وبقوة الجبال ورسوخها، ووجودُ أدوية مجرّبة لها من اا إلى ما يفوق ألف ترياق وترياق (مضاد للسموم) ولها من المزايا ما يضاهي علاجات لا حدّ لها.
فرسائل النور النابعة من الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم، تؤدي هذه المهمة وفي هذا الوقت أتم أداء، وتحظى في الوقت نفسه بكون(اللوار انكشاف لمراتبَ غير محدودة للإيمان ومصدر رقي في مدارجه السامية غير المتناهية.
وعلى هذا المنوال جرت مكالمة طويلة، فسمعتُها كاملة، وشكرت الطلابي،ثيرا. أجملتها لكم. ولمناسبة هذه الحادثة أُبيّن لكم حادثة وردت على خاطري في هذه الأيام:
عندما كنت أذكر كلمة التوحيد في ختام أذكار الصلاة قد مر وثلاثين مرة وردت هذه الخاطرة على قلبي: أن ساعة التفكر المذكورة في الحديث الشريف: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" موجودة في رسائل النور، فاسعَ للعثور عليها وامتلاكها...

* * *

شؤون اتائج الاهتمام بالأخبار السياسية)
جواب الأستاذ حول سؤال أورده كل من "أمين" و"فيضي"
سؤال:إنكم تذكرون في جوابكم: أن من يتابع بلهفةٍ الحوادثَ الجارية في الأوساط السياسية الواسعة يتضرر من حيث وظائفه في الدوائر الصغيرة الخاصة.. نرجو إيضابي وأتا؟
يقول أستاذنا:
الجواب:نعم، إن من يولي اهتماما بالغا في هذا الوقت بالصراعات الدائرة في الكرة الأرضية ويتابعها بلهفة وفضول بوساطة الراديو، تلحقه أضرارٌ مادية ومعنوية كثيرة جدا؛
— 113 —
فإما أنه يشتت عقلَه ويصبو من اا -روحا ومعنى- وإما أنه يشتت قلبَه فيكون ملحدا روحا ومعنًى، وإما أنه يشتت فكره فيغدو أجنبيا روحا ومعنى.
نعم، إني شاهدت رجلا من العوام صاحب تقوى ودين -وآخر ينتسب إلى العلم- قد ح إخواا شديدا لحدّ البكاء لانهزام كافرٍ عدوٍ للإسلام منذ القدم، وذلك لكثرة اهتمامه بما لا يعنيه، وفي الوقت نفسه سُرّ سرورا بالغا من تقهقر جماعة السادة من أهل البيت تجاه كافر عنيد!
أليس هذا أعجب مثال للجنون وتشتتي الأع، أن يفضّل رجل عامي بإهتمامه بدائرة السياسة الواسعة التي لا تعنيه، كافرا عدوا لدودا للإسلام على مجاهد سيد من أهل البيت؟
نعم، إن مسائل السياسة تتعلق -إلى حدٍّ ما- بوظيفة العاملين في الشؤون الخارجية وأركان الحرب في الجيش والقادة المسؤولين. كنت أع تلك المسائل إلى رجل عامي ساذج وإثارته بها، وصرفه عما يلزمه من وظائف تجاه شؤون روحه وأمور دينه، بل حتى تجاه شؤونه الشخصية بالذات ولوازم بيته وقريته، ومن ثم جَعله بهذا التلهف والفضول سائبَ الروح، ثرثار العقل، فاقدا لأذواق الرسا نحو الحقائق الإيمانية والإسلامية، خائر الشوق إليها.. وكذا إثارة العوام بتلك الاهتمامات التافهة التي تقتل قلوبهم معنًى -بما يشبه تهيئة الجو الملائم للإلن يتركدفعهم إلى استماع الراديو في شؤون سياسية لا تعنيهم في شيء... أقول: إن كل ذلك لضرر بالغ للحياة الاجتماعية الإسلامية بحيث إن الإنسان كلما فكر بنتائجها الوخيمة المترتبة عليها يقشعر من هولها جلده، ويقف شعره!
نعم، إن كل إنسان لهوالحنا بوطنه وقومه وحكومته، ولكن من الخطأ الجسيم جَعْل منافع الأمة ومصلحة الوطن والحكومة تابعةً لسياسة مؤقتة لبعض الأشخاص انجرافا لتيارات مؤقتة، بل تَصوّرها نفسها.. فضلا ع مثلناصة كل شخص من تلك الروح الوطنية والقومية وما تترتب عليها من وظائف إن كانت واحدة فإن حصته تجاه وظائف قلبه ومهمات روحه وواجباته الشخصية والبيتية والدينية وغيرها عشرون بل مائة حصة. لذا فإن تضحية هذه العلاقات الجادة والضرورية جدّا لأظيمة و الحصة الواحدة من التيارات السياسية غير الضرورية مما لا يعنيه شيئا... أقول: إن لم يكن هذا جنونا فما هو إذن؟
— 114 —
هذا هو جواب أستاذنا الذي ألقاه علينا بسرعة، ونحن بدورنا كتبناه باستعجال. فنرجو غض الأستطيع التقصير.
نعم، ونحن بدورنا نصدّق ما يقوله الأستاذ، لأننا قد شاهدنا ما يقوله في أنفسنا وفي أصدقائنا فعلا. حتى ترك بعضُهم صلاة الجماعة -وربما الصلاة نفسها- لأجل الاستماع مائه اراديو الذي يذيع الأخبار في أثناء وقت الصلاة بذاته. حتى إنه باهتمامه الشديد وفضوله البالغ لمتابعة أخبار الحرب -التي هي صفعة قوية متلاحقة على المدنية الحاضرة ولسفاهتها وضلالها ولإهانتها الإسلام- وتله إلى ضشؤون السياسية الدائرة في أوساطها الواسعة تلهفا شديدا والاسترشاد في شؤونه -بالراديو- بآراء أناس تسممت نفوسُهم وحارت عقولُهم، مما أضرّ بعمله المقدس الجليل ضررا جسيما.
من طلاب النور من طم الشدنور
أمين فيضي

* * *

(فساد الهواء المعنوي وعلاجه)كنت أرى في نفسي وفي طلاب النور القريبين من هنا رهقا، وفتورا في الشوق، بعد انقضاء الأشهر الحرم.لوصى- كن أفهم سبب ذلك بوضوح إلّا الآن حيث رأيت أن ما قلته -ظنا- من سبب إنما هو حقيقة. وهي:
كما أن الهواء يؤثر تأثيرا سيئا إن كان فاسدا -فسادا مللّٰه كذلك الهواء المعنوي إذا ما فسد -فسادا معنويا- فإنه يؤثر تأثيرا سيئا في كل شخص وحسب استعداده. إنّ توجّه المؤمنين عامة وإقبالهم الجاد في الشهور الثلاثة إلى كسب مغانم أخروية والفوزِ في تجارتها، يصفّي الهواء المعنوي للعالم الإسلبعثة ممة وينقيه ويجمّله. حتى يتمكن من الصمود تجاه الآفات المهلكة والبلايا الرهيبة. فكل مؤمن يستفيد من ذلك الهواء الصافي الجميل حسب درجته.
ولكن بعد مضي الشهنما معباركة تتبدل أوضاعُ السوق الأخروية، وتتفتح أبواب السوق الدنيوية، فيعتري الهممَ والتوجهاتِ شيءٌ من التغير والتبدل، إذ الأبخرة تسمّم الهواء
— 115 —
المتصاعد من الأمور التافهة السخيفة، وتفسد ذلك الهوان القصيل. فيتضرر بدوره كلُّ مؤمن حسب درجته.
وعلاج هذا الداء والنجاة منه هو أنه ينبغي النظر إلى الأمور بمنظار رسائل النور، والسعي في الخدمة السامية بجد أكثر وشوق أعظم كلما ازدادت المشكلات. لأن فتور الآخرين وتخلّيهم عن الخدمة مدعاةٌ لإثارة يمكن هل الهمة وتحفيز شوقهم، إذ يجد نفسه مضطرًّا إلى حمل شيء من أعبائهم ومهماتهم، بل ينبغي له ذلك.

* * *

(الذنوب في آخر الزمان)مسألة أُخطرت على القلب فجأة: هناك روايات حول التضخم الرهيب لذنوب المرء في آخر الزمان. الرياأفكر: هل يمكن أن يرتكب إنسان أضعاف ما يرتكبه شخص واحد من الخطايا والذنوب بألوف المرات؟ ترى أي ذنوب هذه -المجهولة لدينا- حتى تتعرّض للموجوداتسائل االكون فتثير غضبَه وتزيد حدّته، بل تسبب قيام الساعة ودمار العالم عليهم؟
وها قد رأينا أسبابها المتعددة في الوقت الحاضر:
فمثلا:لقد فُهم من وجوهها المتعددة، بجهاز الراديو الموّٰه عني. حيث إن شخصا واحدا يرتكب مليونا من الكبائر دفعةً واحدة بكلمة واحدة يتفوه بها في الراديو، فيُقحم ملايين المستمعين له في الذنوب.
نعم، إن جهاز الراديو ينطق بلسان واحد، إلّا أنه يدفع مئات الألوف من الكلمات في الهواا إلى واحدة. فبينما ينبغي أن يَملأ هذا الجهاز -الذي هو نعمة إلهية عظمى- ذراتِ الهواء قاطبة، بالحمد والثناء والشكر للّٰه سبحانه وتعالى، إلّا أن سفاهة البشر المتولدة من الضلالدي فقيمل هذا الجهاز بما يخالف الشكر والحمد للّٰه. فلا جرم أنه سيعاقب عليها.
نعم، إن المدنية الدنيّة الظالمة قد عوقبت، بكفرانها بالنعمة الإلهية وعدم إيفائها الشكر للّٰه، تجاه ما أنعم عليها سبحانه من الخوارق الحضارية، لصرفها تلك الخ ويضمدلى الدمار حتى
— 116 —
سلبت سعادة الحياة كليا وأردت الناسَ الذين يُعدّون في ذروة الحضارة والمدنية إلى أدنى من دركات الوحوش الضالة، وأذَاقَتهم عذاب جهنم قبل الذهاب إليها.
نعم، إن كون جهاز الراديو نعمة إلهية كلية يقتضي شكرا كوق حديلا يكون ذلك الشكر الكلي إلّا بتلاوته القرآن الكريم باستمرار، كي يوصل إلى مخاطبيه الحاليين دفعة واحدة ذلك الكلامَ الأزلي الصادر من خالق السماوات والأر الكائبح كمقرئ سماوي حافظ للقرآن الكريم يملك ألوف الألوف من الألسنة. وبهذا يكون قد أدّى ما عليه من مهمة الشكر والحمد للّٰه، فيديم في الوقت نفسه تلك النعمة المهداة.

* * *

(هل حفظ القرآن أفضل أم استنساخ الرسائل؟)إخوتي الأعزاء الأولياء
إن نشاطكم وجهودكم بما يفوق آمالي، ستجعلني في شكر وامتنان للّٰه تعالى إلى آخر رمق من حياتي..
وقد ورد سؤال في رسالتكم هذه المرة: هل حفظ القرآن ا جرحي أفضل أم استنساخ رسائل النور؟
إن جواب سؤالكم هذا بدهي، لأن أعظم مقام في هذا الكون وفي كل عصر هو للقرآن الكريم. وإن تلاوته وحفظه يفضُل أي عمل آخر ويتقدّم عليه، حيث إن لكل حرف منه حسناتٍ تتراوح من العشرة إلى الألوف.
ولكن ل من تلئل النور براهينُ لحقائق القرآن العظيم الإيمانية وحججه، ولكونها وسيلة إلى حفظ القرآن الكريم وتلاوته، ومفسّرة لحقائقه وموضّحة لها، ينبغي السعي لها أيضا جنبا إلى جنبِ حفظِ القرآن الكريم.

* * *

— 117 —
(تعديلوائد جة المفرطة)حقيقة تعيد الصواب للمنساقين إلى مسالك البدع والضلالة بشفقتهم المفرطة
لما كانت شفقة الإنسان تجليًا من تجليات الرحمة الربانية، فلا ينبغي تجاوز درجة الرحمة الإلهيییة والمغالاة أكثر من رحمة من هو رحمة للعالمين (ص)، فلوء من اها وغالى بها فإنها ليسییت رحمة ولا رأفییة قط، بیل هي مرض روحي وسیییقم قلبي يفضي إلى الضیلالیة والإلحاد.
فمثلًا:إن الانسياق إلى تأويل عذاب الكفار والمنافقيم توجيهنم، وما يترتب على الجهاد وأمثالها من الحوادث -من جراء ضيق شفقة المرء عن استيعابه وعدم تحملها له- إنكار لقِسم عظيم من القرآن الكريم والأديان السماوية وتكذيب له، وهو ظلم عظيم وعدم رحمة في منم بحس جور في الوقت نفسه؛ لأن حماية الوحوش الكاسرة والعطفَ عليها، وهي التي تمزق الحيوانات البريئة، غدر عظيم تجاه تلك الحيوانات البريئة، ووحشية بالغة نابعة من فقدان الوجدان والضمير.
فالإلى الإذن وموالاةُ أولئك الذين يبيدون حياة ألوف المسلمين الأبدية ويمحونها، ويسوقون مئات المؤمنين إلى سوء العاقبة بدفعهم إلى ارتكاب الذنوب والخطايا، والدعاءُ لأولئك الكفار والمنافّٰه، وحمةً بهم وعطفًا عليهم لينجوا من العقاب الشديد، لا شك أنه ظلم عظيم وغدر شنيع تجاه أولئك المؤمنين المظلومين.
وقد أثبتتْ رسائل النور إثباتًاغار الا: أن الكفر والضلالة تحقير عظيم للكائنات وظلم شنيع للموجودات، ووسيلة لرفع الرحمة الإلهية ونزول المصائب والبلايا، حتى وردت روايات من أن الأسماك التي في قعر البحر تشكو إلى اللّٰه ظلم الجناة، لسلبهم راحتها.
مله رسذا فالذي يرأف ويعطف على تجرع الكافر صنوف العذاب في النار، يعني أنه لا يرأف ولا يعطف على أبرياء لا يحصيهم العد ممن هم أليق بالرأفة وأجدر بالعطف بل ولا يشفق عليهم، بل يظلمهم ظلمًا فاضحًا.
ولكن هناك أمن مجيءوهو أن البلاء عندما ينیزل بالمستحقين له، يُبتلى به الأبرياء أيضًا.
— 118 —
وعندها لا يمكن عدم الرأفة بهم. إلّا أن هناك رحمة خفية لأولئك الأبرياء المظلومين الذين تضرروا من ذلك البلاء النازل بالجناة.
ولقد كنت -في وقت ما في الحرب العالمية ه وحده- أتألم كثيرًا من المظالم والقتل الذي يرتكبه الأعداء تجاه المسلمين ولاسيما تجاه أطفالهم وعوائلهم، وكنت أتعذّب عذابًا يفوق طاقتي -لما فيّ من شفقة مفرطة ورأفة متزايدة- وحينها ورد على القلب فجأة الالصالح إن أولئك الأبرياء المقتولين يُستشهدون ويصبحون أولياء صالحين، وإن حياتهم الفانية تُبدل إلى حياة باقية، وإن أموالهم الضائعة تصبح بحكم الصدقة فتبدل أموالًا باقية. بل حتى لو كان أولئك المظلومون كفارًا التوحهم من خزينة الرحمة الإلهية مكافآت كثيرة بالنسبة لهم -مقابل ما عانَوا من البلاء في الدنيا- بحيث لو رفع ستار الغيب فإن ما ينالونه من رحمة ظاهرة تدفعهم إلى أن يلهجوا بییی"الشكر للّٰه والحمد للّٰه".
عرفتُ هذا، واقتنعت به قد على امة، ونجوت بفضل اللّٰه من الألم الشديد الناشئ من الشفقة المفرطة.

* * *

(نظرة إلى رسالة "المناظرات")لقد ألقيت نظرة إلى رسالة "المناظرات" وذلك بعد مرور خمس وثلاثين سنفهذه متأليفها، فرأيت فيها وفي أمثالها من مؤلفات "سعيد القديم" أخطاءً وهفوات. إذ ألّف تلك الآثارَ في حالة روحية ولّدها الانقلاب السياسي. [٭]لذا تكصود إعلان المشروطية، وهي إدارة البلد على النمط الغربي من مجلس نيابي ودستور ووزارة مسؤولة أمام المجلس النيابي.(المترجم). وأنشأتها مؤثرات خارجية وعوامل محيطة به.
إنني أستغفر اللّٰه بكل حولي وقوتي من تلك التقصيرات راجيا من رحمته تعالى أن يإذ إن ك الخطايا التي ارتكبتُها بنية حسنة وبقصد جميل، لدفع اليأس المخيّم على المؤمنين.
إن أساسين مهمّين يهيمنان على آثار "سعيد القديم" -كهذه الرسالة- والأساسان ذوا حقيقة ولكن، كما تحتاج كشفيات الأولياء إلى تأويل، والرؤى الصادقة إلى تعبيائل ال ما أحس به "سعيد القديم" بإحساس مسبق -أي قبل وقوع الأمر- بحاجة كذلك إلى تعبير، بل إلى
— 119 —
تعبير دقيق. إلّا أن إخباره عما توقع حدوثَه، وبيانه تلكما الحقيقتين بلا تأويل ولا تعبير، أدّى إلى ظهًا من من النقص والقصور وخلاف الواقع فيما أخبر عنه.
الأساس الأول:هو ما زفّه من بشرى سارة للمؤمنين بظهور نورٍ في المستقبل. زفّ هذه البشرى ليزيل بها يأسهم ويرفع عنهم القنوط، فلقد أحسّ بإحساس مسبق أن رسائل النورأربعاء إيمان كثير من المؤمنين، وستشد أزرهم في زمان عصيب عاصف. إلّا أنه نظر إلى هذا النور، من خلال الأحداث السياسية التي واكَبت الانقلاب وحاول تطبيق ما رآه من نور م: "باقع الحال من دون تعبير ولا تأويل. فوقع في ظنه أن ذلك النور سيَظهر في عالم السياسة وفي مجال القوة وفي ميدان فسيح. فقد أحسّ إحساسا صادقا إلّا أنه لم يوفّق في التعبير عن بُشراه توفيقا كاملا.
فائدة ساس الثاني:لقد أحس "سعيد القديم" ما أحسّ به عدد من دهاة السياسة وفطاحل الأدباء؛ بأن استبدادًا مريعًا مقبلٌ على الأمة، فتصدّوا له، ولكن هذا الإحساس المسبَق كان بحاجة إلى تأويل وتعبير، إذ هاجموع ولا أوه من ظل ضعيف لاستبدادات تأتي بعد مدة مديدة وألقت في نفوسهم الرعب، فحسبوا ظل استبداد ليس له إلّا الاسم استبدادًا أصيلًا، فهاجموه. فالغاية صحيحة إ، إنه الهدف خطأ.
وهكذا فلقد أحسّ "سعيد القديم" أيضا بمثل هذا الاستبداد المخيف فيما مضى. وفي بعض آثاره توضيحات بالهجوم عليه، وكان يرى أن المشروطية الشرعية وسيلة نجاةٍ من تلك الاستبدادات المرعبة. لذا سعى في تأاضر- وبالحرية الشرعية والشورى ضمن نطاق أحكام القرآن، آملا أن تدفعا تلك المصيبة.
نعم، لقد أظهر الزمانُ أن دولة تسمى داعيةَ الحرية قد كبّلت بثلاثمائةٍ من موظفيها المستبدين ثلاثمائة مليونٍ من الهنود، منذ ثلاثمائة سنة، وسيطرت عليهم كأنهم يه.
ئة رجل لا غير، حتى لم تتركهم يحرّكون ساكنا. ونفذّت قانونها الجائر عليهم بأقسى صورة من صور الظلم، آخذةً آلاف الأبرياء بجريرةِ مجرم واحد. وأعطت لقانونها الجائر هذا اسمَ اوحسنات والانضباط. فخَدَعت العالَم ودفعته إلى نار الظلم. هذه الدولة غدت مقتدى ذلك الاستبداد القادم في المستقبل.
— 120 —
وفي رسالة "المناظرات" هوامش قصيرة، وملاحظات وردت على صورة طُرف ولطائف، فهي من قبيل الملاطفة مع رار قر طلابه الظرفاء في تأليفه القديم ذاك، إذ قد وضّح لهم الأمور بأسلوب الدرس والإرشاد.
ثم إن زبدةَ هذه الرسالة "المناظرات" وروحَها وأساسها، هي ما في خاتمتها من حقيقةِ إقامةِ "مي كالآلزهراء"، وما هي إلّا المهد الذي سيشهد ظهور "رسائل النور" في المستقبل. فكان يُساق إلى تأسيسها دون إرادة منه. ويتحرى -بحس مسبق- عن تلك الحقيقة النورانكم وهيصورة مادية حتى بدت جهتها المادية أيضا، إذ مَنَح السلطان رشاد تسع عشرة ألف ليرة ذهبية لتأسيس تلك المدرسة، وأُرسيت قواعدُها فعلا، إلّا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى حال دون إكمال المشروع.
ثم بعد حوالي ست سنوات ذهبتُ إلى أنقرة، وسعيت في إنجلذي اع الحقيقة. وفعلًا وافق مائة وثلاثة وستون نائبًا في مجلس الأمة من بين مائتي عضو على تخصيص خمسة عشر ألف ليرة ورقية لبناء مدرستنا، ولكن يا للمئتي صلف ألف مرة- سُدّت جميع المدارس الدينية، ولم أستطع أن أنسجم معهم فتأخر المشروع أيضًا.
بيد أن المولى القدير أسس برحمته الواسعة الخصائص المعنوية لتلك المدرسة وهويتها في "إسبارطة" فأظهر "رسائل النور" للوجود. وسيوفق -إن شاء اللّٰه- طلاب الور الغى تأسيس الجهة المادية لتلك الحقيقة أيضا.
إن سعيدا القديم على الرغم من معارضته الشديدة لمنظمة "الاتحاد والترقي" فإنه مال إلى حكومتها ولاسيما إلى السرعة ايث وقف منهم موقف تقدير وإعجاب والتزام وطاعة. وما ذاك إلّا بما كان يحس به من إحساس مسبَق من أن تلك الجماعات العسكرية والجمعية الملية سيظهإيمان بعد سبع سنوات مليون من الشهداء الذين هم بمرتبة الأولياء. فمال إليهم طوال أربع سنوات دون اختيار منه، وبما يخالف مشرَبه. ولكن بحلول الحرب العالمية وخضّها لهم أُفرز الدهن المبارك من اللبن فتحول إلى مخيض لا قيمة له. فعاد "سعيد الجديد" إصطدامِستمرار في جهاده وخالف سعيدا القديم.

* * *

— 121 —
(حول المؤلفات الأخرى)إلى إخوتي "الخواص" من طلاب رسائل النور، وهم أصحابها و وارثوها وإلى "الأركان" وهم ركائز رسائل النور وخواص الخ القويبيّن ما يأتي لمناسبة حادثة وقعت في هذه الأيام:
إن رسائل النور تسد الحاجة التي تخص الحقائق الإسلامية، فلا تدع حاجةً إلى مراجعة مؤلفات أخرى.
ولقد عُلم بتجارب كثيرة قاطعلسياسةأقصرَ طريق وأسهلَه لإنقاذ الإيمان وتقويته وجعله تحقيقيا هو في رسائل النور.
نعم، إن رسائل النور تقطع ذلك الطريق في خمسة عشر أسبوعا بدلا من خمس عشرة سنة، فتبلغ بالمرء الإيمانَ الحقيقي.
وبينما كان أخوكم هذا الفقير شغوفا بالمطالعة قبل عشنية واة، حتى كان يطالع -بفهم- كتابا مجلدا أحيانا في يوم واحد، فقد كفاه منذ ما يقرب من عشرين سنة القرآنُ الكريم ورسائل النور المفاضة منه. فلم أحتج حتى إلى كتاب واحد. ولم أحتفظ بأي كتاب عندي.
وعلى الرغم من أن أبحاث رسائل النورتصرةً حول حقائق متنوعة جدا، فإنني لم أجد حاجة إلى مراجعة أي كتاب كان في أثناء تأليفها منذ عشرين سنة. فلا شك أنكم لا تحتاجون كذلك إلى مؤلفات أخرى وتستغنون عنها أكثر مني بعشرين درجة.
ثم إنني لما كنت قد اعتمدت عليكم وم -والآمعتمدا، فلا ألتفت إلى غيركم، ولا أنشغل بسواكم. فينبغي لكم أيضا أن تثقوا برسائل النور وتطمئنوا بها، بل هذا هو الألزم في هذا الوقت.
ثم إنه لمباينة المسلك والمشرب في مؤلفات بعض المؤلفين الجدد في الوقت الحاضر ومسايرتها الإمد، فإن إحدى مهمات رسائل النور هي الحفاظ على الحروف والخط القرآني فضلا عن حفاظها على الحقائق الإيمانية تجاه الزندقة. ولقد اشترى أحد الخواص مؤلفات يستعملها بعض العلماء -تحت ستار العلوم الدينية- لكريم زال الضربات القوية على الحروف والخط القرآني، اشتراه لهوى مجهول مع أنه يدرّس الحروف القرآنية. فشعرت -دون علمي
— 122 —
به- امتعاضا نحو أولئك الطلاب الخواص وأنا في الجبل. ثم نبهتهم فانتبهوا بفضل اللّٰه. نسأله تعالى نجاتهم نجاة تامةً.
إخوت أساس إن مسلكنا دفاعٌ لا اعتداء، ترميم لا تخريب، ونحن محكومون لا حكام. فالذين يتعدّون علينا كثيرون لا يُحصون. ولا شك أن في مسلكهم حقائقَ مهمة هي بضاعتُنا نحن، فلا حاجة لهم إلينا في انتشار تلك الحقائق، فلهم الألوف ممن يقرؤونها وينشرونها. فنحن بسعينا الملكنتهم تتزعزع كثير من الوظائف التي وُضعت على كاهلنا ونكون وسيلة إلى ضياع ما يجب محافظته من أسس وحقائق رفيعة تخص الطوائف، كلا على حدة.
فمثلا:لقد أُلّفت مؤلتها اليئ لنوع من العداء للأولياء متخذةً بعض الرخص الشرعية ستارا، وأحداثَ الزمان حجةً، فإن الوظيفة الأساس لرسائل النور -من دون أن تشملها العموم- هي الحفاظ على أساس الولاية الجارية ضمن الحقائق امعة نوية، وأساسِ التقوى، وأساسِ الأخذ بالعزيمة، وأسسِ السنة النبوية الشريفة وأمثالها من الأسس الدقيقة المهمة، فلا يمكن ترك تلك الأسس بحجة الضرورة وحادثات الزمان.

* * *

(تأويل حديث متشابه)لعدم وضوحلسوء إني الحقيقية لأحاديث صحيحة تخص نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وقتله الدجال، فإن قسما من العلماء الظاهريين -أخذًا بظاهر تلك الروايات والأحاديث- قد وقعوا في الشبهات أو أنكرا ما شها، أو ألبسوها معنى خرافيا بما يشبه انتظار صورة محالة، فيضرون عوام المسلمين. أما الملحدون فينشرون أمثال هذه الأحاديث البعيدة عن العقل ظاهرا، فيشنون هجوما على الحقائق اة في مية مستخِفّين بها.
أما رسائل النور فقد أظهرت -بفيض القرآن- التأويلاتِ الحقيقية لأمثال هذه الأحاديث المتشابهة.
والآن نقدم مثالا واحدا كأنموذج وهو الآتي:
— 123 —
هناك رواية تفيد أن عيسى عليه السلام عند جهاده الدجال وأثناء قتله ل ومزرع بمقدار عشرة أذرع ليتمكن من ضرب ركبة الدجال بسيفه.
بمعنى أن جسم الدجال أضخم من عيسى عليه السلام بهذه الدرجة. وعلى هذا المعنى يلزم أن يكون طول الدجال عشرة أمثال طول عيسى عليه السلام بل عشرين مثلا.
فالمعنى الظاهري لهذه الرواية مناي هذه ة التكليف الإلهي وحكمة الامتحان، مثلما لا يوافق عادة اللّٰه الجارية في البشرية.
والحال أنه ظهر معنى من المعاني الكثيرة لهذه الرواية ولهذا الحديث حتى في هذا الزمان. بما يُسكت الزنادقة الذين يظنونها خرلاهتمااش للّٰه- وينبه العلماء الظاهريين المعتقدين الظاهرَ عينَ الحقيقة والذين مازالوا منتظرين تحقّق الحديث، رغم مشاهدتهم لقسم من حقائقه.
نعم، لقد ظهر حتى في هذا ال ونظرتعنى من معانيه الكثيرة، تلك المعاني التي هي عين الحقيقة والانسجام التام مع الواقع.
والمعنى هو الآتي:إن حكومةً تسعى لنشر الدين العيسوي وتحاول الحفاظ على عاداته المستمرة، تحاربها حكومةٌ تعلن مساعدتها رسميا للإلحاد وللبلشفية، لأجل منافعهتجلياتيسة، بل تسعى للدعاية لها. وحكومة أخرى تنحاز إلى بث الإلحاد بين أوساط المسلمين وفي آسيا عامة لأجل منافعها الخسيسة الفاسدة وتحالِف حكومات دساسة جبارة. فلو تَمثّل الشخصُ المعننا في كومة الأولى، وتجسّم الشخص المعنوي للمتحالفين المنحازين للإلحاد، لظهر معنًى من المعاني العديدة لهذا الحديث في هذا الزمان بجهات ثلاث. فإن أحرزت تلك الحكومون الحلبةُ النصرَ نتيجة الحرب ارتفع هذا المعنى الإشاري إلى درجة المعنى الصريح، وإن لم تُحرز النصر تماما فهذا المعنى أيضا هو معنى إشاري موافق.
الجهة الأولى:جماعة الروحانيين المتمسكين بالدين العيسوي الحقيقي، وفي مقابلهمى العقعة التي بدأت تروّج للإلحاد، فإذا ما تجسمت تلكما الجماعتان بصورة إنسان، فإن الجماعة الأولى لا تصبح حتى بقدر طفل أمام إنسان بارتفاع منارة.
الجهة الثانية:حكومة تُعد أفرادها مائة مليون نسمة تعلن رسورا ومنني سأزيل الإلحاد
— 124 —
وأحمي الإسلام والمسلمين، تحارب حكومة تحكم أربعمائة مليون ومتحالفة مع الصين وأمريكا -أي بأربعمائة مليون نسمة- هذه الحكومات متحالفة علنا مع البلاشفة. فلو تجسم المحاربون في الحكومة ز، ذلك الذين يُنیزلون ضرباتهم القاصمة بأولئك المتحالفين وتَجَسَّمَ الملحدون والمتحالفون معهم في شخص معنوي آخر، لظهرت صورةُ إنسان صغير تجاه إنسان بارتفاعريمة:
. هذا وقد ورد في رواية أن الدجال يحكم الدنيا، فهذه الرواية تعني أن الغالبية العظمى تميل إليه. كما هو واقع الآن!
الجهة الثالثة:أن حكومة لا تساوي مساحتها ربع مساحة أوروبا -وهي أصغر القارات الأربع- تحارب منكان يتحكومةً تسيطر على أغلب بقاع العالم من آسيا وإفريقيا وأمريكا وأستراليا، وإن الحكومة الأولى تستند إلى الدين وفي حلف مع دولة تدّعى الوكالة عن سيدنا عيسى عليه السلام، تجاه التيارات الإلحادية المستبدة، وتنیزل الأولى لنفسه بالمظلات. فلو تجسمت الأولى والأخريات وصُوّرت بصورة إنسان -كما كانت الجرائد ترسم الصور "الكاريكاتيرية" لإظهار قوة الدول ومكانة الحكومات- فإن معنى من المعاني العديدة لما يخبر به الحديث الشريف نويون.مطابقا تماما في جريدة الأرض وفي صحيفة هذا العصر.
حتى إن معنًى إشاريا لما يشير إليه الحديث من نزول شخص عيسى عليه السلام من السماوات هو أن طائفة ممثِّلة لسيدنا عيسى عليه السلام وسالكة سلوكه تنیزل بمظلافات تهلطائرات كبلاء سماوي -بما لم يُسمع به لحدّ الآن ولم يُشاهَد قط- خلف الأعداء مما يظهر المعنى المادي لنیزول عيسى عليه السلام.
نعم، إن ما يفيده الحديث الشريف من نزول عيسى عليه السلام ثابت قطعا إلّا أن المعنى الإشاري كما يشير بإعجاز إل"الكلمالحقيقة فهو يشير إلى معاني أخرى أيضا.
عندما شرعتُ في كتابة بضعة أسطر حول هذه المسألة -بناء على سؤالِ "فيضي وأمين" وإصرارهما- إنقاذا لإيمان بعض العوام الضعفاء كتّبتْ مطولةً خارج إرادتي. ولم ندرك حكمتلك النركناها كما هي، لعل فيها حكمة ما. نرجو عفوكم وسماحكم إذ لم نجد متسعا من الوقت لتصحيح هذا البحث وتدقيقه فظل مشوشا.

* * *

— 125 —
(صداقة الأبطال)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّاوهناك بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد حروفات القرآن..
بارك اللّٰه فيكم، وجعلكم سعداء. إن سعيكم الجاد ونشاطكم المستمر يبث الشوق ويثير الهمم هنا وفي أماكن أخرى أيضا. فحمدا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد، إن فتو القدرسائل النور تتزايد يوما بعد يوم. فإن أهل الإيمان يشعرون بجروحهم ويضمدونها برسائل النور.
للّٰه الحمد، إن طلاب النور في هذا الزمان الذين حظوا بالإيمان الكامل ضمن السنة الشريفة، قد أخذوا ة، كأنيَلفِت إليهم أنظار الأولياء والمرشدين. لذا فإن المرشدين الحقيقيين الذين يَظهرون في كل عصر سيحاولون بلا شك كسب طلاب النور إلى صفهم، إذ لو كسبَ أحدُهم طالبا لرسائل النور فإنه يُنیزله منیزلة عشا فرصةيد.
أُرسِلُ الحقيقة التي بيّنتُها لی"فيضي" حول المشقات الحاصلة من خدمة رسائل النور وما فيها من مجاهدة وبذل، تجاه الأذواق والجاذبية المترشحة من الولاية، أرسلها لكم لعل فيها فائدة في تلك المناطق.
به، إذ لامي إلى إخواني عامة فردا فردا.
أخي فيضي! إن كنت ترغب أن تكون مثيل أبطال ولاية إسبارطة، فعليك أن تُشبههم وتكون مثلهم تمامًا. فلقد كان معنا في السجن [٭]: المقصود سجن أسكي شهر. شيخ عظيم ومرشد مرموق ذو جاذبية من أولياء الطريقة النقشبنا يروىحمه اللّٰه- جالَسَ ما يقرب من ستين من طلاب النور طوال أربعة أشهر وحاورهم محاورات مغرية لجلبهم إلى الطريقة، إلّا أنه لم يتمكن إلّا من ضم واحدٍ منهم إلى صفه، وبصورة مؤقتة. أما الباقون فقد ظلوا مستغنين عنه وهو الولي رطون م، إذ كفتهم الخدمةُ الإيمانية الرفيعة التي تقدمها رسائل النور، واطمأنوا بها. ولقد فقه أولئك الأبطال بقلوبهم الواعية ورأوا ببصيرتهم النافذة الحقيقةَ الآتية:
— 126 —
إن خدمة رسائل النور هي إنقاذ الإيمان، أما الطريقة والمشيخة فهي تُكسب المرءا" غير الولاية. وإن إنقاذ إيمان شخص من الضلال أهم بكثير وأجزل ثوابًا من رفع عشرة من المؤمنين إلى مرتبة الولاية؛ حيث إن الإيمان بمنحه للإنسان السعادة الأبدية يضمن له ملكًا أوسع من الأرض كله الكرة الولاية فإنها توسّع من جنة المؤمن وتجعلها أسطع وأبهر. وكما أن رفع مرتبة إنسان اعتيادي إلى سلطان، أعظمُ من رفع عشرة من الجنود إلى مرتبة القائد، كذلك الثواب في إنقاذ إيمان إنسان من الضلالة أعظمُ وأجزل من رفع عشرة من الناس إلى مرتبة أولياء ص نقول: فهذا السر الدقيق هو الذي أبصرته القلوب النفاذّة لإخوانك في إسبارطة، وإن لم تره عقول قسم منهم. ولهذا فضّلوا صداقة شخص ضعيف مذنب مثلي، على صداقة أولياء عظام بل على مجتهدين إن وُجدوا.
فبناء على هذه اان للت لو أن قطبًا من أقطاب الأولياء أو شيخًا جليلًا كالكيلاني، أتى إلى هذه المدينة وقال لك: "سأرفع مرتبتك إلى مرتبة الولاية في عشرة أيام"، وذهبت إليه تا أحدٌ سائل النور، فلا تستطيع أن تصادق أبطال إسبارطة.

* * *

(ميزان دقيق في محاورة)محاورة خطرت على الیقلب، كتبتها لتقويم الإفراط لدى قسم من إخوتي طلاب النور، لتعديل حسن ظنهم بي بمصماءُ حدي بكثير
قبل حوالي خمسين سنة جرت بيني وبين أخي الكبير "الملا عبد اللّٰه" رحمه اللّٰه هذه المحاورة، سأوردها لكم:
كان أخي المرحوم من خواص مريدي الشيخ ضياء الدين قدس سره. وهذا الملأولياء الصالحين. وأهلُ الطرق الصوفية لا يرون بأسًا في الإفراط في حب مرشدهم والمبالغة في حسن الظن بهم، بل يرضون بهذا الإفراط والمبالغة، لذا قال لي أخي ذات يوم: "إن الشيخ ضياء الدين على علم واسع جدًّا واطلاع على وة زملي في الكون، بمثل اطلاع القطب الأعظم"،
— 127 —
ثم سَرَد الكثير من الأمثلة على خوارق أعماله وعلو مقامه.. كل ذلك ليغريني بالانتساب إليه والارتباط به.
ولكني قلت له: "يا أخ تبعد يم، أنت تغالي، فلو قابلتُ الشيخ ضياء الدين نفسَه لألزمته الحجة في كثير من المسائل، وإنك لا تحبه حبًا حقيقيًا مثلي، لأنك يا أخي الكريم تحب ضيحقيق تين الذي تتخيله في ذهنك على صورة قطب أعظم له علم بما في الكون. فأنت مرتبط معه بهذا العنوان وتحبه لأجل هذه الصفة، فلو رُفع الحجاب وبانت حقيقته، لزالت محبتك له أو ق الحس يرًا؛ أما أنا -يا أخي- فأُحب ذلك الشخص الصالح والولي المبارك حبًا شديدًا بمثل حبك له، بل أوقره توقيرًا يليق به وأجلّه وأحترمه كثيرًا، لأنه مرشلك الر لأهل الإيمان في طريق الحقيقة المستهدية بالسنة النبوية الشريفة. فليكن مقامه الحقيقي ما يكون، فأنا مستعد لأن أضحي بروحي لأجل خدمته هذه. فلو أُميط اللثام عن مقامه الحقيقي فلا أتراجائصنا أتخلى عنه ولا أقلل من محبتي له، بل أوثق الارتباط به أكثر، وأُوليه محبة أعظم وأبالغ في توقيره. فأنا إذن يا أخي الكريم أُحب ضياء الدين كما هو وعلى حقيقته؛ أما أنت فتحب ضياء الدين الذي في خيالك".
(٭): لأنك تطلب لمحنيط ممنًا غاليًا جدًا، إذ تفكر أن يقابل محبتك بما يفوق ثمنها مائة ضعف، والحال أن أعظم محبة لمقامه الحقيقي تظل زهيدة جدًّا. (المؤلف)
ولما كان أخي المرحوم عالي أن يصفا حقًا، فقد رضي بوجهة نظري وقبلها وقدرها.
فيا إخوتي، أيها السعداء المحظوظون الذين يضحون بأنفسهم في سبيل اللّٰه. إن مبالغتكم في حسن الظن بشخصي، وإن كان لا يضركم بالذات، إلا أن أمثالكم ممن ينشدون الحق ويرب درجتقيقة، ينبغي لهم أن ينظروا إلى الشخص من زاوية خدمته للقرآن الكريم ومدى إنجازه لمهامه نحوه، فلو كُشف النقاب وظهرت أمامكم هويتي الملطخة بالتقصيرات من قمة رأسي إلى أخمص قدمي لأشفقتم عليّ ولتألمتم لحالي. ولكن لئلا أنفّرق الأكمحبة الأخوّة التي تربطنا، ولئلا تندموا عليها فلا تربطوا أنفسكم بما تتصورونه من مقامات تُضفونها عليّ، وهي فوق حدي بكثير. فأنا لست سوى أخ لكم لا غير، وليس في طوقي ادعاء الإرشاد والتوجيه ولا الأستاذية عليكم.. وكل ما في ، حتى هو أنى زميلكم في تلقي درس الإيمان. فلا تنتظروا مني همّة ومددا بل أنا المحتاج إلى معاونتكم وهممكم وأرجو دعواتكم المشفقة على تقصيراتي.
— 128 —
ولقد أنعم اللّٰه علينا جميعا -بفضله وكرمه- واستخدَمنا في أقدس خدمة وأجلّها وأنيملكونأهل الإيمان.. تلك هي خدمة القرآن. وندَبنا للقيام بها على وفق تقسيم الأعمال فيما بيننا، فحَسْبُنا أستاذيةُ وإرشادُ الشخص المعنوي النابع من سر أخوّتكم واتحادكم.
فما دامت هها اللإيمان والقرآن أسمى من أية خدمة في هذا العصر، وأن النوعية تفضل الكمية، وأن التيارات السياسية المتحولة المتغيرة وأحداثها المؤقتة الزائلة لا أهمية لها أمام خدمات الإيمان الثابتة الدائمة، بل لا تَرقَى لمقارنتها والفوضىن أن تكون محورا لها، فينبغي الاطمئنان بما منَحَنا ربُنا سبحانه وتعالى من مرتبة نورانية مفاضة علينا من نور القرآن المبين.
فيا إخوتي الأحوء، ينثباتَ الثباتَ، الوفاءَ الوفاءَ... إن طريقنا هو الغلو في الارتباط والتساند فيما بيننا والسعي لنيل الإخلاص والأخوة الحقة، بدلا من الغلو في حسن لإرجاالتطلع إلى مقامات أعلى من حدنا.

* * *

(من وظائف السيد المهدي)إخوتى الأعزاء!
كتبت لكم الفقرتين الآتيتين قبل يومين تتمة لمإلى ال لكم سابقا من جواب حول حسن ظنكم النابع من وفائكم الخالص بما يفوق حدي بكثير جدّا. إذ إن الحكمة في جوابي السابق -قبل أسبوع- والذي يجرح إلى حدٍّ ما حسن ظنكم المفرط، لرساللق، وأمترشحة من وفائكم الخالص وهممكم العالية هي الآتية:
في هذا العصر تيارات قوية ومسيطرة إلى درجة تستحوذ على كل شيء، وتستولي عليه، و تمتلكه لنفسهاامي عاره لأجلها، فلو أتى ذلك الذي يُنتظر مجيؤه حقا في هذا العصر، فإنني أرى أنه يغيّر هدفَه، ويجرّد نفسه من الأجواء والأحوال الدائرة في عالم السياسة، حفاظا على أعماله من أن تغتصبها تلك التيارات.
ثم إن هن تُشاهث مسائل هي: الحياة.. الشريعة.. الإيمان.
وأن مسألة "الإيمان" هي أهم هذه المسائل الثلاث وأعظمُها في نظر الحقيقة. بيد أن
— 129 —
"الحياة" و"لم من ة" تبدوان في نظر الناس عامة وضمن متطلبات أوضاع العالم أهم تلك المسائل. ولما كان تغيير أوضاع المسائل الثلاث كلها دفعة واحدة في الأرض كافة لا يوافق سنة اللّٰه الجارية في البشرية، فإن ذلك الشخص المنتظر لو كان موجودا في الوقت الحإلّا أتخذ أعظمَ تلك المسائل وأهمها أساسا له دون المسائل الأخرى، وذلك لئلا تَفقد خدمةُ الإيمان نزاهتَها وصفاءها لدى الناس عامة، ولكي يتحقق لدى عقول عوام الناس -الذين يمكن أن يُستَغفلوا ببساطة- أن تلك الخدمة ليست أداة لأي مقصد آخر.
ثم إنون من الهدم ومطارق التخريب تعمل منذ عشرين عاما مقترفة أشدَّ أنواع الظلم وأقسى ضروب التعسف لإفساد الأخلاق حتى ضاعت الثقة والوفاء إلى درجة لم يعد يوثق بشخص واحد من كل عشرة أشخاص، بل من كل عشرين شخصا.
فتجاه هذه الحالات المحيرم معكم من ثبات عظيم وصلابة تامة ووفاء خالص وغيرة على الإسلام تفوق كل شيء.. وبخلافه ستبقى خدمةُ الإيمان عقيمةً بائرة، وتكون ضارة. بمعنى أن أخلصَ خدمة وأسماها وأهمها وأولاكان أعتوفيق هي الخدمة السامية التي يعمل فيها طلاب رسائل النور.
وعلى كل حال يكفي هذا القدر لهذه المسألة في الوقت الحاضر.

* * *

(ختمة جماعية)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:نبارك لكم ليلة نصف شعبان وشهر رمضان المقبل، ونسأله تعالى أن يثة:إنلة القدر خيرا لكم ولنا من ألف شهر، ويُدخلها هكذا في سجل أعمالنا.
وقد عزمنا على أن ندعو حتى العيد بهذا الدعاء: "اللّٰهم اجعل ليلة القدر في شهر رمضان خيرا من ألف شهر لنا ولطلبة رسائل النور الصادقين".
ولقد قمنا بتوزيع أجزاءِ مصحفيكانت مين على كل طالب من طلاب النور الخواص هنا، بحيث يقرأ كلٌّ منهم يوميا جزءا مخصصا له. وبهذا تُختَم كل يوم -من أيام شهر رمضان
— 130 —
المبارك- ختمتان للقرآن الكريم، في مجلس ما مساواسع جدّا يضم إسبارطة وقسطموني معا، يتوسطهما طلاب رسائل النور حيث يتصور كلٌّ منهم نيّةً جميعَ الطلاب معه. نسأله تعالى أن يوفقنا في ذلك.

* * *

(الاشتراك في الأعمال الأخروية)
باسمهين كلّه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بقدر حاصلِ ضربِ عاشراتِ دقائقِ ليلة القدر في حروف القرآن.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:أهنئكم بحلول فهؤلاضان المبارك بملء روحي ووجداني وأبتهل إلى أرحم الراحمين تعالى أن يستجيب لدعواتكم التي ترفعونها في هذا الشهر المبارك.
ثانيا:إن شهر رمضان لهذه السنة له أهمية جليلة للعالم الإسلامي عامة ولطلاب الف وشدةضا بمضمون دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، ذلك الدستور الأساسي الجاري بين طلاب رسائل النور. فإنّ دخول ما يكسبه كلُّ طالب من حسنات إلى دفتر حسنات إخوانه كاملةً، هو مقتضى ذلك الدستور والرحمة الإلهية. على وون مغانمُ الحسنات عظيمة جدّا وكلية لمن يدخل دائرة رسائل النور بصدق وإخلاص، حيث يغنم كلُّ واحد منهم ألوفا من الحصص. نسأله تعالى أن يجعل ذلك الاشتراك طبتُه راك في الأموال الدنيوية -ولكن بدون انقسام ولا تجزئة- اشتراكًا كاملا بدخولها كاملة في دفتر حسنات إخوانه كدخول ضياءِ مصباح في ألوف المرايا. بمعنى أن طالبا من طوالديننور الصادقين إذا ما غنم حقيقةَ ليلةِ القدر وتمكّن من كسب المرتبة الرفيعة لشهر رمضان المبارك، نأمل أملا عظيما من سعة رحمته تعالى أن يملّك سبحانه جميعَ الطلاب الصادقين تلك الغنيمة.يرا حص* *
— 131 —
(النساء في طريق النور)إخوتى الأعزاء الأوفياء الأبطال الميامين!
أولا:إن كل أخ من إخواننا الخواص في هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، بمثابة الملائكة المالكين ى. فكأن ألف لسان، أي له أربعون ألف لسان معنوي -أي بعدد الإخوة- وذلك بالدستور الأساس، وهو دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية، لذا فإن ما يدعون أو ما سيدعون من دعوات في هذا الشهر المبارك، نرجو من رحمته تعالى أن من إخوقبولا بعدد تلك الألسنة. فهنيئا لكم شهركم هذا شهر رمضان الحامل لهذه الماهية الفاضلة.
ثانيا:كان المفروض أن يكون الجواب كتابا كاملا لرسائلكم في هذه المرة، تلك الرلة أخيلمتعددة المؤثرة السارة الحاملة للبشارات، إلا أن ضيق الوقت حال دون ذلك فلا تتألموا من الجواب المقتضب...
فللّٰه الحمد ألف ألف مرة، إن الأمهات المباركات في تلك القرية وسيداتها -قرية ساو- [٭]: قة من كو: قرية قريبة من منفى الأستاذ النورسى "بَارلاَ". وأهالي هذه القرية شِيبًا وشبابًا رجالًا ونساءً خدموا الإيمان عن طريق نشر رسائل النور واستنساخها. قد عرفن رسائل النور ويقدرنها حق قدرها. فلقم)
ني -وأبكتنا جميعا- بكاءَ فرح وسرور التضحيةُ التي بذلتها أولئك السيدات العزيزات أخواتي في الآخرة المخلصات في نشر رسائل النور.
من المعلوم أن أهم أساس في مسلك رسائل النور هو الشفقة. وحيث إن السيدات هن معدن الشفقة ومنبعها، فقد كنت أنتظحث الم مدة- أن تُفهَم ماهية رسائل النور في عالم النساء، والحمد للّٰه فإن السيدات هنا وحوالينا يعملن عملا جادا وبشوق وفعالية أكثر من الرجال، فأظیهرن أنهن حقا أخواتٌ للنة الشيمباركات في قرية ساو. فهذان الأمران الظاهران فأل حسن في أن رسائل النور ستسطع وتنور وتفتح قلوب أولئك السيدات معادن الشفقة.
ثم إن الرعاة الشجعان ل النوراو الذين ينقلون في جعبهم رسائل النور ليستكتبوها، قد أبدوا تضحية وبسالة كأولئك السيدات هناك. مما يثير الهمم ويبث الشوق في هذه المناطق أيضا.
— 132 —
إننا نرغب في معرفة أسماء أولئك السيدات والرعاة كي يدخلوا بأسمائهم الغيان يمن الطلاب الخواص...

* * *

(حادثتان لهما مغزى)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أبين لكم حادثتين لطيفتين لهما مغزى وبشارة:
أولاها: (مقابلة الذنوب المهاجمة)تنبيه يحمل بشرى وردت من خاطرة يائسة، حيث ورد على خاطري فلامة)الأيام ما يأتي:
إن الذي يختلط بالحياة الاجتماعية، ما إن يمس شيئا إلّا ويجابَه بالآثام والذنوب في أغلب الأحوال. فالذنوب تحيط بالإنسان من كل جهة. تُرى كيف تقابِل العبادةُ الخاصة للإنسان وتقواه الخاصة هذه الذنوبَ جميعَها؟ تأملنظر إ هذا التفكير اليائس، حيث تذكرت أوضاع طلاب رسائل النور المندمجين في الحياة الاجتماعية، وفكرت في الوقت نفسه في إشاراتٍ قرآنية وبشاراتِ الإمام علي والشيخ الكيلاني حول نجاة طلاب رسائل النور وكونهم من أهحت مضرادة.
فقلت في قلبي: كيف يقابل طالبُ النور بلسان واحد هجماتِ ذنوبٍ تَرِد من ألف جهة، وكيف يتغلب عليها، وكيف ينجو منها؟ فأخذتني الحيرة. فخناء عل قلبي تجاه هذه الحيرة ما يأتي:
إنه حسب الدسیتور الأسیاس الجاري بين طلاب رسیائل النور الحقيقيين الصادقين، وهو الاشتراك في الأعمال الأخروية، وبسر التساند والترابط الخالص، فإن كل طالب خالصٍ صادقٍ لا يتعبد بلسان واحد بل بعدد ألسنة إخمحاورةميعا، فيستغفر ربه بعدد تلك الألسنة، ويقابِیل الیذنوبَ المهاجمة من ألیفِ جهةٍ بألییوفِ ألیوفٍ من الألسنة المستغفِرة العابدة.
إن طالبا خالصا حقيقيا متقيا، يعبد ربه بأربعين ألة وسفالسنة إخوته -كالملائكة
— 133 —
المسبّحة بأربعين ألف لسان- سيكون أهلا للنجاة بإذن اللّٰه، ويكون من أهل السعادة بفضل اللّٰه. يمتلك هذه العبادة الرفيعة الكلية بدرجة وفائه الصادق ضمن دائرة رسائل النور، وعمله الجاد، والتزامه التقوى واجتناب الكبائرول وحبلأجل ألّا يُفوت هذا الربح العظيم ينبغي السعي الحثيث في التقوى والإخلاص والوفاء.
ثانيتها: (جبة مولانا خالد)
عندما كنت في الرابعة عشرة من العمر وجدت موانع حالت دومجتمعُ أحد من الأساتذة بوضع العمامة ولفّها على رأسي وإلباسي الجبة، كدليل على الشهادة العلمية، كما كانت العادة جارية سابقا. فما كان لبس الجبة الخلا يلحلعلماء والكبار يلائم سني الصغير...
ثانيا:كان العلماء في ذلك الوقت، قد اتخذوا موقف المنافس لي أو التسليم التام فلم يتمكنوا أن يتقلدوا طور الأستاذ. وحيث إن عددا من الأولياء العظام قد ارتحلوا من الدنيا، لذا لم يجد أحد في نفسهرهيبة،ءة ليُلبسنى الجبة أو يضع على رأسي العمامة.
فمنذ خمسين سنة كان من حقي هذه العلامةُ الظاهرة لنيل الشهادة وهى لبس الجبة وتقبيلُ يد أحد الأساتذة وقبولُه أستاذا.. ولكن تقديم جبة فلأجلا خالد النقشبندي من بُعد مائة سنة مع العمامة الملفوفة بها وإرسالها إليّ في هذا العام بأسلوب غريب جدّا لكي ألبسها، قد أورثني قناعة ببعض الأمارات. فأنا ألبس تلك الجبة المباركة التي يبلغ عمرها مائة سنة وأشكر ربي بمئات الألوف من الشكلى الامد.
(٭): لقد أخذت هذه الأمانة المباركة من السيدة "آسيا" وهي طالبة النور المحترمة وأختنا في الآخرة. (المؤلف)

* * *

(مسألتان وردتا إلى القلب)لقد وردت في هذه الأيام مسأ، رشوةقيقتان إلى القلب، لم أستطع تدوينهما، إلّا أننا بعد فوات ذلك الأوان نشير إشارة فقط إلى تلك الحقائق المهمة:
— 134 —
أولاها: (إلى المتكاسل في أذكار الصلاة)لقد قلت لأ الواساننا الذي أظهر تكاسلا وفتورا في قراءة الأذكار بعد الصلاة:
إن تلك الأذكار والأوراد عقب الصلاة هي سنة نبوية مطهرة وطريقة محمدية شريفة، وهي أوراد الولاية الأحمدية، فأصبحت أهميتُها من هذه الزاوية عظيمة.
ثم وضّحت حقيقة هذا القول بهذا الشكل:لماء م أن الولاية الأحمدية التي انقلبت إلى الرسالة هي فوق جميع الولايات قاطبة، فإن طريقة تلك الولاية الكبرى وأذكارها عقب الصلاة هي فوق سائر الطرق والأو، بل يلدرجة نفسها. ثم انكشف هذا السر كما يأتي:
كما أن كل ذاكر في حلقة الذكر، أو في ختمة الذكر في المسجد. يشعر برابطة روحية، تربطه بمن حوله، فيحسون جميعا بحالة روحية نورانية، فإن ذا القلبِ اليالكلام إحساسا روحيا كلما سبّح بی"سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه.." بعد الصلاة، أنه في حلقة ذكر مع مائة مليون من المسبّحين الذاكرين، كأنهم بين يدي الرسول (ص)، الذي يترأس تلكرين مرة الذاكرة المترامية الأطراف.
فبهذه الأحاسيس الشاعرة بالعظمة والهيبة والرفعة والعلو يكرر المؤمن: "سبحان اللّٰه.. سبحان اللّٰه".
ثم إنه عندما يردد "الحمد للّٰه.. الحمد للّٰه.." بأمر معنوي صادر من ذلك السيد .
ف (ص) فإنه يتأمل ويفكر في عظمة تلك الكلمة: (الحمد للّٰه) المنطلقة من صدور مائة مليون من المردِّدين في تلك الحلقة الواسعة الشاسعة، فيشترك معهم بقوله: "الحمد للّٰه.. ايد الألّٰه.. الحمد للّٰه..".
وهكذا، مع كلمة "اللّٰه أكبر.. اللّٰه أكبر.." ومع "لا إله إلّا اللّٰه.. لا إله إلّا اللّٰه" ثلاثا وثلاثين مرة، حيث يختم الذكر..أطفال عد إتمام هذه الأذكار اللطيفة بتلك المعاني والتأمل الأخوي يتوجه إلى سيد الحلقة الذاكرة وهو الرسول الكريم (ص) حاملا معه تلك المعاني المذكورة مع إخوانهفتح القة الذكر قائلا: ألف ألف صلاة وألف ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه.
— 135 —
أجل، هكذا أحسست، وهكذا فهمت، بل هكذا رأيت خيالا، لذلك أقول: إن الأذكار عقب الصلاة، لها أهمية كبرى.
المسألة الثانية: (لِمَ تُفضَّلرض الرا على الآخرة؟)إن خاصية هذا العصر هي أنها تجعل المرء يفضّل بعلمٍ الحياةَ الدنيا على الحياة الباقية. حتى أصبح تفضيل الزجاج القابل للكسر على الألماس ا. فقالعن علم، يجري وكأنه دستور وقاعدة عامة.
فكنت أحار من هذا حيرة شديدة، ولكن أُخطر على قلبي في هذه الأيام الآتي:
كما أنه إذا اشتكى عضو من الجسد تداعى له سائرُ الجسم إن اا قسما من وظائفه، كذلك جهاز الحرص على الحياة والحفاظ عليها والتلذذ بالحياة وعشقها، المندرج في فطرة الإنسان قد جُرح في هذا العصر فبدأ يُشغل سائرَ اللطائف به، لأسباب عديدة محاولا دفعَها إلى نسيانِ وظائفها الحقياس وأك وأيضًا لو كان هناك حفل بهيج جذاب حافل بالسفاهة والسكر لانجذب إليه حتى الذين لهم مقامات رفيعة والنساء المحجبات العفيفات كما ينجذب الأطفال والسائبون، فيشتركون معا بجاذبيةِ ذلك الحفلنه خدمن وظائفهم الحقيقية.
كذلك الحياة الإنسانية في هذا العصر ولاسيما الحياة الاجتماعية؛ فقد اتخذت وضعا مخيفا ولكن ذات جاذبية، وحالةٍ أليمة ولكن تثير اللهفة والفضول، بحيث تجعل عقلَ الإنسان وقلبه ولطائفه الرفيعة تابعةً ت ظل االأمارة بالسوء حتى تحوم كالفراش حول نار تلك الفتنة وترديها فيها.
نعم، هناك في حالات الضرورة رخصة شرعية في تفضيل الحفاظ على الحياة الدنيوية وترجيحها مؤقتا على بعض الأمور الأخروية. ولكن لا يمكن تفضيلها بناء على ضرر حد، ممقه هلاك ولأجل حاجة فحسب، فلا رخصة في هذا. والحال أن هذا العصر قد غرز حبَّ الحياة الدنيوية في عروق الإنسان، حتى إنه يترك أمورا دينية ثمينة جدّا كالألماس لحاجة صغيرة تافهة، أو لئلا يصيبه ضررٌ دنيوي ايخ حيا.
— 136 —
نعم، إن هذا العصر الذي رُفعت منه البركةُ من جراء الإسراف المتزايد وعدمِ مراعاة الاقتصاد، ومن عدم القناعة مع الحرص الشديد، فضلا عن تزايد الفقر والحاجة والفاقة وهموم العيش، مما سبب جروحا بليغة في تطلع أن سبن للعيش وفي نزوعه لحفظ الحياة، علاوة على تشعب متطلبات الحياة المرهقة، زد على ذلك استمرار أهل الضلالة بتوجيه كل الأنظار إلى الحياة.. كل ذلك عمّق تلك الجروح حتى دفع الإنسان ليفضّل أدنى حاجة من حاجات الحياة على مسألة إيماني متطلبة.
نعم، إنه لا يصمد تجاه هذا المرض العجيب لهذا العصر العجيب ولسقمه الرهيب إلّا رسائل النور الناشرة لأدوية القرآن المبين التي لها فعل المضاد للسموم. ولا يمكن أن يقاوِم هذا المرضَ العضال إلّا طلابُ رسائل النور ال المتض الثابتون الذين لا يتزعزعون، الخالصون الصادقون المضحون.
ولهذا ينبغي الإسراع إلى الالتحاق بدائرة النور والالتزام بها مع كامل الوفاء والثبات والجدية والطمأنص والثقة، حتى يمكن الخلاص من آثار ذلك المرض العجيب الرهيب.
تحياتنا إلى الإخوة جميعا فردا فردا مع الدعاء لهم بالخير.
يا إخوتي! إن فسيته فكم ونشاطكم وثباتكم هي بمثابة النابض المحرك لدائرة رسائل النور بحيث تحفزوننا على الحركة والعمل هنا، وفي أماكن أخرى كثيرة. ليرضَ اللّٰه عنكم أبدا. آمين آمين ألف ألف آمين.

* * *

لّا أنلآلام في اللذائذ الظاهرية)لمناسبة الرسالة التي كتبتُها لكم قبل بضعة أيام حول غلبة الحياة الدنيوية على الحياة الدينية ظهر معنًى دقيق جدّا لقلبي، قد لا يُعبّر عنه بالقلم. ولكني هذه الإليه إشارة في غاية الاختصار:
إنني شاهدت أن ما يخدع أهل الضلالة في هذا العصر العجيب ويجعلهم سكارى ثملين، وما يتلذذون به من لذة ظاهرية في أوضاع فانية هو في الحقيقة في منتهى الألم. بينما
— 137 —
شعرت -بما لا أتمكن من التعبير عنه- أنبالشكرلإيمان والهداية يتلذذون لذة علوية في نفس الموضع من تلك الأمور والأوضاع الفانية. فلقد أثبتت رسائل النور في مواضع عدة؛ أن كل شيء معدومٌ لأهل الضلالة سوى الحال الحاضرة، لذا فكل شيءهو مجابة إليهم مليء بآلام الفراق، بينما الماضي والمستقبل وما فيهما موجودان منوَّران لأهل الإيمان.
ولقد شاهدت أن الأوضاع المؤقتة الفائتة لأهل الدنيا معلة تبيي ظلمات الفناء المطلق، بينما تلك الأوضاع نفسها موجودة لأهل الهداية، لأنني تذكرت بحسرةٍ الأوضاعَ المؤقتة التي مرّت عليّ، وهي أوضاع تحمل لذائذ وأهميةً وشأنا فاشتقت إليها. ولكن ما إن ومتزاج ذهني أن تلك الأوضاع الطيبة فنيَت في الماضي، إذا بنور الإيمان يذكّرني: أنها باقية من نواحٍ عدة رغم فنائها الظاهرى، لأن تلك الأوضاع جلوات أسماء اللّٰه الباقية، فهيارب، ف في دائرة العلم الإلهي والألواحِ المحفوظة والألواحِ المثالية. فالعلاقات التي تربطنا بتلك الأوضاع يورثها نور الإيمان بقاءً ووجودا فوق الزمان. فيمكنك مشاهدة تلك الأوضاع من نواحٍ عديدة كثيرة وكأنها سيل:
#36نوية كثيرة بل يمكنك الدخول فيها. فقلت: "مادام اللّٰه موجودا فكل شيء موجود إذن". هذا الكلام الذي أصبح مضرب المثل يمثل حقيقةَ: "من كان للّٰه تعالى كان له كل شيء، ومن لور المله، كان عليه كل شيء فكل شيء معدوم له".
بمعنى أن الذين يفضلون درهما من لذة تحمل آلاما وحسرات وظلمات على أضعافها من اللذائذ التي لا تحمل ألما في الموضع نفسه، لاشك أنهم سيقابلون -بما يخالف مقصودهم- الألم في موضع اللذة.
* * مهمة
(خدمة الإيمان فوق كل شيء)إن طلاب رسائل النور الحقيقيين يرون خدمة الإيمان فوق كل شيء. بل حتى لو مُنحوا درجة القطبية يرجّحون عليها خدمة الإيمان حفاظا على الإخلاص.
نحن طلاب رسائل النور؛ وظ المهر الخدمةُ، خدمةُ الإيمان والقرآن، وعدمُ التدخل في أمور اللّٰه، وعدم بناء خدمتنا على تلك الأمور الذي مما يومئ إلى ما يشبه التجربة والاختبار. فضلا عن أننا نهتم بالنوعية دون الكمية.
— 138 —
لقد أدت أسباب رهيبة منذ سالف الزمن إلى تدهور الأخلاق وءٍ إلّبِ الدنيا على الآخرة وتفضيلِها عليها في كل شيء. فضمنَ هذه الأحوال المحيطة، فإن فتوحات الإيمان التي تكسبها رسائل النور حتى الآن، وكسرَها لصولة الزنادقة وهجوم الضلالة، وإنقاذَهها سدانَ مئات الألوف من الناس المنكوبين، وتربيتَها مئاتٍ بل ألوفَ المؤمنين الحقيقيين الذين يعادل كلّ منهم مائة وألف من غيرهم، أثبتت إثباتا قاطعا بحوادث واقعية -وستثبت بإذن - تتمي في المستقبل- إخبار المخبر الصادق (ص) وصدّقته تصديقا فعليا. وقد ترسخت في العروق إلى درجة لا يمكن لأي قوة كانت أن تجتثها بإذن اللّٰه من صدر الأناضول، حتى يأتي بإذنه تعالى في آخر الزما ففي بُها الحقيقيون في الدائرة الواسعة للحياة، أي السيد المهدي وطلابه، فيوسّعون تلك الدائرةَ وتتسنبل البذورُ المزروعة، فنشاهد نحن ذلك المشهالرياءبورنا ونشكر ربنا.

* * *

(ورطة المتدينين)إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية بما كثّر عليه من متطلبات الحياة وضيّق عليه مواردَها، وحوّل حاجاته غير الضرورية أن نكرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضًا، ومن التمسك بعادات مستحكِمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت.
فهذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجابًعطف الالحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جَعَلها أمرًا ثانويًا أو ثالثيًا بالنسبة له. لذا جوزي الإنسان على خطئه هذا بلطمة قوية شديدة حوّلت دنياه إلى جحيم لا تطاق. وهكذا يتورط المتدينون أيضًا في هذه المصيبة الرهيبة، ولا أسف -أسم منهم أنهم قد وقعوا في الورطة.
وأذكر مثالًا:رأيت عییددًا من الأشیییخاص -من أهییل التقوى- يَرغبیون في الیديیین ويحبون أن يقيموا أوامره كي يوفقوا في حياتهم الدنيوية ويفلحوا في أعمالهم. حتى إن مسأشير يطلب الطريقة الصوفية لأجل ما فيها من كرامات وكشفيات؛ بمعنى أنه يجعل رغبته في الآخرة وثمارها تَكِئَةً ومرتبة سُلّمٍ للوصول إلى أمور دنيوية، ولا يَعلم هذا أن الحقائق الدينية
— 139 —
التي هي أساس السعادة الدنيون سببا هي أساس السعادة الأخروية، لا تكون فوائدُها الدنيوية إلّا مرجِّحة ومشوقة، فإذا ارتقت تلك الفائدة إلى مرتبة العلة لِعَمَلِ البر، فإنها تبطله، وفي الأقل يَفة الصدلاصُه ويَذهب ثوابُه. وقد ثبت بالتجربة أن أفضل منقذ مِن ظلم هذا العصر المريض الغادر المشؤوم ومن ظلماته الدامسة؛ هو النور الذي تشعه رسائل النور بموازينها الدقيقة وموازناتها السیديدة. يشهضلا عنصدق هذا أربعون ألف شاهد.
بمعنى أن القريبين من دائرة رسائل النور إن لم يدخلوها، فهناك احتمال قوي على وقوعهم في الخطر.
نعم، إن هذا العصر قد جعل حتى المسلمين يستحبّون الحياة الدنيا ويرجّحونها على الآخرة على علم منهم خدماة فيهم، كما تشير إليه الآية الكريمة: يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة (إبراهيم:٣).

* * *

(مصير الأبرياء من الكفار في البلايا)
باسمه سبحانه
وإناستغرءٍ إلّا يسبح بحمده
لقد مسّ مسًّا شديدًا مشاعري وأحاسيسي المفرطة في الرأفة والعطف ما أصاب الضعفاء المساكين من نكبات وويلات ومجاعات ومهالك من جراء هذه الطامة البشرية التي نزلت بهم وفي هذا الشتاء القارس... ولكن على حين غرة نُبّهتُ إلى أل النوالمصائب وأمثالها تنطوي على نوع من الرحمة والمُجازاة -حتى على الكافر- بحيث تهوّن تلك المصيبةَ، فتظل هيّنة بسيطة بالنسبة إليهم. وأصبح هذا التنبيه مرهمًا شافيًا الإيمي المؤلم على الأطفال والعوائل في أوروبا وروسيا، رغم أنني لم أتلق شيئًا عن أوضاع الدنيا وأخبار الحرب منذ بضعة أشهر.
نعم، إن الذين نزلت بهم هذه الكارثة العظمى -التي ارتكبها الظالمون- إن كانوا صذلك لأوإلى الخامسة عشرة من العمر، فهم في حكم الشهداء، من أي دين كانوا. فالجزاء المعنوي العظيم الذي ينتظرهم يهوّن عليهم تلك المصيبة. أما الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من العمر، فإن كانوا أبرياء ة -في ن، فلهم جزاء عظيم ربما ينجيهم من جهنم، لأن الدين
— 140 —
-ولاسيما الإسلام- يُستر بستار اللامبالاة بدرجة "الفترة" في آخر الزمان، وأن الدين الحقيقي لسيدنا عالهجوميه السلام سيحكم ويتكاتف مع الإسلام. فيمكن القول بلا شك: إن ما يكابده المظلومون من النصارى المنتسبين إلى سيدنا عيسى عليه السلام والذين يعيشون الآن في ظلمات تشبه ظلمات "الفترة"، وما يقاسونه من الويلات رفيعةحقهم نوعًا من الشهادة، ولاسيما الكهول وأهل النوائب والفقراء والضعفاء المساكين الذين يقاسون النكبات والويلات تحت قهر المستبدين والطغاة الظالمين.
وقحتهم وي من الحقيقة أن تلك النكبات والويلات كفارة بحقهم من الذنوب النابعة من سفاهات المدنية وكفرانها بالنعم، ومن ضلالات الفلسفة وكفرها، لذا فهي أربح لهم مائة مرة.
وبلمعة مدتُ السلوان والعزاء من ذلك الألم المعذِّب النابع من العطف المتزايد، فشكرتُ اللّٰه شكرًا لا نهاية له.
أما أولئك الظالمون الذين يسعّرون نار تلك الفتن والنكبات، عشرينالسفلة من شياطين الأنس والجبابرة الطغاة الذين ينفذونها إشباعًا لمنافعهم الشخصية، فهم يستحقون ذلك العذاب المهين، فهو بحقهم عدالة ربانية محضة.
ولكن إن كان الذين يقاسون تلك النكبات هم ممن يهرعوة لها نجدة المظلومين، ويكافحون في سبيل تحقيق راحة البشرية والحفاظ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا بد أن النتائج المعنوية والأخروية لتلك التضحيات الجسام كبيرة جدًّا بحيث تجعل تلك الويلات بحقهمونُكم شرف واعتزاز لهم بل وتُحبّبها إليهم.

* * *

(العمل لأسس الإسلام أولى)إخوتي!
لقد أرسلت في هذه الأيام برفقة طلابي الأعزاء رسالتين تخصان "الرموز الثمانية" أرسلتهما إلى مكان ما، إلّا أن الطريق ان أيديكلم تُرسَلا. فكررت مطالعتهما بدقة.
وساءلتُ فكري:تُرى لماذا أُسدل الستار أمام هذا المسلك الذي يتسم بالتوافقات
— 141 —
والذوق والجمال واقني أوم واللطف-بحساب الجُمّل بالأبجدية والجفر- ووُجّهنا إلى سلوك طريق آخر واستُعملنا فيه؟ فأُخطر علیى قلبي فجأةً: إن الانشغال بذلك المسلك الذي يفتح مغاليق تلك الأسرار الغيبية يُلحق الضرر بالعمل لأسس الإدرته!!فهذا العمل هو أهم من ذلك المسلك وأثمن منه وأقوم، وهو محور الحاجة العامة ويَسد الحاجة الماسة للجميع بالعمل لأسس الإسلام، وهو خدمةُ خزينةِ الحقائق الإيمانية والاستفادة منها. ولهذا وُجّهنا إلى سلوك هذا الطريق، لأن الانشغال بذلك ال(حول مجعل المرء يَدَع أعظم المقاصد وأجلّها -وهي الحقائق الإيمانية- في درجة تالية.

* * *

(المقصد الأول هو الحقائق الإيمانية)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لمناسبة تلقي أحد إخوتنا الصادقين المدققين في هذه الأيام صفعةَ تأديب طفيفة من جرى انحص أخذه بالحذر، ولمناسبة استفسار "فيضي" و"أمين" وأخذهما الحيرة من اتخاذي طور عدم الرغبة في تلقي أي خبر عن أحوال العالم وأخبار السياسة والحرب وعدم الاهتمام بها في غضون هذه الشهور الأربعة رغم علاقتي الضعفقَدَر آلاف الأشخاص.. فأقول: لهذه المناسبات، لزم أن أبحث ولو جزئيا عن حقيقة طالما بحثت عنها وبينتها كثيرا. وهي الآتية:
بينما ينبغي أن تكون الحقائق الإيمانية أول مقصد وأسب للأمرهذا الزمان، وأنْ تبقى سائر الأمور في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، وفي الوقت الذي ينبغي أن تكون خدمة الحقائق الإيمانية برسائل النور أجلّ وظيفة، وموضعَ اهتمامٍ ولهالةً عقصودةً بالذات، إلّا أن أحوال العالم الحاضرة ولاسيما الحياة الدنيوية ولاسيما الحياة الاجتماعية والحياة السياسية خاصة وأخبار الحرب العالمية بالأخص -التي هي تجل من تجليات غضب اللّٰه النازل عقابًا لضلالة المدنية الحاضرفي في هتها- والتي تستميل الناس إلى جانبها وتهيّج الأعصاب والعروق حتى تدخل إلى باطن القلب، بل حتى مكّنتْ فيه الرغباتِ الفاسدة المضرة بدلًا من الحقائق الإيمانية الرفيعة النافعة. فهذا العصر المشؤوم قد غرز الناس بهذه الأمذا العزال، ولقّحهم بأفكاره ومازال، بحيث جعل العلماءَ الذين هم خارج دائرة رسائل النور، بل بعضَ
— 142 —
الأولياء يُنیزلون حكمَ الحقائق الإيمانية إلى الدبدلا مثانية والثالثة بسبب ارتباطهم بتلك الحياة السياسية والاجتماعية منجرفين مع تلك التيارات، فيُولُون حبهم للمنافقين الذين يبادلونهم الفكر نفسه، ويعادون من يخالفهم الرأي من أهل الحقيقة بل محرمت الولاية وينتقدونهم. حتى جعلوا المشاعر الدينية تابعة لتلك التيارات.
فتجاه هذه المهالك العجيبة التي يحملها هذا العصر، فإن خدمة رسائل النور والانشغالَ بها قد أسقطا من ام الملتياراتِ السياسية الحاضرة، إلى درجة لم أهتم في غضون هذه الشهور الأربعة بأخبار هذه الحرب ولم أسأل عنها.
ثم إن طلاب رسائل النور الخواص وهم منهمكون بمهمة نشر الحقائق الإيمانية الثمينة لا ينبغي لهم لتُ فيثوا الفتور في وظيفتهم المقدسة بمشاهدة لعب الشطرنج للظالمين، ولا يعكّروا صفو أذهانهم وأفكارهم بالنظر إلى لعبهم؛ فلقد وهب لنا سبحانه وتعالى النورَ والمهمة ك الإهنية، وأعطاهم لعبًا مُظلِمةً ظالمة، فهم يستنكفون منا ولا يَمُدون يد المعاونة إلينا ولا يرغبون فيما لدينا من أنوار سامية. فمن الخطأ التنیزلُ إلى مشاهدة لعبهم الة النوعلى حساب وظيفتنا. فالأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية التي هي ضمن دائرتنا كافيتان لنا.
تحياتنا إلى الأخوة جميعا فردا فردا ونهنئهم بعيدهم السعيد.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي

* * *

(الحاجة إلى رسائل النور)إن مبا فنجاهلاء الشيوخ الطيبين الأميين بالكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر. وتفضيلَهم لها على أي شيء آخر لأجل خدمة رسائل النور، وكذا تلقّي أولئك الأطفال الأبرياء الدرس من رسائل النور، وما استنسخوه من رسائل..رباء" ن سعي هؤلاء جميعا سعيا جادا في هذا الزمان لَيبين بوضوح أن رسائل النور فيها من الذوق المعنوي والنور الجاذب بحيث تعجز الوسائل المستعملة في المدارس لحث التلاميذ على
— 143 —
القراءة وثم شاهة أمام هذا الذوق والانشراح والسرور الذي تمنحه رسائل النور، حتى تدفعُ أولئك الأطفال والشيوخ إلى هذا العمل الجاد.
وكذا تُبين هذه الحالة: أن رسائل النور تترسخ وا. بيدلعها أي شيء كان بفضله تعالى بل ستدوم إلى الأجيال المقبلة بإذنه تعالى.
إن سعي هؤلاء الشيوخ الأميين ضمن دائرة رسائل النور كهؤلاء التلاميذ الأطفال الأبرياء، وقسمٍ من الرعاة، وفي هذا الزمان بالذات وتحت هذه الظروف العصيبة، وتفضيلَهم ذلك ما أن على أي شيء آخر يبين أن الحاجة إلى رسائل النور في هذا الزمان أكثر من الحاجة إلى الخبز، بحيث إن الفلاحين والرعاة يرون الحاجة الضرورية في حقائق رسائمه المر أكثر من الحاجات الدنيوية الضرورية.

* * *

(ما تُكسبه رسائل النور طلابَها)حقيقة كُتبت لإخواني في قسطموني بعثتها إليكم علّها تفيدكم:
إن الذلحين ته رسائل النور ثمنا لما تُكسبه طلابَها الصادقين الثابتين من مغانم ومكاسب عظيمة جدّا ومن نتائج عظيمة جليلة هو؛ الوفاء الخالص الكامل والثبات الدائم الذي لا يطن. فن
نعم، إن الإيمان التحقيقي الذي يمكن أن يُكسَب خلال خمس عشرة سنة تُكسبه رسائلُ النور في خمسة عشر أسبوعا وإلى بعضهم في خمسة عشر يوما. يَشهد على هذا عشرون أر
الشهود بتجاربهم في غضون عشرين سنة. وكذا تُكسب رسائلُ النور كلَّ طالب من طلابها ثوابَ ألوف الدعوات الخالصة المقبولة التي تَلهج بها ألسِنَةُ الطلاب كل يوم، وكذا الأعمال الصالحة التي أنجزها ألوفٌ من أهل الصلاح وال
١٥وذلك حسب دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.
والدليل على أنها تجعل كل طالب حقيقي صادق ثابت من حيث العمل في حكم ألوف الأشخاص ما ورد من الإخبارات تدفعكثة ذاتِ الكرامة عن الإمام علي رضي اللّٰه عنه وكراماته
— 144 —
الغيبية وكذا بشییارات الشيخ الكيلاني (قُدس سره) وتقديره للعاملين، وإشارات القرآن المبين مء ٢/٣٠ولئك الطلاب الخالصين يكونون من أهل السییعادة ومن أهل الجنة. فتلك الإشیییارات والبشییارات دليل وأيّ دليل. نعم، إن كسییبا كهذا يسییتحق ذلك الثمن بلا شییك.
وما ك الحزلحقيقة هي هذه، فينبغي للقريبين من دائرة رسائل النور من أرباب العلم وأهل الطريقة وأصحاب المشارب الصوفية الانضمامُ إلى تيار النور، ليمدّوه بما لديهم من رأسمال سابق، والسعيُ لتوسيعلاسيماها وحثّ طلابها وبثُّ الشوق في نفوسهم، وإذابةُ الأنانية وإلقائها كقطعة ثلج في حوض الماء السلسبيل للجماعة ليغنم ذلك الحوض الكوثري كاملا. وإلّا فمن يفتح نهجا جديدا ويسلك طريقا آخر، يضرّ هذه الجادة القرآنية المستقيمةاب بقدمة من دون أن يشعر، ويتضرر هو بنفسه أيضا، بل قد يكون عملُه نوعا من العون للزندقة دون شعور منه.
حذار.. حذار.. أيها الإخوة من أن تقذفكم التيارات االغافلة ولاسيما السياسية منها ولاسيما التيارات التي تلفت الأنظار نحو الخارج، إلى التفرقة، إذ تجعلكم بعد ذلك عاجزين ضعفاء أمام الفرق الضالة المتحدة... فحذار أن يجري فيكم حُكم ذلك الدستور الشيطاني والعياذ باللّٰه: "الحب في ا مزيد والبغض في السياسة" بدلا من الدستور الرحماني "الحب في اللّٰه والبغض في اللّٰه" [٭]: انظر: أبو داود، السنن ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٦؛ البزار، المسند ٩/٤٦١؛ وانظر: الطيالسي، المسند ١٠١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/١والإجح، ٧/٨٠. إذ عندها تعادون أخا لكم هو في الحقيقة كالملاك وتُولُون الحب لرفيق في السياسة وهو كالخناس، وتبدون الرضا لظلمه، وتشاركونه في جنايته ضمنا. فحذار حذار من هذا!
نعم، إن عتراض ة الحاضرة تفسد القلوب، وتدع الأرواح الحساسة في عذاب. فالذي يروم سلامة القلب وراحة الروح عليه أن يترك السياسة.
نعم، إن كل إنسان في الوقت الحاضر، على الكرة الأرضية قاطبة، له نصيبه من المصاقائق "ارية إما قلبا أو روحا أو عقلا أو بدنا، ويعاني من العذاب والرهق ما يعاني، ولاسيما أهل الضلالة والغافلين؛ حيث إنهم غافلون عن الرحمة الإلهية الشاملة والحكمة السبحانية الكاملة.
— 145 —
فمن حيث إنسانيتُهم وعلاقتهم بالبشرية يتعذبون بالآلام الرهيبة المد الضعلتي تعانيها البشرية في الوقت الحاضر، فضلا عن آلامهم أنفسهم، ذلك لأنهم قد تركوا وظائفهم الحقيقية وأمورهم الضرورية وأعاروا سمعهم بلهفة إلى مالا يعنيهم من صراعات سياسية وشؤون آفاقية، وحوادثَ خارجة عن طوقهم، ويتدخلون فيها حتى جعلوا أرواحهم حائرة اء والم ثرثارة، وسلبوا من أنفسهم لياقة الإشفاق والرثاء عليهم، حسب قاعدةِ "الراضي بالضرر لا يُنظر له" أي من يرضى لنفسه بالضرر لا يستحق النظر إليه برحمة. فلا يُرثى لهم ولا يُشفق عليهم، فهم الذين قد سببوا نزول البلافتتجنب
إنني أخال أنه في خضم هذه الأهوال والحرائق التي نشبت في الكرة الأرضية لايَقدر على الحفاظ على سلامة قلبه وراحة روحه إلّا أهلُ الإيمان وأهل اة الأخوالرضى الحقيقي، ومنهم أولئك الذين انضموا إلى دائرة رسائل النور بوفاء تام. فهم مصانون من تلك الأهوال أكثرَ من غيرهم. وذلك لأنهم يرون أثر الرحمة الإلهية وزبدَتها ووجهَها في كل حادثة وفي كل شيء، لمشاهدتهم الأمور بمنظار نور دروس ا حتى ل التحقيقي الذي تلقوه من رسائل النور. فهم يشاهدون في كل شيء كمال الحكمة اللّٰه، وجمال عدالته، لذا يجابهون المصائب -التي هي من إجراءات الربوبية الإلهية ائل ال- بالتسليم التام لأمر اللّٰه فيبدون الرضى به، ولا يقدّمون شفقتهم على الرحمة الإلهية كي يقاسوا العذاب والألم.
وهكذا بناء على هذا، فالذيا قدوةون تذوق السعادة واللذة حتى في الحياة الدنيوية -فضلا عن الحياة الأخروية- يمكنهم أن يجدوها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية.
تنبيهان نابعان من خاطرتين وردتا في هذه الأيام:
الأول:لهذا هوت في السيدات اللائي انتسبن إلى رسائل النور في هذه المدينة، إنهن ثابتات لا يهزّهن شيء كغيرهن من الناس. وإذا بهذا الحديث "عليكم بدين العجائز" [٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين ٣/٧٨؛ السخاوي، المقاصد الحسنة ٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة الأمنلي القاري، الأسرار المرفوعة ١٤؛ العجلوني، كشف الخفاء ٢/٩٢. أُخطر على قلبي: أي عليكم باتباع الدين الخالص والعقيدة الراسخة التي لدى العجائز في آخر الزمان.
— 146 —
نعم، إن العجائز من السيدات ضعيفاتٌ وذوات حسّ مرهف وعطف وحن. بل عا فهن أكثر حاجة من غيرهن إلى ما في الدين من سلوان ونور يفيض بالشفقة، وإلى التفاتة رحمانية تتقطر بالرحمة، وإلى نقطة استناد ونقطة استمداد، الموجودة كلها في الدين.غه كلمات الكامل من مقتضى فطرتهن. لذا فإن رسائل النور التي تفي بتلك الحاجة إيفاءً تاما في الوقت الحاضر، تجد الانشراح في أرواحهن وتستقر في قلوبهن أكثر من أي شيء آخر.
التنبيه الثاني:لقد جاءني أشخاص مختلفون عديدون في هذه الأيام، حسِبتُهممل أذىوني لأمور الآخرة. ولكن فهمت أنهم قد أتوني للاستشارة والدعاء لهم بالتوفيق في أمور التجارة، أو يراجعوننى لرفع الكساد وعدمِ التوفيق في أعمالهم ولينجوا من الخسارة والأضرار.
ففكرت، ماذا أعمل مع هؤلاء وماذا أقول لهم؟ فخطر على القلب فجأة: لا تكن ؤلاء ا، ولا تتكلم ببلاهة، فتَدَعهم في بلاهتهم. لأن الوحيد الذي أُلقيتْ عليه مهمةُ تحضيرِ مضاداتٍ لسموم الثعابين وهو منهمك بدفعها عن الناس، لو ترك مهمته وسعى لدفع الذباب ممن هو بين النیزوين ومعرَض لهجمات الذباب - مع وجود معاوِنين له كثيرين لدفع الذباب - إنما هو أبله بلا شك. والذي يستنجد به أبله أيضا. وتلك المحاورة أيضا محاورة بلهاء.
نعم، إن الس هو إالطفيفة المؤقتة للحياة الدنيوية الفانية القصيرة بالنسبة للحياة الأخروية الخالدة إنما هي كلسع الذباب. بينما أضرار الحياة الأخروية هي كلدغ الثعابين.

* * *

(مسائل ستة أشخاص)
باسمه سبحانه
وإن من شي شرسونا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته بعدد كلمات القرآن وحروفه.
إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين. ويا إخواني الأقوياء النشطين الثابتين في خدمة القرآن!
لقد أصبح ستة أشخاص -النجار أحمد في البدء وآخرهم أنا- مدارا لم بقناعكلٌّ على حده بناء على إخطار معنوي.
— 147 —
الأول:في رسالة النجار أحمد وهو الفعال والنشط جدّا من طلاب رسائل النور ومدرستِها يذكر أنه:
أتى صبي صغير بريء يبلغ العاشرةطعت عنعمر من قرية على مسافة يومين تاركا قريته وماله، وَوُفِّق إلى كتابة رسائل النور في عشرة أيام، مع أنه لم يسبق له الكتابة من قبل. فكما أن هذا كرامة لرسائل النور فهو زهرة خارقة لطيفة للمدرسة النورية.
نعم، ونحن نقول أيضا: كمئل إلينفتاح الأزهار الجميلة في شتاء مادي قارس، حادثة خارقة للقدرة الإلٰهية. فإنّ تفتّح ألفِ زهرة لطيفة جميلة وثمارِ الجنة في شجرة ساو -أي قرية ساو- في الشتاء المعنوي الرهيب لهذا العصر لاشك أنه معجزةالذي ي وكرامة عناية ربانية لهذه البلدة، وإكرامٌ إلهيّ خارق لطلاب النور. نحن نعتقد هكذا ونتضرع إليه تعالى ونتوجه له بالشكر العميم.
وجاء في رسالة النجار أحمد: إن الطلاب النشطين في القرية يذكّرون بالطلاب المضحين القدماء الناشئين فية تجاهرس الشرعية القديمة، مما منحنا وطلاب النور سرورا بالغا.
إنه لجميل جدّا تلك المعاونةُ المعنوية التي تقدمها سيدات المدرسة النورية وطالباتها بأورادهن القرآنية وأذكارهن وبدعواتهن لو قبب الأقلام الساعية للاستنساخ. وفي هذا إرشاد للسيدات في هذه المناطق.
ليرضَ اللّٰه أبدا عنهم وعنهن وعن جميع طلاب تلك المدرسة وعن أساتذتهم.
الشخص الثاني ومسألته:قال لي يوما أحد طلبة النور من الشباب الحأيضا تقرآن الكريم مثل ما يقوله الكثيرون: يزداد عندي مرض النسيان يوما بعد يوم؛ فماذا أفعل؟
قلت:لا تنظر نظر الحرام ما استطعت. لأن "النظر الحرام يورث النسيان" كميذهب ع عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه. [٭]: لعل المقصود:
شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقییال: اعیییلیم بأن العییلیییمَ نییییورٌ ونیورُ اللّٰه لا يؤتى لعییاصالأعزا نعم، إن النظر الحرام كلما ازداد بين المسلمين ثارت شهواتُهم النفسانية، فيتولد منها الإسراف والإفراط، حتى قد يضطر المرء إلى الاغتسال عدّة مرات في الأسبوع الواالبناءا
— 148 —
ينجم عنه ضعفٌ في قوة الحفظ كما هو معلوم لدى الطب. ومما جعل انتشار مرض النسيان هذا عاما شاملا للجميع هو شيوع التبرج والتكشف في هذا العن مدى سيما في بلدان المناطق الحارة، مما سبّب كثرةَ النظر الحرام الذي يولد الإسراف والإفراط. حتى تجد الجميع يشكون من النسيان، كل على قدر إصابته به.
ولعل طرفا من تأويل الحديث ا:لقد الذي أنذر عن نزع القرآن الكريم من الصدور في آخر الزمان، يتحقق بازدياد هذا المرض. بمعنى أن هذا المرض سيشتد وطؤه، ويحُول دون حفظ القرآن الكريم، فيتحقق عندئذ تأويل الحديث. ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه.
الشخص الثالث ومسألته:إنه شخص ذو علاقة وطيداتير ت يشكو مرَّ الشكوى في أغلب الأوقات طالبا العون وقائلا: لا أستطيع أن أصبح رجلا بمعنى الكلمة بل فسدتُ وتضعضعت كلما مرّ الزمان فلا أستطيع أن أرى نتائج خدماتي المعنوية.
ونحن نقول له: إن هذه الدنيا دار عمل وليس موضع أخذ الأجرة، فثواب الأعماليكم الحة وثمراتُها وأنوارُها تُمنح في البرزخ والآخرة. وإن جلبَ تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلبَها في هذه الدنيا يعنى جعل الآخرة تابعة لهذه الدنيا. وعندها ينثلم إخلاص تلك الأعمال الصالحة ويذهب نورُها.
نعم، لا تقنمرات لا تُطلب ولا تُنوى قلبا، بل يُشكر عليها إذا ما مُنحت للحث.
نعم، إن هذا العصر -كما ذكر في بضع رسائل- قد غرز حبَّ الحياة الدنيوية في الإنسان وأجراه في عروقه فجرحه جروحا بالغة، حتى إن شيخا هرماإخواننا وتقيا صالحا يطلب أذواق الحياة الأخروية في الدنيا لجريان حكم الأذواق الحياة الدنيوية فيه أولا.
الرابع:شخص له علاقة مَعَنا يشكو كالكثيرين، أنه فقد أذواقلأئمة اقه التي كان يجدها في أوراده سابقا عندما كان منتسبا إلى الطرق الصوفية. والآن يغلب عليه النوم والضيق. فقلنا له:
كما أن الفساد الذي يعتري الهواء يُولِد ضيقا في الإنسان ولاسيما فيمن له حساسية في الصدر كذلك ي، بعددالهواء المعنوي أحيانا، ولاسيما في هذا العصر الذي ابتعد عن المعنويات، ولاسيما في البلدان التي شاعت فيها الأهواء النفسانية والشهوية، ولاسيما بعد انقضاء الشهور
#14قُه بَاثة المحرمة والشهور الثلاثة المباركة التي يتصفى فيها الهواء المعنوي بصحوة العالم الإسلامي وتوجُّهِ عموم الناس إلى اللّٰه. وبانقضاء تلك الشهور وتوقف ذلك التوجه العام تجد الضلالاتُ الفرصةَ سانحة، للتأثير على إفساد الهواء، وخاصة تحت رزحم العيات وصعوبات فصل الشتاء -إلى حد ما- يقل تسلط النوازع النفسانية وهجوم الدوافع الشهوانية عند أهل الإسلام والإيمان، مما يسوقهم للعمل باشتياق للحياة الأخروية. ولكن بمجيء الربيع وعند ظهور الدوافع النفسانية والشهوانية، يضمحل الإشتياق والعمل مان- و الأخروية، وبدلا من اشتياق وتذوق هذه الأوراد القدسية، يخيم الخمول والفتور.
بيد أن الأعمال الصالحة والأمور الأخروية التي ترافقها المشقات والمصائب والمضايقات -رغم فقور منذأذواق- هي أسمى وأجزل ثوابا، حسب مضمونِ "خير الأمور أحمزها" [٭]: أحمزها: (أقواها وأشدها). انظر: علي القاري، المصنوع ١/٥٧؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/١٧٥. لذا ينبغي للإنسان الشكر مسرا ويأتتجملا بالصبر لأمله في زيادة الثواب من خلال ذلك الضيق والمشقات.
الخامس:يبرر أحد طلاب النور عدمَ سعيه لرسائل النور لازدياد هموم العيش.
فقلنا له: لأنك لا تسعى لرسائل النور ازدادت عليك همومُ العيش. لأن كل طالب في هذ لي ولاطق يعترف -وأنا كذلك أعترف- أنه كلما سعينا لرسائل النور وجدنا السهولة في الحياة والانشراح في القلب واليسر في المعيشة.
السادس:هو هذا السعيم ورغبيف. إن ما ينشرح له كل الناس ويرغبون به ويطلبونه من الاحترام والتوقير والمحبة والمجالسة -خارج نطاق رسائل النور- ثقيل عليّ وأتألم منه ويولِد فيّ الإزعاج.
وأظن أن المزايا الرفيعة لرسائل النور والخصال الراقدأتُ ما لشخص طلابها المعنوي لو وضعت -تلك المعاني الضخمة كالجبال- على كاهلِ شخص ضعيف عاجز مثلي قد بالغ في سلوك طريق العجز، فإنه ينسحق تحتها وينقبض من تلك الأمور.. هكذا فهمتُ.على أياجي دعواتكم والمشتاق إليكم
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

— 150 —
(العلاج الوحيد: رسائل النور)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لا تتألموا من حادثة التعرض لنا التي وقعت حديثا. لأالمزلزل النور تحت العناية الإلهية. وثبت بتجارب عديدة، أنه لم يحدث لحدّ الآن أن نجت طائفةٌ من الطوائف العاملة في خدمات جليلة بمشقات قليلة مثلنا...
اعلموا وليعلم أولئك أيضا؛ كما أن الصدقة تدى عليهلاء فإن رسائل النور وسيلةٌ لدفع الآفات السماوية من الأناضول ورفعِها ولاسيما من إسبارطة وقسطموني.
نعم، إن رسائل النور سبب من أسباب نجاة الأناضول من مهالك الكالذي هرضية وعقابها. وكأنها سفينة نوح عليه السلام بحيث جعلت الأناضول في حكم "الجودي". لأن الطغيان الناشئ من ضعف الإيمان يجلب المصيبة العامة على الأكثر. فرسارجة الور التي تقوّي الإيمان أصبحت وسيلة من الرحمة الإلٰهية لدفع تلك المصيبة العامة خارج دائرتها. فهؤلاء، أهل الدنيا وأهل الأناضول، عليهم ألّا يتعرضوا لرسائل النور حتى ولو لم ينخرطوا فيها. فلو تعرضوا لها فعليهم أن يفكروا بنشوب الحرائق وح العقلطوفان وانتشار الطاعون المنتظر قريبا، وليعودوا إلى رشدهم.
ولما كنا لا نتعرض لدنياهم فهناك احتمال قوي في نزول البلايا عند تعرضهم -إلى هذا الحد وبلا يد في لآخرتنا.
ألا فليعلم أهل السياسة علما قاطعا رغم أننا لا علاقة لنا بهم: أن العلاج الوحيد لإنقاذ الأمة في هذه البلاد وفي هذا العصر من الفوضمضطربةرهاب ومن التردي المريع والتدني الرهيب هو أسس رسائل النور.. وليعلم أولئك الأبرياء -وأساتذتهم - الذين تعرضوا لمضايقات من جراء هذه الحادثة أن الذي يرابط تحت ظروف صعن إحدىال ثواب عبادة سنة، وأنّ ساعةَ تفكّرٍ إيمانيّ حقيقي في حكم سنة من الطاعة. فنسأله تعالى أن تنال مضايقاتهم مثل هذا الثواب. لذا عليهم أن يقابلوا أمثال هذه الحوادث بالفرح والسرور بدلا من ن رسائوالتألم.

* * *

— 151 —
(خدمتنا تسعى لإنقاذ النظام والأمن)جاءني موظف مسؤول له علاقة معنا ومع السياسة ومنشغل بمراقبتنا كثيرًا.
فقلت له: إنني لم أراجعكم منذ ثماني عشرة سنة، ولم أقرأ صحيفة واحدة من الصحف، وها قد مرت ثمانية شهور لبأن حك ولو مرة واحدة عما يحدث في العالم، ولم أستمع إلى الراديو الذي يُسمع هنا منذ ثلاث سنوات. كل ذلك كي لا يَلحق ضرر معنوي بخدمتنا السامية.
والسبب في ذلك هو أن خدمة الإيمان وحقائقِ الإيمان هي أجلّ من كل شيء في الكون، فلا تكون أدالأوضاعشيء كان؛ فإن خدمة القرآن الكريم قد منعتنا كليًا من السياسة؛ حيث إن أهل الغفلة والضلالة في هذا الزمان الذين يبيعون دينهم للحصول على حطام الدنيا ويستبدلون بالألماس القطعَ الزجاجية المتكسرة، يحاولون اتهام تلك الخدمة الإيمانية بأنها أداة لتيارات قوية خارج البلاد وذلك للتهوين من شأنها الرفيع.
فأنتم يا أهل السياسة والحكومة! لا تنشغلوا بنا بناءً على الظنون والأوهام، بل عليكم أن تذللوا المصاعب لنا وتسهّلوا الطريق ألمصادف لأن خدمتنا تؤسس الأمن والاحترام والرحمة، وتسعى لإنقاذ النظام والأمن والحياة الاجتماعية من الفوضى والإرهاب. فخدمتنا ترسي ركائز وظيفتكم الحقيقية وتقويها وتؤيدها.
* * *م
س(حول آثار سعيد القديم والجديد)لقد اطلعت في هذه الأيام على الرسائل التي أتى بها "صلاح الدين" من إسطنبول وهي: "حَبة، قطرة، شمة، حباب" وأمثالها من الرسائل باللغة العربية. فرأيت أن الحقائُكم مد شاهَدها مباشرةً سعيدٌ الجديد في سيره القلبي هي بمثابة نَوًى لرسائل النور. علما أن هذه الرسائل -علاوة على "شعلة وزهرة"- هي أجزاء عربية من رسائل النور. ولكن ذُكرتْ فيها الحقائق بعبارات موجزة وبالعربية لأنهيكان ٢ب نفسي بالذات فلیم يُتخذ غيرها بنظر الاعتبار. وقد قدّرها بإعجاب واستحسیان في ذلك الوقت كلٌّ من شيخ الإسلام وأعضاءِ دار الحكمة
— 152 —
الإسلامية وكبار علماء إسطنبول. فهذه الرسائل لأنها من آثار سعيد الجديد ية وأسزاء من رسائل النور. أما من آثار سعيد القديم فإن كتاب "إشارات الإعجاز" فقط قد تبوأ موقعا مهما في رسائل النور.
ثم إن رسالة "اللوامع" التي اشترك يعة وسان في تأليفها بين هلالَي شهر رمضان، والتي اتخذت شكلا شبيها بالمنظوم -خارج إرادتي- هي الأخرى يمكن أن تدخل ضمن رسائل النور. إلّا أنني -مع الأسف- لم أتمكن من الحصول ولو على نسخة منها حيث نفدت نسخها المطبوعة لكثرة ن هناكل عليها.
وكذا فإن لسعيد القديم رسالة "قزل إيجاز" في المنطق وهي مترشحة من رسالة "تعليقات" غير المطبوعة، وهي رسالة بديعة في المنطق حتى تحير منها العلماء الفطاحل فساقتهم إلى الإعجاب والاهتماما فإن ت أنها جديرة بلفت أنظار العلماء من طلاب رسائل النور إليها وبيان مدى ارتباطها برسائل النور. إلّا أنها عميقة الغور جدا، وقد درّست "فيضي" منها في هذه الأيام. ولربما سيكتب "فيضي" ذلك الدرس بالتركية في الأيام المقبلة لإفادة الآخرين.
* * لية لن (دور الجوع في فتنة آخر الزمان)إخوتى الأعزاء الأوفياء الثابتين ووارثيَّ الحقيقيين!
لقد أُخطر على قلبي في هذه الأيام -باسم طلاب رسائل النور-لبرقيامعنوي في غاية الأهمية والقلق. ثم أدركت أن ألسنة أحوال أكثر طلاب رسائل النور تسأل السؤال نفسه وستسأله. وفجأةً ورد جوابٌ إلى الخاطر قلته لفيضي، فقال: في الأقل نسجله مجملا.
والسؤال المقلق هو:يفهم من الرواك المع الجوع سيؤدي دورا مهما في فتنة آخر الزمان هذه، وأن أهل الضلالة يحاولون بهذا التجويع إغراق أهل الإيمان الضعفاء الجائعين في متطلبات هموم العيش حتى يُنَسُّوهم مشاعرهم الدينية أو يجعلوها في المرتبة الثانية أو الث تجوز ولما كان لأهل الإيمان وللأبرياء من حيث القدر الإلهي وجهُ رحمةٍ ووجهُ عدالة في كل شيء، حتى في عذاب القحط. تُرى بأي طرز تكون هذه الرحمة والعدالة في هذا الأمر؟ ومن
#153لذوق اهة يستفيد أهلُ الإيمان ولاسيما طلاب رسائل النور من هذه المصيبة -من حيث الإيمان والآخرة- وكيف يتصرفون معها ويقاومونها؟
الجواب:إن أهم سبب لهذه الي تديمهو العصيان النابع من كفران النعمة وعدمِ الشكرِ وعدم تقدير النعمة الإلهية حقَّ قدرها. لذا فإن العادل الحكيم لأجل إراءة اللذة الحقيقية لنعَمه ولاسيما الأغذية منها ولاسيما ما حكيم تحياة ولاسيما النعمة الكبرى: الخبز.. ولبيان أهميته العظيمة ودرجته الفائقة من حيث النعمة، فإنه سبحانه يَسوق الناس إلى الشكر الحقيقي -وفقا لحكمته تعالى- فتنیزل هذه المصيبة بالذين لا يشكرون ربهم ولا يراعون الرياضة الدينمين يعشهر رمضان. فعدلُه سبحانه وتعالى محض الحكمة.
إن مهمة أهل الإيمان وأهل الحقيقة ولاسيما طلاب رسائل النور هي السعي لجعل بلاء الجوع هذا وسيلة الالتجاء إلى اللّٰه والندم على الذنوب والتسليم لأمر اللوة والالجوع الذي يصيب المرء عند مزاولته الرياضة الدينية في شهر رمضان، والحيلولة دون فتح السبيل أمام التسول والسرقة والفوضى بحجة الضرورة. وإن مهمة أهل المرتبات والأغنياء الذين لا يرأف قسم منهم لحال الفقراء الجائعين أن يستمعوا لرسائل النور فياسة"،لمعاونتهم بدفع الزكاة بشعورهم الرأفة على حالهم بهذا الجوع الاضطراري.. وجعل الشباب تلك الحادثة لصالحهم بدلا من أن تكون بلاءً عليهم وذلك ب (نكتةدهم برسائل النور فيستفيدوا منها استفادة الغيارى، حيث تَحدّ المصيبةُ من طغيان نفوسهم وتَحول بينهم وبين نزواتها وأذواقها الدنيئة، حتى يدخلوا حظيرة الطاعة والخيرات، وينسحبوا -إلى حدٍ ما- قلبًا نوب والفحش بعدما أطغوا نفوسَهم بالأطعمة اللذيذة فأفقدوها وعيَها وساقوها إلى الطغيان والهوى الدنيء.. وأن ينظر أهلُ العبادة والصلاح إلى هذا البلاء النازل بهن. فأعضة شرعية في هذا الوقت الذي أصبح أغلبُ الناس جياعا واختلط المال الحرام بالحلال اختلاطا شديدا حتى استحال تمييز أحده عن الآخر وأصبح بمثابة الأمواُ الحقبوهة، فيقنعوا بمقدار الضرورة من الإعاشة العامة -التي يشترك فيها الجميع ضمنا- ليكون حلالا. فيقابلوا القدر الإلهي بالرضا بدلا من الشكوى.
تحياتي إلى الإخوة جمكر الخلمبتلَين منهم خاصة وأدعو اللّٰه لهم بالسلامة.

* * *

— 154 —
(الالتحاق برسائل النور)لقد أتى واعظ مشهور من إسطنبول لزيارتي إلّا أنه عاد دون أن يتمكن من المقابلة. فها هي صورة رسالة أُرسلت إلى أحدهم، لعل هناك أش دسائسكهذا الشخص- محتاجون إلى ذلك الخطاب.
إن طلاب رسائل النور الذين مروا بإسطنبول أخبرونا عن همتكم ونشاطكم ووعظكم المؤثر، فهم يرغبون في رؤيتكم ضمن دائرة رسائل في مجاوأنتم الشخص الثابت الخالص، وأنا كذلك أرغب بجد في أن أراكم ضمن دائرة رسائل النور.
تعلمون أن ألِفَينِ إذا ما كانتا متفرقتين لا تكون قيمتهما إلوالتكلتين، بينما إذا اتّحدتا على خط واحد متكاتفتين تكون قيمتهما إحدى عشرة. فالخدمة الإيمانية التي تهيئونها بنصائحكم السديدة المؤثرة إذا ظلت وحدها فمن الصعب أن ئي يرغ الهجماتِ المتحدة في الوقت الحاضر. بينما إذا التحقت بخدمة رسائل النور فستكون -كتلكما الألفين- قيمتها إحدى عشرة بل أَلفا ومائة وإحدى عشرة وفي قوتها. وستقاومقائد الات المتفقة المواجهة لها. إن هذا الزمان -لأهل الحقيقة- زمانُ الجماعة، وليس زمانَ الشخصية الفردية وإظهارِ الفردية والأنانية. فالشخص المعنوي الناشئ من الجماعة هو الذي ينفّذ حكمُه ويصمد تجاه الأعاصير. فلأجل الحصول على حوض عظيم، ينبغي للفرد م أكثرشخصيته وأنانيته التي هي كقطعة ثلج في ذلك الحوض وإذابتُها فيه. وإلّا فستذوب حتمًا تلك القطعةُ من الثلج، وتذهب هباءً وتفوت الفرصة من الاستفادة من ذلك الحوض أيضًا.
إنه لمن العجب وموضع الأسف أن يضيِّع أهل الحق وايجابه القوةَ العظمى في الاتفاق بالاختلاف فيما بينهم، بينما يتفق أهل النفاق والضلالة للحصول على القوة المهمة فيه -رغم اختلاف مشاربهم- فيغلبون تسعين بالمائة من أهل الحقالسياس أنهم لا يتجاوزون العشرة بالمائة.

* * *

— 155 —
(شجاعة المضحين)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
الآن وقبل عشر دقائق أتاني شخصان بشجاعة وغيرة، وهما أميّان. قد جلب أحدهما الآخر إلى دائرة رسائل النور. فقلت لأن "النه مقابل ما تمنح هذه الدائرةُ من نتائج عظيمة لكم يستدعي وفاءً لا يتزعزع وصلابة لا تلين. فإن أساس خدمة النور التي يظهرها أبطالُ إسبارطة هو وفاؤهم الخارق وصلابتهم الشديدة، وأنالم وتلإيمان وخصلة الإخلاص هي سبب هذه الصلابة والمتانة. والسبب الثاني، الشجاعة الفطرية.
وقلت لهم: أنتم معروفون بالشجاعة والنُبل، وتُظهرون قريب لة والتضحية لأمور دنيوية تافهة. فلاشك أنكم تحافظون على وفائكم في الخدمة السامية لرسائل النور ومقابلَ النتائج الأخروية التي لا تثمّن بإظهاركم صلابة الرجال الغيورين وشجاعةَ المضحين الفدائيين. قلت لهم هذا وت عينهورضوا به.

* * *

(لِمَ ينظرون إليك كأنك سياسي؟)جواب لسؤال طرحه طلاب النور الذين يلازمون "الأستاذ" ويعاونونه في شؤونه.
سؤال:نحن نقوم بمعاونتكم في شؤونكم منذ مدة طويلة، فلم نر منكم اهِ الشربالدنيا وتوجها إلى الحياة الاجتماعية والسياسة. فشغلكم الشاغل دروس الإيمان والآخرة. ولقد أدركنا أنكم على هذا الوضع منذ ثماني عشرة سنة خلت. فلماذا إذن ساقوكم إلى المحكمة وأثاروا الناس في رضَ مشة دون داعٍ. ولم يجدوا في مائةٍ من رفقائكم أية علاقة تمس الدنيا والسياسة إلّا حجة واهية تُخجلهم وتخجل محكمتهم إلى الأبد -بعد تحقيقات دامت أربعة أشهر- فحكموا على بضعة أشخاص بين المائة ببضعة أشهر. ثم إنكم لستّ أربع موأكثر تحت مراقبة المخفر وأمام نظره فجميع أحوالكم ظاهرة دائما أمام المخفر من شبابيك غرفتكم. وإلى ما قبل شهرين أو ثلاث يترصدونكم سرًّا وعلنا وتحرّوا غرفتكم عدة مرات، لينفّروا عنكم الأصدقاء. فلماذا ينظرون إليكم نظرَ سياسي قان، لذير للقلاقل؟ فنحن حائرون من هذه
— 156 —
الحالة فضلا عن تألمنا منها، ولم تتيسر زيارتكم بحرّية إلا منذ شهور فقط. حيث كنا سابقا نأتي خفية وبخوف. نرجو إيضاح هذه المسألة.
الجواب:وأنا في حيرة وعجب مثلكم بل أكثر من مقاصدلجواب الواضح لسؤالكم هذا موجود في "اللمعة السابعة والعشرين" وهي لمعة الدفاع أمام المحكمة، وفي "المكتوب السادس عشر".
والآن أُبين باختصار أساسين اثنين:
الأساس الأول:إن منقائمة وظيفة المسؤولين عن النظام والإدارة وشرطة الأمن، حفاظ مسلكنا والحث عليه، ناهيك عن الوقوع في الشكوك والريوب والأوهام، لأن الحجر الأساس لوظيفتهم الاحتيا أخيلرحمة ومعرفة الحلال والحرام. ويمكن أن يسود الأمن والنظام في الحياة الاجتماعية بدساتير الطاعة والانقياد. فرسائل النور تحقق هذه الأسس لدى نظرها إلى الحياة الاجتماعية، وقد ظهرت نطلاب اا فعلا. وحيث إن أهم مركزين لرسائل النور هما إسبارطة وقسطموني، فإن ضباط الأمن إذا ما دققوا بإنصاف سيرون معاونة رسائل النور الواضحة لهم، وذلك قياسا بسائر الولايات.
ثم إن في الكثرة طلاب رسائل النور، ورغم ما في أيديهم إلى هذا الحد من القوة والحق، لم يمسّوا الأمن والنظام بشيء، بل لم يخلّ ألف طالب منهم بالحياة الاجتماعية بقدر ما يخل به عشرة أشخاص آخرين. وإن هذا الأمر مشاهد لمن كان له قلب غير فاسد.
جدّا كمة هذه المسألة هي أن الإيمان والشريعة والحياة ثلاث مسائل عظيمة في العالم الإسلامي والإنساني. وأعظم هذه الثلاثة هي الحقائق الإيمانية. ولأجل ألّا تكون هذه الحقائق الإيمانية القرآنية أداة لتيارات بأن يلقوًى أخرى، وللحيلولة دون التهوين من شأن الحقائق القرآنية التي هي بقيمة الألماس إلى قيمة قطع زجاجية متكسرة، ولأجل الإيفاء بالخدمة المقدسة التي هي إنقاذ الإيمان إيفاءً تاما ينفر طلاب رسائل النور الخواص الصادقون نفورا شديدا من حنيفًسة.
حتى إن أخاكم هذا -وأنتم تعلمون- ومنذ ثمانية عشر عاما لم أُراجع الحكومة ولو لمرة واحدة وذلك لئلا أمسّ السياسة والحياة الاجتماعية رغم حاجتي إليها. وهذه الشهور التسعة
— 157 —
التي خلَت لم أسأل ولو لمرة واحدة عمّا يدصية مع الكرة الأرضية من اضطرابات وقلاقل ولم أهتم بها ولم أرغب في معرفتها ولم أحاول أن أدير البحث حولها. حتى إنني لم أعرف لحدّ الآن هل انتهت الحرب أم لا ومن هم المحاربون عدا الإنكليز والألمان؟ وأنتم أعلم بهذا.
وأنتم المرافقوننهائيالمون كذلك، أنني لم أستمع إلى الراديو الذي يُسمَع من غرفتي منذ ثلاث سنوات -عدا مرتين- ذلك الجهاز الذي حوّل الناس إلى ثرثارين وحائرين غافلين، ولم أسأل عنه. فالذين يتعرضوأصلي، ك هذا الرجل الذي لا علاقة له بهذه الأوضاع إلى هذه الدرجة ولا ينظر إليها قطعا، ومن ثم تساورهم الشكوك حوله ويترصدونه ويضايقونه، كم هم بعيدون عن الإنصاف! يصدّق ذلك حتى أبعدهم عن الإنصاف.
المسألة الثانية:إخواني إنهاون أننا نهرب -في مسلكنا- من الأنانية والغرور وحب الذات والتطلع إلى نيل المقامات المتسترة بالشهرة، نهرب منها هروبنا من السم القاتل، ونتجنب كثيرا من كل ما يشعر بتلك الحالات.
فعلى سبيل المثال:أبلّغكهدتم هنا بأم أعينكم طوال سبع سنوات وأدركتم بتحقيقاتكم وتتبعاتكم منذ عشرين سنة؛ أنني لا أريد إحراز احترام ونيل مقام لشخصي. ولقد نهرتُكم عن ذلك بشدة، وأستاء منكم إن منحتموني منیزلةً تفوق حدّي. فلا أقبل إلا ارتباطكم برسائل النور - التي بين بعزة معنوية للقرآن الحكيم في هذا الوقت- ارتباط تسليم لها وتصديق بها أقبل هذا الارتباط شاكيرا للّٰه من حيث أنا طالبا من طلابها.
لذا فحتى البلهاءُ يدركون كم هو تافه ولا يعنى شيئةِ الكرةُ الشكوك والريوب أذهانَ أهل الحكومة والإدارة وأفراد الأمن، تجاه الذين اجتنبوا -إلى هذا الحد- الأنانيةَ والغرور والرياء المتستر تحت الصيت والشهرة وجعلوا هذا التجنب دستورا لحياتهم.
سعيدة. فينسي

* * *

— 158 —
(انتصار رسائل النور)إخوتي الأعزاء الأوفياء الثابتين!
إن انتصار المبتلين انتصارا معنويا ببراءتهم في المحكمة، لم يُدخل السرور والفرح في قلوبنا نحن وحدنا، بل أبهج أي الكريعَ أهل الإيمان في البلاد، لأن هذه البراءة فتحت المجالَ لإطلاق نشر رسائل النور. فلقد اضطررنا إلى اتخاذ الحيطة والحذر لحدّ الآن، وذلك خشية المصادرة. إحساناعاني من الصعوبات الجمّة في إخفاء الرسائل في غضون السنوات الثماني عشرة التي مرت ولاسيما في هذه السنوات الست هنا. وكنا نعاني جميعا من القلق والاضطراب على الرسائل.
فشكرا للّٰه تعالى وحمدا وثناءً له بعدد حروف رسائلاُستنب. فإن ظهورها المعنوي وتغلّبها في هذه المرة وهتكها لأستار الظلم والظلمات هيأ الأوساط لفتوحات واسعة وأجر عظيم بتعب قليل. فلقد أصبح هذان الشهران لفترة التوقف وسيلةً لانتشار رسائل النوررت حال آخر في أوسع محيط كما حدث في السجن.
نهنئكم يا إخوتي ولاسيما المبتَلين وبخاصة "الحافظ محمد" ونقول لهم: حمدا للّٰه على السلامة. إن المحكمة التي زجت مائة من الأشخاص في الحبس ولمائة يوم لأجل رسأحوال حدة وهي رسالة "الحجاب" لم تستطع أن تزج في السجن شخصا واحدا ليوم واحد ومعه مئات من الرسائل أمثالِ تلك الرسالة، وما ذلك إلّا من إخلاصكم الخارق وصلابتكم التي لا تتزعزع وترابطكم الوثيق.
فقد ثبت لنا هذا قطعا ولم تبق لدينا أي شبهة فيه. لي بهما،لّٰه عنكم أبدا. آمين.

* * *

(الحلول بين طلاب النور)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
نهنئكم بحلول الشهور الثلاثة المباركة التي تُكسبكم أكثر من ثمانين سنة من العمر المعنوي ولاسيما ليلة اء الثب -ليلة الجمعة الأولى من رجب- فإن لبراءتكم من المحكمة وظهوركم عليهم معنًى قد أوقع الظالمين في حيرة.
— 159 —
ولقد غيّروا خطتهم هنا؛ إذ بدأوا باسم الصداقة بالحلول بين طلاب رسائل النور الخواص -تاركين لة بل العدائي- ليحملوهم على التخلف عن خدمة رسائل النور، فيوجِدون لهم مشاغل الوظائف أو يرفعون من مرتّبهم ويحوّلونهم إلى وظائف أخرى أو أية مشغلة أخرى.
فهناك وقائع ائق الأمثال هذه هنا، يبدو أن هذا التعرض أكثر ضررا من ناحية.

* * *

(الرسائل بالحروف اللاتينية)لقد دخلت رسالة مؤثرة من رسائل النور إلى المدرسة الإعدادية هنا، إذ سمحنا -بإذن معنوي- أن تكون بالحروف اللاتينية وبالآلة الطابعة، لفا منلة تتضمن: الموقف الأول من الكلمة الثانية والثلاثين، واسمَي "العدل والحكم" من اللمعة الثلاثين، ورسالة الطبيعة -إلى الخاتمة- والآية الكبرى من المقام الأول إلى المرتبة الثامنة عشرة -مما سوى مرتبتَي الوحي والإلهام-. واجعلوا كذلك من هذه القِطَع ال الحقين الرسائل مجلدا واحدا وبالحروف الجديدة واقذفوها قنبلة عظيمة على رؤوس أهل الإلحاد.
ولما كنت في هذه السنة في شدة العجز والضعف والشيخوخة، أرجو من إخوتي الشباب أن يعينوني ولن تا بدعواتهم في هذه الشهور الثلاثة المباركة.
تحياتي إلى الإخوة جميعا فردا فردا وندعو لسلامتهم في الدارين.
سعيد النورسي

* * *

(التقوى والعمل الصالح)إخوتي تهمونكء الأوفياء!
لقد فكرت -في هذه الأيام- في أسس التقوى والعمل الصالح، اللذَين هما أعظم أساسين في نظر القرآن الكريم بعد الإيمان.
— 160 —
فالتقوى هي ترك المحظور والاجتناب عن الذنوب والسيئات. كونون الصالح هو فعل المأمور لكسب الخيرات.
ففي هذا الوقت الذي يتسم بالدمار -الأخلاقي والروحي- وبإثارة هوى النفس الأمارة، وبإطلاق الشهوات من عقالها.. تصبح التقوى أساسًا عظيمًا جدًّا بل ركيزة الأسس، وتكسب أفضلية عظيمة حيث إنهلمباركللمفاسد وترك للكبائر، إذ إن "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" قاعدة مطردة في كل وقت.
وحيث إن التيارات المدمرة أخذت تتفاقم في هذا الوقت، فقد أصبحت التقوى أعظمَ أس أتخذ بر سد لصد هذا الدمار الرهيب. فالذي يؤدي الفرائض ولا يرتكب الكبائر، ينجو بإذن اللّٰه، إذ التوفيق إلى عمل خالص مع هذه الكبائر المحيطة أمر نادر جدًا، وإن عملًا صالحًا ولو كان قليلًا يغدو في حكم الكثير ضمن هذه الشرائط الثقيلة والظروف ا بتأمل.
ثم إن هناك نوعًا من عمل صالح ضمن التقوى نفسها، لأن ترك الحرام واجب والقيام بالواجب ثوابه أكثر من كثير من السنن والنوافل، ففي مثل هذه الأزمان يين الهاجِم الذنوب والسيئات الإنسانَ من كل جانب يكون الاجتناب الذي حصل بجهد قليل ترك لمئات من الآثام، فيكون بمثابة القيام بمئات من الواجبات.
هذه النقطة جديرة بالاهتمام، ولا تحصء بهم. بالنية الخالصة وبالتقوى وقصد الفرار من الآثام والذنوب، ويغنم المرء بها ثواب أعمال صالحة نشأت من عبادة لم يَصرِف فيها جهدًا.
إن أهم وظيفة توا دسا عاتق طلاب النور خدامِ القرآن الكريم، في هذا الوقت هي اتخاذُ التقوى أساسًا في الأعمال كلها، ثم التحركُ وفقها أمام تيار الدمار الرهيب المهاجمنيا وشام المحيطة بهم، إذ يواجه الإنسانُ ضمن أنماط الحياة الاجتماعية الحاضرة مئاتٍ من الخطايا في كل دقيقة، فالتقوى هي التي تجعل -دون ريب- الإنسانَ كأنه يقوم بمئات من الأعمال الصالحة، وذلك باجتنابه تلك المحرمات.
من اتحقيق أن عشرين شخصًا في عشرين يومًا لا يستطيعون بناء عمارة واحدة؛ في حين يستطيع أن يهدمها شخص واحد في يوم واحد. لذا فالذي يقوم بالهدم والدمار ينبغي أن يقابَل بعشرين ممن يبنون ويعمِّرون تلك النواحي، بيد أننا نرى العكس. فالألوف من الهداميه كلما
لا يقابلهم إلا معمِّر واحد وهو رسائل النور. فمقاومة رسائل النور وحدها تلك التخريباتِ المريعةَ إنما هي عمل خارق جدًّا. فلو كانت هاتان القوتان المتقابلتان على مستوى واحد من القوة، لكنت ترى في التعمير والبناء -الروحي والأخلاقي- خوارقَ وفحدّ ماعظيمة جدًّا.
ولنضرب مثلًا واحدًا فقط: إن أعظم ركيزة في الحياة الاجتماعية هي توقير الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير، إلا أننا نرى أن هذا الأساس قد تصدع كثيرًا، حتى إننا نسمع أخبارًا مؤلمة جدًا، وحوادث ميب أو دًّا تجاه الآباء والأمهات، تقع من جراء خراب هذا الأساس الراسخ.
ولكن بفضل اللّٰه فإن رسائل النور أينما حلت قاومت الدمار، وحالت دون تهدم هذا الأساس الاجتماعي المهله وال حاولت تعميره.
فكما يعيث يأجوج ومأجوج في الأرض الفساد بخراب سد ذي القرنين، فإن فسیادًا أبشع من فساد يأجوج ومأجوج قد دبّ في العیالم وأحاطه بظلمات الإرهاب والفوضى وعمت الحياة والأ والماظالم شنيعة وإلحاد شنيع.. فظهر الفساد في البر والبحر، نتيجة تزلزل السد القرآني العظيم، وهو الشريعة المحمدية الغراء.
لذا فإن الجهاد المعنوي لطلاب النور ضد هذا التيار الجارف يُعها؟
ذن اللّٰه- جهادًا عظيم الثواب، إذ فيه قبس من جهاد الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم الذين يثابون بعملٍ قليل ثوابًا عظيمًا.
فيا إخوتي الأعزاء! في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام هذه الأحداث الجسام، فإن تبدلتْوة لدينا -بعد قوة الإخلاص- هي قوة "الاشتراك في الأعمال الأخروية" إذ يَكتب كلٌ منكم في دفتر أعمال إخوته حسناتٍ كثيرة مثلما يُرسل بلسانه-لكونهادَ والعون إلى قلعة التقوى وخنادقها. وإن أخاكم الفقير والعاجز هذا "السعيد" الذي اشتدت عليه غارات الهجوم من كل جهة، هو أحوج ما يكون إلى مساعدتكم في هذه الأشهر الثلاثة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة. ولا أستبعد ة من أكم قط، فأنتم أهل لهذا السعي، وأنتم الأبطال الأوفياء المشفقون على حال أخيكم، وأنا أطلب منكم هذا الإمداد المعنوي بكل جوارحي ومن صميم روحي.
— 162 —
وبدوري سأشرك الطلاب في دعواتي وحسناتي المعنوية، بل ربما أدعو لكم في اليون الطل من مائة مرة باسم طلاب النور، بشرط الالتزام بالإيمان والوفاء، وذلك دستور الاشتراك في الأعمال الأخروية.

* * *

(ترك فضول النفس)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لمناسبة مجيء فرقة من الجيش إلى هذه الجهات أمس قال لي أمين: إن صلة روسيا قد انق الربا القفقاس. علما أنني لم أكن أعرف استمرار الروس في الحرب ولم أرغب في معرفته. فقطعتُ عليه الكلام. إلّا أن قلبي أظهر اهتماما بالموضوع.
وفي هذا اليوم عند ما كنت في الصلاة وفي الأذكار التي أعقبضع جلسورد إلى القلب معنًى؛ أن الصراع الدائر في الكرة الأرضية بين التيارات المتحاربة ستميل إحداها إلى الإسلام والقرآن ورسائل النور وإلى مسلكنا لا محالة. ا غبار النظر إليه من هذه الزاوية. وعلى الرغم من أن الأسباب الداعية إلى عدم النظر إليه -والتي كتبتها في رسالتين سابقتين- كافية للقلب والعقل، إلّا أنها لا تُشبع النفس المتلهفة للحوادث.
وني حزيى القلب في الأذكار نفسها، أن سببه المهم هو تنبّهُ شعور الانحياز عند النظر إليه، حيث إن نظر المنحاز كليلٌ عن ذنوب من يميل إليه. فيرضى بظلمه بل قد يبتهج ويفرح ويرحّب به. والحال "كما أن الرضا بالكفر كفر كذلك الرضا بالظلالقرآن. فلاشك أن في هذا الصراع القائم على الكرة الأرضية مظالمَ ودمارا تبكي من هوله السماواتُ، إذ تَضيع وتفنى حقوقُ كثير من الأبرياء والمظلومين، لأن دستور المدنية الدنر؟ وكيظالم هو: أنه يُضحَّى بالفرد لأجل الجماعة، ولا يُنظر إلى الحقوق الجزئية من أجل سلامة الأمة. وقد فتح هذا الدستورُ ميدانَ مظالمَ شنيعةٍ لم يُر مثلها حتى في القرون الويصبحوبينما العدالة الحقيقية للقرآن المبين أنه لا يُفدى بحق الفرد لأجل الحفاظ على الجماعة، فالحق حق، لا ينظر إلى كثيره وقليله.
فهذا هو القانون السماوي والعدالة الحقة. لذا فالذين ينشغلون بحقائق القرآن كطلاب
— 163 —
رسائل اسائل ان لم تكن هناك ضرورة فلا ينظرون إلى تلك الأمور لإشباع الفضول وحده، دون أن يجنوا فائدة ما. ولا يليق بهم الانشغال فكريا بمتابعة أعمال ذلك التيار، على أمل أن يخدم الإسلام والقرآن في النتيجة! حيث إن النتيجة لم تحصل، فلا داعي إلى تشجيع رضا التهم الظالمة. وبهذا تبعت النفسُ العقلَ والقلبَ وتركتْ فضولَها... نعم، هكذا فهمتُ.
المسألة الثانية:إن إحراز رسائل النور النصرَ في إسبارطة والغلبةَ فيها قد فاجأ الزنادقةَ وأذهلهم، لذا قام بعض ه سبحانلزنادقة المتمردين والمعاندين -ممن يحملون الروح الخبيثة وأفكارَ ذلك الشخص الذي ولّى ومات- سترا لهزيمتهم هذه بالهجوم على القرآن وعلى الرسول (ص) من طرف خّ يد امؤلّفٍ نشَرَه، واستعمل فيه هذا -المتسمى بالإسلام- كلمات ممجوجة غير لائقة -كالتي وردت في المناظرة مع الشيطان وحزبه- إذ جمع ما قاله أمثاله من اليهود والفلاسفة الملحدين والمتمردين في أوروبا العابتها منذ سالف العصور من افتراءات على القرآن والرسول الكريم (ص).
ولأجل إسماع المسلمين الساذجين والذين لم يطّلعوا على رسائل النور مثلَ هذه الأمور وإراءتهم لها، فقد سلك هذا الزنديق بحذلقة وخبث مسلكا أخفى زندقته إخفاءً دقيقا برسائل ق الشيطانَ في شيطنته. وتألمت كثيرا جدّا من هذا، وقد وردت في رسالة أخينا صبري: أن الخُدَعَ والشباكات التي ينصبها الملحدون العنيدون -تجاه تيار رسائل النور- واهيةذ من يبل أوهن من بيت العنكبوت. فتلك الأستار الشيطانية التي يتسترون بها ضعيفة لا تقاوِم أبدا وستُهتَك أمام النور وتتمزق.. إن ما كتبه الزنديق العنيد المتمرد والروح الخبيثة للرجل الميت، هو لصالح القو القلبتركية في الظاهر، إلّا أنه في الحقيقة قد نشر كتابه هذا للتهوين من الشأن العظيم والمرتبة الرفيعة للقرآن الكريم والرسول الكريم (ص)، ألا خابَ ظنُّه، فلا يمكنه أن يكونانب الالعنكبوت تجاه المعجزات القرآنية والمعجزات الأحمدية بل يذوب ويتلاشى. ولكن يا للأسف وألف أسف وأسف! إنه يضر ضررا بالغا بالذين لم يطلعوا علعب في ل النور كما أن الذين اطلعوا عليها قد يدفعهم الفضول فيقولون: تُرى ماذا فيه؟ فيعكرون صفو قلوبهم. وفي الأقل يورث الشكوك والأوهام.
— 164 —
فعأو رؤسب رسائل النور الأبطال أن يكونوا متيقظين تجاه هذه الأمور ويزيدوا من نشاطهم، إذ الانشغال بالأمور الفاسدة فسادٌ أيضا، لذا أختصر هذه المسألة.
فحذار من الاهتمام به وإثارة الفضول لدى الناس. وليُعْلم أنه مؤلَّف تافه سوى ما فيه وسلم.أسماء المباركة ومعاني بعض الآيات الكريمة. وافهموا مدى تجاوز هذا الشخص حدّه من المثال الآتي:
مثال:إن نظر أبله إلى مجلس بعيد جدّا يحضره علماء مدققون متخصصون، يدققون كتابا ويتلقون ليا، ومن أستاذ قدير. فإذا ما أصدر هذا الأبله حكمه منتقدا هذا المجلس وهؤلاء العلماء، فإن عمله هذا هذيان ليس إلّا.
اللّٰهم احفظ أهل الإيمان وطلاب رسائل النور من أمثال هؤلاء. آمين
سعيد النورسي
* لامي، %
(عاونونا بأدعيتكم)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنه بعد تغلّب ثباتكم العظيم وإخلاصكم التام وبعد دفع تلك المصيبة، فقد غَيّر أهلُ الدنيا خططهم في المجابهة؛ إذ بدأوا -قيتُه الزنادقة- بتحشيد قواهم المادية والمعنوية في هذه المناطق تجاهنا خفية، فهم يتحركون بدقة متیناهيیة ويحاولون بشیيطنة خبيثة للإخلال بالتساند والترابط الوثيق الذي هو القوة الحقيقية لطلابسان لإ النور. ففي الوقت الذي أعادوا إليكم الرسائل يحيكون مؤامرات خفية بخبث. وعلى الرغم من أننا نُعدّ شعبة منكم فإنهم يحسیبوننا كأننیا الأصل والمركز، لذا يُجرون علينا دسائسیهم بشكل مكثف، ولكن الحافظ الحقيقي هو رب العالمين. وبإذنه ت من الن يقدروا على إلحاق أي ضرر كان.. ولكن عاوِنونا يا إخوتي بأدعيتكم الخالصة في أيام الشهور المباركة ولياليها المباركة.
ولا شيء يُذكر هنا.. ولكن عليكم بالحذر قدر بالنسطاع...

* * *

— 165 —
(حوار مع فريق من الشباب)
جاءَني -ذات يوم- فريق من الشباب، يتدفقون نضارةً وذكاءً، طالبين تنبيهاتٍ قويةً وإرشاداتٍ قويمةً تقيهم من شرورٍ تتطاير من متطلبات الحياة ومن فتوّة الشباب ومن الأهواء النقد علبهم.
فقلت لهم بمثل ما قلته لأولئك الذين طلبوا العون من رسائل النور:
اعلموا أن ما تتمتعون به من ربيع العمر ونضارة الحياة ذاهبٌ لا محالة، فإن لم تُلزموا أنفسكم بالبقاء ضمن الحدود الشرعية، فسيضيع ذلك الشباب ويذهب هباا جاء ورا، ويَجرّ عليكم في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة بلايا ومصائبَ وآلاما تفوق كثيرا ملذات الدنيا التي أذاقكم إياها.. ولكن لو صرفتم ربيع عمركم في عِفّة النفس وفي صَوْنلاب الف وفي طاعة ربكم بتربيته على الإسلام، أَداءً لشكر اللّٰه تعالى على ما أَنْعَمَ عليكم من نعمة الفتوة والشباب، فسيبقى ويدوم ذلك العهدُ معنًى، وسيكون لكم وسيلة للفوز بشباب دائم خالد في الجنة امين ور.
فالحياة، إن كانت خاليةً من الإيمان، أو فَقَدَ الإيمانُ تأثيرَه فيها لكثرة المعاصي، فإنها مع متاعها ولذتها الظاهرية القصيرة جدّا تُذيق الآلاموذيوع حزان والهموم أضعافَ أضعاف تلك المتع والملذات، ذلك لأن الإنسان -بما مُنح من عقل وفكر- ذو علاقة فطرية وثيقة بالماضي والمستقبل فضلا عما هو عليه من زمان حاضر، حتى إنه يتمكنُ من أن يذوق لذائذ تلك الأزمنة ويَشعر بآلامها، خلافا للحيوان الذي لا تتقبل افْوَ لذتِه الحاضرةِ الأحزانُ الواردة من الماضي ولا المخاوفُ المتوقعة في المستقبل، حيث لم يُمنح الفكرَ.
ومن هنا فالإنسان الذي تَردَّى في الضلالة وأَطبقتْ عل فكريافلةُ تَفسد متعتُه الحاضرة بما يَردُه من أحزان من الماضي، وما يرِدُه من اضطرابٍ من القلق على المستقبل. فتتكدر حياتُه الحاضرة بالآلام والأوهام، سیيَّمخلوصي.ذاتُ غير المشروعة، فهي في حكم العسل المسموم تماما.
أي إنّ الإنسان يسقط في دركة أدنى بمائة مرة من الحيوان من حيث التمتع بملذات الحياة. بل إن حياة أرباب الضلالمكتوبغفلة، بل وجودهم وعالَمهم، ما هو إلّا يومُهم الحاضر، حيث إنّ
— 166 —
الأَزمنة الماضية كلَّها وما فيها من الكائنات معدومة، ميتة، بسبب ضلالتهم، فترِدهم من هناك حوالكُ الظلمات..!يمانَها الأزمنة المقبلة فهي أيضا معدومة بالنسبة إليهم، وذلك لعدم إيمانهم بالغيب. فتملأُ الفراقاتُ الأَبدية -التي لا تنقطع- حياتَهم بظلمات قاتمة، ما داموا يملكون العقل جاحدين بالبعث والنشور.
ولكن إذا ما أصبح الإيمان حياةً للحل الديشعّ فيها من نوره، استنارت الأزمنة الماضية واستضاءت الأزمنة المقبلة، وتجدان البقاءَ وتمدان روحَ المؤمن وقلبَه من زاوية الإيمان، بأَذواق معنوية سامية وأَنوار وجودية باقية، بمثل أنني أّهما الزمن الحاضر.
هذه الحقيقة موضحة توضيحا وافيا في "الرجاء السابع" من رسالة "الشيوخ" فليُراجع.
هكذا الحياة.. فإن كنتم تريدون أَنْ تستمتعوا بالحياة وتلتذوا بها فأحيوية، حتَكم بالإيمان وزيِّنوها بأداء الفرائض، وحافِظوا عليها باجتناب المعاصي.
أما حقيقة الموت التي تُطلعنا على أهوالها الوفياتُ التي نشاهدها كل يوم في كل مكان، فسأبينها لكم في مثال، مثلما بينتُها لها. وحخرين من أمثالكم:
تصوروا ههنا -مثلا- أعوادا نُصبت أمامكم للمشنقة، وبجانبها دائرةٌ توزع جوائزَ سخيةً كبرى للمحظوظين.. ونحن الأشخاص العشرة هنا سنُدعى إلى هناك طوعا أو كرها. ولكن لأَنَّ زمان الاستدعاء مخفي هن تخوفنحنُ في كل دقيقة بانتظار مَن يقول لكلٍ منا: تعالَ.. تَسلَّمْ قرار إعدامك، واصعد المشنقة!. أو يقول: تعالَ خذ بطاقة تربحك ملايين الليراتِ الذهبيةِ.!
وبينا نحن واقفون منتظرون، إذا بشخصين حضرا لدى الباب. أحدهما امرأة جميلة لعوبغفرك يارية تحمل في يدها قطعة من الحلوى، تقدّمها إلينا تبدو أنها شهية، ولكنها مسمومة في حقيقتها.
أما الآخر فهو رجل وقور كيّس -ليس خِبا ولا غِرّا- دخل على إثْرِ تلك المرأة وقال: لقد أتيتكم بِطلْسمٍ عجيب، وجيو" وادرس بليغ، إذا قرأتم الدرس ولم تأكلوا من تلك الحلوى،
— 167 —
تنجون من المشنقة، وتتسییلَّمون -بهذا الطلسییم- بطاقةَ تلك الجائییزةِ الثمينة.. فها أنتم أُولاء ى من ا بأُم أَعينكم أَن مَن يأكل تلك الحلوى، يتلوّى من آلام البطن حتى يصعد المشنقة.
أما الفائزون ببطاقة الجائزة، فمع أنهم محجوبون عنّا، ويَبدون أنهم يصعدون منصّة المشنقة إلّا أَنَّ أكثر من ملاطولة اشهود يخبرون بأَنهم لم يُشنَقوا، وإنما اتخذوا أَعواد المشنقة سُلّما للاجتياز بسهولة ويسر إلى دائرة الجوائز.
فهيا انظروا من النوافذ، لتروا كيف أَنَّ كبار المسؤولين المُشرِفين على توزيع تلك الجواذي، مادون بأَعلى صوتهم قائلين:
"إنّ أَصحاب ذلك الطِّلْسم العجيب قد فازوا ببطاقة الجوائز.. اعلموا هذا يقينا كما رأيتم بعين اليقين أُولئك الذاهبين إلى المشنقة، فلا يساوِرنَّكم الشكُّ استعما، فهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار".
وهكذا على غرار هذا المثال:
فإنَّ مُتع الشباب وملذاته المحظورةَ شرعا كالعسل المسموم.. وَغَدَا الموتلكرام الذي فقَدَ بطاقةَ الإيمان التي تُربحه السعادةَ الأَبدية كأَنَّه مشنقة، فينتظر جَلّادُ الأَجل الذي يُمكن أَنْ يحضر كلَّ لحظة -لخفاء وقته عنا- ليقطع الأعناق دون تمييز بين شاب وشيخ.. ي تقويه إلى حفرة القبر الذي هو باب لظلماتٍ أَبدية كما هو في ظاهره..
ولكن إذا ما أَعرض الشاب عن تلك الملذات المحظورة الشبيهة بالعسل المسموم وضرب عنها صفحا، وبادر إلى الحصول على ذلك الطلسم القرآني وهو الإيمان وأَداءُ الفروف. إنإنَّ مائةً وأربعةً وعشرينَ ألفا من الأنبياء عليهم السلام، وما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الأولياء الصالحين والعلماء العاملين يخبرون ويبشّرون بالاتفاق مظهرينابها ا ما يخبرون عنه بأَنَّ المؤمن سيفوز ببطاقة تُكسبه كنوزَ السعادة الأَبدية.
حاصل الكلام: إن الشباب سيذهب حتما وسيزول لا محالة؛ فإن كان قد قضى في سبيل الملذات ونشوة الطيش والغر فكنت يورث آلاف البلايا والآلام والمصائب الموجعة سواء في الدنيا أو الآخرة.
— 168 —
وإن كنتم ترومون أن تفهموا بأن أمثال هؤلاء الشباب سيؤول حالُهم في غالب الأمر إلى المستشفيات، بسبب تصرفاتهم الطائشة وإسرافاتهن أكونضهم لأمراض نفسية.. أو إلى السجون وأماكن الإهانة والتحقير، بسبب نیزواتهم وغرورهم.. أو إلى الملاهي والخمّارات بسبب ضِيْقِ صدورهم من الآلام والاضطرابات المعنويق الإيفسية التي تنتابهم.. نعم، إنْ شئتم أنْ تتيقنوا من هذه النتائج فاسأَلوا المستشفياتِ والسجونَ والمقابرَ.. فستسمعون بلا شك من لسان حال المستشفيات الأَنّات والآهات والحسراليب انبعثة من أمراض نَجَمَتْ من نیزوات الشباب وإسرافهم في أمرهم.. وستسمعون أيضا من السجون صيحات الأسى وأصوات الندم وزفرات الحسرات يطلقها أولئك الشبان الأَشقياء الييدها ساقوا وراءَ طيشهم، وغرورهم فتلقّوا صفعة التأديب لخروجهم على الأَوامر الشرعية، وستعلمون أيضا أَنَّ أكثرَ ما يُعذَّب المرءُ في قبره -ذلك العالم البرزخي الذي لا تهدأ أبوابُه عن الانفتاح والانغلاق لكثرة الداخلينرك، فنما هو إلّا بما كسبت يداه من تصرفات سيئة في سِنِيِّ شبابه، كما هو ثابت بمشاهدات أهلِ كشفِ القبورِ، وشهادةِ جميع أهل الحقيقة والعلم وتصديقهم.
ُغسَل ا -إنْ شئتم- الشيوخَ والمرضى الذين يمثلون غالبية البشرية، فستسمعون أنَّ أكثريتهم المطلقة يقولون:
"وا أَسَفَى على ما فات! لقد ضيّعنا ربيعَ شبابنا في أمور تافهة، بل أيها ار ضارة! فإياكم إياكم أَنْ تُعيدوا سيرتَنا، وحَذارِ حَذارِ أن تفعلوا مثلَنا!".
ذلك لأَنَّ الذي يُقاسي سنواتٍ من الغمِّ والهمِّ في الدنيا، والعذابَ في البق اسم نارَ سَقَرَ في الآخرة، لأجل تمتع لا يدوم خمسَ أو عَشْرَ سنوات من عمر الشباب بملذات محظورة.. غيرُ جدير بالإشفاق، مع أَنَّه في أَشدّ الحالات استدرارا للشفقة والرثاء؛ لأَنَّ الذي يرضى بالضرر وينساق إليه طوعا، لا يستحق الإشفاق عليه ولا النَظرزجون دحاله بعين الرحمة، وِفْقَ القاعدة الحكيمة: "الراضي بالضرر لا يُنظر له".
حفظنا اللّٰه وإياكم من فتنة هذا الزمان المغرية ونجّانا من شرورها.. آمِينَ

* * *

— 169 —
(حقيقة تقطع دابي يحركتراضات)إخوتي الأعزاء الأوفياء طلاب رسائل النور!
لقد اضطررت إلى بيان حقيقة تقطع دابر الاعتراضات التي تضر بالضعفاء من طلاب رسائل النور بمثل اعتراض الشيخ الذي لا يخطر على بال.
أكرر مرة أخرى ما قلته لأحدهم: إنه لمن الأسف والعجب والحيرة أن يالاستقهلُ الحقيقة القوةَ الخارقة في الاتفاق، فيُغلَبون على أمرهم، بينما يتفق أهلُ النفاق والضلالة -رغم اختلاف مشاربهم- للحصول على قوة ذات أهمية في الاتفاق. ومع أنهم لار اليازون عشرة بالمائة إلّا أنهم يغلِبون التسعين بالمائة من أهل الحقيقة.
وإن أكثر ما يثير العجب ويزيد الحيرة هو أننا بينما كنا ننتظر العون الكبير والحث العظيم منهم -وهم المكلفون بهذه المعاونة إسلاميا ومسلكا وأداءً للواجب افظة عل نجدهم لا يمدون يدَ المعاونة إلينا، بل بدأ الشيخ بالاعتراض بناء على فهم خطأ بما يورث الفتور لدى طلاب رسائل النور مستندا إلى أهمية موقعه الاجتماعي. فاعترض على إيضاحات تخص حقيقة.
إنني لا أعرف أية مسلمرآة اعتُرض عليها ولأية آية كريمة تخص. ولعلها تخصّ مسألة من رسالة الإشارات القرآنية المسماة بی"الشعاع الأول" الذي اتخذناه رسالة خاصة جدّا وسرية.
فأخوكم هذا العاجز يبين لذلك الصديق الفاضل القديم ولأهل العلم ولكم كذلك ما يأتي: إن سعيدا الجارضيّ فيض القرآن المبين- يذكر من البراهين المنطقية والحقيقية الكثيرة التي تخص الحقائق الإيمانية بحيث لا يلجئ علماءَ الإسلام إلى التسليم وحدَهم بل حتى أعتى فلاسفة أوروبا العنيدين أا من أ إنه من شأن القرآن الكريم وإعجازه العظيم ومن مقتضى البلاغة المعجزة للسان الغيب، أن تَرِد فيه رموزٌ وإيماءات لجلب الأنظار إلى رسائل النور -التي هي معجزته المعنوية في هذا الزمان- بمثل إخبارات الإمام ع؟ إنها اللّٰه عنه والشيخ الكيلاني (قدس سرّه) الواردة بِطَرزٍ إشاريّ ورمزيّ حول أهمية رسائل النور وقيمتها.
نعم، ففي سجن "أسكي شهر" وفي وقت رهيب حيث كنا أحوج ما نكون إلى سلوان
— 170 —
قدسي خطر على القلب ما يأتي: إنك تبين شهودًا من كلام الأيون أهالسابقين على أحقية رسائل النور وقبولها بينما بمضمون الآية الكريمة:
ولا رطب ولا يابسٍ الّا في كتاب مبين
(الأنعام:٥٩). فإن صاحب الكلام في هذه المسألة هو القرآن الكريم. فهل يَقبل القرآن الكريم ويرضى بیرسائل النولوقت بف ينظر إليها؟
واجهتُ هذا السؤال العجيب، واستمددت من القرآن الكريم، وإذا بي أشعر في ظرفِ ساعةٍ أن رسائل النور فردٌ داخل ضمنِ كليّةِ المعنى الإشاري الذي يمثل طبقة واحدة من طبقات التفرعات للمعنى الصريح لثلاث وثلاثين آية كريمة، وعرة الفاينة قوية على دخولها في ذلك المعنى وتخصيصها، فشاهدتُ قسمًا منها بشيء من الوضوح وقسمًا آخر مجملًا. فلم تبق في قناعتي أيّة شبهة وشك ووهم ووسوسة. وأنا بدوري دوّنتُ قناعتي القاطعة تلك وأعطيتها إخوتى الخواص على شلحتهم يّتها بنية الحفاظ على إيمان أهل الإيمان برسائل النور. فنحن لا نقول في تلك الرسالة: إن المعنى الصريح للآية الكريمة هو هذا، حتى يقول العلماء: فيه نظر! ولم نقل فيها: إن كلية المعنى الإشاري هيرسائل بل نقول: إن تحت المعنى الصريح للآية الكريمة طبقاتٍ متعددة من المعاني، إحدى هذه الطبقات هي المعنى الإشاري والرمزي. فهذا المعنى الإشاري أيضًا هو كليّ لهالسعي ت في كل عصر. فیرسائل النور فردٌ في هذا العصر من أفرادِ كليةِ طبقة المعنى الإشاري ذاك. وقد جرى بين العلماء منذ القدم دستور حساب الجُمّل والجفر -حساب الأبجدية- لإيجاد القرائن والحجج، فهذا الطرز من الفع البا يخدش الآية الكريمة ولا يجرح معناها الصريح، بل قد يكون وسيلة لبيان إعجاز القرآن وعظمة بلاغته. فلا اعتراض على هذه الإشارات الغيبية، إذ الذي لا يستطيع إنكار ما لا يعد ولا يحصى من استخراجات أهل الحقيقة من الإشارات القرآنية التي لا تحصى، ليشعر قي له أن ينكر هذا بل لا يمكنه ذلك.
أما استغراب ذلك المعترض واستبعاده ظهورَ مثل هذا السفر النفيس -رسائل النور- من رجل اعتيادي غير ذي بال، فإنه إذ على مكّر بالدليل على عظمة القدرة الإلهية التي تخلق شجرةً ضخمة من بُذيرة الصنوبر. فلاشك أنه يضطر إلى قبول ظهور مثل هذا الأثر، ممن هو في العجز المطلق والفقر المطلق وفي ظرف الحاجة الشديدة مثل هذا الوقت دليلا على الرحمة الإلهية الواسعة.
— 171 —
١٤؛ عُطَمئنكم وأُطمئن المعترضين -بالشرف الرفيع لرسائل النور- أن هذه الإشارات وإخبارات ورموز الأولياء ذات الإيماءات قد ساقتني دائما إلى الشكر والحمد للّٰه وإلى الاستغفاؤال:لنوبي. ولم يحصل أنْ أورثتْ ما يمكن أن يكون مدار فخر وغرور وأنانية للنفس الأمارة بالسوء في أي وقت كان. ولا في أية دقيقة كانت. وأثبتُّ ذلك بترشحات حياتي الماثلة أمامكم منذ عشرين سنة.
وفضلا عن هذه الحقيقة فإن الإنسان لا يخلو مالته -ور والنسيان والسهو، فلي ذنوبٌ كثيرة أجهلها. وربما قد تَدَخَّل فكري وأوجد أخطاءً في الرسائل.
ولكن هذا المعترض لا يبالي بتغير الحروف القرآنية المقدسة إلى حروف أخرى ناقصة، وقيامهم بوضع ترجمة بشرية ناقصة للقرآن االمعارومحرّفة ومملوءة بالتأويلات الفاسدة لأهل الضلالة والتي خدشت معاني الآيات الصريحة للقرآن... لا يبالي بهذا ولكنه يركّز نظرَه على شخص ضعيف مظلوم بيّنَ نكتةً إعجازية ليقوّي بها إر ولا إخوته، فيعترضُ عليه بما يورث الفتور لخدمة الإيمان. علما أن نقطة اعتراضه لا يمكن أن يَعترض عليها من كان يملك ذرة من الإنصاف.
وإنه لمن دواعي حيرتي وعجَبي أنّ ذلك المعترض الفاضل هو تلميذُ أست تقلقو أساتذتي القديرين في السلسلة العلمية وهو "الشيخ فهيم". وهو أحد طلاب الإمام الرباني رضي اللّٰه عنه الذي أرتبطُ به أشد ارتباط، فكان عليه أن يسعى أكثر من غيره لمعاونتي بكل ب، فاله من قوة، دون الالتفات إلى ذنوبي وحياتي الماضية المتداخلة المضطربة وإلى انفعالاتي، إلّا أن اعتراضه مع الأسف قد أورث -كما سمعنا- الفتورَ لدى بعض أصدقائنا الضعفاء، وسلّم بيد أهل الضلالة ما يشبه الحجة.
إننا ننتظرواره.
ك الشيخ الفاضل تلافيَ سوء الفهم هذا والسعيَ لتعميره، ونأمل معاونته لنا بدعواته ونصائحه البليغة المؤثرة. علاوة على ذلك أُبين ما يأتي:
في هذا الوقت الذي يبدو في الظاهر انكم. فاوتقهقر تلك المشارب والمسالك الحقة القوية جدّا -والتي ينضوي تحت لوائها الملايينُ من المؤمنين المستعدين لكل تضحية- أمام الهجوم العنيف لهذعها بسالة. تحمّلتْ رسالة النور جميع تلك الهجمات، وحملت على عاتقها
— 172 —
الأعباءَ كافة فشقّت طريقَها سابقةً الجميعَ في طريق الإيمان. لذا، لا يمكن أن تُسنَد هذه الرسائلُ إلى رجل عاجز نصف أمّي قضى حياته بين المنفى والسجن وتحت رقابة سلطاتعلى الة، وقيامُها بتنفير الناس من حوله بالدعايات المغرضة. فمثل هذا الرجل لا يمكن أن يكون مالكا لها. ولا يمكن أن يفتخر بها أو يدّعيها، فهي ليستعظم منً من ذكائه ومهارته، بل هي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم لهذا الزمن وهبَتها الرحمةُ الإلهية. وكل ما في الأمر أن هذا الرجل وآلافا من أصدقائه قد مدّوا أيديهم إلى تلك الهدية الغالية النفيسة، فوقع الخيار عليه في ل، قدو.
والدليل على أن الرسائل ليست من بنات أفكاره أن هناك من الرسائل ما قد كُتبت في ست ساعات وأخرى في ساعتين، وبعضها في ساعة واحدة وأخرى في عشر دقائق.
فأنا أقسم أنه لو كان لي حدّة ذكاء سعيد القديم وقوة حافظته لَإلى الكنتُ أن أكتب في عشر ساعات ما كُتب آنذاك في عشر دقائق ولا يمكنني أن أكتب في يومين ما كُتب في ساعة.
فالرسالة التي تبحث في ماهية "أنا" (الذات اءُ. وبية) والتي كُتبت في ست ساعات لا يمكن أن تُكتب لا من قِبَلي ولا من قبل الفلاسفة والعباقرة الباحثين، في ستة أيام. وهكذا.
فنحن إذن مع أننا مفلسون ليس لالنورا. إلّا أننا أصبحنا خدّاما ودلالين في معرض أغلى المجوهرات.
نسأل المولى الكريم أن يوفقنا وجميع طلاب رسائل النور -بفضله وكرمه- في هذه الخدمة بإخلاص تام. آمين.

* * *

بيان موجز لإعجاز القرآن
قيقات ملاحظة المترجم:
وضع الأستاذ النورسي ضمن ملحق قسطموني ثلاث قطع من رسالة "اللوامع" وهي: "كل الآلام في الضلالة"، و"بيان موجز لإعجاز القرآن"، و"برهانان عظيمالمسودوحيد" وذلك حسب قاعدته المذكورة في خاتمة رسالةِ "قطرة من بحر : التوحيد" من المثنوي العربي النوري، حيث يقول:
"لأني أرى القرآن منبع كل الفيوض، وما في آثاري من محاسن الحقائق ما هو إلّا من فيض القرآن، فلهذا لا يرضى قلبي أن يخلو أثلعصيبةثاري من ذكر نُبَذٍ من مزايا إعجاز القرآن".
ولما كانت رسالة "اللوامع" قد نُشرت ملحقة بمجموعة "الكلمات" نكتفي هنا بإدراج إحدى تلك القطع الثلاث وهي: "بيان موجز لإعجاز القرآن
شاء فليراجع القطعتين الأخريين في "اللوامع".
رأيت في الماضي فيما يرى النائم: أنني تحت جبل "آرارات". انفلق الجبل على حين غرة، وقذف صخورا بضخامة الجبال إلى أنحاء العالم، فهزّ الع وتجاوزلزل.
— 173 —
وفجأةً وقف بجنبي رجل، قال لي: بيِّن بإيجازٍ ما تعرفه مجملا من أنواع الإعجاز.. إعجازِ القرآن.
فكرتُ في تعبير الرؤيا، وأنا ما زلت فيها وقلت:
إن ما حدث هنا من انفلاق مثالٌ لما يحدث في البشرية من انقلاب، وسيكون هدى ال، ووصيلا ريب عاليا ومهيمنا في هذا الانقلاب. وسيأتي يوم يبين فيه إعجازه.
أجبتُ ذلك السائل قائلا: إن إعجاز القرآن يتجلى من سبعة منابع كلية، ويتركب من سبعة عناصر.
المنبع الأول:سلاسة لسانه من فصاحة اللفظ؛ إلم نق بارقة بيانه من جزالة النظم، وبلاغة المعنى، وبداعة المفاهيم، وبراعة المضامين، وغرابة الأساليب. فيتولد نقش بياني عجيب، وصنعة لسان بديع، من ارتكاب كل هذه في نوع إعجاز لا يملّ الإنسان من تكراره أبدا.
أما العنصر الثاني:فهو الإخبار السماوي عن الغيوب في الحقائق الغيبية الكونية والأسرار الغيبية للحقائق الإلهية. فمن أمور الغيب المنطوية ستأتوماضي، ومن الأحوال المستترة الباقية في المستقبل تنشأ خزينة علم الغيوب. فهو لسان عالم الغيوب يتكلم مع عالم الشهادة في أركان "الإيمان" يبينها بالرموز، والهدف هو نوع الإنسان، وما هذا إلّا نوع من لل السعرانية للإعجاز.
أما المنبع الثالث فهو: أنَّ للقرآن جامعية خارقة من خمس جهات: في لفظه، في معناه، في أحكامه، في علمه، في مقاصده.
لفظ أثناءمن احتمالات واسعة ووجوها كثيرة بحيث إن كل وجهٍ تستحسنه البلاغة، ويستصوبه علم اللغة العربية، ويليق بسر التشريع.
— 174 —
في معناه:لقد أحاط ذلك البيان المعجز بمشارب الأ
إنوأذواق العارفين ومذاهب السالكين، وطرق المتكلمين، ومناهج الحكماء، بل قد تضمن كلَّها. ففي دلالاته شمولٌ وفي معناه سعة.
فما أوسع هذا الميدان إن أطللت من هذه النافذة!.
الاستيعاب في الأحكام:هذه الشريعة الغراء قد ا سبب طتْ منه، إذ قد تضمن طرازُ بيانه جميعَ دساتير سعادة الدارين، ودواعي الأمن والاطمئنان، وروابطِ الحياة الاجتماعية، ووسائل التربية، وحقائق الأحوال.
عي لمااق علمه:لقد ضم ضمن سُورِ سُوَرِه العلومَ الكونية والعلوم الإلهية، مراتبَ ودلالاتٍ ورموزا وإشارات.
في المقاصد والغايات:لقد راعى الرعايةَ الطلاة في الموازنة والاطراد والمطابقة لدساتير الفطرة، والاتحاد في المقاصد والغايات، فحافظ على الميزان.
وهكذا الجامعية الباهرة في إحاطة اللفظ وسعة المعنى واستيعاب الأحكام واستغراق العلم وموازنة الغايات.

أما العنه ونواابع:فإفاضته النورانيةَ حسب درجة <'Vِ كلِّ عصر، ومستوى أدب كل طبقة من طبقاته وعلى وفق استعدادها ورتب قابليتها.

فبابُه مفتوح لكل عصر ولكل طبقة من طبقاته، حتى كأن جة الثكلام الرحماني ينیزل في كل مكان في كل حين.
فكلما شاب الزمان شبّ القرآنُ وتوضحت رموزه، فذلك الخطاب الإلٰهي يمزق ستار الطبيعة وحجاب الأسباب فيفجّر نورَ التوحيد من كل آية، في كل وقت. رافعا راية المن جواشهادة التوحيد على الغيب.
إن علو خطابه يلفت نظر الإنسان ويدعوه إلى التدبّر؛ إذ هو لسان الغيب يتكلم بالذات مع عالم الشهادة.
يُخلَص من هذا العنصر: أذاعاتِيته الخارقة شاملة محيطة، وأنسيته جعلته محبوب
— 175 —
الإنس والجان، وذلك بالتنیزلات الإلهية إلى عقول البشر لتأنيس الأذهان، والمتنوعة بتنوع أس نعم، لتنیزيل.
أما المنبع الخامس:فنُقولُه وأخبارُه في أسلوب بديع غزير المعاني، فينقل النقاط الأساس للأخبار الصادقة كالشاهد الحاضر لها. ينقل هكذا لينبّه بها البشر.
ومنقولاته جل علىتية:أخبار الأولين وأحوال الآخرين وأسرار الجنة والجحيم، حقائق عالم الغيب، وأسرار عالم الشهادة، والأسرار الإلهية والروابط الكونية. تلك الأخبار المشاهَدة شهود عيالمكتوبانه لا يردّها الواقع ولا يكذّبها المنطق بل لا يستطيع ردّها أبدا ولو لم يدركها.
فهو مَطمَح العالم في الكتب السماوية، إذ يَنقل الأخبار عنها مصدالحقيقا في مظان الاتفاق، ويبحث فيها مصححا لها في مواضع الاختلاف.
ألا إنه لَمعجزة الأزمان أن يصدر مثل هذه الأمور النقلية من "أميّ"!
أما العنصر السادس:فهو أنه مؤسس دين الإسلام ومتضمنه. وحقيقة، مثل الإسلام إن تحريت الزمان والمكان، لا في الماضي ولا في المستقبل. إنه حبل اللّٰه المتين، يمسك الأرض لئلا تفلت، ويديرها دورانا سنويا ويوميا. فلقد وَضع وَقارَه وثقله على الأرض، وساسها وقادها وحال بينها وبين النفور والعصيان.
أما المناستطلاابع:فإن الأنوار الستة المفاضة من هذه المنابع الستة يمتزج بعضها مع بعض، فيَصدر شعاعُ حُسنٍ فائق، ويتولد حدس ذهني، وهو الوسيلة النورانية.
(إبرايصدر عن هذا: ذوق، يُدرَك به الإعجاز.
لساننا يعجز عن التعبير عنه، والفكر يقصر دونه.
فتلك النجوم السماوية تُشاهَد ولا تُستمسك.
طوال ثلاثة عشر قرنا من الزماإنهم ي أعداءُ القرآن روح التحدي والمعارضة..
وتولدت في أوليائه وأحبائه.. روحُ التقليد والشوق إليه.
وهذا هو بذاته برهان للإعجاز،
— 176 —
إذ كُتبت من جراء هاتين الرغبتين الشديدتين ملايينُ الكتب بالعربية، فلو قورنتْ تلك الملايينُ من الكتبا زلت قرآن الكريم، لقال كلُّ من يشاهد ويسمع، حتى أكثرُ الناس عامية، دونك الذكي الحكيم:
إنَّ هذه الكتب بشرية.. وهذا القرآن سماوي.
وسيحكم حتما:
إنَّ هذه الكتب كلها لا تشبه هذا القرآن ولا تي، والوه قطعا.
لذا فإما أنه أدنى من الكل. وهذا معلوم البطلان وظاهر بالبداهة.
إذن فهو فوق الكل.
ولقد فتح أبوابه على مصراعيه للبشر ونشر مضامينه أمامهم طوال هذه المدة الطويلة. ودعا لنفسه الأرواح وااللّٰه.
ومع هذا لم يستطع البشرُ معارضتَه، ولا يمكنهم ذلك. فلقد انتهى زمن الامتحان.
إن القرآن لا يقاس بسائر الكتب ولا يشبهها قطعا.
إذ نیزل في عشرين سنة ونيقابل ش نجما -لحكمة ربانية- لمواقع الحاجات نیزولا متفرقا متقطعا. ولأسبابِ نیزول مختلفة متباينة، وجوابا لأسئلة مكررة متفاوتة، وبيانا لحادثات أحكام متعددة متغايرة، وفي أزمانِ نیزولٍ مختلفة متفارقة، وفي حالاتِ تَلَقٍّ متنوعة متخالفة، ولأفهامِ مخاطبين مت ظهور تباعدة، ولغايات إرشاداتٍ متدرجة متفاوتة.
وعلى الرغم من هذه الأسس فقد أظهر كمال السلاسة والسلامة والتناسب والتساند في بيانه وجوابه وخطابه، ودونك علم البيان وعلم المعاني.
وفي القرآن خاصية لا توجد في أي كلام آخر: لأنك"اللعنمعت كلاما من أحدٍ فإنك ترى صاحب الكلام خلفه أو فيه؛ فالأسلوب مرآة الإنسان.
أيها السائل المثالي!
لقد أردت الإيجاز، وها قد أشرتُ إليه.
— 177 —
وإن شئت التفصيل، فذلك فوق حدّي وطوقي. أتَقَ إلى لذبابة على مشاهدة السماوات؟
وقد بيّن كتاب "إشارات الإعجاز" واحدا من أربعين نوعا من ذلك الإعجاز، ولم تفِ مائةُ صفحة من تفسير لبيانِ نوع واحد.
بل أنا الذي أريد منك التفصيل، فقد تفضّل المولى عليك بفيضٍ من إلهامات روحية.
لا تبلغ مظلمة دب الغربي ذي الأهواء والنیزوات والدهاء
شأن أدب القرآن الخالد ذي النور والهدى والشفاء.
إذ الحالة التي ترضى الأذواق الرفيعة للكاملين من الناس وتُطَمئنهم، لا تَسرّ أصحابَ الأهواء الصبيانية وذوي الطبائع السفيهة، ولا تسلّيهم. فبناءً على هن وذلككمة؛
فإن ذوقا سفيها سافلا، تَرعرَع في حمأة الشهوة والنفسانية، لا يستلذ بالذوق الروحي، ولا يعرفه أصلا.
فالأدب الحاضر؛ المترشح من أدبِ أوروبا، عاجز عن رؤيةِ ما في القرآن الكريم من لطائف عالية ومزايا سامية، منقرات إنظرته الروائية، بل هو عاجز عن تذوقها، لذا لا يستطيع أن يجعل معياره محكّا له.
والأدب يجول في ثلاثة ميادين، دون أن يحيد عنها:
ميدان الحماسة والشهامة..
ميدان الحسن والعشق..
ميدان تصوير الح أما االواقع..
فالأدب الأجنبي:
في ميدان الحماسة؛
لا ينشد الحق، بل يلقّن شعور الافتتان بالقوة بتمجيده جَور الظالمين وطغيانهم.
وفي ميدان الحسن والعشق؛
— 178 —
لا يعرف العشقَ الحقيقي، بل يغرز ذوقا شهويا عارمهذه اللنفوس.
وفي ميدان تصوير الحقيقة والواقع؛
لا ينظر إلى الكائنات على أنها صنعة إلهية، ولا يراها صبغة رحمانية، بل يحصر همه في زاوية ال والعبويصور الحقيقة في ضوئها، ولا يقدر الفكاك منها.. لذا يكون تلقينه عشقَ الطبيعة، وتأليه المادة، حتى يمكِّن حبَّها في قرارة القلب، فلا ينجو المرء منه بسهولة.
ثم إن ذلك الأدب المشوب بالسفه، لا يغني شيئا عن عنوي وات الروح وقلقها الناشئة من الضلالة والواردة منه أيضا، ولربما يهدئها وينوّمها.
وفي حسبانه أنه قد وجد حلا، وكأن العلاج الوحيد هو رواياته. وهي:
في كتابٍ.. ذلك الحي الميت.
وفي سينما.. وهي أموات متحركة.
وفي مسرح..كفر التُبعث فيه الأشباح وتُخرج سراعا من تلك المقبرة الواسعة المسماة بالماضي!
هذه هي أنواعُ رواياته.
وأنّى للميت أن يهب الحياة!..
وبلا خجل ولا حياء!.. وَضنور أيأدب الأجنبي لسانا كاذبا في فم البشر.. وركّب عينا فاسقة في وجه الإنسان.. وألبس الدنيا فستان راقصة ساقطة.
فمن أين سيعرف هذا الأدبُ؛ الحُسنَ المجرد.
حتى لو أراد أن يُري القارئ الشمسَ؛ فإنه يذّكره بممثلة شقراء حسناء.
وهو مرضاةظاهر يقول: "السفاهة عاقبتها وخيمة، لا تليق بالإنسان"..
ثم يبين نتائجها المضرة..
إلّا أنه يصورها تصويرا مثيرا إلى حدّ يسيل منه اللعاب، ويفلت منه زمام العقل، إذ يضرم في الشهوات، ويهيج تعالى-ات. حتى لا يعود الشعور ينقاد لشيء.
— 179 —
أما أدب القرآن الكريم:
فإنه لا يحرك ساكن الهوى ولا يثيره، بل يمنح الإنسان الشعور بنشدان الحطةٍ ذا، والافتتان بالحسن المجرد، وتذوّق عشق الجمال، والشوق إلى محبة الحقيقة.. ولا يخدع أبدا.
فهو لا ينظر إلى الكائنات من زاوية الطبيعة، بل يذكرها صنعةً إلهية، صبغة رحمانية، دون أن يحيّر العقول.
فيلقّن نور معرفة الصانع..
ويبين آياته في كل شسة. لأ والأدبان.. كلاهما يورثان حزنا مؤثرا. إلّا أنهما لا يتشابهان.
فما يورثه أدب الغرب هو حزن مهموم، ناشئ من فقدان الأحباب، وفقدان المالك. ولا يقدر على منح حزن وضع أمامٍ؛ إذ استلهام الشعور من طبيعة صماء، وقوة عمياء يملؤه بالآلام والهموم حتى يغدو العالَم مليئا بالأحزان، ويلقي الإنسان وسط أجانب وغرباء دون أن يكون له حامٍ ولا مالك! فيظل في مأتمه الدائم.. وهكذا تنطفئ أمامه الآمال. فهذا الشعور المليء بالأح خاص ولآلام يهيمن على كيان الإنسان، فيسوقه إلى الضلال وإلى الإلحاد وإلى إنكار الخالق.. حتى يصعب عليه العودة إلى الصواب، بل قد لا يعود أصلا.
أما أدب القروار الريم: فإنه يمنح حزنا ساميا علويا، ذلك هو حزن العاشق، لا حزن اليتيم.. هذا الحزن نابع من فراق الأحباب، لا من فقدانهم... ينظر إلى الكائنات؛ على أنها صنعة إلهية، رحيمة، بصيرة بدلا من طبيعة عمياء. بل لا يذكرها أصلا، وإنماام الرالقدرة الإلهية الحكيمة، ذات العناية الشاملة، بدلا من قوة عمياء.
فلا تلبس الكائناتُ صورةَ مأتم موحش، بل تتحول -أمام ناظريه- إلى جماعة متحابّة، إوا لإدل زاوية تجاوب. وفي كل جانب تحابب. وفي كل ناحية تآنس.. لا كدر ولا ضيق.
هذا هو شأن الحزن العاشقي.
وسط هذا المجلس يستلهم الإنسان شعورا ساميا، لا حزنا يضيق منه الصدر.
— 180 —
الأدبان.. كلاهما ئب الج شوقا وفرحا.
فالشوق الذي يعطيه ذلك الأدب الأجنبي؛ شوق يهيج النفس، ويبسط الهوس.. دون أن يمنح الروح شيئا من الفرح والسرور.
بينما الشوق اوى وديبه القرآن الكريم؛ شوق تهتز له جنبات الروح، فتعرج به إلى المعالي.
وبناءً على هذا السر: فقد نهت الشريعة الغراء عن اللهو وما يُلهي.. فحرّمت بعض آلات اللهو، وأباحت أخرى.
بمعنى: أن الآلة التي تؤثر تأثيرا حزينا حزنا قرآاج أسروقا تنزيليا، لا تضر. بينما إن أثرت في الإنسان تأثيرا يتيميا وهيّجت شوقا نفسانيا شهويا. تحرم الآلة.
تتبدل حسب الأشخاص هذه الحالة..
والناس ليسوا سواء

* * *

( مليونالمعنوي الجماعي)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن الدليل القاطع على أن كل طالب صادق لرسائل ا.
* يكسب ذلك الكسب الخارق النابع من سرّ ليلة القدر، والتي يَكسب فيها المرء ثلاثا وثمانين سنة من عمر معنوي، ومن سر الإخلاص والتساند والاشتراك في الأعمال الأخروية الجارية بين طلاب رسا الفانور، هو الاحتمال القوي أن لا يكسب ذلك الكسبَ الخارق واحدٌ أو اثنان أو عشرة أو عشرون، بل مئات ضمن دائرة النور التي تضم أربعين ألفا بل مائة ألف من المؤمنين الحقيقيين الخالصين. فبسرّ الإسلاميوبدستور الاشتراك في الأعمال الأخروية نتوجه نحن وأنتم كذلك إلى هذه الحقيقة -حقيقة ليلة القدر- فنفترض أنفسنا ضمن جميع الإخوة وكل منّا يتكلم باسم
— 181 —
الجميع في هذا الشهر المبا والتبقول بصيغة الجمع: أجرنا، ارحمنا، واغفر لنا، ووفقنا، واهدنا، واجعل ليلة القدر في هذا الشهر شهر رمضان خيرا في حقنا من ألف شهر. وننوي في كل دعاء ضمن "نا" (ضمير الجمع) جميعَ إخواننا. وعليكم معاونة أخيكم هذا الضي!
لذات في وظيفته المرهقة بتلك النية الخاصة.

* * *

(لِمَ ننشغل برسائل النور وحدها؟)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنني في هذا الشهر المبارك شهر رمضان في الوقت الذي أحتاج فيه إلى نسيان الدنيا وإلى عدم النظر إلالماديور الآفاقية الخارجية إلّا أنهم -مع الأسف- ألجأوني إلى النظر إليها أحيانا. نسأله تعالى إن يجعل هذا النظر نوعا من العبادة حيث إن نيتنا فيه الخدمة الإيمانية.
نعم، كما أنهم يتعرضون لكم فإنهم بأسم يكن ختلفة يُشعرون تعرّضهم لنا. ولكن شكرا للّٰه تعالى إن تعدّيهم علينا يؤدي إلى خلاف مقصودهم، فيُعين فتوحات رسائل النور.
وقد ذكر الطالب البطل "نظيف" أن اعتراض الشيخ في إسطنبول قد أصبح وسيلة لفتوحات رسائل النور وسطوعها، وأن الاعتداء على حاستفاد في أمور طفيفة هنا وهناك تورث مثل هذه النتيجة.. ولكن وجدوا في الوقت الحاضر وسيلةً لا تخطر على بال لترويع بعض العلماء الضعفاء وأهل التصوف وإلقاءِ الفتورِ في قلوبهم تجاه قراءتالنور.
فهم يقولون: إن سعيدًا لا يقتني كتبًا أخرى، بمعنى أنه لا تعجبه تلك الكتب بل لا تعجبه حتى كُتُبُ الإمام الغزالي فلا يجلب إليه مؤلتعمل ش فبهذه الكلمات العجيبة التي لا معنى لها يكدّرون أذهان الناس. ألاَ إن الذين يروّجون مثل هذه الإشاعات إنما هم أهل الزندقة، ولكن يجعلون العلماء الساذجين وبعضًا من أهل التصوف وسيلة لذلك.
وتحيات.ول تجاه هذا: حاش للّٰه مائة مرة حاش للّٰه... إن مهمة رسائل النور وطلابها هي الحفاظ على مسلك أستاذهم حجة الإسلام الإمام الغزالى، والذودُ عنه ما وسعهم وإنقاذه
# بهذين هجمات أهل الضلالة.. وهو أستاذي الوحيد الذي يربطني بالإمام علي رضي اللّٰه عنه، ولكن في زمانهم لم يكن هجوم الزندقة الرهيبة يزعزع أركان الإسلام -كما في هذا اا أديت فلا يحصل بسرعة على الأسلحة التي استعملها أولئك العلماء المحققون الأجلاء، والمجتهدون العظام حسب عصورهم في المناظرات والمناقشات العلمية والدينية، ف لحكماج إلى وقت، ولا تُقهر أعداء هذا الزمان قهرًا تامًا. إلّا أن رسائل النور باستلهامها القرآن المبين قد وجدت أسلحة يمكن الحصول عليها بسرعة، وهى قوية نافذة، وفي الوقت نفسه تمزق صفوف العدو وتجعلهم شذر مذر، لذا لا تُراجع مصانعَ أسلحةِ أولئك الأفذاد ذات ان الميامين. لأن القرآن الكريم الذي هو مصدرهم جميعًا ومنبعهم ومرجعهم وأستاذهم قد أصبح أستاذًا كاملًا لرسائل النور. فضلًا عن ذلك فالوقت ضيق ونحن ضعفاء، فلا نجد متسعًا من الوقت كي نستفيد من تلك الآثار النورانية. علد الكسى ذلك فإن هناك مئات الأضعاف من أمثال طلاب رسائل النور ينشغلون بتلك الكتب وهم يؤدون تلك الوظيفة ونحن أودعناها لهم. وإلّا فنحن نحب تلك الآثار الطيبة الميمونة لأساتذتنا السامين أولئك بقدر ما نحب أرواحنا وكياننا، ولكن لكل منا دماغ وارون هذ واحدة ولسان واحد، وتجاهنا ألوف المتعدين والوقت ضيق. وحيث إننا شاهدنا آخِر سلاح أوتوماتيكي أمامنا وهو براهين رسائل النور، اضطررنا إلى الاكتفاء بذلك الجارب كالاعتصام به.

* * *

(ما يسوق إلى الرياء وما يمنع منه)إخوتي الأعزاء الخالصين المخلصين ويا رفقائي الحقيقيين الجادين في خدمة القرآن!
لمناسبة انتشار رسالة "الإخلاص" حوا هذه افي ولاية إسبارطة ولمناسبة حدوث حادثتين طفيفتين، ورد خاطر قوي إلى القلب. ستُكتب ثلاث نقاط تخص الرياء:
أولاها:إن الرياء لا يدنو من الفرض والواجب والشعائر الإسلامية واتباعِ السنة النبوية الشريفة وابمكايد الحرام. فإظهار هذه الأمور ليس من الرياء قطعا، إلّا إذا كان الشخص قد جُبل على
— 183 —
الرياء مع ضعف شديد في الإيمان. بل إن إظهار العبادات التالمصحفالشعائر الإسلامية أجزلُ ثوابا من إخفائها بكثير، كما بيّنها حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي اللّٰه عنه.
وعلى الرغم من أن إخفاء سائر النوافل له أثوبة كثيرة فإن النلمرات لمتعلقة بالشعائر الإسلامية ولاسيما في مثل هذه الأوقات التي راجت فيها البدع، وكذا إظهارُ التقوى التي هي ترك الحرام ضمن هذه الكبائر المنتشرة، لها أثوبة عظيمة أكثر من إخفائها، ناهيك أن يتقرب منها الرياء.
النقطة الثانية:هناك أسباب عديدة تسوقيحمل فان إلى الرياء. منها:
السبب الأول:ضعف الإيمان؛
إن الذي لا يفكر باللّٰه يعبد الأسباب ويتخذ وضع الرياء بحبّه إظهار نفسه للناس. فطلابُ رسائل النور لا يعيرون أهمية ولا قيمة للأسباب ولا للناس من حيث العبودية كي يقعوا في الرياء في عض للخلم بإظهارها لهم. وذلك لأنهم يتلقون درسا إيمانيا تحقيقيا قويا من رسائل النور.
السبب الثاني:إن الحرص والطمع يسوقان الإنسان -من زاوية الفقر وا خلال لإنساني- إلى جلب توجّه الناس وتلبّس أوضاعٍ متكلَّفة للرياء والظهور.
ولما كان طلاب النور يحصلون على عزة الإيمان باسترشادهم بدروس رسائل ذا العكالاقتصاد والقناعة والتوكل على اللّٰه والرضى بقسمته، فإنها بإذن اللّٰه تمنعهم عن الرياء والعجب والتنازل لمنافع الدنيا.
السبب الثالث:إن حرص الإنسان على الشهرة، وحبِّ الجاه، وطلبِ نيل المقامات، والتفوقِ على الأقران وأمثالها من الأحاسيس وركًا رر، وكذا التظاهر بمظهر حسن رفيع وتقمّص طور أشخاص عظام لا يليق به، وجلب أنظار الناس وإعجابهم نحوه بما هو فوق حدّه وطاقته، وما شابهها من أنواع التصنع والتكلف في الأعمال.. كلها تد سرى ى الرياء.. ولكن لما كان طلاب رسائل النور قد حوّلوا "أنا" إلى "نحن" أي تركوا الأنانية ودخلوا ضمن دائرة الشخصية المعنوية للجماعة ويسعون في أعمالهم باسم تلك الشخصية، أي يقولون "نحن"
— 184 —
بدلا من "أنا".. وكما قد نجا أهلُ الطرق من ٠. وأ بوسائلِ قتل النفس الأمارة والأخذِ بقاعدةِ: "الفناء في الشيخ" و"الفناء في الرسول".. فإن إحدى تلك الوسائل هي "الفناء في الإخوان"، أي إذابة الشخصيةَفسُد ية في حوض الشخصية المعنوية لإخوانه وبناء أعماله على وفق ذلك، أقول: إنه كما قد نجا أهل الحقيقة بتلك الوسائل من ورطة الرياء، ينجو بإذن اللّٰه طلاب النور بهذا السر أيضا.
النقطة الثالة في حه لا تُعد من الرياء والعجب قط تلك الأطوارُ والأوضاع الرفيعة التي يقتضيها مقام أداء الواجب الديني، وجعلُ الناس يتقبلونه قبولا حسنا. اللهم إلّا إذا كان الشخص يسخّر تلك الوظيفة الدينية طوعَ أنانيته ويستغلها لأغراضه اللإخوان
فإمام الجامع، يجهر بالأذكار، كجزء من واجبه في إقامة الصلاة وأداء الأذكار، ويُسمِعها الآخرين، وهذا لا رياء فيه قط، ولكن إسماعها الناس خارج نطاق واجبه، ربما يداخله الرياء، فإن إخفاءها أكثر ثوابا من الجهر بها.
لهي بظإن طلاب النور الحقيقيين، أثناء أدائهم لواجب نشر الوعي الديني، وأثناء قيامهم بعباداتهم اتباعا للسنة النبوية، وأثناء التزامهم بالتقوى التي هي اجتناب الكبائر.. إنما يُعدّون مكلّفين مأمورين في سبيل خدملك الرآن. فنسأل اللّٰه تعالى ألّا يداخل أعمالَهم تلك، الرياءُ. إلّا من دخل ضمن دائرة رسائل النور لغرض آخر غير خدمة القرآن.

* * *

(حول وظائف السيد المهدي).. إن الذي تنتظره الأمة وسيأتي في آخر الزمان، له مهام ثلاثة، وإن أهم ة معنامن هذه الوظائف الثلاث وأعظمَها وأجلّها هي نشر الإيمان التحقيقي وإنقاذ أهل الإيمان من الضلالة..
أما وظيفته الثانية:فهي تنفيذ الشريعة الغراء وتطبيقها، فبينما لا تَعتمد، وعدمفة الأولى على القوة المادية بل إن سنَدَها هو القوة المعنوية من إخلاص ووفاء وقوة العقيدة، فإن هذه الوظيفة تحتاج إلى قوة مادية عظيمة مرهوبة الجانب، وسلزيله مت شأن، كي يتمكن من تنفيذها.
— 185 —
أما وظيفته الثالثة:فهي خدمة الإسلام بإعلان الخلافة الإسلامية مستندا إلى الوحدة الإسلامية، والاتفاق مع الروحانيين النصارى -الذين يلتحقن إلى خدمة للإيمان- فهذه الوظيفة يمكن تطبيقها بسلطة عظيمة وقوة هائلة وملايين الفدائيين المضحين.
إن الوظيفة الأولى أسمى وأعلى من الوظيفتين التاليتين بدرجات، إلا أنهما يبدوان في ن كونهاة الناس ولاسيما العوام، أسطع وأبهر وأوسع منها لما لهما من جاذبية.
خلاصة الكلام:إن إطلاق اسم "المهدي" إلى أي شخص في الوقت الحاضر، يورِد إلى الذهن الوظائفَ الثلاث دفعة واحدة، فيحصل الخطأ، وقد يجرح الإخلاصَ.. وتضعف قوة الحقائق لدى العمن أهلئا ما، وتنقلب اليقينيات المدعمة بالبراهين إلى الظن الغالب للقضايا المقبولة، فلا يَظهر لدى الحائرين من المؤمنين التغلبُ المبين على الضلالة العنيدة والزندقة المتمرذا اعتندها يبدأ أهل السياسة بإثارة المخاوف والشكوك ويشرع قسم من العلماء بالاعتراض..

* * *

(تعديل حسن الظن المفرط)
كُتِبَ لمناسبة تعديل حسن الظن المفرط لعالم ال.
حو الأستاذ لعل فيه فائدة لكم.
إلى العالم الفاضل، والأخ العزيز الصادق، حشمت أفندي
لیقید قیرأنیا بتقدير و إعجاب رسییییالتكم الكريمة حول المجدِّد، ونقلناها إلى أسیییتاذنا وهو يقول:
نعملعنصريينبغي لهذا العصر من مجدد له شأنه ليقوم بتجديد الدين والإيمان، وتجديد الحياة الاجتماعية والشريعة، وتجديد الحقوق العامة والسياسة الإسلامية. ولكن أهم تلك الوظائف، هو التجديد في مجال المحاية والى الحقائق الإيمانية. فهي أجلّ وأعظم تلك الوظائف الثلاث. لذا تبقى دوائر "الشريعة" و"الحياة الاجتماعية والسياسية" في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة بالنسبة لدائرة الإيمان.
— 186 —
هذا وإن الأخالصة،لبالغة التي وردت في الحديث الشريف حول تجديد الدين، إنما هي باعتبار التجديد في الحقائق الإيمانية، ولكن نظرا لأن أفكار عامة الناس، والذين حصروا همّهم في الحياة الدنيا تتوجه أول ما تتوجه إلى الحياة الاجتماعية الإسلامية ومعنوياة الدينية التي تبدو أكثر أهمية من غيرها وأوسع وأعظم مدى، لما لها من جاذبية وهيبة في السلطة والحكم. فترى أن هؤلاء ينظرون بتلك العدسة ومن تة لدى اوية إلى الأمور ويفسرونها في ضوئها.
ثم إنیییه يبدو بعيدا جییدا، بیل يكاد يكون غير ممكن اجتماعُ هذه الوظائف الثلاث كلها في شییییخص واحد، أو في جماعة واحدة، في هذا العصر، وعلى الوجه الأكمل، ومن دون أن تعيق إحداها الأخرى. بل قدء ألّاتمع أصلا تلك الوظائف إلا في "السيد المهدي" الیییذي يیمیثییل الجماعة النیوارنیيیة لآل البیيیت الینیبییوي في آخییر الزمییان، وفیي الشیییخص المعنوي لجماعرَ الم فللّٰه الحمد بما لا يتناهى من الحمد؛ أَنْ دفَعَ الشخصَ المعنوي لطلاب رسائل النور وحقيقتها -في هذا العصر- لأداء وظيفة التجديد من حيث المحالفكريلى الحقائق الإيمانية.
وهي منذ عشرين سنة تؤدي تلك الوظيفةَ المقدسة بنشرياتها المؤثرة والفاتحة للقلوب صادّةً صولاتِ الزندقة القوية الرهيبة وغاراتِ الضلالة منقِذيا:إننَ مئات الألوف من أهل الإيمان. والشاهدُ على ذلك أكثر من أربعين ألفا من الشهود.
يقول أستاذنا:
لا ينبغي أن يكون شخصي العاجز الضعيف موضعَ النظر وتحميلُ كاهلي هذا الثقل العظيم يتزلزلوق حدي بألوف المراتب. وهو يخصكم بالسلام، ونحن بدورنا نخصكم بالسلام ومن له علاقة برسائل النور هناك.
من طلاب رسائل النور
أمين، فيضي، كامل

* * *

— 187 —
(يد القدر ويد الإنسان في الحادثة)إنه قاعدةرسائل في رسائل النور؛ أن في كل حادثة يدَ الإنسان ويدَ القدر معا، ولكن الإنسان يَظلم حيث ينظر إلى السبب الظاهري، بينما القدرُ يعدِل لأنه يرى السبب الخفي لتلك المصييوانكم ولقد ثبت بتجاربَ أن يد العناية الإلهية ورحمتَه تعالى موجودة في كل المصائب التي نزلت برسائل النور لحدّ الآن.

* * *

(فتوى أمين الفتوى)إن السيد "علي رضا" أكبى بتبصء إسطنبول وأكثرهم تحريا وبحثا والذي تولى في أغلب الأوقات منصب مفتي الأنام، وهو أمين الفتوى السابق، بعد ما شاهد "الشعاع الأول" المتضمن للإشارات القرآنية ورسالة "الآية الكبرى" وأمثالها من الرسائل قال للحافظ أمين وهو من طلاب رسجاه معنور القديرين:
"لقد خدم بديع الزمان الدين الإسلامي أعظم خدمة في هذا الزمان، وإن مؤلفاته صائبة جدا، ولم يتيسر لأحد إخراجُ أثر كهذا في مثل هذا الزمان الجدب، إذ تَرَك الدنيا ونَبَذتمع الهو قمين بالتهنئة والتبريك بكل الوجوه. وإن رسائل النور مجدِّدة للدين. نسأله تعالى أن يوفقه للخير. آمين".
وقد دافع عن عدم إطلاق اللحية لدى البعض ساردا قصة سلطان العلماء من آباء جلال الدين الروي للتحقال:
"ولبديع الزمان أيضا بمثل هذا اجتهادٌ بلا شك، فالمعترضون لا يملكون الحق.."
وأمر العالم مصطفى: اكتب ما قلته:
"أخصّ سلامي الكامل لبديع الزمان مع الاحترام النجاقير له. وأنا في دعاء مستمر لكم لتكملوا مؤلفاتكم. لا تتألموا من تعرضكم لانتقاد بعض علماء السوء، إذ "الأشجار المثمرة
— 188 —
تُرشَق بالأحجار لنيل الثمار"، مثلٌ مشهور. استمروا في جهادكم. نسأله تعالى أن يوفقككمة "دقصودكم عاجلا. وفي أمانة اللّٰه وحده وحفظه.
علي رضا
أمين الفتوى السابق
هكذا قضى عالم جليل ومدقق فاضل وصاحب الكلام في هذا الزمان من حيث الشريعة والقرآن الكريم. فعلى طلاب رسائل النور ألّا يبوحوا باسم ذلك العالمكن الو بالحذر- وعدم الإعلان عنه، بل يضموه في أدعيتهم.
سلامنا إلى جميع الإخوة.

* * *

(أسس العمل مع المعترضين)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسالحريةده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما..
لمّا كان أولياء اللّٰه الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب -إن لم يلهمهم اللّٰه سبحانه و من خل حيث لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه؛ فإن أعظم وليّ صالح لا يستطيع أن يَطَّلِعَ على حقيقةِ وواقع الحال عند ولي آخر، بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته، وما حدث فيما (ص): ض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، خير دليل على هذا. وهو يعني أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهما على الآخر، فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنیزلتها، إلّا إذا كنحن نقك أمر يخالف ظاهر الشريعة مخالفة كلية.
فاتباعًا لدستور الآية الكريمة:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس
(آل عمران:١٣٤)، وحفاظًا على إيمان المؤمنين من التصدع، وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم انشراحائهم، وبناء على ما يلزم من إنقاذ الأركان من طلاب النور المخلصين من سَورة الغضب المضرة -مع كونها محقة- على اعتراضات باطلة، واجتنابًا لما
— 189 —
يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفتير.؟
هل الحق بجرح الطائفة الأولى بسلاح الأخرى واعتراضاتها وتهوين شأن الثانية بدلائل الأولى ثم دحرهما معًا..
فعلى طلبة النور -حسب الأسس المذكورة-: ألّا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور، ولا يقابلوهم بالمِثللبه. وليهم أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب، مع إظهار روح المصالحة، والإجابة بوضوح عن نقاط الاعتراض، حيث إن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتى أصبح كل
— 190 —
إن تفضيلَ المؤمنين الحياة الدنيا على ازة عجيمع إيمانهم بالآخرة ومعرفتها حق المعرفة، وترجيحَ قطع زجاجية تافهة على الألماس الثمين مع معرفة وعلم بها ورغبة فيها، وذلك بسيطرة دوافع الحس العمياء التي لا تبصر العقبى، وترجيح لذة آنية حاضرة على رطل من لذات صافية آجلة.. ها الد مرض مخيف أصاب هذا العصر بل هو مصيبة من مصائبه، وبلية من بلاياه، وهو مضمون إشارة الآية الكريمة:
يستحبون الحياة الدنيا على الاخرة
(إبراهيم:٣).
ومن جراء هذه المصيبة يقع المؤمنون الحقيقيون أحيانا في خطأ جسيم كموالاستقبل ل الضلالة. نسأله تعالى أن يجنّب أهل الإيمان وطلاب رسائل النور من شر هذه المصيبة. آمين.
سعيد النورسي

* * *

(رزق طالب العلم)لقد اقتنعت قناعة تامة بعد حوالي ألف من التجارب أنني فيلإكراه الذي أكون في خدمة رسائل النور أشعر بانكشاف وانبساطٍ وفرح وبركة في قلبي وفي بدني وفي دماغي وفي معيشتي حسب درجة تلك الخدمة. وقد شعرت من إخوتي الكثيرين -سواءً هنا أم هناك- بالحلحمد لسها ومازلت أشعر بها. وكثيرون يعترفون قائلين: "إننا نشعر بها أيضًا". حتى إنني أعتقد -كما كتبته لكم في السنة الماضية- أن السر في عيشي الكفاف وما يقيم الأود قد كان من تلك إني أ.
وقد روي عن الإمام الشافعي رضي اللّٰه عنه أنه قال: "أنا ضامنُ رزقِ طالب العلم الخالص؛ لأن في رزقه بركة وسعة".
ولما كانت هذه هي الثوابة، وأن طلاب رسائل النور قد أظهروا الأهلية التامة لعنوان "طالب العلم" في هذا الزمان، فلا ينبغي التخلي عن خدمة رسائل النور تجاه هذا القحط والجوع الم والسلمع إدراك أن أفضل علاج لهذا هو الشكر والقناعة والارتباط بصفة الطالب لرسائل النور، وعدمُ ترك الخدمة بحجة الضرورة لهاثًا وراء متطلبات العيش.
— 191 —
نعم، إن همولرحمن"ش هذه قد أحاطت بالناس كلهم من كل جهة. وأهلُ الضلالة يستغلون هذا الوضع. ويجد أهل الدين أنفسهم معذورين قائلين: ماذا نعمل، إنها ضرورة. لذا فعلى طلاب رسائل النور مواجهةُ بلاء الجوع والضرورة برسائل النور أيضا. فوظيفة كل طالب ليولا تزنقاذَ إيمانه وحده بل هو مكلّف أيضا بالحفاظ على إيمان غيره، ولا يكون ذلك إلّا بالاستمرار الجاد في الخدمة.
لقد كتبنا لكم: لا تواجهوا المعارضين بالعداء. بل اتخِذوا طور الصداقة مع أهل التقوى وأهل العلم قدر المستطاع. وعليكم الأخذ ا آخر،لا تُقحِموا في صفوفكم من يمكن أن يسبب ضررا برسائل النور ويمس صلابة طلابها، لأن أمثال هؤلاء إن لم ينضموا إلى الدائرة بنية خالصة ربما يورثونلنور إر. وإن كانوا يحملون أنانية وحبا للذات يكسرون صلابة طلاب رسائل النور ويجلبون أنظارهم إلى خارج رسائل النور ويشتتون أفكارهم. يلزم في الوقت الحاضرحقيقيية التامة والأخذ بالحذر...
سعيد النورسي

* * *

(معجزة معنوية)إن رسائل النور ليست طريقة صوفية بل حقيقة، وهى نور مفاض من الآيات القرآنية ولم تُستقَ من علوم الشرق ولا من فنون الغرب، وإن ل معجزة معنوية للقرآن الكريم خاص لهذا الزمان.

* * *

(تتبع أخبار الحرب)
جواب لسؤال ورد من قبل طلاب رسائل النور
سؤال:لقد سألناكم في السنة الماضية: هاحمته تت خمسون يوما ولم تلتفتوا إلى التيارات الجارية في العالم ولم تسألوا عنها، وقد أجبتم لنا في حينه. ولكن رغم أن ذلك الجواب كان حقيقة وكافيا، السادنه كان من المفروض أن تنظروا إلى تلك التيارات ولو قليلا من زاوية
— 192 —
انتشار رسائل النور والعمل لها وإفادة العالم الإسلامي. أفلا يدفعكم الفضول إلى الاهتمام بها والسؤال عنها من هذه الزاوية؟
الجواب:إن الإنسان الذي يخوض غمار هذه الحرثبتت أحنة يمثل أصدق تمثيل الآية الكريمة كان ظلومًا جهولًا (الأحزاب:٧٢) لذا لا يجوز النظر إلى المظالم المحيّرة فضلا عن موالاة تلك التيارات وتتبع أخبارها والاستماع إلى دعاياتهم الكاذبة الخدّاعة ومشاهدة معار الإلهسًى وحزن. لأن الرضى بالظلم ظلم، وإذا ما مال إليه يكون ظالما. وإذا ما ركن إليه ينال زجر الآية الكريمة
ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم الناة للقر(هود:١١٣).
نعم، لأن هذه الحرب المدمرة ليست لأجل إحقاق الحق وإرساء الحقيقة ولا لأجل إعلاء شأن الدين وإقرار العدالة، بل تستند إلى العناد والعصبية القومية والمصلحة النوعية وإشباع أنانية النفس، فتُرتكب مظالمُ شنيعة وم لهذه يمة لم يُر مثيلها في العالم.
والدليل على ذلك: إفناء الأبرياء من أطفال وعوائل وشيوخ ومرضى بالقنابل المدمرة بحجة وجود جندي أو اثنين من جنود الأعداء فيم إن منم.. واتفاق أعتى المستبدين من البرجوازيين مع الفوضويين والإرهابيين الذين هم المتطرفون من الاشتراكيين والشيوعيين وإهدار دماء ألوف بل ملايين من ادونه مء.. والاستمرار في هذه الحرب الضارة للإنسانية جمعاء.. وردّ الصلح والسلام.. لذا فإن الإسلام والقرآن الكريم بريئان بلا شك من مثل هذه الحروب المدمرة التي لا تنو متعا أي قانون كان من قوانين العدالة ولا مع الإنسانية ولا مع أي دستور كان من دساتير الحقيقة وقوانين الحقوق. ولا يتذللان بالتنازل لمعاونة أولئك؛ لأن فرعونية رهيبة ومصلحية عجييقين وحوذان فيهم بحيث لا يمدّون يد العون إلى القرآن والإسلام، بل يحاولون جعلهما آلتين طيعتين في سبيل مآربهم. فلا شك أن أحقية القرآن تأبى الاستناد إلى سيوفِ ظالمين كهؤلاء. بل الفرض على أهل القرآن والواجب عليهم الاستناد إلى قدرة رب العال نعمحمته بدلا من الاستناد إلى قوة عُجنت بدماء ملايين الأبرياء.
ولما كان الإلحاد يسحق أهل الدين مستندا إلى إحدى القوتين المتصارعتين وأن الانحياز إلى التيار المخالف للزندقة يبدو كوسيلة للنجاة من جَورهم، إلّا أن التجارب أي الشجن ذلك الانحياز -في الوقت الحاضر- يولد أضرارا كثيرة دون أن يجدي نفعا.
— 193 —
ثم إن الزندقة تدور -بسبب النفاق- حيث دارت مصلحتُها، إلى أي جهة كانت. وتجعل صديقَك حل وسلامتدفعه إلى معاداتك. فتبقي الآثام التي اكتسبتَها من الانحياز ثقيلة في عنقك.
وحيث إن وظيفة طلاب رسائل النور هي الإيمان، لا تهمهم الأمور الجارية في الحياة ولا يدفعهم الفضول إلى ا في تلليها بلهفة.
وبناء على هذه الحقيقة: فليَ الحق ألّا أنظیر إليها طوال ثلاث عشرة سنة وليس ثلاثة عشر شهرا فحسب. فلقد نظرتم أنتم إليها فماذا كسبتم غير الآثام؟ وماذا فقدتُ أنا ولم أنظر إليها؟
السؤال الثاحدا، ا السبب و ما وجه التخصيص لطلاب رسائل النور الخواص، أنهم ضمن الطائفة المعرّفة بالآية الكريمة الذين انعمت عليهم في سورة الفاتحة، وضمن الطائفة المجاهدة في آخر الزمان المعرّفة في الحديث الشانون اا تزال طائفة من أمتي" [٭]: رواه البخاري، المناقب ٢٨؛ الاعتصام ١٠، التوحيد ٢٩؛ الترمذي، الفتن ٥١. وأنهم فرد من أفراد المعنى الإشاري للآية الكريمة الّا الذين آمنوا ..الخ، من سورة العصضا عنيالجواب:السبب هو أن رسائل النور قد كشفت وحلّت ما يقرب من مائةٍ من طلاسم الدين وأسراره ومُعَمَّيَاتِ الحقائق القرآنية. بحيث إن الجهل بطلسم وسرّ يوقع الكثيرين في الشبهات والشكوك ولا ينجون من الريوب. بل قد يفقدون إدرسا فم، أما الآن وبعد فكّ تلك الأسرار وحلّ تلك المغاليق لا يجرؤ الملحدون على الظهور والغلَبة ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
وقد أشرنا إلى قسم منها في المكتوب الثامن والعشرين (العنايات السبع). وستُجمع تلك الطلاِ وَاِن اللّٰه في مجموعة مستقلة.

* * *

— 194 —
(رسائل النور سانحات قلبية)إن مسائل رسائل النور ليست نابعة من العلم، وإعمال الفكر، وبالنية والقصد والإراداخرى
هي -بالأكثرية المطلقة- سانحات وظهورات قلبية وتنبيهات وإخطارات على القلب.

* * *

(كيف نجوتُ من ألم الشفقة؟)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شعرتُ -بدافع العطف الإنساني- بحزن أليم جدّا للبشرية المضطربة في هذا الشتاء القارس،اديا- اء المعنوي الرهيب الذي يلطخ البشرية بالدماء، فأمدّت حكمةُ الخالق الكريم ورحمتُه تعالى قلبي المحزون، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين -كما بينته ذلك في كثير من الأماكن- فورد هذا المعنى إلى القلباص والن تألّمك هذا الشديد، يجرى مجرى الانتقاد لحكمة ذلك الحكيم ورحمة ذلك الرحيم سبحانه وتعالى. فلا رأفة -في دائرة الإمكان- تسبق الرحمة الإلهية، ولا لٍ، فمأكمل من حكمته الربانية. فكّر: أن العصاة ينالون جزاءهم والأبرياء والمظلومون سينالون ثوابَهم بعشرة أضعاف مما قاسوا. فعليك النظر إلى الحوادث الواقعة خارج دائرة اقتدارك من زاوية رحمته وحكمته وعدالته وربوبيته تعالى.
وهكذا نجوتُ من الألالأزل يد النابع من الشفقة بفضل اللّٰه.
يُنقل أدناه جواب سعيد القديم حول سؤال أورده في مؤلَّفه "المناظرات" المطبوعِ قبل ثلاثين سنة.
لقد سئل قبل ثلاثين سن للوصوء تجواله بين العشائر:
سؤال:أمَا تكون الشكوى من الزمان والاعتراضُ على الدهر اعتراضا على بدايع صنعة الصانع جل جلاله؟
الجواب:كلا، ثم كلا، بل ربما تعني الشكوى ما يأتي:
— 195 —
كأن الشاكي يقول: إن ماهية العالم المنظمةَ بدستور الحكمة الأدما يرير مستعدة لإنجاز الأمر الذي أطلبه، والشيءِ الذي أبغيه، والحالةِ التي أشتهيها، ولا يسمح به قانونُ الفَلَك المنقش بيد العناية الأزلية، ولا توافقه طبيعةُ الزمان المطبوعةُ بمطبعة المشيئة الأزلية، ولا تأذن ماعة ككمةُ الإلهية المؤسِّسة للمصالح العامة.. لذا لا يقطف عالمُ الممكنات من يد القدرة الإلهية تلك الثمراتِ التي نطلبها بهندسةِ عقولنا وتَشَهِّي هوانا وميولنا. وحتى لو أعطَتها لَماَ تمكن من قبضها والاحتفاظ بها، الإيماطتْ لَمَا تمكّن من حملها. نعم، لا يمكن أن تسكن دائرةٌ عظيمة عن حركاتها المهمة لأجل هوى شخص...
هذا وتُلحِق رسائل النور هامشا في بحث الزلزلة، كالآتي:
بينما لكل عنصر من العناصر وكل حادثة من الحوادث المادية والمعنوية -كالشتاء والزلزال- م روحكم النتائج والغايات الخيرة. فإن إيقافَه لئلا يأتي شرٌّ ونتيجةٌ ذات ضرر وشر، ارتكابٌ لمئات الشر، بترك تلك المئات من النتائج الخيرة، وهذا منافٍ للحكمة والحقيقة والربوبيةراحتهالكن الأفراد الذين يتضايقون من القوانين الكلّية، يُمدّ الرحمنُ الرحيم سبحانه كلَّ فرد عاجز ضعيف منهم بالعنايات الخاصة والإمدادات الخصوصية والاحسانات المخصوصة ويُسعفهم بدواءٍنما هوم. ولكن ليس وفق هوى ذلك الفرد، بل وفق منفعته الحقيقية، وقد يُعطى له ألماسا في الآخرة على ما طلبه من زجاج في الدنيا.

* * *

(هموم العيش الثقيلة)كنتُ شديد القلق لاحتمال انفراطِ تساند طلاكمة- إل النور -وأكثرهم فقراء- وتزعزعِهم أمام هذه الحالات الرهيبة من هموم العيش التي أثقلت كاهلَ الفقراء والقحط الذي ألمّ بالناس -ضمن الوفرة- حيث بلغ الغلاءُ مبلغه في هذا الشتاء المادي والمعنوي. فأنتم يا إخوتي محتاجونا معنىفون في هذه العواصف الهوج أكثر من أي وقت آخر بالحفاظ على ترابطكم واتحادكم وغض النظر عن تقصيرات إخوانكم وعدم نشر الانتقاد فيما بينكم. حذار حذار أن يمتعض أحدُكم من الآخر... فلا ينتقدنّ أحدكم الآخر... وبخلاف ذلك فإن إظهاركم ولو قليلا من ضعف يستغلل أمره النفاق فيلحقون بكم أضرارا بليغة.
— 196 —
وتجاه ضرورة هموم العيش، عليكم الالتزام بالاقتصاد والقناعة. وحيث إن المصالح الدنيوية ساقت كثيرا من أهل الحقيقة وأهل الطريقة إلى نوع ان بمانافسة، فأنا قلقٌ من هذه الجهة التي لم تُزعزع طلابَ رسائل النور إلى الآن، ونسأل اللّٰه ألّا تزعزعهم في المستقبل أيضا. ولكن ليس الجميع على النمط نفسه من الأخللمدنيةذا ما أراد البعضُ راحته ضمن الدائرة المشروعة فلا تعترضوا عليه. والطالبُ الذي يعاني حالة الضرورة يمكنه أن يَقبل الزكاة. وأنه لَيعدّ نوعا من خدمة رسائل النور أيضا، مدُّ يد العون بالزكاة إلى الأركان -من طلاب النور- الذينن الكر وقتهم لخدمة رسائل النور وإلى الساعين في الخدمة. بل يجب معاونتهم. ولكن يجب ألّا يكون بالحرص والطمع؛ والسؤال بلسان الحال. وإلّا يفتح الميدان لتعرّض أهل الضلالة الذين يقولون: هؤلاء ضحّوا بدينهم في سبيل الحرص والطمع؛ إذ يقيسونكم على أنفسهم ويم إليهم بقولهم: إن قسما من طلاب رسائل النور أيضا قد جعلوا دينهم أداةً لدنياهم.
عليكم بقراءة رسالة "الإخلاص" و"الاقتصاد" فيما بينكم تارة، وتارة أخرى رسالة "الهجمات الست".
إن ثباتكم الخارقوهي مزتكم المتينة وتساندكم التام واتفاقكم العظيم سيكون مدار فخر لهذه البلاد بل هي بدرجة تستطيع أن تنقذ مستقبلها. احذروا ألّا تُفسد تساندَكم الع الرسوالجديدة المقبلة.

* * *

(حقيقة تتعلق بأرباب العلم)
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء!
إن لرسالة "الحزب النوري" كرامةً معنوية تعود إلى شخصي، والآن جاء دور بيى المُ عندما انقلب سعيدٌ القديم إلى سعيد الجديد قبل ثلاثة وعشرين عاما، واختار مسلك التفكر، بحثتُ عن سرِّ "تفكرُ ساعةٍ خير من عبادة سنة"، وفي كل عام أو عامين كان ذلك
#ياسة هسرّ يغيّر من شكله فينتج إما رسالة عربية أو رسالة تركية. وقد دامت تلك الحقيقة وهي تتلبّس الأشكالَ المختلفة ابتداء من رسالة "قطرة" العربية، وانتهاء إلى رسالة "الآية الكبرى"، حتى أخذت شكلها الدائم في شخصيةب النوري". ومنذ عشرين عاما، ما كان يتملّكني الضيق وأصاب الفكرَ والقلبَ إرهاقٌ، ولجأتُ إلى قراءة قسم من ذلك الحزب بتأمل، إلّا وكان يزيل ذلك الضيقَ والسآمة والإرهاق. وقد تكرر ألف مرة أم.
يبق أي أثر للملل والتعب -الناتجين عن الانشغال طوال خمس أو ست ساعات من الليل- بقراءة سُدس ذلك الحزب قبيل الفجر. نعم، إن هذه الحال تدوم حتى الآن.
ولمناسبة هذه الحقيقة أُبين مسألة وحقيقة عظيمة تتعلق في الو، لذا اضر بأرباب المدرسة الشرعية والعلماء:
لقد انقادت طائفةُ المدارس الشرعية لطائفة التكايا والزاويا الصوفية منذ سالف العصور، أي سلّموا لهم القياد وراجعوهم للحصول على ثمار الولاية. وتحرّوا عندهم أذواقَ ال الأمنوأنوار الحقيقة. حتى كان عالم كبير من علماء المدرسة الشرعية يقبّل يدَ شيخ ولي صغير من أولياء الزاوية الصوفية ويتبعه، فطلبوا ذلك النبع الفياض باء السالباعث على الحياة في التكايا والزوايا.
بينما أظهرت رسائل النور بالمعجزة المعنوية للقرآن الكريم -كما هو ماثل أمامكم- أن في المدارس الشرعية أيضا طريقا قصيرة توصل إلى أنوار الحقيقة، وفي العلوم الإيمانن كل شوع ثرّ هي أصفى وأنقى من غيرها. وأنه في العلم الشرعي، وفي الحقائق الإيمانية وعلم كلام أهل السنة، طريقا للولاية هي أسمى وأحلى وأقوى من العمل والعبودية والطريقة الصوفية.
بينما يلزم -بل الألزاء اليُ علماء المدرسة الشرعية لموالاة رسائل النور باعتزاز وشوق، فإن أكثرهم لا يعرفون -يا للأسف- أن هذا الكنیز العظيم الباقي، وهذا النبع الفياض الباعث على الحياة، مُلك مدرستهم نفسها، ولا يبحثون عنه، ولا يحاولون الحفاظ عل في ال ولكن الآن وللّٰه الحمد بدأت تباشيرُ ذلك حيث جَذبت مجموعةُ "الكلمات" العلماءَ والمعلمين معا إلى الأنوار.

* * *

— 198 —
(الحاجة إلى الحقائق الإيمانية ماسة)إخوتي الُ ذلك الأوفياء!
حمدًا للّٰه وشكرًا له بما لا يتناهى من الحمد والشكر، إذ جعل ولاية إسبارطة مدرسةَ الزهراء والجامع الأزهر والذي كان هدف خيالي منذ مدة. فأقك الخدتُغني رسائلَ النور عن المطبعة ونشرُكم بالرونيو هذا العدد الكبير من النسخ المضبوطة المتسمة بالتوافق في وقت قصير أثبت دعواي الذي قلته صباحا. ثم أتى "أمين" بهذه النسخ -ثمرات رياض الججميعًايل الظهيرة. والدعوى هي أن الحقائق الإيمانية التي تخدمها رسائل النور هي أجلّ من كل شيء، والحاجة إليها على أشدها في الوقت الحاضر، ولكن الملحدون أماتوا قلوبَهم وأطاشوا نفوسَهم بالأهواء، فينكرون الحاجة إلى حقيقة الإيمان، فيقولون: إن الذ عن أد أهل الدين والعلم نابع من مقاصد دنيوية وحاجاتها. وهكذا يتهمونهم ويعرّضونهم لظلم شديد بموجب ذلك الاتهام. إن إسكات هؤلاء الملحدين التعساء إسكاتا تاما وفعليا يتطلب وجود مضحّين لا تُشبع حاجاتِهم إلى الحقائق الاء.
ة أعظمُ مشاغل الدنيا، بل حتى أضرارُها الجسيمة لا تشغلهم عنها.
- تُرى هل هناك أحد من هذا القبيل؟
- نعم، وها هي ولاية إسبارطة وحواليها أمامكم...

* * *

(نفس أمارة ثانية)مسألة دقيقة كُتبتْ تنبيها لأحد البراها ممن لم يرَ تقصيره، نرسلها لكم علّها تنفعكم كذلك.
رأيت -في وقت ما- لدى عدد من الأولياء العظام، ممن نجوا من أوضار نفوسهم الأمارة بالسوء مجاهدات نفسية، وشكايات منها. فكنتُ أحار في الأمر كثيرا، ولكن بعد مدة طويلة رأيت أن هناك نفسا أمارة مغيرة م-غير دسائس النفس الأمارة الحقيقية- هي أشد عصيانا من الأولى وأكثر نفورا من الطاعة، وأكثر إدامة للأخلاق الذميمة، هي النفس الثانية.
— 199 —
ا شرفًيج من الهوس والمشاعر والطبائع، وهي موغلة في الأعصاب والعروق، وهي الحصن الأخير الذي تحتمي به النفسُ الأمارة، وهي التي تتولى القيام بوظيفة النفس الأمارة السيئة السابقة -التي تزكّت منهاضطرابعل المجاهدة تستمر إلى نهاية العمر.
وأدركتُ حينها أن أولئك الأفذاذ الميامين ما كانوا يشكون من النفس الأمارة الحقيقية، بل من نفس أمارة مجازية. الدولدت أن الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي أيضا يخبر عن هذه النفس المجازية.
ولما كانت حواس هذه النفس الأمارة الثانية عديمة الشعور، عمياءَ لا تبصرائض، فتَفهم أقوال العقل ولا تدرك نصائح القلب، ولا تُعير لها سمعا كي تنصلح وتدرك تقصيراتها، لذا لا ترتدع عن السيئات إلّا بلطمات التأديب وصفعاتها وبالآلام، أو بالتضحية التامة بحيث يضحي المرءُ بمشاعرهيدتها،ه كلِّها للهدف الذي يصبو إليه فيترك أنانيته كليا، بل كلَّ ما يملكه لذلك الهدف، كما تركه طلاب النور الخواص.
وفي هذا العصر العجيب، تتفق النفسان الخاصا -ن -الحقيقيةُ والمجازيةُ- معا بتلقينات رهيبة، حتى تدفعا الإنسانَ ليَدخل في السيئات والآثام طوعا وبرغبةٍ منه، تلك السيئات التي ترتعد من شناعتها الكائنات.
حتى إنني في غضون دقيقة واحدة، وبضيق قليل جدّا فَوَّتُّ حسنةً عظيمة جدّا. وقد حدآنفًا ضمن مجاهدة معنوية عظيمة خلال عشر دقائق، عندما كان أحدُهم وهو في صفي يخترق صفوف أعدائي ويشقهم شقا كمن يرميهم بمدافع ثقيلة عظيمة. فتحيّنَتْ تلكما النفسان الأمارتان فرصةَ الغفلة مؤقتا، إذ شَعرتُ بميلٍ للتفوق وبأثَرة مظلمة إلى أقبح رياء وحسد ا ينبغن الشكر والحمد العظيمين حيث قلت: "لِمَ لمْ أرم القذائف أنا؟".
فألف شكر وشكر للبارئ الكريم سبحانه أن رسائل النور ولاسيما رسائل "الإخلاص" أزالت -كليا- دسائسَ كلتا النف من أممدت الجراحات التي ولدتاها، مثلما أزالت الحالاتِ التي حدثت في دقيقة واحدة وفي عشر دقائق إزالة تامة والحمد للّٰه. فعرفتُ تقصيري -تلك المعرفة االبركة استغفار معنوي- ونجوت بفضله تعالى من العذاب والآلام المضمَرة التي هي جزاء معجل لذلك الخطأ.
— 200 —
قلق ساور قلبي فجأةأبينه لكم:
لقد شعرتُ وأدركت أن أهل الضل الوقتجزهم عن صد السيوف الألماسية لرسائل النور يريدون زعزعة رابطة الطلاب الوثيقة مستفيدين من عروق واهية نابعة من اختلاف المشارب أو المشاعر مستغل فأنا لبات العيش ولوازمه والغفلة التي تخيّم في الربيع. إياكم وإياكم أن تجد الفرقةُ فرجةً فيما بينكم. احذروا؛ فالإنسان لا يخلو من خطأ. إن باب التوبة مفتوح. فإذا ما دفعتكم النفسُ والشيطاألة قدالاعتراض على أخيكم وانتقاده على حق، قولوا:
إننا مكلفون بالتضحية بحياتنا وكرامتنا وسعادتنا الدنيوية في سبيل الحفاظ على التساند الذي هو الرابطة الوثقى لرسائل النور، فضلا عن مثل هذه الأمور الجزئية. فوظيفتُنا التضحيالذين ما يمتّ بصلة بالدنيا والأنانية، لما تكسبنا رسائل النور من نتائج جليلة.
وبهذا تُسكتون النفسَ الأمارة. وإن دار حول مسألةٍ نقاشٌ ونزاع، فشاوروا بعضَكم بعضا. لا تتشددوا، أوغلوا برفق، الناسُ ل تركت واسية في المشارب. ينبغي أن يتسامح بعضُكم مع البعض الآخر في الوقت الحاضر.
سلامنا إلى الإخوة جميعا فردا فردا.

* * *

(لا تفسحوا المجال للانتقاد)إخوتىشهر رماء الأوفياء!
حذار حذار.. لا تفسحوا المجال لانتقاد بعضكم البعض الآخر، فيستغلَّ أهل الضلالة اختلاف مشاربكم وعروقكم الضعيفة وحاجاتكم المعيشية. صونوا آراءكم من التشتت بإقامة الشورى الشرعية بينكم، اجعلالرطوبتير رسالة الإخلاص نصب أعينكم دائمًا. وبخلاف هذا فإن اختلافًا طفيفًا في هذا الوقت يمكن أن يُلحق أضرارًا بليغة برسائل النور.

* * *

— 201 —
(ما الذي يمنعنا عن السياسة؟)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد أتاني اليوم صلاح الدين ومافظ للن الأمن (المَباحث) يتعقبه، دخل عليّ من ورائه.
قلت لذلك الجاسوس الحكومي:
إن رسائل النور -ونحن الذين نتلقى الدرس منها درسا كاملا- لن نجعلها أداةً للدنيا قاطبة ناهيك عن سياستها، ونحن لا نتدخل بدنيا:إنقالدنيا، فمن البلاهة توقّع الأضرار منا، وذلك:
أولا:أن القرآن الكريم قد منَعنا من السياسة، لئلا تسقط -في نظر أهل الدنيا- الحقائقُ التي هي بنفاسة الألماس إلى مستوى القطع الزجاجية التافهة.
ثانيا:إن الشفقة والضمير والحقيقة تمنعنا من السياحدنا بنه لو كانت نسبة المنافقين الملحدين الذين يستحقون العقاب اثنين من عشرة، فهناك سبعٌ أو ثمان من الأبرياء من أقاربهم وذويهم. وهناك الأطفال والعوائل والشيوخ والمرضى. فإذا نزلت المصيبةُ والبلاء فإن أولئك الأبريالة.
مانية سيسقطون في أتون المصيبة. ولربما سيلحق بالمنافقَين الاثنين والملحدَين ضرر طفيف. ولهذا فإن ما في ماهية رسائل النور من الشفقة والرحمة والحق والحقيقة قد حالت دة لأي خول في السياسة بوسائل الإخلال بالإدارة والنظام فضلا عن أن نتائجها مشكوك فيها.
ثالثا:إن هذا الوطن وهذه الأمة والحكومة -مهما كان شكلها- فهي بحاجة ماسة إلى رسائل النور. فينبغي لأعتى الملحدين منهاستفادميل إلى دساتيرها المتسمة بالدين والحق ناهيك عن الخوف منها والعداء لها، اللهم إلّا إذا كانت خيانة فاضحة للأمة والوطن والحاكمية الإسلامية. لأن هناك خمسة أسس ضرورية لإنقاذ هذه الأمة وهذا الوطن في حياتها الاجتماعية والسياسية ونجاتها من لتي لا والإرهاب ومن المخاطر العظيمة:
الأول:الرحمة. الثاني: الاحترام. الثالث: الأمن والثقة. الرابع: اجتناب المحرمات والتمييز بين الحرام وفحه عن. الخامس: الطاعة وترك التسيب.
— 202 —
وهكذا فرسائل النور عندما تنظر إلى الحياة الاجتماعية تُحقق هذه الأسس الخمسة وتثبّت بها ركائز النظام في البلاد.
التواف فليعلم الذين يتعرضون لرسائل النور، أنّ تعرضهم هذا إنما هو عداء -في سبيل الفوضى والإرهاب- للوطن والأمة والنظام.
هذا ما قلته باختصار لذلك الجاسوس الحكومي. و حقا و: قل هذا لمن أرسلك هنا. وقل لهم أيضا: إن الذي لم يراجع الحكومة لتأمين راحته طوال ثماني عشرة سنة.. والذي لا علم له بالحرب الدائرة التي قلبت العالم رأسا على عقب منذ أحد عشر شهرا.. والذي يستغني عن أن يَقبل إيجاد علاقةِ صداقةٍ مع من يشغل مراتبلوا وذ في الدولة. فالذي يتوجس خيفةً من مثل هذا الرجل ويساوره الشكوك وكأنه سيتدخل بأمور دنياهم ومن ثم مضايقته وشدّ الخناق عليه، ماذا يعني عمله هذا؟ وما المصلحة فيه؟جاة كذانون يجيز هذا؟ حتى البلهاء يعرفون أن التعرض له جنون وبلاهة! قلنا له هذا، ثم غادرنا.

* * *

(لا تنشغلو بلسعات البعوض)إخواني الأعزاء!
لا ديٍ الذى درس وتوجيه جديد، إذ شاهدتُ بين رسائلكم رسائل "الإخلاص" هذه المرة. فأحيلكم إلى دروس تلك الرسائل. إلّا أنني أنبّه إلى ما يأتي:
لما كان مسلكُنا يستند إلى الإخلاص، ومبنيا على الحقائق الإيمانية فإننا مضطرون -وفق مسلكنا- إلوسيغبطالتدخل في أمور الحياة الاجتماعية والحياة الدنيوية، مالم نضطر إليها. وعلينا التجرد والابتعاد عن تلك الحالات التي تؤدي إلى التنافس والتحيّز والتنازع.
فأسفا، وألف أسف، لأهقع للحم ولأهل التقوى الضعفاء الذين يتعرضون -في الوقت الحاضر- إلى هجومِ ثعابين مرعبة، ثم يتحججون بهفوات جزئية شبيهة بلسع البعوض، فيعاوِنون -بانتقاد بعضهم البعض- تلك الثعابينَ الماردة، ويُمدّون المنافقين الزنادعم عليبابٍ لتدميرهم وتحطيمهم، بل يساعدونهم في هلاك أنفسهم بأيدي أولئك الخبثاء.
— 203 —
يَذكر أخونا المخلص جدّا "حسن عاطف" في رسالته: أن عالما واعظا شيخا قد اتخذ طورا يو البالضرر برسائل النور، حيث حاول التعرض لها بالتهوين من شخصي الضعيف، بحجة تَركي لسنة نبوية (إطلاق اللحية) علما أن ذلك الترك مبني على عذرين مهمين.
أولا:ليعلم ذلك الشخص -واعلموا أنتم كذلك- أنني خادمُ رسائل النور، ودلّالخال أنالدكان. أما رسائل النور فهي تفسير حقيقي للقرآن الكريم وهي وثيقة الصلة به، ذلك الكتاب الجليل المرتبط بالعرش الأعظم، لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي الشخصية إلى الرسائل.
ثانيا:بلّغوا ذلك العالمن شبابظ عني السلام. فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر. وأنتم بدوركم لا تسوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة. ولو حدَثَ تعدّ وحواسز علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم. إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض أيا كان، هو أخونا من حيث الإيمان لأنه مؤمن. حتى لو عادانا، فلا نستطيع أن نعاديه بمثل عدائه، حسب ما يرشدنا إليه مسلكُنا. لأن هناك أعداء شرسين وحيّات لاذعة ونحن لاما انشسوى النور، لا الصولجان. والنورُ لا يؤلم، بل يلاطف بضيائه، ولاسيما الذين هم ذوو علم فلا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية، بل استرشِدوا ما استطعتم بدستور الآية الكريمة:
واذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا
(ااء وظي:٧٢).
ثم إن ذلك الشخص المحترم، كان داخلا في دائرة رسائل النور، واشترك في استنساخ الرسائل، فهو إذن ضمن تلك الدائرة، فاصفحوا عنه حتى لو كان يحمل خطأ في ال.
فليس مثل هذا الشخص الفاضل من ذوي الدين والتقوى المنسوبِين إلى الطرق الصوفية، بل حتى من المؤمنين المنسوبين إلى فرق ضالة، لا ينبغي أن نثير معهم نزاعا وخصاما في هذا العصر العجيب، بل لا نجعل نقاطَ الاختلاأستاذيزاع موضعَ نقاش مع المؤمنين باللّٰه واليوم الآخر حتى لو كانوا من النصارى.
هذا ما يقتضيه هذا العصر العجيب، وما يقتضيه مسلكنا الذي نسلكه، وما تقتضيه خدمتنا المقدسة.
ولأجل الحيلولة دوننا، إنعوائق اجتماعية وسياسية أمام انتشار رسائل النور في
— 204 —
العالم الإسلامي، ينبغي لطلاب رسائل النور اتخاذ سلوك المصالحة. إياكم وإياكم أن تتعرضوا لصلاة الجماعة والجمعة للعلماءمَا تم: حيث كان الأذان والإقامة والخطبة بالتركية. فلا تنتقدوا المشتركين فيها. أما قول الإمام الرباني: "لا تدخلوا مواضع البدع" فالمقصود منه لا ثواب فيها، وليس معناه بطلان الصلاة، لأن قسما من السلف الصاالدينيد صلّوا خلف يزيد والوليد. ولكن إذا كان المرء يتعرض للكبائر في أثناء ذهابه إلى المسجد وإيابه منه، فالأولى أن يظل في معتكفه.
يذكر أخونا في رسالته عن إخواننا الجدد الشجعان الثابتين. فنحن نقبلهم بكل مهجنا وأرواحنا. ولكن الدقرآن)في دائرة رسائل النور لأجل أن يقدروا شجاعتهم الشخصية حق قدرها يبذلون شجاعتهم في ثبات لا يتزعزع ومتانة لا تلين وترابط لا ينفصم مع إخوانه. فيجب تحويل تلك الشجاعة الشخصية التي هي بحكم قطع زجاجية متكس علي ر ألماس التضحية الصدّيقية الناشدة للحقيقة.
نعم، إن أهم أساس في مسلكنا بَعد الإخلاص التام هو الثبات والمتانة. وبهذه المتانة حدثت وقائع كثيرة أث فكري، أمثال هؤلاء الذين نذروا حياتهم في خدمة النور يقابل كلٌّ منهم مائة شخص، فالشخص الاعتيادي الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين قد فاق أولياءً يتجاوزون الستين من العمر.
ثم إن شخصا حتى لو كانت شجاعته حسنة، فإنه بعد دخوله جماعة متساندة، لا يستطيع أن يسسُد إخجاعته تلك، حفاظا على راحة جماعته وصيانةً لعدم زعزعتهم، فلابد من العمل وفق الحديث الشريف: "سيروا على سير أضعفكم". [٭]: انظر: السخاوي، المقاصد الحسنة ٢٤٦؛ علي القاري، المصنوع ١١٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٥٦٣. ويلزم عدم الخوض ل نشر ئل النیزاع، وعدمُ طَرق مسائل القبعة والأذان واستعمالِ عناوين الدجال والسفياني مع الغرباء، حيث يُسبب هذا اتخاذَ العلماءِ وأهلِ السياسة تجاه رسائل النور موقف المجابهة والتعدي عليها. فالحذرُ هو الألزم.. والواجب ضبط النفس، حتى إن عدم الأ وأنا حذر ولو جزئيا يؤثر إلى هاهنا.
وإن رسائل النور ليست دائرة واحدة، بل لها طبقات كالدوائر المتداخلة. فهناك طبقة الأركان والمالكين والخواص والناشرين والطلاب والموالين وأمثالها من الطبقات.
— 205 —
فمن لم يكن أهلا للدخول في طبقخ ما لكان لا يُطرد خارج الدائرة، بشرط عدم موالاته لتيار يخالف رسائل النور، والذي ليست له ميزات الخواص يمكن أن يكون طالبا، بشرط عدم الدخول في معوائلهاد، والذي يعمل بالبدعة يمكن أن يكون صَديقا بشرط عدم موالاته قلبا لها.
ولهذا لا تُخرجوا أحدا من جراء خطأ طفيف خارج الدائرة، لئلا يلتحق بصة بكل داء. ولكن لا يُشرَك هؤلاء في التدابير الدقيقة التي يتخذها أركان رسائل النور ومالكوها.

* * *

(طلاب النور يُفضلون الخدمة على القطبية)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إن حادثتين وقعتا في اليومين السابقين أوردتا إلى لوا من مسائل عدة منها:
أولاها:يكتب أخونا صلاح الدين من أنقرة: لقد بدأوا بالتعدي على أهل الطرق الصوفية. وهناك اعتقالات في أنقرة وفي الشرق حول هذه المسألة. وطلابُ رسائل الن الصالوظون في كل جهة بالعناية الربانية، فإخلاصهم المتين وترابطهم الوثيق وأخذهم بالحذر تُديم عليهم تلك العناية الربانية.
ثانيها:يشكو الناس كلهم في هذه الأيام من الضيق الذي ينتابهم، وكأن فساد الهواء المعنوي قد أورث مرضَ لأمن بادي شامل. حتى سرى فيّ هذا المرض يوما. وحيث إن رسائل النور دواء لكل ما ينتابنا، فإن المنشغلين بها إما لا ينتابهم ذلك المرض أو يمسهم مسا طفيفا.

.......

رابعها:لقد شاهدتُ في بعض الرسائل المرسلة أوصافا مفرطة بحق أستاذهم، ونظرت هكذا، سي فرأيتها لا تستحق حتى زكاةَ تلك الأوصاف، وليس من حقي امتلاكها. فقلت: تُرى ما المصلحة والفائدة التي يحصل عليها إخواني هؤلاء الناشدون للحق في غلوّهم في حسنله الحواستمرارِهم عليه مع تنبيهاتي المستمرة لهم؟.
فخطر على القلب:
— 206 —
إن هؤلاء، وبلدتهم ولاية إسبارطة وحواليها يرون يُمْنَ حسن ظنهم العظيم اقتداءً ين من ياء من أمثال عثمان الخالدي وشكري طوبال، فلم يبالغوا إذن بالنظر من هذه الزاوية فقد شاهدوا حقيقةً. ولكن كما أن الكشفيات تحتاج إلى تأويل والرؤى إلى تعبير، فالأحكام الخاصة إذا عُمّزلزلة هر خطأٌ في جهة. وكذلك هؤلاء؛ قد أَعطوا الفائدة التي أسداها الشخصُ المعنوي لرسائل النور لهم ولبلدتهم إلى أحد ممثلي ذلك الشخص المعنوي وهو أخوكم هذا الذي دعوه "الأستاذ". فعمموا حادثة تلك البلدة ونظروا إليها حادثة عامة فأظهروا غلوا في حلا شرين.
السادس:قبل حوالي ثلاثة أيام استمعت إلى الكلمة الثانية والعشرين أثناء تصحيحها، ورأيت أن فيها: ذكرًا كليًا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًا قويًا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمة سامية، وعبادة فكرية رفيعة وأمثالها من الأنوار. بع السُ الحكمة في قيام قسم من الطلاب بكتابة الرسائل أو قراءتها أو الاستماع إليها بنية العبادة، فباركتُ عملهم وصدّقتهم.

* * *

(مدرسة معنوية في البرزخ)كنت أسمع أيام كنت طالبا من أناس موثوقين كلاما نقلا عن أئمة عظالنور بوهو:"أن طلاب العلوم الجادين الخالصين المحبين للعلم، الذين يتوفون في أثناء دراستهم للعلوم يكونون في البرزخ أيضا في مدرسة معنوية وكأنهم في دراستهم السابقلناس، عم اللّٰه سبحانه عليهم وضعا ملائما لذلك العالم". كان هذا الكلام يدور كثيرا في ألسنة طلاب العلوم آنذاك.
ولما كان طلاب النور في الوقت الحاضر هم خلّص طلاب العلوم من شيظيفة محمد زهدى وعاصم ولطفي وأمثالهم من الطلاب المتوفين رحمهم اللّٰه مستمرة بلا شك لأجل إضافة حسناتٍ إلى سجل أعمالهم بأقلامهم المعنوية التي تعمل عملها إن شاء اللّٰه.

* * *

— 207 —
(لا تُطلب مقاصد دنيوية بالعبادة الفكرية)إن رسائللي رضي لا تكون وسيلة قطعا لكسب مصالح دنيوية، ولا تستغل ترسا لدفع أضرارها، لكونها عبادة فكرية ذات شأن وأهمية. فلا تطلب بها مقاصد دنيوية بالذات، إذ لو طُلبت يفسد الإخلاص ويتغيّر شكل تلك الق برساالجليلة. ويكون المرء كالصبيان الذين يتترسون بجزء المصحف الذي يتلونه لدى عراكهم بعضهم ببعض. فالضرر الذي يصيب رأسه سيمس ذلك المصحف حتما، لذا لا ينبغي أن وكلُّس برسائل النور تجاه هؤلاء الخصوم العنيدين.
نعم، لقد نزلت صفعاتُ تأديب بالذين يتعرضون لیرسائل النور ويعادونها، فهناك مئات الوقائع تُثبت هذا، ولكن يجب ألّا تستعمل رسائل النور في إنزال الصفعات بل لا تنیزل بالنية والقصد لأنه عمل مناف لسر الإخلتهدين عبودية للّٰه.
فنحن نكل أمر مَن ظلمنا إلى ربنا الجليل الذي حمانا واستخدمنا في خدمة رسائل النور..
نعم، إن نتائج خارقة تخص الدنيا تترتب بكثرة على رسائل النور -كما هي في الأوراد المهمة- ولكن لا تُطلب هذه النتائج، وإنما توهَب. فلا تكون علّةاري سب قطعا، وإنما يمكن أن تكون لها فائدة. فلو حصلت نتيجةَ الطلب، كانت إذن علةً، مما يفسد الإخلاص ويُبطل قسما من تلك العبادة...
نعم، إن مقاومة رسائل النور مقاومة غالبة للكثرة الكاثرة من المنكرين المعاندين، إنما هي مما تحمله من سر ادائرة .. ومن عدم كونها وسيلة لأي غرض كان.. ومن توجُّهِ نظرها مباشرة إلى السعادة الأبدية.. ومن عدم تتبعها أي قصد كان سوى خدمة الإيمان.. ومن عدم التفاتها إلى الكشف والكرامات الشخصية التي يوليها بعض أهل الطرق أهمية.. ومنالإنسا تَحصر وظيفتَها في نشر أنوار الإيمان وإنقاذ إيمان المؤمنين، مما كَسبته من سر وراثة النبوة التي هي شأن الصحابة الكرام الحاملين للولاية الكبرى.
ه، الت إن ما تُكسبه رسائلُ النور طلابَها في هذا الزمان الرهيب من نتيجتين ثابتتين على وجه التحقيق جديرتان بالاهتمام. وهما تفوقان أي شيء آخر حتى لا تدَعان حاجة إلى النظر إلى مقامات معنوية وأموافة -ح غيرها.
— 208 —
فالنتيجة الأولى هي:أن من يدخل دائرة رسائل النور بوفاء صادق واقتناع كامل، تُختم حياته بالحسنى، أي يدخل القبر بالإيمان. فهناك أدلة قوية على هذا.
والنتي فكريةانية هي:ما تَحقق وتقرر في دائرة النور من الاشتراك المعنوي في أعمال الآخرة الذي دُفعنا إليه دون اختيارنا ولا علمِنا، كأن كل طالب حقيقيٍ صادق يقوم بالدع؛ لذا استغفار والعبادة بألوف الألسنة والقلوب، والتسبيح للّٰه بأربعين ألف لسان كما هو لدى بعض الملائكة. ويتحرى عن الحقائق السامية والرفيعة بمئات الألوف من الأيدي كحقيقة ليلة القدر في شهر رمضان المبارك.
ولأجل مثل هذه النتيجة: يرجِّح طلاب اشديدة،دمة النور على مقام الولاية ولا يتطلعون إلى الكشف والكرامات ولا يَسعون لقطف ثمرات الآخرة في الدنيا. ويفوِّضون التوفيق في نشر الرسائل وجسير للناس يتقبلونها والترويج لها، ونيل مظاهر الشهرة والأذواق والعناية الإلهية التي يستحقونها، وأمثالِها من الأمور التي هي خارجة عن نطاق وظيفتهم، يفوّضة بكل لها إلى اللّٰه سبحانه ولا يتدخلون فيها. فلا يبنون أعمالهم وحركاتهم على تلك الأمور. وإنما يعملون بإخلاص تام قائلين: تكفينا وظيفتنا، وهي خدمة الإيمان ليس إلّا.

* * *

(من مزايافهو يع النور)[٭]: مستلات من كتاب "ختم التصديق الغيبي". - إن رسائل النور في هذا العصر، وفي هذا الوقت بالذات عروة وثقى، أي سلسلة قوية لا تنقطعالترابحبل اللّٰه. فمن استمسك به فقد نجا.
- إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيّم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البإليه أعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنیز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته..
- إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها ملينا ور متعددة من العلوم والفنون، فلا مصدر لها سوى القرآن، ولا أستاذ لها إلّا القرآن، ولا ترجع إلّا إلى القرآن.. ولم يكن عند المؤلف أي كتاب آخر حين تأليفها، فهي ملهمة مباشرةلى مخاض القرآن الكريم، وتنیزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة...
— 209 —
- إن الذي يدفع اعتراضات الملحدين التي تُعدّ منذ ألف سنة للنيل من القرآن الكريم.. والذي يزيل شبهاتَعَ السفة الكفرة التي تراكمت منذ أمد سحيق، ووجدت الآن سبيلا للانتشار.. والذي يصد حقد اليهود الذين يُضمِرون العداء والثأر من القرآن الكريم الذي زجرهم وعنّفهم.. والذي يقابل هجوم نصارى مغرورين على القرآن الكريم..
نعم، إن الذياد وتجهذه الغارات جميعها هم أبطال ميامين، وقلاع معنوية حصينة للقرآن الكريم وُجدوا في كل عصر من العصور. ولكن الآن غدت الحاجة ماسة أكثر إلى أولئك الأبطال، إذ زاد عدد المهاجمعدنان واحد واثنين إلى المائة. وقلّ عدد المدافعين عن القرآن من المائة إلى اثنين أو ثلاثة. فضلا عن أن تعلّم الحقائق الإيمانية من علم الكلام أو المدارس الشرعية يحتاج إلى زمن طويل، لا تسمح به أحوالُ هذا الوقت، فانسدّ ذلك الباب أيضا. أما رأبلَهَلنور فهي تُعلِّم الحقائق الإيمانية العميقة جدّا بأسلوب يفهمه كل الناس في أقصر وقت.
- إن خاصية مميزة راقية لیرسائل النور هي: أنه في هذا العصر العجيب يستند الكفرُ والإيمان إلى آخر الحصون في المبارزة القائمة بينهما. فیرسائل النور تبين تالتي مكائز النهائية بيانا قويا قاطعا. وهذه الخاصية تظهر في رسالة "الآية الكبرى" بأسطع ما يمكن، إذ تبين الصراع القائم بين الكفر والإيمان حتى في آخر ركائزهما. ولنوضح هذا بمثال.
فمثلا:إن في ميدان حرب عظيمةٍ وأثناء اجتماعِ حُشود الجنود من الطرفين وافكنت أ فوجين منهما، يُمدّ العدو فوجه بالأعتدة والأجهزة الحربية ليشد من قواهم المعنوية ويقويها، فيسخر كل الوسائل الممكنة لذلك، منها التهوين من معنويات أهل الإيمان وتفتيت تساندهم وترابطهم، بمعنى أنه لا يدع وسيلة إلفسير فتعملها في سبيل تشتيت قوة أهل الإيمان المعنوية التي هي قوة احتياطية ساندة عظيمة. حتى إنه يبعث على فوج المسلمين وعلى كل فرد من أفراده مجموعة متساندة مترابطن في جة بروح الجماعة والتنظيم الخاص.
وإذ يحاول العدو إفناء القوة المعنوية لفوج المسلمين إفناءً كاملا، يَظهر أحدُهم كالخضر عليه السلام ويقول:
"لا تيأس أيها المسلم! فإن لك نقطةَ استنادٍ عظيمة وركيزة لا تتزعزع قط، وجيوشا من جمجرّارة لا تُغلَب، وقوى احتياطية لا تنفد، فلو اجتمعت عليك الدنيا بأسرها لا يمكنها أن تبارِز تلك القوى وتتحداها، بل لا يقدر على تدميرها إلّا مَن يملك قدرة على تدمير الكون بأسره. أماز تلكانهزامك في الوقت الحاضر فهو إرسالك جنديا واحدا ليقابل جماعة منظمة وشخصا معنويا. فاسعَ أيها المسلم، ليكون كل جندي من جنودك في حكم جماعة وبمثابة شخص معنوي يستمد معالمساع من الدوائر المحيطة به".
وهكذا يمتلئ قلب المسلم قناعةً واطمئنانا من كلام الخضر.
والأمر كذلك في رسالة "الآية الكبرى"؛ إذ إن أهل الضلالة المُغيرين على أهل الإيمان أصبحوا روحا خبيثة تسري في الأمة، وشخصية معننا شيءملة لروح الجماعة والتنظيم الخاص تفسد الوجدان العمومي والقلب الكلي في العالم الإسلامي، وتُمزق الستار الإسلامي السامي الذي يحيى العقائد التقليدية لدى عوام المسلمين، وتحرق المشاعر المتوارثة أبا عن جد.. تلك المشاعر الت والتج الحياة الإيمانية..
فبينما يحاول كل مسلم -يائسا- لينجو بنفسه من هذا الحريق المرعب الذي شبّ في أرجاء العالم. إذا بیرسائل النور تأتي كالخضر عليه السلاحكمتينمدّ إليه يد العون والمساعدة، وإذا برسالة "الآية الكبرى" كالجندي المطيع ذي الخوارق، تستمد الإمداد المعنوي والمادي الذي لا يقاوَم من آخر جيوشه المحيطة بالكون... أما سائرالمنافط في المثال، فعليكم تطبيقها كي تتبين خلاصة ذلك السر.
- إن رسائل النور كذلك ليست نورا مقتبسا، وبضاعة مأخوذة من معلومات الشرق وعلومه، ولا من فلسفة الغرب وفنونه. بل هي مقتبسة من العرش الرفيع السماوي لمرتبة القرآن الكريم الذي يسمو اليقظشرق والغرب.
- فیرسائل النور التي هي ضياء معنوي، وعلم في منتهى العلو والعمق معا، لا تحتاج دراستُها والتهيؤ لها إلى تكلف، ولا داعي إلى أساتذة آخرين من جممها، ولا الاقتباس من أفواه المدرسين، حيث إن كل شخص يفهم حسب درجته تلك العلوم العالية، دونما حاجة إلى إشعال نار المشقة والتعب للحصول عليها، فيفيد نفسه بنفسه، وربما يكون عالما محقِّقا.
— 210 —
انية ينافي سر الإخلاص، لذا أبلّغكم جازما:
أن خداما روحانيين من الجن -ممن يرغب فيهم المعتكفون المنیزوون من تاركي الدنيا- لو حضروا أوانأخرى، وأَتوني بأفضل دواءٍ لي فإنني أجد نفسي مضطرًّا إلى عدم قبولهم تحقيقا للإخلاص الحقيقي. بل لو تمثّل قسمٌ من الأولياء ممن هم في البرزخ وأعطوني أفضل الحلويات، فلا أَقبلها منهم مع تقبيلي أيديهم، وذلك لئلا آكها بأاتٍ أُخروية باقية في دنيا فانية. وقد أبدت نفسي أيضا رضاها كقلبي في عدم قبولها.
ولكني أَقبل الإكرامات الرحمانية القادمة من حيث العناية الإلهية -كالبركة- من دون أن نقصدها وننويهفي فرنلها بروحي -بشرط عدم تدخل النفس الأمارة- ذلك لأنها علامةُ قبول الخدمة والرضى عنها.
وعلى كل حال يكفى هذا القدر لهذه المسألة.
ثانيا:في أثناء الحرب العالمية الأولى [٭]: احتل الروس شرقير.. وأضول في ٣١/١٠/١٩١٤وتم دفعهم في ١٥/١/١٩١٥ بعد أن اٌستشهد ستون ألف جندي عثماني، وعاد الروس لاحتلال المنطقة مرة أخرى في١٣/١/١٩١٦ بثلاثة أضعاف القوات العثمانية ودخلوا أرضروم فيفي منت١٩١٦. كنت مع الشهيد المرحوم الملا حبيب، نندفع
— 211 —
سؤال:لِمَ خُصَّت رسائلُ النور من بين سائر الك لذا فيمة بإشارات من القرآن الكريم، والتفاتته إليها، وباستحسانِ الإمام علي رضي اللّٰه عنه وتقديره لها، وبتوجّه الشيخ الكيلاني (قدس سره) إليهام حمداشير بها. فما وجه اختصاصها، وما الحكمة في اهتمامِ وتقدير هذين الأستاذين الفاضلين إلى هذا الحد بیرسائل النور؟.
الجواب:من المعلوم أن دقيقة واحدة قد تكون ذاتَ أهمية تقابل ساعة كاملة وإنها تثمر من النتائج ما تنتجه تلك الساعة، وفلم أحا ينتجه يوم كامل، بل قد تكون تلك الدقيقة بمثابة سنين. ويحدث أحيانا أن تكون ساعة واحدة لها من الأهمية وتعطي من النتائج ما لسنة من العمر بل إلّا فكله.
فمثلا:إن الذي يُستشهد في سبيل اللّٰه في دقيقة واحدة يفوز بمرتبة الأولياء.. وإن الذي يرابط ساعة واحدة في ثغر المسلمين عند اشتداد البرد وَالنبويالأعداء الرهيبة، قد تكون له من الأهمية ما لِسَنةٍ من العبادة.
وهكذا الأمر في رسائل النور؛ إذ إن سبب الاهتمام الذي نالته رسائل النور نابع من أهمية الزمان نفسه.. ومن شدة الهدم الذي أحدثه هذا العصر في الشريعة المحمدية والشعائر الأحمدية..تغنوا تنة آخر الزمان الحالية التي استعاذت منها الأمة الإسلامية منذ القِدَم.. ومن زاوية إنقاذ إيمان المؤمنين من صولة تلك الفتن.
فلأجل هذه الأسباب كلها حازت رسائلُ النور أهمية عظمى حتى أشار إليها القرآن بعلم إشارة قوية، والتفت إليها التفاتة كريمة، وبشّر بها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بثلاث كرامات، وأخبر عنها الشيخ الكيلاني رضي اللّٰه عنه إخبارا ذا كرامة، وحضّ مؤلفها.
نعم، لیقید تزعزعتد فالبإيمان التقليدي وتصدعت أمییام هجمات هییذا العصر الرهيب، ونأَت عن الناس وتسترت بحجب وأسیتار، مما يستوجب على كل مؤمن أن يملك إيمانیا تحقيقيا قويیا جیدا ك ألاَنه میین المقاومة والثبات وحییده تجاه الضلالة المهاجمة هجوما جماعيا.
فرسائل النور تؤدي هذه الوظيفة، وفي أحلك الحیالات وأرهبها، وفي أحوج الأوقات
— 212 —
وأحرجها. فتؤدي خدمتَها الإيمانية بأسلوب يفهمه الناس جميعا. وأثبتت أعمقَ حقاتسوق إرآن والإيمان وأخفاها ببراهين قوية، حتى أصبح كل طالبِ نورٍ وفيٍّ صادق يحمل في قلبه الإيمان التحقيقي كأنه قطب مخفي من أقطاب الأولياء وركيزة معنوية للمؤمنين، وذلك لخدماته الإيمانية في القرية أو القصبة أو المدينة التي فيها. ورغم أنهم رسائلروفين وغير ظاهرين ولا يلتقيهم أحد فقد صار كلٌّ منهم بعقيدتهم المعنوية القوية كضابط شجاع في الجيش يبعث مددا معنويا إلى قلوب أهل الإيمان فيثبتهم ويبالأولهم روح الحماس والشجاعة.
- إخوتي الأوفياء الصادقين الأعزاء.. يا عِماد سلواني في هذه الدنيا، ويا رفقائي الذين لا يَكلّون في خدمة الحقيقة.
بينما كنت أتأسف في هذه الأيام على اشتغال ذهني جزئيًا بالدفاعات أمام وما أكم، ورد إلى القلب ما يأتي:
إن ذلك الانشغال هو كذلك اشتغال علميّ، إذ هو خدمة في سبيل نشر الحقائق الإيمانية وتحقيق حريتها وانكشافها؛ فهو نوع من العبادة من هذه الجهة.
والسعي وري كلما وجدت ضِيقًا في نفسي باشرتُ بمطالعة مسائل النور بمتعة ولذة، رغم أني اطلعت عليها مائة مرة. حتى وجدت "الدفاعات" هي كذلك مثل رسائل النور العلمية.
ولقد قال لي أحد إخواني: "إنني أشعر بشوق وحاجة إلى تكر منهماءة "رسالة الحشر" وإن كنت قد قرأتها ثلاثين مرة".
فعرفت من كلامه هذا؛ أن رسائل النور التي هي مرآة عاكسة لحقائق القرآن الكريم وتفسير قيم أصيل له، قد انعكست فيها أيضا مزيةٌ رفيعة للقرآن الكريم ألا وهي عدم السأم من قراءتها.
ن هذه كرا وحمدا للّٰه بما لا يتناهى من الحمد والشكر؛ إن عوام المؤمنين في زماننا هذا، الذين هم في أمسّ الحاجة إلى نقطةِ استنادٍ يستندون إليها قد وجدوها في رسائل النور، فهي حقيقة لن تكون وسي الحلق شيء كان، ولا يداخلها أي غرض أو مقصد كان، ولا تفسح المجال لأية شبهة أو وسوسة كي تدخل فيها، ولا يستطيع أي عدو كان أن يجد حجة لجرحها
— 213 —
وتفنيدها.. وإن الذين سيسعون لنشرها يسعون للحق والحقيقة وحدهما دون أن تشوب سعيهم مقاصد دنيو يسبح ذلك ليَطمئن بتلك الحقيقة أولئك البعيدون ويثقوا بناشريها الصادقين اطمئنانا تاما لينقذوا إيمانهم من صولة الزنادقة والملحدين على الدين واعتراضات الفلاسفة وإنكارهم عليه.
- نعم، إن أولئك رجحت ين سيقولون بلسان حالهم: "إن أعداءً شرسين وبهذه الكثرة لم يستطيعوا أن يفنّدوا هذه الحقيقة ولا أن يعترضوا عليها. وإن طلاب تلك الحقيقة لا يحملون في خدمتها قصدا غير الحق وحده. فلابد أنّ تلك الحقيقة هي عين الحذه الح الحقيقة". وبهذا يقوى إيمانهم بدليل واحد يفوق ألف برهان وبرهان، فينقذون إيمانهم ولا يساورهم شك بعدُ.
- إنه لأجل اطمئنان عوام المؤمنين وتقبلهم حقائق الإيمان دون أن يساورهم أي تردد، يلزم في الوقتالة لعر، وجودُ معلّمين، يحملون من الإيثار ما يجعلهم يضحون لا بمنافعهم الدنيوية وحدها، بل بمنافعهم الأخروية أيضا في سبيل منافع أهل الإيمان الأخروية. فيكون ذلك الدرس الاسمني خالصا نقيا بحيث لا يفكرون فيه بالمنافع الشخصية مهما كانت. بل يسعون في الخدمة الإيمانية، بالحقائق، نيلا لرضا اللّٰه، وعشقا للحقيقة، وشوقا إلى الحق والسداد الذي في الخدمة، وذلك ليطمئنّ كلُّ من يحتاج إلى الإيمان اطمئنانا تاما دون حاجة إلى إيرئل الندلة له، ولكي لا يقول: "إنه يخدعنا ويستميلنا" وليعلم أن الحقيقة قوية بذاتها إلى حدّ لا يمكن أن تتزعزع بأي حال من الأحوال، ولا تكون أداةً طيعة لأي شيء كان.. فيقوى إيمانه عمن يريويقول: "حقا إن ذلك الدرس الإيماني هو عين الحقيقة" وتُمحى شبهاتُه ووساوسه.

* * *

— 215 —
ملحق أميرداغ١
— 216 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 217 —
التقرير الذي رفعه خبراء أنقرة بالإجماعلقد فُتحت وقُردوره مقِبَلنا محتوياتُ خمسةِ صناديقَ مملوءةٍ بالكتب. وحيث إن من صلاحيتنا تدقيقَ كل ما في الصناديق، فقد وجدناه كالآتي:
كتبٌ مطبوعة مؤلّفة من قبل سعيد النورسى، وأجزاء غير مطبوعة من رسائل النور، ومكاتيب علمية ودينية لبعض من طلابه، متعلقة به، ومأعظم قأخرى اعتيادية جرت بين الطلاب أنفسهم أو بينهم وبين سعيد النورسي مع مجموعة من الكليشات.
ولأجل بيان ماهية هذه كلها لا بد من تقسيمها إلى قسمين:
١- الرسائل التي كُتبت لتفسير آية كريمة أو إيضاح حديث شريف، وهيالمجيد تسعين بالمائة من المحتويات. هذه الرسائل وضّحت فيها العقائد التي تخص الدين والإيمان باللّٰه والرسول والقرآن والآخرة، فوُضِّحت بجلاء مع إيراد الأمثلة ونظرات عئكم)
قيقة مقرونة بنصائح أخلاقية موجهة إلى الشيوخ والشباب مع إدراج حوادث ذات عبرة جرت في الحياة مع ذكر أمور نافعة للأهلين ومفيدة لأرباب العمل. والمؤلِّف في هذه الرسائل كلها لم يغادر الإخلاص ولم يفارق التجرد و الدامولم يخالف قطعا أُسسَ الدين. ومن الواضح البيّن أن هذه الرسائل لا تحتوي على ما يخلّ بنظام البلاد، ولا تستغل الدين بتشكيل الجمعيات.
أما الرسائل الاعتيادية التي جرت بين الطلاب وبين سطيبات"نورسي فهي أيضا من هذا القبيل:
١. يقول سعيد النورسي بأن ما ناله من شهرة أو ذيوع صيت يومَ كان في إسطنبول ما هو إلا نوم عميق وكابوس مؤقت وغفلة عابرة، وأنه قد تدخل بعقله في السياسة لدى مكوثه في إسطنبول لسنتين. يصوّر ه علاقهمر بموت الدنيا، ويميّز -بهذه المناسبة- بين شخصيتين له: سعيد القديم وسعيد الجديد. وهما شخصيتان متباينتان. ويذكر أن التنیزل إلى أمور السياسة خطأ.
٢. في قسم المناجاة لأهم كتب سعيد النورسي وهو "الحجة البالغة" ورة ما فأتي:
— 218 —
إن هذه الدنيا فانية وإن أعظم دعوى فيها هي الفوز بالعالم الباقي، فإن لم تكن عقيدةُ المرء صحيحة يخسر الدعوى. نعم، إن الدعوى الحقة هي هذه. ومن الضيالوسائلبث الاهتمامُ بما هو خارجَ هذه الدعوى. فالذي ينشغل بالأمور السياسية يتخلف عن الإيفاء بوظائف مهمة، ويَفقد سلامة قلبه من جراء تلهفه للصراعات السياسية.
٣. وذكر في اللمعةرفيع سسة والعشرين: أن مهمته الحقيقية في هذه الدنيا الهرمة هي نشر الأسرار القرآنية. ويقول: إنني مرتبط بهذه البلاد من حيث الحمية الإسلامية. وإلّا فلا دارللتهم ا أولاد لي.
٤. وذكر في اللمعة الحادية والعشرين، الدستور الأول من بين النصائح التي قدّمها لإخوانه: ابتغاء رضوان اللّٰه في عملكم، فلا تُطلب فيییه منییافییع مثل هذ ويقول أيضا: إنني لسییت صوفيا ومسلكنا ليس طريقة صوفية. وإن حب الجاه وجلب الأنظار إلى النفس مرض روحي، ويُطلق عليه الشرك الخفي، ويقول: لو كان مسلكنا مشيخة لكان المقام ور -منذوالمرشحون كثيرين.
إن مسلكنا: الأخوّة، فلا يكون الأخ لأخيه في مرتبة الأب ولا يتقلد صفة المرشد.

* * *

(محاورة مع نفسي)أُحيلُ هذه المحاورة مع نفسي إلى ّا أنهلإسماعها المسؤولين في أنقرة بعد إجراء التصحيحات اللازمة فيها.
إذا كان الحاكم والمدّعي واحدا، فإلى من تُرفع الشكوى؟ لقد حرتُ طويلا في هذه المشكلة..
أجل إلإنساني اليوم، وأنا طليق مراقَب أكثرُ شدة عليّ من الأيام التي كنت مسجونا فيها، وإن يوما واحدا من هذه الحياة يضايقني أكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك. لقد مُنعتُ من كل شيء رغم ضعفي وتقدمي في السن وفي هذا الشتاء القارس. فلا أقابِ شك أنصبي وشخص مريض. على أنني منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد.
— 219 —
إن تزييدهم المضايقات والمراقبة عليّ وعزلي عن الناس أكثرَ من هذا الحد سيمس غيرة اللّٰه سبحانه وتعالى وتكون العاقبة وخيمة..
إنني أقول: إن أهاني وهة لهذه الحكومة -بمسؤولِي الأمنِ ومأموري العدل فيها- والتي تعاملني معاملة وجدانية إنسانية هي حمايتي حماية تامة. لأن الحكومة وثلاث محاكم عدلية برّأتْ ساحتنا وأفرجت عنا بعد إجراءِ تدر.
دامت طوال تسعة أشهر على ما كتبتُه خلال عشرين سنة من مؤلفات ومكاتيب. ولكن المنظمة السرية التي تعمل بخفاء في خدمة الأجنبي ألقت في رُوع قسمٍ من الموظفين الشبهاتِ -بجعلها الحبة قبّة- طمعا في إفساد براءتنا. وغايتُهم في ذلك هذ بينمنفَدَ صبري فأقولَ: "كفى كفى!!" على أن سبب غضبهم عليّ في الوقت الحاضر هو سكوتي، وعدم تدخلي بأمور الدنيا. وكأنهم يريدون أن أتدخل حتى تتحقق لهم بُغيتهم.
ي لا تن لكم بعض مكايدهم التي يستعملونها في بث الشكوك والشبهات في قلوب قسم من الموظفين الحكوميين؛ إذ يقولون: إن لسعيد نفوذا في الأوساط العامة، وإن مؤلفاته كثيرة ولها تأثير بالغ في الناس، فمن يتقرب منه يصادقه، لذا يلزم كسر هذا ة من ت بتجريده من كل شيء وإهانته وعدم الاهتمام به وتجنيب الناس منه وإخافة محبيه. وهكذا أصبحت الحكومة في حيرة من أمرها فتُشدد عليّ الخناقَ وتُضاعف اليف الكتِ. وأنا أقول:
أيها الأخوة المحبون لهذه الأمة والبلاد
أجل، إن هناك نفوذا وتأثيرا كما يقوله المنافقون، ولكن ليس لي، وإنما لرسائل النور. يئًا م النور لا تنطفئ وكلما تعرّض لها شيءٌ قويَت! ولم تُستعمل إلّا لصالح الأمة والبلاد ولا يمكن غير ذلك. إن قيام محكمتين عدليتين طوال عشر سنوات بتلنور اِ ما كتبتُه خلال عشرين سنة تدقيقا شديدا لم يسفر عن حجة حقيقية لإدانتنا.. وهذه حجةٌ لا تُجرح وشاهدُ صدق لدعوانا.
نعم، إن المؤلفات ذات تأثير بالغ، ولكن لمصلحة الأمة والبلاد. وذلك بإرشادها إلى الإيمواص، أحقيقي لمائة ألف من الناس من دون أن تمسّ أحدا بسوء. فتأثيرها إذن هو في العمل لسعادتهم الدنيوية وحياتهم الأبدية.
— 220 —
إن مئات المساجين المحكومين في سجن "دنيزلي" -بعضُهم عوقبوا بعقوبات شديدة- قد أصبحوا متدينين ذوي أخلاق فاضلة بعد قام بتل رسالة "الثمرة" وحدها، حتى الذين قَتلوا ثلاثة أشخاص تحاشَوا عن قتل بقة الفراش بعد قراءتهم لتلك الرسالة. مما دفع هذا الوضع مديرَ السجن على الإقرار بأن السجن أصبح في حل بإرارسة تربوية.. كل هذا حجة قوية لا تُجرح لصدق مدّعانا.
نعم، إن تجريدي من جميع حقوقي الإنسانية بعد هذا كله إنما هو ظلم مضاعف وعذاب مضاعف وغدر وخيانة لهذه الأمة في الوقت نتب القلك لأن الدليل القاطع على أن هذه الأمة المتدينة -التي لم يجد أحد أيَّ ضرر مني رغم بقائي ما يقرب من أربعين سنة بين ظهرانيهم- بحاجة إلى قوة معنوية وتسَلٍّ عظيم، هو أن الأمة لا تلتفت إلى الدعايات المُغرضة المشاعة ضدي، فتتوجه في كمن أول إلى رسائل النور وتشتاق إليها.. بل أعترف أنهم يبدون من التوقير والاحترام لي يفوق ما أستحقه بمائة ضعف، فأنا لست أهلا له.
لقد سمعت أن المسؤولين عهدوا إلى حكومةفلأجل لمنطقة أمر إعاشتي الدنيوية، وإنني إذ أشكر هؤلاء أعلن لهم:
أن حريتي في أداء واجبي هي أهم من كل شيء. فهي أول ركن من دستور حياتي. وإن سلب حريتي بحبائل الأوهام الكاذبة وتقييدها بقيود الاستبداد والطبساطا جعلني أملّ الحياة مللا شديدا حتى أفضّل القبرَ على هذه الحالة فضلا عن السجن والحبس. إلّا أن الذي يشدّ أزري ويدفعني إلى التحمل والصبر هو الثواب الذي يُجزل بحسب المشقة في سبيل خدمة الإيمان. إن على هؤلاء الذين لا يريرآنية مي أن يردّوا عليّ حريتي ولا يمسّوها بسوء. إنني أتمكن أن أعيش من دون طعام ولكني لن أعيش من دون حرية.
نعم، إن الذي عاش على مبلغ لم يزد ألزمتهئتي ليرة تركية طوال تسع عشرة سنة مع الأخذ بمنتهى الاقتصاد والقيام برياضة روحية شديدة حفاظا على حريته وعزته العلمية من دون أن يعرض نفسه إلى ذلّ الصدقة والمسألة والتوسل بالزكاة والمرتّبات والهُ ذلك لا ريب أنه اليوم أحوج ما يكون إلى الحرية ضمن العدالة منه إلى الإعاشة..
إن ما يعوّضُ عن عشرة من الناس يُحال بيني وبينهم، أن هناك عشرات الألوف
— 221 —
بل مئات الألوف من المسلون
كُفون على دراسة رسائل النور دون أن يكترثوا بالموانع والعراقيل أيا كانت. إن كل نسخة من ألوف نسخ رسائل النور التي انتشرت في أرجاء البلاد وفي العالم الإسعيف باتقوم مقامي في الكلام والبيان، بل أفضل مني، لما فيها من حقائق رصينة وفوائد جمة. فبسكوتي لن تسكت تلك الرسائل ولن تُسكتها أيةُ قوة..

* * *

محاورة مع وزير العصَولة حكام الذين لهم علاقة برسائل النور
أيها السادة!
لِمَ تنشغلون بنا وبرسائل النور دون داع أو سبب. إني أبلّغكم قطعًا ما يلي:
إنني ورسائلَ النور لا نبارزكم، بل ولا نفكر فية. بل نعدّ ذلك خارج وظيفتنا، لأن رسائل النور وطلابها الحقيقيين يؤدون خدمة جليلة للجيل المقبل الذي سيأتي بعد خمسين سنة ويسعون لإنقاذهم من ورطة جسيمة، ويجدّون في إنقاذ هذه البلاد والأمة من خطر عظيم، فمن ينشغلْ بنا الآن فسيكون رميمًمل لرسلقبر في ذلك الوقت. بل لو افترض أن عملنا -الذي هو لتحقيق السعادة والسلامة- مبارزة معكم فلا ينبغي أن يمسّ الذين سيكونون ترابًا في القبر.
إن إظهار أعضاء الاتحاد والترقي شيئًا من عدم المبالاة في الحياة الاجتماعية وسنة الين وفى السجايا القومية أدّى إلى ظهور الأوضاع الحالية بعد ثلاثين سنة تقريبًا من حيث الدين والأخلاق والعفة والشرف. فالأوضاع الحاضرة ستنعكس على ال أو خلآتي لهذه الأمة -البطلة المتدينة الغيورة على شرفها- بعد خمسين سنة. ولا يخفى عليكم ما ستؤول إليه السجايا الدينية والأخلاقية الاجتماعية.
سيلطخ قسم من الجرزخ، وتي ذلك الماضي المجيد لهذه الأمة المضحّية منذ ألف سنة، بلطخات رهيبة قد تقضي عليه بعد خمسين سنة.
لذا فإنّ إنقاذ قسم من هذا الجيل من ذلك التردي المريع بتزويده بالحقائق التي تحتويها رسائل النور تُعَدُّ أفضل خدمة لهذه الأمة ولهذا الوع المنحن لا نخاطب إنسانَ هذا الزمان بل نفكر بإنسان ذلك الزمان.
— 222 —
نعم، أيها السادة! على الرغم من أن رسائل النور لا تسدد نظرها إلّا إلى الآخرة ولا تهدف غيرها وليست لها غاية سوى ن جراءلّٰه وحده وإنقاذ الإيمان، ومسعى طلابها ليس إلّا إنقاذ أنفسهم ومواطنيهم من الإعدام الأبدي والسجن الانفرادي الأبدي، فإنها في الوقت نفسه تقدم خدمة جليلة أيضًا تعوربة منتها للدنيا وإنقاذ هذه الأمة والبلاد من براثن الفوضى وإنقاذ ضعفاء الجيل المقبل من مخالب الضلالة المطلقة، لأن المسلم لا يشبه غيره، فالذي يحل ربقته من الدين ليس أمامه إلّا الضلالة المطلخلاق مبح فوضويًا إرهابيًا، ولا يمكن دفعه إلى الولاء للإدارة والنظام.
نعم، في الوقت الذي نجد خمسين بالمائة ممن تربّوا بالتربية القديمة لا يكترثون بالأعراف الشعبية والإسلامية، فإنه بعد خمسين سنة الأعدسعون بالمائة منهم هذا الوطن والأمة -بنفوسهم الأمارة بالسوء- إلى فوضى ضاربة أطنابها. فلا شك أن التفكر في هذا البلاء العظيم ومحاولة التحري عن أسباب لدفعه، في الي دفعني قبل عشرين سنة إلى ترك السياسة كليًا وعدم الانشغال مع أناسي هذا الزمان، مثلما دفع رسائلَ النور وطلابَها إلى قطع علاقتهم مع صراعات هذا الزمان. فلا مبارزة معهم ولا انشغال بهم.
ومادامت هذه هي الرًا وي فإن الواجب الأول لجهاز العدالة ليس اتهامي واتهامَ طلاب النور، بل القيام بحماية رسائل النور وطلابها، لكونهم يحافظون على أعظم حق من حقوق الأمة والبلاد، فإن الأعداء الحقيقيين لهذه الأمة والبلاد يهاجمون رسائقرية سر ويدفعون أجهزة العدالة -بعد خداعها- لارتكاب أفظع المظالم وأبشع الجنايات.
سأَعرض أنموذجين صغيرين جدّا:
الأول:رسالة لرفيقي في السجن تتضمن الاستفسار عن الأحوال، وبرفقتها عشرة "بنكنوت" ثمن رسالة عربية لي لتُعطى إلى من دَفَع مصاريف النه منذ إسبارطة. ضايقتني الدوائر العدلية والحكومة من جراء هذه الرسالة، وأجرت تحرّيا في مسكنِ مَن أصبح وسيلةً للطبع. أقول: إنّ جَعْلَ هذه الرسالة التي لا أهميتين يو-حتى بقدر جناح بعوضة- والمراسلة التي لم تتم إلّا في غضون ستة أشهر... كأنها مسألة عظيمة، لا تليق بلا شك بكرامة العدلية وشرفها.
— 223 —
الأنموذج الثاني:إن ترويع الناس من شخصي الضيف، الالمحتمالغريب، الشيخ، الذي برّأته المحاكمُ، بل حتى ترويع من يعينه في أموره الشخصية بإطلاق دعايات مغرضة، بصورة رسمية، ومن ثم إقحامي في وضع مؤلم، لا يليق بالغيرة القومية لحكومة هذه الولاية.
نعم، إن إطلاق الدعايات المغرضة وإلقاء الر، فقد قلوب الناس، وجعل ضرر موهوم لا يساوي شيئا كأنه ضرر جسيم، والاستفسار الدائم: مع من يلتقي؟. من يأتيه؟... وأمثالها... لاشك أن حكمة الحكومة وحاكميتها لا ينبغي أن تتنازلا إلى هذه الحالة العجيبة... وعت السوحال هناك مواد كثيرة تورث الحيرة لدى المطلعين عليها، كهذين الأنموذجين.
أيها السادة!
إنّ دفع الضلالة والفساد سهل ويسير إن كانت آتية من الجهل، بينما إزالتها عسير جدّا إن كانت آتية من العلم.
ففي ين متطزمان تأتي الضلالة من العلم، لذا لا يمكن إزالتها وإنقاذُ من تردّى فيها من الجيل المقبل إلّا بأن يكون لديهم مؤلف كامل كرسائل النور. والدليل على أن رسائل النور لها هذه القيمة هو:
أنه لم يعارض رسائلَ النور -منذ عشرين سنة- أحدٌ من مع وذلك الأشداء الكثيرين ولا أحد من الفلاسفة المتعنتين ولم يستطيعوا -ولا يستطيعون- جرحها.. وكذا عدم عثور ثلاث دوائر عدلية والخبراء في مركز الحكومة على مادة تديننا بعد التحري في مائة كتاب طوال تسعة أشهر... وكذا ا في اا القناعة التامة لألوف المدققين من طلابها.
نعم، إن عدم عثور محكمتين ومركزِ الحكومة وضباطِ أمن لبضع ولايات ومحكمةِ دنيزلي على أية مادة توجب العقاب وتلحق الضرر بالأمة والوطن في جميع الرسائل الخاصة والعيعا واذ عشر سنوات يثبت أن لرسائل النور حقوقا عظيمة وكلية شاملة في هذا الوطن..
وحيث إن واجب دوائر العدل هو الحفاظ على الحقوق ومنعُ المتعدين من التجاوز، فإن إهمال هذه الحقوق المهمة ومصادرةَ الرسائل كأنها أوراق اعتيادية، كم، بلاف بحق الأمة والمحتاجين إلى إنقاذ الإيمان، مع وجوب الأخذ بنظر الاعتبار حقَّ شخص اعتيادي باهتمام...
— 224 —
ورغم ثبوت خدمة رسائل النور لسعادة مائة ألف من إن طوال عشرين سنة.. فإننا نذكّركم أن هذا عمل لا ينسجم مع ماهية العدلية وحقيقة العدالة بأي شكل من الأشكال.
إننا نخشى أن يكون التعرض لرسائل النور وعدمُ التعرض لمؤلفات كثيرة لزنادقة كانسلاخر "دوزي"، وسيلةً لنیزول الغضب الإلهي.
نسأل اللّٰه أن يرزقكم الإنصافَ والرحمة ويلهمنا الصبر والتحمل. آمين.
سعيد النورسي
في الحبس الانفرادي بصورة غير رسمية

* * *

(وشاورهم في الأمر)
باسمه سبحانه
اتباعا للأمرلحياة ي: وشاورهم في الأمر (آل عمران:١٥٩) أجد نفسي بحاجة إلى التشاور مع إخوتي.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
إنني الآن أمام أمر واقع، حيث أمرَت السلطاتُ بتخصيصِ مبلغ قدره اثنان ونصف "بنكنوت" لمعيشتي اليومية، علاوةً على منیزل مؤثث حسبما أُريده، علكم تعلدستور حياتي الذي نفّذتُه طوال ما يقرب من ستين سنة يقتضي رفضَ هذا. فما قبلتُ مرتّبا إلّا لمدةِ سنتين تقريبا عندما كنت عضوا في "دار الحكمة الإسلامية" وهذا أيضا صرفتُه لطبع كتبي وتوزيعِها مجانا على الناس، فرددت بضاعتَهشهور ام.
ولكن لو قَبلتُ الآن ذلك المبلغ مضطرًّا فسوف أقبله لئلا يصيبكم ورسائلَ النور الضررُ وبشرط أن أُعيده في المستقبل إلى الناس. ولا أصرف منه إلا القليل الذي تستوجبه الضرورةُ الام".
وقد طرق سمعي أنني إذا رفضتُ الأمر، فسوف يستاء إذن أولئك الذين يسعون لصالحنا ولاسيما لإعاشتي. بينما المعارضون يقولون: إن معيشة هذا الشخص إذن تَردُ من
#2ضير الن آخر. فما أجهَلُهَم ببركة الاقتصاد العظيمة! إنهم لم يشاهدوا أن رغيفا بخمسة قروش يكفيني ليومين.
ولكن إذا ما قبلت بالأمر فستستاء سبعون سنة من العمر، فضلا عن استياء الإمام علي رضي اللّٰه عنه الذي أخبر عن علماء السوء في وتمدّ هذا، الذين يجترحون السيئات ويتلوثون بالبدع إشباعا للرغبات وطمعا للمرتّبات.
وهناك جهة أخرى، وهي أن الإخلاص الحقيقي الصافي الذي تتمتع به رسائلُ النور سيتّهمني بعدم الإخلاص. ولأجل هذا فأنا في حيرة من هذا الأمر.
وقد سمعت أيضا أننئات منفضت الأمر فسيزيدون مضايقاتهم عليّ، وربما يعرقلون نشر الرسائل وإطلاق حريتها كليا، بل علمت أن مضايقاتهم عليّ إنما هي لحملي على قبول الإعاشة.
ى الحقم الأمر هكذا وأن "الضرورات تبيح المحظورات" فنسأله سبحانه وتعالى ألّا يصيبنا الضرر إذا ما صار الأمر في حدّ الضرورة.
ومع هذا رفضتُ الأمر، فأحيل الموضوع إلى مشاورتكم.
إخوتي الأعزاء!
لا تقلقولى كاه لأنى أشیییاهد في كل أمر عسییير أثیییرَ الرحمة الإلهية ولمعةَ عنايته تعالى. فلا تتضايقوا فإن سییعيَكم وهمّتكم ومعاونتكم لي تیزيییل كلَّ ضيق وتنشر السییرور والانشراح دوماام أبو * *
(إننا تحت العناية الربانية)إخوتي!
لا تقلقوا أبدا، فقد اقتنعتُ قناعة تامة بأننا تحت العناية الإلهية، ونُستخدَم بإرادة غيبية خارجة عن اختيارنا واقتدارنا، وفي عمل جليل في منتهى الأهمية، بل يككثيرا ما ننال سر الآية
— 226 —
الكريمة:
وعسى ان تكرهوا شيئًا وهو خير لكم
(البقرة:٢١٦) نعم، إن في عملنا تعبا قليلا إلّا أن الثواب جزيل.
* في تج
(اقضوا ما أنتم قاضون)عندما كنت أصحح الثمار الفردوسية واليوسفية للأبطال الميامين، جلبتْ انتباهي تلك الرسالة (الثمرة) حيث بدت لي أهميتهاذرية.
ت: لو تضاعفت متاعب السجن كلها مائة ضعف فقد أدّت هذه الرسالة أضعافها من الوظائف، إذ تستقرئ نفسها في شتى الأوساط العامة، وتسوق إلى الإيمان حتى المتعنتين.
أيها الشقاة، يا من تضيّقون عليّ الخناق! اعملوضع صبرئتم واقضوا ما أنتم قاضون، فلا أهمية لعملكم، كل المصائب التي تنیزل بنا هينة تافهة، بل إنها عناية إلهية محضة ورحمة بعينها... قلت هذا ووجدت السلوان الكامل.
تعاطف ا إلى جميع طلاب النور، داعين لهم بالسلامة.
سعيد النورسي

* * *

(إننا نقيم سدا قرآنيا).....
الشكر للّٰه شكرا لا منتهى له، فقد أحسن إليّ حالةً روحية بحيث أضحّى بألوفٍ من كرامتي وشرفي في سبيل راحة مضى جاء ودفعا للبلاء النازل بهم.
فقررت أن أتحمّل جميعَ إهاناتهم وحقاراتهم وكل ما تنطوي عليه صدورُهم من نيات فاسدة. وإني مستعدٌ لتلقّي كل ذلك في سبيل استتباب الأمن والنظام في ربوع البلاد، ولا سيما لراحة الأطفال الأبرياء والشيوخ الكهرين والمرضى الضعفاء والفقراء، وسعادتهم الدنيوية والأخروية...
إننا نسعى بما أُوتينا من قوة لإقامة سدٍّ قرآني شبيه بسد ذي القرنين أمام الفوضى والإرهاا. أماذين يتعرضون لنا إنما يهيؤون الأوساط ويمهّدون السبيل للفوضى والشيوعية.
— 227 —
نعم، لو كنتُ على دأبي السابق في أن أردّ كل إهانة وتحقير حفاظا على عزة العلم.. ولو لم تكن وظيفتي نيا- أية منحصرة في أمور الآخرة وحدها وموجهة لإنقاذ المسلمين من الإعدام الأبدي للموت.. ولو كان سعيي هو لأجل الحصول على حطام الدنيا واللهاث وراء شؤون الس على السلبية، كما هو الشغل الشاغل للمعترضين عليّ.. لكان هؤلاء المنافقون الذين يعملون في سبيل الفوضوية والإرهاب سببا في حدوث عشرات الحوادث من أمثال "منَمَن" [٭]: هي حادثة مفتعلة في الأغلب، دبّرت من قبل الحكومة إذ ادعتعبادة تمرد إسلامي انطلق من جامع في ناحية "منمن" كان يقوده شخص مختل العقل، وقد تم التنكيل بأهالي تلك المدينة بقسوة، واستغلت الحادثة لضرب الشعور الإسلامي. وحادثةكذلك نخ سعيد".
ولكن شخصا مثلي واقف على عتبة القبر، لا علاقة له مع شيء من الدنيا، بل قد تجافى عنها، وفرّ من توجه الناس وإقبالهم عليه، ولم تبق لديه رغبةٌ في كسب الشهرة والعاهد الثالهما من الرياء، فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر.
ففي هذه الحالة لم تبق لإهانتهم غير القانونية لشخصي أية أهمية، أُحيل ذلك إلى العلي والقدير. فأتفكر في الذين ة الكل بناء على شكوك وظنون، وأتألم لحالهم تألما حقيقيا فأقول: يا رب أنقذ إيمان هؤلاء برسائل النور، وحوّل موتهم بسر القرآن من الإعدام الأبدي إلى تذكرةِ تسريح من الحياة. والبطل،وري أُسامحهم وأصفح عنهم وأتنازل لهم عن حقي.
سعيد النورسي

* * *

(لِمَ لَم يُستجب الدعاء؟)جواب عن سؤال سألنيه باسم الكثيرين أحدُ طلاب النور الصا وفهمذي يعاونني في أموري الشخصية.
سؤال:أستاذي المحترم!
لِمَ لم يُستجب الدعاء والصلاة المقامة للاستسقاء، حيث تجمّعت السحُب عدة مرات ثم تفرقت دون إنزال المطر؟
الجواب:إن انحباس المطر هو وقت هذا النوع من الدعاء والصلاة، وليس علّتَه
— 228 —
وح نابعة فكما تُصلَّى صلاةُ الكسوف والخسوف عند الكسوف والخسوف، وكما تصلَّى صلاة المغرب عند غروب الشمس، كذلك انحباس المطر والجفاف هو وقت صلاة الاستسقاء ودعاؤه.
من المعلوم أن سبب العبادة والدعاء هو الأمر الإلهي، ونتيجتَها رضتحريفالى، وفوائدَها أخروية. فلو قُصدت من الصلاة والعبادة مقاصدُ دنيوية، وأُديت لأجلها فحسب فلا تُقبل تلك الصلاة والعبادة. إذ كما لا تُؤدى صلاةُ المغرب لأجل غروب الشمس ولؤالَ:
الخسوف لأجل انكشاف القمر، كذلك أداء صلاة الاستسقاء لأجل إنزال المطر خطأ، إذ إنزالُه من أمر اللّٰه، وواجبنا نحن تجاهه سبحانه العبوديةُ والدعاء من دون التدخل بما هو موكولٌ أمرُه إليه تعالى.
ولكن على الرلبية تأن النتيجة الظاهرة لصلاة الاستسقاء هي نزولُ المطر، فإن نتيجتها الحقيقية والأصلية والنافعة وثمراتها الجميلة الطيبة هي إدراك الجميع أن الذي يربّيه ويغذّيه ليس والديه ولا محله ولا دكانه، بل مَن يرسل السحاب الثقال بالماء الظن َّاج، فهو الذي يرسل إليه الرزق. وحتى الطفلُ الصغير يدرك هذا المعنى الواسع بعقله الصغير، لما هو معتاد عليه من التوسل والرجاء كلما جاع. فالمعنى ايقة- أطوي عليه الاستسقاء هو أن الذي يدبّر أمر الدنيا الهائلة كدارٍ صغيرة ويغذيني والأطفالَ جميعا وأهلَ الدار، ويبعث إليهم رزقهم إنما هو سبحانه. فلا نفع من غيره إن لم يَرزُق هو سبحانه. فما علينا إلّا أن نم سببوليه وحده.. وبهذا يقوى إيمانه.
ولهذه المناسبة ستُبيَّن ست نقاط باختصار:
النقطة الأولى:إن ثمن النعمة الإلهية ورحمتَها هو الشكر، ولكننا لم نؤد الشكر حقه. وكما لم نؤد ثمن الرحمة بالشكر جلبْنا الغضبَ الإدل واللمنا وعصياننا. وقد جعلت البشريةُ نفسَها مستحقة للعقاب بما تقترف من ظلم ودمار وكفر وعصيان، وعوقبتْ من جراء ذلك بشتى أنواع العقاب الصارم، فلا جرم أن يكون لنا حظّ من ذلك شخص نف.
النقطة الثانية:ورد في حديث شريف ما معناه أنه حتى الأسماك في جوف البحر تشتكي إلى اللّٰه من الظالمين والعاصين وتقول "ينقطع المطر، وتقل أرزاقنا بسبب ظلمهم". [٭]: انظر:الطبري، جامع البيان٢/٥٥؛ البغوي، معالم التنزيل ١/١٣٤.
— 229 —
ذلك لئإن المظالم والذنوب التي تُرتكب في هذا الزمان لا تدع مجالا لطلب الرحمة من اللّٰه. وحتى الحيوانات الأبرياء تتأذى من جرائها.
النقطة الثالثة:تقول الآية الكريمة:
واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصا إيما(الأنفال:٢٥) إذ لو نجا الأبرياءُ من مهالك المصيبة العامة نجاةً خارقة، لفسدت حكمةُ الدين الذي هو امتحان واختبار. وعند ذلك يصدّق الفاسدون -كأبي جهل- تصديق أبى بكر الصديق رضي اللّٰه عنه. ولأجل هذا يقاسي الأبرياءُ أيضا البلايا في اي الأع العامة.
النقطة الرابعة:إنه لِكثرة اختلاط الحرام في الأموال والأرزاق بسبب تفشي الحيل والغش والرشوة.. يُسلب الناسُ حقَّ الترحّم عليهم، بسبب الظلم أو عدم الشكرت خارجط الحرام بأموالهم.
النقطة الخامسة:إن رسائل النور في الأناضول وسيلةٌ مهمة لدفع البلايا، إذ كما تَدفع الصدقةُ البلاءَ، [٭]: انظر:الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٨/٢٠٧؛ المناوي، فيض القدير ٤/٢٣٦؛ العجلوني، كشف الخفاد تارك. فإن نشر رسائل النور وقراءتها صدقةٌ كلية ووسيلةٌ لدفع بلايا سماوية وأرضية. وقد تبين ذلك بأمارات كثيرة ووقائع كثيرة، بل تحقق ذلك بإشارات من القرآن الكريم.
النقط*
دسة:إن انقطاع المطر مصيبةٌ وبلاء، وجزاءُ عمل، فينبغي مقابلة هذا بالالتجاء إلى اللّٰه تعالى والدعاء مع العبودية الخالصة في حالةٍ من بكاء وانكسار قلب، وحزنٍ وتضرّع كامل، وندامة جادة، وتوبة نصوح،يّة الفار من كل الذنوب، وأن يجري ذلك كله ضمن دائرة السنة النبوية ومن دون تدخّل البدع، وعلى الصورة التي تعيّنه الشريعة.
فأمثال هذه المصائب العامة لإشفاقا آتية من ذنوب معظم الناس- تندفع بقيام القسم الأعظم منهم بالتوبة والندامة والاستغفار.

* * *

— 230 —
(لا نجعل من الدين وسيلة لمكاسب دنيوية)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إا، أقبلصديقين الأعزاء!
جواب اضطررت إلى كتابته عن سؤال -مادي ومعنوي- ورد من عدة جهات.
سؤال:لِمَ لا تكوّن علاقة ولا تمد وشائج ارتباط مع التيارات الجارية داخل البلاد وخارجها، ولا سيما مع
الجماعاتا وآسيلاهتمامات السياسية، بل ترفض ذلك وتمنع -ما وسعك- طلاب النور عن أي تماسٍ كان بتلك التيارات! والحال أنك لو كوّنت علاقة معهم فإن ألوف الناس سيدخلون دائرة رسائل النور زَرافات ووُحدانر، فإنسعون لنشر حقائقها الساطعة، فضلًا عن أنك لا تكون هدفًا إلى هذا الحد للمضايقات الشديدة التي لا مبرر لها؟
الجواب:إن أهم سبب لهذا الاجتناب وعدمِ الاهتمام بالتيارات الجارية، هو الإخلاص الذي هو أساس مسلكنا، فالإخلاص هو وصانومنعنا عن ذلك، لأن في زمن الغفلة هذا، ولاسيما من يحمل أفكارًا موالية لجهة معينة، يحاول أن يجعل كل شيء أداة طيعة لمسلكه، بل يجعل حتى دينه وأعماله الأخروية وسائل لذلك المسلك الدنيوي. بينما الحقائق الإيمانية والخدمة النورية المقدسة تأبى أن ت لذايلة لأي شيء كان في الكون، ولا يمكن أن تكون لها غاية إلّا رضى اللّٰه سبحانه.
وفي الحقيقة، إنه من الصعوبة بمكان الحفاظُ على سر الإخلاص في خضم الصراعات المتنافرة للتيارات الحالية،افع اللعسير الحيلولة دون جعل الدين وسيلة لمكاسب دنيوية، لذا فإنّ أفضلَ علاج لهذا هو الاستناد إلى العناية الإلهية وتفويضُ الأمر إلى توفيق رب العالمين بدلًا من الاسعالياتلى قوة التيارات الحالية.
ومن جملة الأسباب الداعية لاجتنابنا هذا هو "الشفقة" التي هي أساس من الأسس الأربعة لرسائل النور، أي عدم التلوث بظلم الآخرين وإضرارهم. إذ الإنسان -بمضمون الآية الكريمة:
ان الانسان لظلوم كفار
ه هذه هيم:٣٤) يرد معاملة المقابل له في
— 231 —
هذا العصر بلا رحمة وبظلم شنيع مخالفًا بذلك الآية الكريمة:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
(فاطر: ١٨) التي هي دستور الإرادة الإلهية. حيث تتغلب عليه العاطنتها اانحياز إلى جهة، وعندها لا يقصر عداءه على المجرم وحده ولا يأخذ بجريرته جميع أقاربه وحدهم، بل أيضًا يعاقب كل مَن له صلة بالمجرم من قريب أو بعيد، حتى إنه إذا ما كان له سلطة أو حكمي ثم د قرية كاملة بالقنابل بجريرة مجرم واحد. بينما الإنصاف يقتضي ألّا يُضحَّى بحقِ بريء واحد بسبب مائة مجرم وأن لا يُظلم ذلك البريء بسببهم. ولإلّا أضع الحالي يخالف الآية الكريمة، فيقحم مائة من الأبرياء في بلايا وأضرار بسبب بضع مجرمين.
فمثلًا:إن إهلاك والدين عجوزين لمن ارتكب خطأ، وتشريدَ أطفاله الصغار ودفعهم جميعًا إلى هاوية الفقر والذل ومعاداتهم بالانحياز تاب عهة ما مناف كليًا لأساس الشفقة على الخلق.
فمن جراء الانحياز إلى التيارات الجارية -بين المسلمين- لا ينجو الأبرياء من الظلم بل يشيع شيوعًا كليًا ولا سيما بالأسباب الداعية إلى قيام الاضطرابات والثورات.
ولو كمه، لدهاد قائمًا -وهو جهاد إسلامي- فإن حال أطفال الكفار تبقى على وضع آبائهم، وربما يكونون من الغنائم ويتمكن المسلمون أن يجعلوهم تحت إمرتهم وملك يمينهم. ولكن لو ارتد أحد داخل ديار المسلمين، فلا يُمتلك أطفاله قطعًا، را علىوز التجاوز على حقوقهم بأي شكل من الأشكال. لأن أولئك الأبرياء إنما يرتبطون بالإسلام وبجماعة المسلمين، برابطة الإسلام، التي انقطعت عن والدهم.أما أولاد الكفار فرغم أنهم من أحد، دوجاة، فإنهم يتبعون والدهم في الحقوق والحياة. لذا ربما يكونون أُسراء أو عبيدًا في أثناء الجهاد الإسلامي.

* * *

(جواب قصير حول التوافق)إذا من الم الشيء توافقٌ، فإنه يعدّ أمارة صغيرة، بمعنى أن فيه قصدا وإرادة، ولم يحدث مصادفةً. وإذا حصل التوافق في عدة جهات فالأمارة تتقوى. ولاسيما إذا كان التوافق بين شيئين خاصين -من بين مائة احتمال- وبينهما علاقة قوية، فتُصبح الإشارة الواردة من ذلك
— 232 —
خلاف ذق في حكم دلالة صريحة، وأنه حصل بقصد وبإرادة، ووجد لأجل مقصد معين، فلا احتمال فيه للمصادفة.

* * *

(حاجة الفطرة)إخوتي الأعزاء الصديقين!
إن الأطفال الأبرياء هم في مقدمة الذين سيكونون طلابا حقيقيين لرسائل النور، ويز، انق ما تقتضيه فطرتهم وتتطلبه الأوضاع الراهنة. لأن الطفل الذي لم يتلق في صغره درسا إيمانيا قويا، يصعب عليه بعد ذلك أن يَقرّ في روحه أركانُ الإيمان والإسفي أجول يكون ذلك عسيرا عليه، شأنه شأن تقبُّل غير المسلم الإسلام، بل يستغرب من الإسلام أكثر منه، ولا سيما إن لم ير والدَيه على دين وتقوى، ورُبّى ذهنُه بالعلوم الدنيوية وحدها.
ففي هذه الحالة، يستثقل ذلك الطفلُ والديه بدل أن يبرّية، بل ويكون بلاء عليهما، ويترقب موتَهما! أما في الآخرة فلا يكون شفيعا لهما، بل مدّعيا عليهما قائلا: "لِمَ لَمْ تنقذوا إيماني بتربيتي على الإسلام؟".
فبناء على هذه الحقيقة:
فإن أسعد الأطفال هم أولاء الذين دخلوا ضمن دائرة رسائل النور، فيزمان مأبناءً برَرة للوالدين وخداما أُمناء لهم، يقومون بين يديهم بالاحترام والتوقير اللائقَين بهما، ويسجلون بأعمالهم الصالحة حسناتٍ في سجل حسنات والدَيهم بعد وفاتهم.. وفي الآخرة يكونون لهما شفعاء، كل حسونها كه.
إن القسم الثاني من طلاب النور: هم النساء اللائي يشعرن بحاجتهن إلى رسائل النور في فطرتهن. ولاسيما من كان لهن شيء من التجافي عن الدنيا، وربما العزوف كليا عنها، حيث قد بلغن من العمر مبلغ جميع فرسائل النور تكون لهنّ غذاء معنويا؛ لأن إحدى أسس رسائل النور، "الشفقة" التي هي من مظاهر اسم اللّٰه "الرحيم" وهي الخميرة والجوهر الخاص المغروز في فطرة النساء وميزتهن الأصيلة.
— 233 —
والقستقبل،الث:هم المرضى والشيوخ المحتاجون إلى رسائل النور -ولو بصورة غير فطرية- كحاجتهم إلى الخبز والدواء. وذلك لأن رسائل النور توضح لهم الحياة الباقية وضوحَ الشمس في رابعة النهار، فضلا عننيوية ا ماهية الحياة الدنيا من حيث فنائها. فالذين تأذّت حياتهم الدنيوية بالمرض أو بالشيخوخة، والذين يظنون الموتَ إعداما أبديا، بما أحاطت بهم من غفلة وضلالة.. فهؤلاء جميعا باسترشالى رسائل النور لِمَا يجدون فيها من السلوان والعزاء ونور الرجاء، حتى يُفضَّل لديهم المرضُ والشيخوخة، على الصحة والشباب.
سعيد النورسي

* * *

(نجاهد بنور الدين واإخواني الأعزاء الصدّيقين!
إن في موسم الصيف هذا، وفي زمن الغفلة هذا، وفي فترة الانشغال بهموم العيش، وفي أوان نيل الثواب الكبير من العبادالدات ث تؤدّى في هذه الشهور الثلاثة، والصراع السياسي العاصف الذي يعصف في أرجاء الأرض كافة، دونه الصراع بالسلاح.. في هذه الأثناء إن لم تكن هناك صلابةٌ في منتهى القوة وثباتٌ راسخ على أداء وظيفة النور المقدسة فسوف يعتري فتورٌ وتعطُّلٌ وتوقفٌ في العمل. ويرد ليس بصالح رسائل النور.
إخوتي الأعزاء!
اعلموا يقينا أن الوظيفة التي ينشغل بها طلاب رسائل النور مسألةٌ أجلّ وأعظم من أعظم مسائل الكرة الأرضية قاطبة، فلا تفتروا في مهمتكم الباقية، ملتفتين إلى مسائل دنيوية مثيرة للاهتمام، اقرأوااه تعا "المسألة الرابعة" من رسالة "الثمرة" كيلا تخور عزائمُكم وتضعف قوتُكم المعنوية.
نعم، إن جميع المسائل العظمى التي ينهمك بها أهلُ الدنيا إنما تدور ضمن الدستور الظالم: دستورِ الجدال والصراع وفي نطاق الحياموعة انية، بأبشع صورها وأظلمها حتى يضحّى
— 234 —
في سبيلها بالمقدسات الدينية حصولا على حطام الدنيا، لذا يلقيهم القدرُ الإلهي في عذابِ جهنم معنوية من خلال جرائمهم التي يرتكبونها.
أما رسائل النور وطلابُها فإن ما يسعَون إليه وما هم مكاء ويجبأدائه من مهمة إنما هو لحياة باقية خالدة بدلا من هذه الفانية. وهو إظهار حقيقة الموت أنه ستارٌ أمام الحياة الباقية، ذلك الجلاد الذي يرهبه عَبَدةُ الدنيا يا عليرهبة.. ومن ثم إثبات ذلك بيقين جازم كمن يثبت حاصل ضرب الاثنين في اثنين يساوي أربعا.
فقد أظهرت رسائل النور هذه الحقيقة إلى الآن؛ من أن الموت أو اه في خيس إلّا ستارا ووسائلَ لبلوغ أهل الإيمان السعادةَ الأبدية.
حاصل الكلام:إن أهل الضلالة يكافحون في سبيل حياة دنيوية مؤقتة، أما نحن فنجاهد الموت بنور القرآن، لذا فإن أعظم مسألة في نضالهم -لأنها مؤقتة- لا تعادعتياديَ مسألة من مسائلنا، لأنها متوجهةٌ إلى البقاء والخلود..
وحيث إنهم لا يتنازلون -ببلاهتهم- ويربأون بأنفسهم عن التدخل في مسائلنا العظمى، فلِمَ نتتبع بلهفة مسائلَهم الصغيرة على حساب وظيفتنا المقدسة؟.
تدبروا في هذه الآية الكريمإخواننيضركم من ضلّ اذا اهتديتم
(المائدة:١٠٥) بمعنى أن ضلال الآخرين لا يضرّ هدايتِكم، فلا تنشغلوا بها. وتأمّلوا في الدستور المهم من دساتير أصول الشريعة: "الراضي بالضرر لا يُنظَر له". أي: لا يُنظر بعين العطف والشفقة لمن رضي بنفسه الضرنّ حبافما دامت الآيةُ الكريمة والدستورُ القويم يمنعاننا من العطف على الراضين بالضرر على علم، فلابد أن نحصر أوقاتنا وجميع قوتنا واهتمامنا في وظيفتنا المقدسة. ولابد أن نعدّ كلّ ما هو خارج ع الكريورا لا تعنينا بشيء، فلا نضيّع وقتنا بها. لأننا نملك النورَ وحده، لا المطرقة والصولجان، فلا يبدر منا تعدٍّ على حقوق أحد قطعا، ولكن إذا ما ابوية لَ علينا، نُظهرُ النور ونبيّنه. فنحن في حالةِ نوعٍ من دفاع نوراني.

* * *

— 235 —
(الحقيقة القرآنية في الرسائل)إن أجزاء رسائل النور قد حَلّت أكثر من مائة من أسرار ال الأغللشريعة والقرآن الكريم، ووضّحتها وكشفتها وألجمَت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم، وأثبتت بوضوح كوضوح الشمس ما كان يُظَن بعيدا عن العقل من حقيرحل مقرآن كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني، أثبتتها لأشد المعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتى أدخلت بعضَهم إلى حظيرة الإيمان. فرسائل هذا شأنها لابد أن العالَم -وما حوله- بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، ولا جرم أنها حقيقةٌ ق هذه. تشغل هذا العصر والمستقبل، وتأخذ جلّ اهتمامه، وإنها سيف ألماسيّ بتّار في قبضة أهل الإيمان..

* * *

(اعذار في مسألتين)إخوتي الأعزاء!
إنقاذا لطلاب رسائل ال كثيراضعفاء أو حديثي العهد بها من الشكوك والشبهات أبيّن الآتي:
يُشيع بعضُ العلماء السذج أو بعض المعارضين لرسائل النور والموالين للبدع -بما تحيكه منظمات سرية من مؤامرات- نقائصَ كثيرةً وأخطاءً كثيرة -أعترف بها- صدرت ماء "أك، تهوينا لشأني ليُنیزلوا بها ضربتَهم القوية على رسائل النور، صدّا للحقائق التي لا تُجرَح لرسائل النور. فهناك عشرون حادثة مهمة منذ عشرين سنة تؤيد هذا.. حتى أصبحوا السبب في زجّنا السجن مرتين. وله
* لنُ لأصدقائي ولطلاب رسائل النور ما يأتي:
إني أشكر ربي كثيرا أن جعلني لا أُعجب بنفسي -ناهيك عن الإطراء والمزايدة لنفسي- وأن أعلَمَني نقائصي وذنوبي، فأطلب العفو عنها، والخجلُ يتملّكني راجيا أن يكون إخلاص الطلاب الميامين لرسائل النور وت جوابه في الخدمة الإيمانية وشفاعتهم المعنوية لي، كفارةً لذنوبي.
فالذين يعترضون عليّ يجهلون عيوبي المستورة، بل يتیذرعون ببعض أخطائي الظاهرة
— 236 —
ويظنون ظنا خطأ أن رسائل النور مُلكي، فيرومون إسدال الستار أماولياء رها، وإعاقة انتشارها فيقولون:
إن سعيدا لا يأتي إلى صلاة الجمعة، ولا يُطلق لحيته.. وأمثالها من الانتقادات.
الجواب:مع اعترافي بكثير من التقصيرات والذنوب ور محفن لي في هاتين المسألتين أعذارا:
أولا:إنني شافعي المذهب، وإن أحد شروط صلاة الجمعة حسب هذا المذهب هو أن يَقرأ الفاتحةَ أربعون شخصا مأموما مع شروط أخرى أيضا، لذا فلا وية حاعليّ الجمعة هنا. إلّا أنني أقلّد المذهب الحنفي فأؤديها نافلةً.
ثانيا:لقد منعوني لقاءَ الناس منذ عشرين سنة، حتى إنهم أوعزوا إلى المسؤولين بعدم تقرّب أحد مني -منذ أربعة أشهر- فضلا عن أني أعيش منذ خمس وعشرين سنة ه يرشيا ومعتكفا. لهذا لا أجد الراحةَ والطمأنينة في الأماكن المزدحمة، فلا أستطيع أداء الصلاة خلف كلِّ إمام حسب مذهبي، إذ لا ألحق بالقراءة خلفَه، فهو يسرع للركوع وأنا لم فظته سبعدُ نصفَ الفاتحة، علما أن قراءة الفاتحة فرض في هذا المذهب.
أما مسألة إطلاق اللحية:
فإن إطلاق اللحية سنة نبوية، وليست خاصة بالعلماء. وقد نشأتُ منذ صغري عديم اللحية وعشتُ في وسط أناس تسعون بالمائة منهم لا يطلقون لحاهم.
هذا، وإنبات معاء يُغيرون علينا دائمًا وقد حلقوا لحى بعض أحبابي فأدركتُ عندها حكمة عدم إطلاقي اللحية، وإنه عناية ربانية، إذ لو كنت مطلِقًا اللحيةَ وحُلقتْ، لكانت رس يدفع نور تتضرر ضررًا بالغًا، حيث كنت لا أتحمل ذلك فأموت.
ولقد قال بعض العلماء: "لا يجوز حلق اللحية". وهم يقصدون عدم حلقها بعد إطلاقها، لأن حلقها بعد إطلاقها حرام. أما إذا لم يطلقها فيكون تاركًا لسنة نبوية.
ولكن فيالجن - الحاضر، لأجل اجتناب كبائر عظيمة جدًّا قضينا طوال عشرين سنة حياة أليمة أشبه بالسجن الانفرادي، نسأله تعالى أن تكون كفارة لترك تلك السنة النبوية.
وأعجود لدضًا إعلانًا صريحًا قاطعًا: أن رسائل النور مُلك القرآن العظيم، فأنَّى لي الجرأة
— 237 —
أن أدّعي تملُّكها! لذا لا تسري أخطائي وتقصيراتي فيها قطع النورنا لست إلّا خادمًا مذنبًا لذلك النور الباهر، ودلّالًا داعيًا في متجر المجوهرات والألماس. فأحوالي المضطربة لا تؤثر فيها ولا تمسّها أصلًا.
ي تمس قة أن الدرس الذي لقنتنا إياه رسائلُ النور هو التمسك بحقيقة الإخلاص، وترك الأنانية، ومعرفة أن النفس مقصرة دائمًا، والحذر الشديد من الإعجاب بالنفس. فنحن لا نظهر أنفسنا بل نظهر الشخصية المعنوية لرسائل النور ونبينها.
نحن نشكر من يرى نق بشأنهويريها لنا -بشرط أن تكون حقيقية- ونقول له: ليرضَ اللّٰه عنك؛ إذ كما نشكر من إذا وجد عقربًا في عنقنا ويرميها عنا قبل أن تؤذينا ونقدم له أجزل الشكر والامتنان؛ كذلك نقبل ونرضيئات ويرنا نقائصنا وتقصيراتنا ونظل في شكر وامتنان لمن نبهنا عليها، بشرط عدم تدخل الأغراض الشخصية والعناد وعدم جعله وسيلة لمعاونة أهل الضلالة والبدع.

* * *

(ما تتطلبه خدمة الإيمان)إخوتي الأعزاء الأوفيان الجصامدين الثابتين المضحين الذين لا يتزعزعون
أنتم تعلمون أن خبراء أنقرة لم يستطيعوا إنكار الكرامات التي تخص رسائل النور والإشارات الغيبية إليها. إل واستغم اعترضوا مُخطئين لمَا ظنوا أن لي حظا في تلك الكرامات. وقالوا: يجب ألّا تُنشر مثل هذه الأمور في الكتاب، فالكرامات لا يُعلن عنها.
وتجاه هذا الانتقادا الملر قد قلت جوابا لهم في الدفاعات:
إن تلك الكرامات لا تعود لي، وليس من حدّي أن أكون صاحب تلك الكرامات، بل هي لرسائل النور التي هي ترشحات من المعجزة المعنوية للقرآن الكريم ولمعات منها وتفسير حقيقي له، متخذة شكل الكرامات، لأبعدُ قية الروح المعنوية لطلاب النور، فهي من نوع الإكرامات الإلهية، وإظهارُ الإكرام الإلهي شكر، وهو جائز ومقبول أيضًا...
والآن أوضح الجواب قليلًا بناء على سبب مهم؛ وقد ورد السؤال الآتي: "لمَ أُظهر تلك
#النورسإكرامات الإلهية، ولِمَ أحشّد الكلام حولها، ولِمَ أُكثر البحثَ حولها، حتى إن أكثر المكاتيب متوجهة إليها؟".
الجواب:إن الخدمة الإيمانية التي تقدمها رسائل النور في هذا الوقت تجابَه بألوف المخربين، مما يلزم أن يكون فعهم إل مئات الألوف من المعمِّرين.. ويستدعي الأمرُ أن يكون معي -في الأقل- مئاتٌ من المعاونين والكتّاب.. وتقضي الضرورة على الأمة والمسؤولين في البلاد أن يَمدّوا يد فسًا بدة بتقديرٍ وإعجاب وحض منهم على الخدمة الإيمانية ويثمنوا قيمتها ويوثقوا الصلة بها، وألا يتحرزوا من التّماس بها فينسحبوا من الميدان.. بل وتطلب هذه الخدمة من أهل الإيمان أن يفضّلوها على مشاغل الحياةين ورسية وفوائدها، إذ إنها خدمة إيمانية خالصة تبغي النجاة في الآخرة.
فبينما الأمور تقتضي هكذا، أجعل من نفسي مثالًا فأقول: إن منعي عن كل شيء، وحظرَ الاتصال معي، وقطعَ طريق العون عني، زد على ذلك تهوين قل أمامائي المعنوية ببث الدعايات المغرضة بكل ما أوتوا من قوة واستعمال شتى الوسائل ما استطاعوا إليها سبيلًا لتنفيرهم عنّي وعن رسائل النور. أقول: في مثل هذه الظروف وضمن هذه الشروط فإن وضع مهمة ترزح تحتها ألوف الأشخاص، على كاهل شخص عاجز مثلي، وأنا الضعية
لا يض العجوز الغريب عن بلاده، والمحروم من الأهل والأقارب، فضلًا عن تجنيب الناس الاتصال بي وكأنني مصاب بمرض معدٍ، حتى أضطر إلى الابتعاد وعدم الاختلاط.. زد على ذلك إلقاء الرعب والأوهام في قلوزير الس، وإحاطتهم بهالة من الذعر والخوف لإبعادهم عن خدمة الإيمان، وذلك للفتّ بعضد القوة المعنوية.. ففي مثل هذه الأحوال وتجاه جميع تلك الموانع فإن الأمر يقتضي حشد قوى نجابت حول رسائل النور ببيان الإكرامات الإلهية التي هي مدار القوة المعنوية لطلاب النور، وإظهار قوتها بقوة جيش عظيم لا تحتاج إلى إمداد أحد من الناس، بل هي التي تتحدى الأعداء.. فلأجل هذه الحِكَم المذكورة فهمتهكُتّبت الإكرامات وأمثالها. وإلّا فنحن لا نريد مزايدات على أنفسنا، وجلبَ إعجابَ الناس بنا وحضهم على القيام بمدحنا والثناء علينا، وذلك حفاظًا على الإخلاص الذي هو أساس مهم من أسس رسائل النور.

* * *

— 239 —
(حسّ مسبَمه الوئل النور)إخوتي الأعزاء!
لقد اقتنعت قناعة جازمة أن رسائل النور -قبل ظهورها بأربعين سنة- قد تظاهرت بحسّ مسبَق إحساسا واسعا وبأسلوب عجيب، في نفسي، وفي قريتنا "نورس" وفي ناحيتنا "خِيزان". كنت أرغب أن أبوح بهذا السر إلى كل العلم يق" و"عبد المجيد" من إخوتي وطلابي القدامى، والآن أبيّنه لكم لما وهب اللّٰه سبحانه وتعالى لكم كثيرا من أمثال عبد المجيد وعبد الرحمن..
كنت أحمل حالة روحية تتسم بالفخر والاعتیزاز، يوم كنت في العاشیرة من عمري، بل حتى الأبدا بصورة حب للمدح والثناء. فكنت أتقلد طور بطل عظيم ورائد كبير وصاحب عمل عظيم خلاف رغبتي.
فكنت أقول لنفسي: ما هذا الظهور والاختيال ولاسيما فل مكاناعة، وأنت لا تساوي شروى نقير؟ فكنت حائرًا وجاهلًا بالجواب. ولكن منذ شهرين، أجيبت تلك الحيرة، بأن رسائل النور كانت تُشعر بنفسها بحس مسبَق. أما أنت فلست إلّا بذرة صغيَ التحتساوي شيئًا ولكن لإحساسك قبل الوقوع، تَعُدُّ تلك العناقيدَ الفردوسية (رسائل النور) كأنها ملكك، فتزهو وتتباهى.
أما قريتنا "نورس" فإن أهلها وطلابي القدامى يعرفون أن أهالينا كانوا يحبون المدح والثناء عليهم كثيرًا لإظهاره أهل ا السابقون في الشجاعة والإقدام، فيرغبون تقلّد طور البطولة وكأنهم قد فتحوا مملكة كبيرة.
فكنت أعجب من نفسي ومن طورها هذا.
والآن عرفت السر بإخطار حقيقي: أن أولئك النورسيين، يتباهون لأن قريتهم "نورس" ستكسب فخرًا عظيمًا بنور رسائل النوراء عنهإن الذين لم يسیمعوا باسم الولاية والناحية سيعرفون تلك القرية باهتمام بالغ. فهؤلاء النورسيون يُظهرون شكرانهم -بحس مسبق- لتلك النعمة الإلهية على صورة زهو وتباهٍ.
— 240 —
نعم، إنه عندما كان في مساردستان يتخذ وضع المفتخِر المختال بغزارة الطلاب والأئمة والعلماء المتخرجين بهمةِ وجهود "الشيخ عبد الرحمن تاغي" الشهير والملقب بی"سيدا" [٭]: كلمة تطلق على العلماء بمعنى الأستاذ. في المناطق الشرقية من تركيا علىيمانَ ب. في ناحيتنا "إسباريت" التابعة لقضاء "خيزان" كنت أشعر بينهم أيضًا ضمن تلك المناظرات العالية والهمة العالية والدائرة الواسعة العلمية والصوفييكون م أولئك العلماء سيفتحون الأرض كلها. فكنت أستمع -وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري- مناقب العلماء القدامى المشهورين والأولياء العظام والسیادة الأقطاب، ويرد إلى قلبي: أن هؤلاء الطلاب العلماء سيفتحون آفاقًا عظيمة في العلم المتأ. إذ لو تفوق أحدهم بشيء من الذكاء فالاهتمام يوجّیه إليه، وإن ظهر أحدهم في مسألة لدى مناظرة علمية يفتخر ويزهو كثيرًا. فكنت أتحيّر من هذا، إذ كانت عندي تلك المشاعر سبح بح حتى كان بين شيوخ الطرق الصوفية وضمن دائرتهم في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا مسابقةٌ تثير الحيرة لم أقف عليها في مدن أخرى إلى هذا الحد.
والآن اقتنعت أن أرواح أولئك؛ زملائي الطلاب وأساتذتي العلماء ومرشديّ العرفااء والشيوخ، قد شعرتْ -بحس مسبق وبدون معرفةِ العقلِ- بأن نورا ساطعا سيظهر -في الوقت اللازم- من بين أولئك الطلاب والأساتذة ومريدي المرشدين، بحيث يُغيث ذلك النورُ أهلَ الإيمان. فهذه النعمة الإلهية التي ستنعم في المانيا. ضمن ظروف في منتهى القسوة والغرابةَ وتجاهَ معارضين ألدّاء لا حدّ لهم، ومقابل الضلالة التي تشتد منذ ألف سنة وسط أعداء في منتهى الخبث والمكر والخديعة، هي رسائل النور التي تَظهر ظهورا خارقا بعد تدقيقات مستديمة لمصر على عدليتين. وتتنور سرًّا وتكسب الحرية في النشر وأنفُ أعدائها راغم. مما تُبين أن هذه الرسائل تستحق ذلك الموقع بحيث أحسَّ بمجيئها أهالي قريتي وناحيتي وولايتي، فَسُرُّوا بها وانشرحوا لها بطل ا سردتُ لكم هذا السر لأني أعدكم كطلابي السابقين وإخواني وكأخي عبد المجيد وكعبد الرحمن.
نعم، إنني كما أستشعر بالمطر قبل أربع وعشرين ساعة من نزوله لقوةٍ في شعوري وتحسسِ أعصابي بالرطوبة، كذلك فإني وقريتي وناحيتي قد شعرنا قبل أربع وأربعين سنأكاذيبي رسائل النور من شآبيب الرحمة، وذلك بحسّ مسبق.
سلامنا إلى جميع إخواننا ومواطنينا وندعو لهم بالخير ونرجو دعواتهم.
— 241 —
(تتمة الحس المسبق)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أكتب هذه التتمة لمناسبة الحس اول الق-إحساسا كليا- بظهور رسائل النور، حيث يُشاهَد في نمطِ حياةِ قسم من خواص طلاب رسائل النور واعتراف بعضهم، أن حياتهم جُهّزت وهُيئت لأجل القيام بهذه الخدمة الجليلة، كما هي الحال في تهيئة رسائل النور في أداء هذه الخدمة.
إن أُكمل لمسبَق موجود كليا أو جزئيا في كل شخص، بل حتى في الحيوانات. وإن قسما مهما من الرؤيا الصادقة نوع من هذا الحس المسبَق، ويرتقي عند بعضهم -من حيث قوة حساسيته- إلى درجة الكرامة. وإن إحساسي بمجيء المطر قبل أربع وعشرين ساعة بما في أعصابي من إحساس بط ٥/٣١ة يمكن أن يُعدّ من جهةٍ إحساسا مسبَقا، ومن جهة أخرى لا يعدّ.
ولقد استقصيت نمط حياة إخوتي الذين لهم شأن في خدمة رسائل النور فشاهدت أن سير حيارغم أنما هي عندي- قد جُهّزت وسيقَت لأجل إنتاج عمل عظيم كالعمل لرسائل النور.
نعم، إن طراز الحياة السابقة من إخوتي "خسرو، فيضي، الحافظ علي، نظیيف" قد أُعطيت لها أوضاع لتثمر هذه الخدمية ينبرية. وهم أنفسهم يَشعرون بها، مثلما أرى أنا وإخوتي الخواص جدّا -هاهنا- أن حياتهم قد نُظّمت لتثمر مثل هذه الثمرة النورانية كما هي في طراز حياتي، فالذين لا يشعرنة، من، إذا ما أنعموا النظر سيشعرون بها.
ولقد كنت أعدّ قسم الخوارق التي ظهرت في عهد حياتي السابق أنها من سلسلة كرامات الشيخ الكيلاني. بينما تَبيّن الآن أنها كرامة من سلسلة كرامات رسائل النور، فمثلا:
في أثناء مجيئي إلى إسطنبول قبل عهد تكون ب، اقتنيت بضعة كتب قيّمة تخص علم الكلام فقرأتها بدقة. وبعد مجيئي إليها دعوت العلماء ومدرسي المدارس الدينية إلى المناقشة بإعلاني: "اسألوا ما المعن إلّا أن الشيء المحيّر أن المسائل التي طرحها القادمون كنت قد قرأت أجوبتها في طريقي إلى إسطنبول وظلت عالقة في ذهني. وكذا الأسئلة التي طرحها الفلاسفة هي المسائل التي ظلت عالقة في ذهني.
— 242 —
والآن (أي بعد حواليأخرى و سنة) تَوَضَّحَ الأمرُ فأدركت أن ذلك النجاح الباهر وذلك الإعلان وإظهار الإعجاب والفضيیلة التي تفوق حدي بكثير، إنما كان لتهيئة الوسط الملائم لقبول رسائل النور لدى إسطنبول وعلمائها ومعرفةِ أهميتها.
كنت أرفض قبییول أموال النیییاس وهداياهم م القرآومة أظفاري. فما كنت أتنیازل لإظهار حاجتي للآخرين رغم أنني كنت فقير الحال وفي حاجة إلى المال، وما كنت زاهدا ولا صوفيا ولا صاحب رياضة روحية، فضلا عن أنني ما كنت من ذوي الحسبك. وربب والشهرة.
فإزاء هذه الحالة كنت أحار من أمري كما كان يحار من يعرفني من الأصدقاء. ولقد فهمت من قبل بضع سنين حكمتها، أنها كانت لأجل عدم الرضوخ للطمع والمال، ولأجل الحيلولة دوجريدة اعتراض على رسائل النور في مجاهداتها، فقد أنعم عليّ الباري عز وجل تلك الحالة الروحية.. وإلا كان أعدائي الرهيبون يُنیزلون بي ضربتَهم القاضيةه، وربك الناحية.
ومثلا:على الرغم من أن سعيدا القديم قد توغل كثيرا في الأمور السياسية، وأن سعيدا الجديد بحاجة إلى من يسنده وينحاز إليه كثيرا، لم تشغله أعاصير السبهذا اصلا وقطعا ولم تغلبه -بتحريك الفضول لديه- للاهتمام حتى بمعرفة هذا الطوفان البشري الجارف الذي أشغل البشرية قاطبة طوال خمس سنوات وأكثر...
فقد كنت أحار من هذه الحالة، كما أن الذين يعرفونني يحارون، حتى كنت أقول لنفسي: هل أنا ا لهذه نت بحيث لا أنظر ولا أهتم بهذه الحالة التي هزّت الدنيا أجمع، أم الناس أصبحوا مجانين؟. كنت أقول هذا وأظل محتارا، ولكن قد تحقق الآن -بإخطار معنوي وبالحس المسبَق المذكور وبتغلب رسائل النور وإِمت يظريتها- أن تلك الحالة الروحية العجيبة، قد مُنِحَت لأجل إثبات أن حقيقة الإخلاص التي تتحلى بها رسائل النور لا يمكن أن تكون تابعة لأي شيء سوى مرضاة اللّٰه سبحانه وتعالى ولا ركيزةَ لها سوى القرآن الكريم.
سعيد النه تعال * * *
— 243 —
(ما يستحق الفضول والاهتمام)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
ذُكر في المسألة الرابعة من رسالة الثمرة ما ملخصه:
إن سبب عدم تدخلي في ان الكدالسياسية الدائرة في الأرض، هو أن وظيفة الإنسان ومهمته في تلك الدائرة الواسعة قليلة وصغيرة إلّا أنها تثير الفضول لدى المهتمين بها والمتلهفين إلى تتبع الأحداث. حتى إن الاهتم يبعث ك الوظائف الثانوية تُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة أو تدعها ناقصة مبتورة، فضلا عن أنها تورث الانحياز والميل إلى إحدى الجهات، وعندها لا يجد المرء بأسا من ظلم الظالمين في الجهة التي انحاز إليها، بل قد يرتاح إليه. فيكون عندئذٍ مشاركا لهم في الغير مع فيا أيها الشقاة الذين يتلذذون من الغفلة المسكرة الناشئة من متابعة الحوادث الخارجية نتيجة الفضول والاهتمام!
لو كان الفضول والاهتمام وحب الدية -رع المغروز في فطرة الإنسان هو الذي يدفعكم -من حيث الإنسانية- إلى هذا التتبع والاهتمام، وعلى حساب الوظائف الجليلة الضرورية المفروضة. نعم، لو قلتم: إن هذه أيضا حاجة فطرية معنوية. فأنا أقول:
كما أن الإنسان يُثار لديه الفضن حاجت الاستطلاع عندما يشاهد إنسانا ذا رأسين أو ذا ثلاثة أرجل، بينما لا يهتم بخلق الإنسان السوي الحافل بالمعجزات ولا يُنعِم النظر فيه؛
كذلك الحوادث الجارية في البشريةفلقد ونظرَ الإنسان إليها حيث تغطي مساحة واسعة من الأخبار، بينما هي حوادث فانية مؤقتة بل مدمّرة في هذا العصر. علما أن هناك مائة ألف أمة وأمة من أمثال نوع البشر تعيش معه على سطح الأرض. فلو راقبنا مثلا أمةً واحدة منها في فصل الربيع ولتكن النحل أو العنالإعجانا أنفسنا أمام معجزات عظيمة جدّا تستحق أن تُلفت إليها الأنظارُ أكثر مما تستحقه تلك الحوادثُ البشرية بأضعافِ أضعافِ المرات. بل هي تُحرِّك الفضولَ والاهتمامَ -لدى إنعام النظر فيها- وتورث الإنسانَ لذائذ روحية وأذواقا معنوية.
لذا لا الصحيحا ألّا يُعبأ بتلك اللذائذ المعنوية الحقيقية وأن تُترك، وأن تُلتفَت إلى
— 244 —
حوادث بشرية مضرة شريرة عرَضية غير أصيلة، ومن ثم يلصق بها عقلا وروحًا، ويبذل الاهتمام البالغ بها.
نعم، لا يصح ذلك قطعا إلّا إذا كانت الدنيا خالدة أبدية، وتلك الزندقث دائمة مستمرة، والضر والنفع يأتيان منها، والقائمون بها لهم القدرة على الإيجاد والخلق.. والحال أن تلك الحالات حالات طارئة مضطربة عابرة كهبوببتت أنح، وتأثير المسبّبين فيها تأثير عرضي غير حقيقي فضلا عن أنه جزئي. أما منافعها وأضرارها فلا تأتي من الشرق ولا من البحر المحيط، بل ممن هو أقرب إليك من حبل الوريد، وممن يحول بين المرء هذه ا، وممن يربّيك ويدبر شؤونك.. ذلك الرب الجليل.. أليس من البلاهة ألّا تهتم بربوبيته وحكمته؟
وإذا ما نظرنا إلى المسألة من زاوية الإيمان والحقيقة رأينا أن اهتماماتٍ من هذا القبيل تولد أضرارا جسيمةياسة ادفع الإنسان إلى ميدان فسيح لا ضوابطَ له حتى تورثه الغفلة فتغرقه في أمور الدنيا وتنسيه واجباته الحقيقية نحو الآخرة.
ولا شك أن أوسع دائرة من تلك الدوائر الواسعة هي السياسة وأحداثها. ولاسيما الحوادث العامة كالحرب، فإنها تغرق القلب في الغف أهل اتخنقه خنقًا، حتى لا يمكن إنقاذه إلّا بإيمانٍ ساطع كالشمس يَقدر على مشاهدةِ أثرِ القَدَر الإلهي والقدرة الربانية في كل شيء، في كل حال، في الذي ية وسكون، كي لا يغرق القلب في ظلام دامس من الظلمات ولا ينطفئ نورُ الإيمان الوهاج ولا يزل العقل إلى مفهوم الطبيعة والمصادفة.
ومن هنا نرى أن أرباب الحقيقة يحاولون تناسي دائرة الكثرة بلوغا إلزم- سعيقة ووجدان طريقٍ إلى معرفة اللّٰه. وذلك لئلا يتشتت القلبُ والاهتمام والذوق والشوق، وليصرفوها جميعا إلى ما يلزم لا إلى ما لا يلزم من الفانيات.
وما أنه السر الدقيق لا يكون قسمٌ من السياسيين -على الأغلب- على تقوى كاملة، ولا يكون الذين هم على تقوى وصلاح تام سياسيين، ما خلا الصحابة الكرام وأمثالهم من المجاهدين من السلف الصالحين. بمعنى أن الذين اتخذوا الس نعم،دفا لهم يأتي الدين لديهم في المرتبة الثانية ويكون حكمُه حكمَ التابع. أما المتديّن حق التدين فيرى العبودية للّٰه تعالى أعظم غايته في الكون، فلا ينظر إلى السياسة نظرَ العاشق الوقلت لهبل ينظر إليها -حسب
— 245 —
مرحلتها- في المرتبة الثانية والثالثة ويستطيع أن يجعلها أداة طيعة للدين والحقيقة. إذ بخلافه يهوّن من قيمة الألماس الثمينة إلى قطع زجاجية تافهة.
حاصل الكلام:كما أن السُكْر يولّد لذة مشفعها لولفترة قصيرة حيث ينسي السكران الآلام الناشئة من عدم أدائه الوظائف الحقيقية والحاجات الضرورية، كذلك الاهتمام الجادّ بهذه المعارك والحروب الطاحنة والحوادث الفانية هو اللوحة السُكر بحيث ينسي الإنسانَ حاجته إلى المهمات الحقيقية والآلام الناشئة من جراء عدم القيام بها، ينسيه مؤقتا، مانحا لذة مشؤومة، أو يقذف به في يأس مدمّر مخالفًا للأمر الإلهي في قوله تعالى:
ة أمامطوا من رحمة اللّٰه
(الزمر:٥٣) وعند ذاك يكون ممن يستحق التأديب والعقاب بالزجر الإلهي الشديد:
ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار
(هود:١١٣) وذلك لمشاركته طوعا وضمنا ة القو الظالمين. فينال جزاءه الذي يستحقه في الدنيا والآخرة.

* * *

(إنقاذ الإيمان أعظم إحسان في هذا الزمان)إخوتي الأعزاء الصادقين!
إن أعظم إحسان أعدّه في هذا الزمان وأجلّ وظيفة، هو إنقاذ الإنلمباركيمانه والسعي لإمداد إيمان الآخرين بالقوة. فاحذر يا أخي الأنانية والغرور، وتجنَّب من كل ما يؤدي إليهما، بل ينبغي لأهل الحقيقة في هذا الزمان نكران الذات، ونبذ الغرور والأنانية، وهذا هو الألزم لهم، لأن أعظم خطر يتأتى في هذا العصميتان.ا يتأتي من الأنانية والسمعة، فعلى كل فرد من أفراد أهل الحق والحقيقة أن ينظر إلى تقصيرات نفسه ويتهمها دائمًا ويتحلى بالتواضع التام.
إنر من آم عظيم حفاظُكم ببطولة فائقة على إيمانكم وعبوديتكم للّٰه، تحت هذه الظروف القاسية.
نعم، إن رسائل النور لم تنهزم تجاه جميع الهجمات الشرسة في هذا العصر، بل أرغمتْ رسميًا أعتى المعاندين لها على قبول أيضًا. حتى إنه منذ سنتين وبعد إجراء التدقيقات صدّق المسؤولون الكبار وذوو المناصب الرفيعة في وزارة العدل على إطلاق حرية نشر رسائل النور فأعادوا الرسائل العامة والخاصة لأصحابها.
— 246 —
إن مما يُثبت أن رسائل النور معجزة معنوية للقرآظر عاميم في هذا العصر هو عدم انهزام مسلك رسائل النور -كسائر المسالك والطرق الصوفية- بل انتصاره وإدخاله الكثيرين من أهل العناد إلى حظيرة الإسلام، والشهود على ذلك حوادث كثيرة جدًّا. ولقد أقنعتنا الحوادثُ أنه لن تكون خدمة الدين خارجَ دائرة رسائل النور خدمةً كاملة -في الأغلب في هذه البلاد- حيث هو عمل خاص جزئي وحيد وشخصي أو مستتر منهزم، أو متساهل مع البدع ضمن ة، بل ت بتأويلات فاسدة.
ما دمتَ يا أخي تملك همة عالية وقوة راسخة من الإيمان، فكن طالبًا لرسائل النور واستمسك بها بإخلاص تام وتواضع تام وثبات تام. كي تشارك في المغانم الأخروية لألوف بل مئات الألوف من الطلاب الساب على وفق دستور الاشتراك المعنوي الأخروي في الأعمال. وبهذا تتحول حسناتك وخيراتك إلى حسنات وخيرات كلية جماعية تكسبك تجارة رابحة في الآخرة بعد أن كانت حسنات جزئية فردية.

* * *

(ما يدفع إلى استنساخ الرسائل)إخوتي الأعزاءأيضا -قين!
اطّلعتُ اليوم على مجموعة تضم أجزاءَ من الرسائل التي استنسخها أطفالٌ أبرياء وشيوخ كهول، وذلك ضمن المجموعات المعادة إليّ من قِبَل المحكمة بعد إجراء التدقيقات عليها لمدة سنتين.
وبمشاهدتي هذه المجموعة الخالصة النیزيهة اقتنعتُ بليلة ه المجموعة المستنسَخة من قِبَل الأبرياء من الأميين صدا لشبهات الفلاسفة والضالين أعظمُ وسيلة للنصر والظهور على العنيدين وإرغام غير المنصفين إلى الإنصاف.
وقد جمعنا هذه المجموعاتِ والأجزاء المستنسخة من قبل الأميين في مجلشهرة لاثة.
إن في رسائل النور أذواقا معنوية وأنوارا جذابة وسرورا بالغا يحمل الصغار على الانكباب على الاستنساخ اليدوي بحيث يتغلب على جميع المبتكرات والوسائل الحديثة لحث الصغار على القراءة وسَوقهم إليها.
— 247 —
وهذا يعني أن رسائل النور تترشح الأمة جذورها في الأعماق وستدوم في الأجيال المقبلة بحيث لا تتمكن أيةُ قوة كانت أن تجتثها بإذن اللّٰه.
وكما ضُمّتْ مستنسخاتُ هؤلاء الأطفال الأبرياء في مجلدات كذلك ضمت في مجلدات مستنسخاتُ أولئك الشيوخ اء والانضموا إلى دائرة رسائل النور وباشروا بتعلم القراءة والكتابة بعد تجاوزهم الأربعين من العمر.
فهؤلاء الشيوخ الأمّيون -وقسمٌ منهم رعاة وبدو رحّل- وفي هذه الظروف العصيبة يفضلت الساعي لرسائل النور، ويسعون في خدمة الإيمان بشوق رغم جميع المضايقات، مما يُظهر بوضوح أن الحاجة إلى رسائل النور أكثر من الحاجة إلى الخبز حتى إن أهل الحصاد والفلاحين والرعاة والبدو يرون الع فإن لائل النور أولى من حاجاتهم الضرورية.
وعندما كنتُ أصحح ما استنسخه الصبيانُ والشيوخ وأنا أعاني من ضيق الوقت وَرَدَ على خاطري أنه لا داعي للضجر والضيق. فإن قراءة ما استنسخه هؤلاء تُرغم المسرعين في القراءة إلى التأني والتروي حتى يتمساء الٌ من العقل والقلب والروح والنفس والشعور من تناول حقائق رسائل النور التي هي في حكم الغذاء والطعام. وبخلافه فإن القراءة السريعة تجعل العقل وحده آخذا حظَّه، بينما تظل الأخريات دون غذاء.
لذا ما ينبغي قراءة رسائل النور كسائر الم زيارالكتب، لأن ما فيها من علوم الإيمان التحقيقي لا يشبه العلوم والمعارف الأخرى، فهي نورٌ وقوة ممدّة لكثير من اللطائف الإنسانية فضلا عن العقل.
حاصل الكلام:هناك فائدتان في الكتابة الناقصة لأولالحة مبرياء والشيوخ الأميين:
أولاها:تلجئ القارئ إلى التأني والملاحظة الدقيقة.
ثانيتها:تدفع إلى تلقّي الدروس بإعجاب بمسائل رسائل النور الدقيقة اللطيفة اللذيذة والاستماع إليها من تلك الألسنة الطيبة الخالصة البريئة.
الباقي هو الباقي
أخوك تاركيعيد النورسي
— 248 —
(ممن تلقيتُ درس الحقيقة؟)إن حسین ظنكم المفرط نیحیوي هیو فیوق حدّي بكثير فلا أستطيع قبیوله إلّا أن يكون باسیم شخص رسائل النور المعنوي، واعي إلليس من حدّي وطوقي أن أُظهر مزايا تلك المقامات الرفيعة. ثم إن مسلك رسائل النور ليس مسیلك الطرق الصوفية بل هو مسلك الحقيقة، فهو مسلك مقتبس من نور مسلك الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالمظلوميم أجمعين.
إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة الصوفية بل زمان إنقاذ الإيمان. وللّٰه الحمد فإن رسائل النور قد أنجزت وما تزال تنجز هذه المهمة وفي أصعب الظر
(ن دائرة رسائل النور في هذا الزمان هي دائرة طلاب الإمام علي والحسن والحسين والشيخ الكيلاني رضوان اللّٰه عليهم أجمعين.. إذ تلقيتُ درس الحقيقة -على طريقة أويس القرني- مباشرةً من الإمام علي رضي طلق ال عنه بوساطة الشيخ الكيلاني قدس سره والإمام زين العابدين والحسن والحسين رضي اللّٰه عنهم، لذا فإن دائرة عملنا وخدماتنا هي دائرتهم.
ثم إنني أعترف بأني لا أستحق -بأي وجه من الوجوه- ذلك المقاليب مفيع الذي يمنحني إخوتي لأتملك هذا الأثر المقبول القيم. ولكنّ خلقَ شجرة باسقة ضخمة من بذرة صغيرة جدًّا هو من شأن القدرة الإلهية ومن سنته الجارية وهو دليل على عظمتها. وأنا أُطَمْئِنُكم مقسِما باللّٰه أن قصدي من الثناء لك الوائل النور إنما هو تأييد حقائق القرآن وإثبات أركان الإيمان ونشرها. وإنني أشكر ربي الرحيم شكرًا لا منتهى له، على أنه لم يجعلني أعجب بنفسي قط، وأنه أظهرَ لي عيوب نفسي وتقصيراتي حتى لم تبق لي أية رغبة في إظهار تلك النفس إلى الآخرين.
نعم،نا برس كان واقفًا على شفير القبر، لا ينظر إلى الدنيا الفانية التي تركها وراء ظهره، وإذا ما نظر إليها فهو حماقة يرثى لها وخسارة فادحة.
اللّٰهم احفظنا من مثل هذه الخسائر آمين.
تحياتنا إلى جميع الإخوة فردًا فردًا مقرونة بالدعاء لكثرة مين دعواتهم.

* * *

— 249 —
(الحقيقة الخالدة لا تُبنى على فانين)إنه يَسأل هذه المرة عن حقيقة جليلة هي فوق حدّي ومنیزلتي بألف درجة يسألها استنادا إلى حسن ظنما شییرط. إنه يريد أن ينظر إليّ من زاوية الوظيفة الجليلة السامية للشخص المعنوي لیرسائل النور ومن زاوية إحدى الوظائف الرفيعة السامية لخلافة النبوة، لرؤيته شعاعا منها في شخصي الاعتيادي من حتَسَرّي أستاذه، فيحاول أن ينظر إلى شخصي الاعتيادي من زاوية تلك الوظيفة المقدسة، فيريد أن يراني مظهرا لتلك الخلافة المعنوية!.
أولًا:إن حقيقة خالدة دائمة لا تبنى على أشخاص فانين زائلين. ولو بنيت عليهم لنجم ظلم وإجحاف شديدان، إذ الميعطيانتي لها الدوام والكمال من كل جانب لا تربط بأشخاص معرَّضين للفناء، ومبتَلين بالإهانات. فإن رُبط الأمر بهم، تُصَبْ المهمة نفسها بضرر بالغ.
ثانيًا:إة في ال النور ليست نابعة من بنات أفكار المؤلف أو بلسان حاجته الروحية بفيض من القرآن الكريم، فهي ليست فيوضات متوجهة إلى حاجة المؤلف واستعداده وحده، بل هي أيضًا نابعرد علىلب مخاطبي ذلك المؤلف وزملائه في درس القرآن الأفاضل الخالصين الصادقين الصلبين، وسؤالِهم -روحًا- تلك الفيوضاتِ وقبولها والتصديق بها وتطبيقها. فهي مستفاضة من الل يتمرلكريم من هذه الجهات وأمثالِها من جهات كثيرة أخرى. فهي فيوضات تفوق كثيرًا استعدادَ المؤلف وقابليته. فكما أن أولئك المخاطبين أصبحوا السبب في ظهور رسائل النور، كذلك هم الذين يشكلون حقيقة الشخص المعنوي لرسائل النور وطلابها.سة وبالمؤلف فله حصة من تلك الحقيقة، وقد يكون له حظّ شرف السبق إن لم يُفسده بعدم الإخلاص.
ثالثًا:إن هذا الزمان زمن الجماعة، فلو بلغ دهاء الأشخاص فردًا فردًا حدّ الخوارق، فلربما يُغلب تجاه الدهاء الناشئ من شخص الجماعة الضلها ع لذا أقول كما كتب ذلك الأخ الكريم: إن مهمة إيمانية جليلة بحيث تنور عالم الإسلام من جهة وناشئة من أنوار دهاء قدسي، لا تحمّل على كاهل شخص واحد ضعيف مغلوقاصر جًا، يتربص به أعداء لا يُعدّون وخصماء ألدّاء يحاولون التنقيص من شأنه بالإهانات. فلو حُمّلت، وتزعزع ذلك الشخص العاجز تحت ضربات إهانة أعدائه الجعل لي لسقط الحمل وتبعثر.
— 250 —
(حاجة أهل الإيمان إلى حقيقة نزيهة)إخوتي الأعزاء الصديقين الثابتين المخلصين!
سؤال في منتهى الأهمية، يسألنيه من له علاقة بي،لعلوم في نفسي أيضًا، فهو سؤال معنوي ومادي في الوقت نفسه. وهو:
لِمَ تقوم بما لم يقم به أحد من الناس، ولمَ لا تلتفت إلى قوًى على جانب عظيم من الأهمية، تستطيع أن تعينك في أمورك، فتخالف جميع عليكم. بل تظهر استغناءً عن تلك القوى؟.
ثم لِمَ ترفض بشدةٍ مقاماتٍ معنوية رفيعة يجدك طلابُ النور الخواص أهلًا لها، فتتجنبها بقوة في حين يتمناها الناس ويطلبونها، فضلًا عن أنها ستقدربما مت جليلة في سبيل نشر رسائل النور وتمهد السبيل لفتوحاتها؟
الجواب:إن أهل الإيمان -في الوقت الحاضر- محتاجون أشد الحاجة إلى حقيقة جليلة نزيهة بحيث لا يمكن أن تكون وسيلة للوصول إلى شيء، ولا تابعة لأي شيء كان، ولا سلمًالماءَ ل إلى مآرب أخرى، ولا يتمكن أي غرض أو أي قصد كان من أن يلوثها، ولا تتمكن الفلسفة أو الشبهات أن تنال منها. فالمؤمنون محتاجون إلى مثل هذه الحقيقة النیزيهة لتُرشدَهم إلى حقائقن يجعلان، حفاظًا على إيمان المؤمنين في هذا العصر الذي اشتدت فيه صولة الضلالة التي تراكمت شبهاتها منذ ألف سنة.
فانطلاقًا من هذه النقطة فإن رسائل النور لا تعبأ باللإخلاصمدّون لها يد المعاونة سواءً من داخل البلاد أو خارجها ولا تهتم بما يملكونه من قوى ذات أهمية بل ولا تبحث عنهم ولا تتبعهم. وذلك لكي لا تكون في نظر المسلمين عامة وسيلةً للوصول إلى غايات دنيويةالعمر كون إلّا وسيلة خالصة للحياة الخالدة الباقية. لذا فهي بحقيقتها الخارقة وبقوتها الفائقة تتمكن من إزالة الشبهات والريوب المهاجمة على الإيمان.
سؤال:أما المقامات النورانية والمراتب الأخروية التي هي درجات معنوية مقبولة لدلأنوارالحقيقة قاطبة بل يرغبون فيها، ولا ضرر منها، وقد منحها لك إخواننا المخلصون بما يحملون نحوك من حسن الظن، وهي لا تُلحق ضررًا بإخلاصك -حتى السيالتها لا يرفضون
— 251 —
قبولك لكثرة ما لديهم من حجج وبراهين عليها- إلّا أنك ترفض تلك المقامات بغضب وحدّة لا تواضعًا أو تجردًا وترفعًا منك، بل حتى تجرح مشاعر إخوانك الذين منحوك تلك المقامات، ر الاعها بشدة..! فلماذا؟
الجواب:كما أن شخصًا غيورًا يضحِّي بنفسه إنقاذًا لحياة أصدقائه، كذلك -لأجل الحفاظ على الحياة الأبدية للمؤمنين من صولة أعداء خطرينلفرقان-إذا لزم الأمر وهو يلزم- لا بتلك المقامات التي لا أستحقها، بل أيضًا بمقامات حقيقية لحياة أبدية. ذلك ما تعلمته من رسائل النور، ألاَ وهو الشفقة على الخلق.
نعم، إن الأمر يقتضي هكذا في كل وقت، ولا سيما في هذامراقٍ ، وبخاصة عند استيلاء الغفلة التي أنشأتها الضلالة، في خضم هيمنة التيارات السياسية والآراء الفلسفية، وفي عصر كعصرنا هذا الذي هاج فيه الغرور والإعجاب بالنفس، يحاول ذوو المناصب الكبيرة دائمًا أن يجعلوا لهم كل شيء أداة قوة اويستغلون كل وسيلة في سبيل غاياتها، حتى إنهم يجعلون مقدساتهم وسيلة لبلوغ مناصب دنيوية. ولئن كانت هناك مقامات معنوية فهي تُستغل استغلالًا أكثر، وتُتخذ وسيلة أكثر طواعية من غيرها؛ لذا يظل دومًا تحة بل حلاتهام، إذ يقول العوام: إنه يجعل خدمات مقدسة وحقائق سامية وسائل وسلالم لبلوغ مآربه، حفاظًا على نفسه أمام نظر الناس، ولكي يبدو أنه أهل لتلك المقامات.
و عليكمفلئن كان قبول المقامات المعنوية يفيد الشخص والمقام فائدة واحدة فإنه يلحق ألف ضرر وضرر بالناس عامة وبالحقائق نفسها بما يصيبها من كساد بسبب الشبهات الواردة.
حاصل الكآن الكن حقيقة الإخلاص تمنعني عن كل ما يمكن أن يكون وسيلة إلى كسب شهرة لبلوغ مراتب مادية ومعنوية.
نعم، إنه على الرغم من أن هذا يؤثر تأثيرًا سيئًا في خدمة النور، إلّا بجريرأرى أن إرشاد عشرة من الناس إرشادَ خادمٍ لحقائق الإيمان إرشادًا خالصًا حقيقيًا وتعليمَهم أن حقائق الإيمان تفوق كل شيء، أهمُّ من إرشاد ألف من الناس بقطبية عظيمة، لأن النوعية تفضل على الكمية، ولأن أولئك الرجال العشرة يرون تلك الحقائق أسمى منللحياةء آخر. فيَثبتون، ويمكن أن تتنامى قلوبهم التي هي في حكم البذرة إلى شجرة باسقة. أما أولئك الألوف فإنهم
— 252 —
بسبب ورود الشبهات المقبلة من أهل الدنيا والفلسفةِ وهجومها عليهم، ربما يتفرق قطعة حول ذلك القطب العظيم، إذ ينظرون إليه أنه يتكلم من زاوية نظره الخاصة، ومن مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة!
لذا أرجّح الاتصاف بالخدمة، على نيل المقامات. حتى إنني قلقتُ ودعجل تقوّٰه ألّا يصيب شيء -في هذه المرة- ذلك الشخصَ المعروف الذي أهانني بغير وجه قانوني، وبخمسة وجوه من أوجه الإهانة والتحقير، وفي أيام العيد، تنفيذًا لخطط وضعها أعدائي. حيث إن المسألة انتشرت بين الننت أنهشيت أن يمنحوني مقامًا، فلربما يعدّون حدوث شيء ما نتيجة كرامةٍ خارقةٍ. لذا قلت: "يارب أصلح شأن هذا، أو جازه بما يستحقه من دون أن يكون عقابًا يومئ إلى كرامة".

* * *

إلى السيد مدير الأمن العام في أنقرةإن كنت تريد أن ت والآنخصا ضعيفا قاسى -بصورة غير رسمية- السجنَ المنفرد والعزل التام طوال عشرين سنة ولاقى من العنت والضيق ما لا نظير له، ثم آثر السكوت رغم كل ذلك.. فإن كنت تريد مقابلته مقابلة حقيقية جادة -وليست مقابلة رسمية- فها أنا أتكلم معكم قليلا.
أالماضيعد التدقيقات التي أجرَتها محكمتان ودامت طوال سنتين حول مؤلفاتي وكتاباتي التي استغرقت عشرين سنة من حياتي، لم يستطيعوا أن يعثروا على أية مادة تمس الإدارة ونظام البلاد. وهي غير موجودة أصلا، والدليل القاطع والحجة التي لا تمه سبحلى ذلك إعادتهم جميع الرسائل الخاصة منها والعامة.
أما حياتي السابقة لعشرين سنة التي خلت، فأفضلُ دليل على أنها مضت بتضحية وفداء في سبيل هذه الأمة والبلاد هو تقدير القائد العام الذي كنت أزاول قيادة "الأنصار" المتطوعين تحت رعايت وجرائالحرب العالمية الأولى.. وتقديرُ الرؤساء في أنقرة لخدماتي في حرب الاستقلال.. وترحيبُ النواب في مجلس الأمة بي في أثناء قدومي إليهم.. بمعنى أن التعذيب الذي لا
* طوال هذه السنوات العشرين كان معاملةً غير قانونية البتة. وهي معاملة اعتباطية صِرفة. فلقد أمضيتُ أربعين عيدا مباركا طوال السنوات العشرين وأنا وحيد فريد...
— 253 —
والآن قد بلغ السيل الزبى، فلا تحملوني على النظر إلى الدنيا وأنا على شفير القبر.
داء النكم لكونكم تشغلون منصب مدير الأمن العام ينبغي لكم أن تتعاطفوا مع خدماتي. لأنه كما ثبت في المحاكم، أن دروس رسائل النور، عندما تتطلّع على الدنيا، فإنها تُرشد طلابها إلى الحفاظ على النظام بكل ما أوتوا من قوة والحيلولةِ دون لا يقُب فسادِ الثورات والفوضى فيه، والدليل على أنهم في حكم ضباطِ أمن معنويين قد أدركه ضباطِ الأمن في ثلاث ولايات.
ولقد علمتُ في الآونة الأخيرة أن كثرة تخويف الموظفين الناسَ من مقابلتي، إنما كان للت أستاذن إقبال الناس عليّ وتوجههم نحوي، بما هو فوق حدّي بكثير، وبما لا أستحقه من مقام. فأنا أبين لكم بيانا قاطعا، مثلما كتبتُه لإخوتي الخواص في مكاتيب خاصة: أنني لا أقبل توجّه الناس لشخصي وإقبالَهم عليّ وأرفُضه رفضا باتا،عددة ملمنافاته مسلكنا وإخلاصنا. حتى إنني جرحتُ شعور كثير من إخوتي الخواص في هذه الناحية. إلّا أنني كتبتُ -في المؤلفات- الإخباراتِ المستقبليةَ التي قبلتُها للأفاضل الذين بيّنوا قدر رسائل النور وأهميتها، والتي هي تفسّر القرآن الالواسعفسيرا حقيقيا. وأثبتُّ أنني خادم بسيط ليس إلّا. ولو افتُرض -فرضا محالا- أنني مِلتُ إلى هذا الإقبال من الناس، فإن هذا التوجّه سيخدم استتباب النظام، وستصيبكم فائدته أيضا كما تصيب أمثالكم من المسؤولين عن ذاك يد.
فما دام الموت لا يُقتل، فهو إذن مسألة جليلة أعظم من الحياة نفسها. بينما تسعون بالمائة من الناس يسعون للحصول على السلامة في هذه الحياة، أما نحن طلابَ رسائل النور،م كرياد الهجمة القوية للموت التي ستصيب كلَّ أحد من الناس. فللّٰه الحمد والمنة فقد استطاعت رسائل النور حتى الآن تحويل الإعدام الأبدي للموت لمئات الألوف من الناس، إلى تذكرةِ تسريحٍ. ونستطيع إبراز مئات الألوف من الشاهدين على ذلك.
انهمك ينبغي لكم ولأمثالكم من محبي الأمة والوطن أن يشجعونا ويحثونا -من زاوية هذه الحقيقة- فإنّ وَضْعَنا تحت الاتهامات جريا وراء الأوهام والشبهات، ومن ثم إزعاجنا بالترصد والمراقبة المستديمة، كم هو بعيدٌ عن الإنالثَّجلحمية.. هذا ما نحيله إلى إنصافكم.
سعيد النورسي
المسجون في السجن المنفرد بصورة غير رسمية
— 254 —
(إلى مدير الأمن لولاية أفيوُن)ثقةً م يسبح دانكم وإنسانيتكم أبيّن لكم أموري الخاصة جدّا. فأنتم مرتبطون بنا بروابط كثيرة بحكم وظيفتكم، حيث لم تقع أيةُ حادثة تخل بالنظام، من قِبَل مئات الألوف من طلاب رسائل النور وفي مدى عشرين سنة. والدليل على ها يتغيراف كثيرٍ من ضباط الأمن بذلك، وعدمُ تسجيلهم أي شيء ضدّنا.
سمعتُ من صبي بمجيء مدير الأمن العام إلى هنا، فقلت لاشك أنه سيستفسر عن حالي. فكتبت له شيئا عوضا عن التحدث معه حيث أُعاني من القا في ولكن إذا بي أسمع فجأة أنه غادر المدينة. لذا أرسلُ إليكم طي رسالتي هذه ما كتبتُه للمدير العام، فإذا ارتأتيم أرسلوه إليه كمعلومات.
إنني لا أعل أدِّأمور الدنيا لعدم ملاقاتي أحدا من الناس، فلا أحد لي هنا غيرك كي أستشيره في الأمر.
والمسألة التي تخص شخصي بالذات ليست ذات أهمية، فهي جزئية، إلّا أن المسألة التي تخص رسائل النور لها أهميتها بالنسبة لهذه الأمة والوطن.
إنني أبلغكم قطعايد في تي الجازمة الناشئة من أمارات كثيرة: أن هذه البلاد وهذه الأمة والحكومة ستكون في أقرب وقت بحاجة إلى مؤلفات من أمثال رسائل ال1&@ حاجةً ماسارمتان العالم الإسلامي وتجاه الدنيا بأسرها. وستبين وجودها وكرامتها ومفاخرها التاريخية بإبراز هذه المؤلفات.
سعيد النورسي

* * *

(حول صلاة الجنازة)إن المقصود من الآية الكريمة:
ولا تُصلّ على احدٍ منهم مات ابمر قصيا تقم على قبره
(التوبة:٨٤) هم أولئك المنافقون المعروفون بالنفاق قطعا في ذلك الوقت. لذا لا يمكن عدم صلاة الجنازة بناء على الظن بالنفاق. إذ لمّا كان ينطق بی"لا إله إلا اللّٰه" فهو إذن من أهل القبلة فيُصلّى عليه إنالثة.
ن فعله ولم ينطق بكفر بواح.
— 255 —
ولوجیود العلويين بكثرة في تلك القريیییة "على كوي" والتحاقِ قسییم منهم بالرافضة. يلزم ألّا يدخل أحدُهم ضمن حقيقة المنافقين، لأن المنییافق لا إيمان لییما الم قلب لییه يخفق بالإيمان، ولا ضمير له يتحرك، ويعادي النبي (ص) كما هییو الحال لییدى زنادقة الوقت الحاضر.
أما الغلاة من العلويين والشيعة، فلا يضمرون العداء للنبي (ص) بل يكنّون حبا مفرطًا لآل البيت. فهم يُفْم إنقاقابل تفريط المنافقين في حبهم. وعندما يتجاوزون حدود الشريعة لا يكونون منافقين بل فسّاقا من أهل البدع، فلا يدخلون ضمن زمرة الزنادقة ما لم يتعرضوا للخلفاء الراشدين الثلاثة: "أبي بكر وعمر وعثمان" الذين الوقتم بل عاونهم سيدُنا علي رضي اللّٰه عنهم أجمعين. ويكفي أن يحترموهم كما كان سيدُنا علي يحبّهم، ويؤدوا الفرائض.
ثم إن أعظم أستاذ لطلاب رسائل النور بعد الرسول الأعظم (ص) هو سيدُنا علي رضي اللّٰه عنه. لذا إن لم يسالدفاعشيعة والعلويون -الذين يدْعون إلى محبته- إلى رسائل النور أزيدَ من أهل السنة فإن دعوى محبتهم لآل البيت ليس في محلها.
ولقد سمعتُ -قبل سنتين- استنساخ الصبيان الأبرياء للّما يالنور في تلك القرية، بهمة جادة لإخوتنا الثلاثة هناك وبشوقهم العظيم. فأدخلتُ تلك القرية برمّتها ضمن دعواتي. فتلك الدعوات التي دعوتها بحق تلك القرية لن تذهب هباءً بفضل اللّٰه ثم بفضل مساعي إخواننا هناك. وسيتفق أهلُ السنة والعلويون هناك.
* بلغ شأ
( زواج الخواص)يسأل أخونا صلاح الدين عن مسألة خاصةٍ به، وهي رغبتُه في الزواج والدخول في الحياة الدنيوية والاجتماعية. فما دام أنه من خواص طلاب النور فلا يمكنه الزواج إن كان فيه ما يضر العمل لرسائل النور، ولكن إذا علم أنه يستطيع أمعنوي. صاحبتَه مُعينة له في العمل -كما هو لدى بعض إخوتنا الخواص- فله أن يتزوج. ذلك لأن حياة الطلاب الخواص تخصّ رسائل النور، وهي مقيّدة بما يراه الشخص المعنوي لطلاب النور. وإن كانت مقرونة بموافقة الوالدين فهو أفضل ولا يضر بإذن اللّٰه.
— 256 —
(ون. حتلكرامات في الرسائل)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
إخوتي الأعزاء الصديقين!
لقد أُخطر على قلبي أن أُبيّن لكم أربع مسائل:
أولاها:جواب عن سؤال يرد بلسان الحال والمقال ومن حالات مختلفة ومظاهر متباينة. فيمصيبة مادامت رسائل النور ذات كرامة، وتورث قارئيها رقيّا في انكشاف حقائق الإيمان أكثر مما تورثه الطرقُ الصوفية، بل إن قسما من طلابها الصادقين هم أولياء صالحون من جهة، فلماذا لاقاطعة.َد فيهم مظاهرُ وأذواق روحية وكشفيات معنوية وكرامات مادية ملموسة كالأولياء، فضلا عن أنهم لا يهتمون بمثل هذه الأمور ولا يتعقبونها. فما الحكمة في هذا؟
الجواب:
أولا:سببُه سرُّ الإخلاص؛ إذ إن الأذواق والكرامات المؤقتة في ة الأر تصبح مقصودة بالذات لدى أولئك الذين لم يتمكنوا من قهر نفوسهم الأمارة بالسوء، وتغدو لديهم هذه الأذواق داعيةً للقيام بأعمالهم الأخروية. وهذا مما يفسد الإخلاص، لأن الأعمال الأخروية لا يُتحرى فيهار أو آ دنيوية ولا يُسأل فيها عن أذواق. بل لو طُلبتْ فيها تلك الأذواق لفسد الإخلاص.
ثانيا:إن الكرامات والكشفيات إنما هي لبث الثقة في نفوس السالكين في الطريقة من الناس العوام الذي تهم كون إيمانا تقليديا ولم يبلُغوا مرتبة الإيمان التحقيقي، وهي أحيانا لتقوية الضعفاء ممن تُساوِرُهم الشكوكُ والشبهات. بينما الحججُ التي تسوقها رسائل النور فيما يخص حقائق الإيمان لا تَدَع مجالا -في أيةل غير انت- لدخول الشبهات والأوهام، كما لا تدع داعيا للكرامات والكشفيات لتطمين القلب والاقتناع. فالإيمان التحقيقي الذي تمنحه الرسائل هو أرفع بكثير من الكرامات والكشفيات والأذواق، لذا لا يَتحرى طلاب رسائل النورولا:بقيون أمثالَ هذه الكرامات.
— 257 —
ثالثا:إن أساسا من أسس رسائل النور هو معرفة الشخص بقصوره في قرارة نفسه، والاندفاعُ إلى خدمة الإيمان بتفانٍ ابتغاء مرضاة اللّٰه وحده دون منافسة مع الآخرين.
بينما الاختلاف الموجود فيما بين أهل الطرشياءَ أصحاب الكرامات والمتلذذين من الكشفيات ووجودُ شيء من الحسد والمنافسة فيما بينهم، ولاسيما في هذا العصر الذي عمّت فيه الأنانية والغرور -كل ذلك- ساق أهلَى العية إلى إساءة الظن بأولئك الطيبين المباركين واتهامِهم بأنهم أنانيون.
ومن هنا نرى لماذا لا يسأل طلاب النور الكراماتِ والكشفياتِ لشخصهم ولماذا لا يلهثون وراء تلكهمية ار، وكيف أن هذا الطَّور هو الألزم لهم والأوجب عليهم.
ثم إن في مسلك رسائل النور لا تُعطَى الأهميةُ للشخص؛ حيث يكتفي الجميع بما نالت رسائلُ النور -من حيث المشاركة المعنوية والفناء في الإخوان- من آلاف الكرامات العالحقائمن يسر في نشر الحقائق الإيمانية، وبما يجد أولئك الطلاب من بركة في معايشهم.. وأمثالها من الإكرامات الإلهية.. لذا لا يفتشون عن كمالات وكرامات أخرى شخصية.
رابلأعظم. المعلوم أن مئات من رياض الدنيا لا توازي شجرة من أشجار الجنة، وذلك لأن الأولى فانية والثانية خالدة.
وأن أحاسيس الإنسان الماديةَ هي أحاسيس مطموسة تُعجبها اللذة ادفع أح، فتفضّل ثمرةً حاضرة على روضةٍ آجلة من رياض الجنة الباقية، لهذا لا يسأل طلاب النور الأذواقَ الروحانية والكشفيات المعنوية في الدنيا. فلا تَستغل النفسُ الأمارة هذه الحالَةَ الفطرية في الإنسان.
وشبيه بحالة طلاب182
من هذه ما يُحكى: أن وطأة العيش قد اشتدت على رجل صالح من الأولياء وعلى زوجته التقية الورعة وكان لهما مقام عند اللّٰه. ولكن شدة ما ألمّ بهما من الضرورة أَلجأتِ الزوجةَ الصالحةَ أن تقول لزوجها:
- إلأخريننا لشديدة!
وإذا بهما يريان لبنة من ذهب خالص أمامهما.
— 258 —
فقال الزوج لزوجته: هذه لبنة قد أُرسلت إلينا من قصرنا في الجنة.
فانبرت له زوجته الصالحة قائلة: مع أن الفاقة قو حصل تنا ونعاني من شظف العيش ما ترى ولنا في الجنة كثير من مثل هذه اللبنة، ولكن أخشى أن نضيع لبنة الجنة في دنيا فانية. فأرجو يا زوجي العزيز أن تتضرع إلى المولى الكريم ليعيد اللبنةَ إلى موضعها في الجنة، فنحن في غنى عنها. وإذا بهما يريان -كشفد وأمثدةَ اللبنة إلى موضعها.
هكذا تُروى الحادثة.
فهذان الرائدان من أهل الحقيقة، إنما يمثلان نموذجا جيدا وقدوة حسنة لطلاب النور في عدم سعيهم وراء الأذواق والكرامات في الدنيا.

* * *

(ما تقتضيه الأبوة والبنوة)لقد سُررتُ غايةَيقة منر بالرسائل الجميلة الخالصة القادمة من إخواننا في مدينة "إينبولي" وما جاور تلك المدينة التي أخذت عنوانَ "إسبارطة الصغيرة" في وقت ما، وعانت أكثر من قع مركينة أخرى مصيبةَ السجن في قضيتنا السابقة. إلّا أنني قَلِقٌ على عدم الانسجام الحاصل بين الوالد والولد انسجاما تاما للاختلاف بين مشربيهما، وهما بَطَلاَنِ من أبطال النور، فالولد لابد له من كسبِ رضا الوالد حتى لو كان تجاوزه غير محق، وعلیى الوالد ألّا يحرم ولدَه من رأفته وإن كان عاقا به، وحتى لو كان البون بين الولد والوالد بعيدا، بل لو كانا عَدُوَّينِ، فلأجل رسائل النور والإيثار الموجود فيما بين طلاب النور، وعدمِ انتقاد بعضهم البعض الآخر الدرجاوز عن تقصيراته، وأمثالها من دساتير رسائل النور تُلجئهم إلى المصالحة. فكيف بمثل هذا الوالد والولد الحاملَين للخصال الحميدة والسجايا الراقية وهما من المتقدمين في صفوف طلاب رسائل النور. فعلى أخويّ هذين ألّا يجعلا أمورا دنيوية جزئيور؛ فسية موضعَ مناقشة. وعليهم أن يتحلَّوا بما تقتضيه الأبوة والبنوة من الاحترام والرحمة فضلا عما يقتضيه التتلمذ على رسائل النور من الصفح وغضّ النظر عن الأخطاء، فعلى أخويّ الحبيبين عندي حبا جما أعلى واا نقد بعضهما البعض الآخر مراعاة لخاطري.

* * *

— 259 —
(ميزان القناعة والحرص)إخواني الأوفياء الصادقين!
سؤال:إنك لا تريد أن ترتبط بعلاقة -خارج دائرة النور- مع ته.
يُحسنون الظن كثيرا بشخصك بالذات ويمنحونك مقاما عظيما، رغم أنهم وثيقو الصلة بیرسائل النور وتتبادل معهم المحبة، بل تفضل المجالسة والمحاورة مع مَن لا يفرط في حسن الظن بشخصك، فتنبسط لهم وتنشرح وتبدي لهم من المحبة والإكرام أكثر نه
ئك. فما السبب؟.
الجواب:لقد ذَكرنا في المكتوب الثاني من الكلمة الثالثة والثلاثين: أن الناس في زماننا هذا يبيعون إحسانهم إلى المحتاجين بثمن غاوعقولهثلا؛ يقدّم لي رغيفا من الخبز مقابلَ دعاء مستجاب، ظنًا منه أنى رجل صالح. فإحسانٌ كهذا وبهذا الثمن الباهظ لا أُريده. وقد بيّنتُ هذا سببا من أسباب ردّ الهدايا. فالناس من غير طلاب النوالزي ايقين يبدون علاقة قوية نحوي واستعدادًا للخدمة بظنهم أني ذا مقام عظيم، ولكن يطلبون عوضها نتائج نورانية في الدنيا -كما هو لدى الأولياء- فيحسنون إليّ ساعتين معنويّا بخدماتهم وعلاقاتهم. ولما كنت عاجزا عن أن أكون مالكا لما يطلبونه من ثمن تجاه هذا النوع من الإحسانات المعنوية من أمثال هؤلاء، أظل خَجِلا منهم، وهم بدورهم عن سيئاتون أنى لستُ على شيء، يخِيبُ ظنُّهم بي، وربما يفتُرون عن الخدمة.
وحيث إن الحرص في الأمور الأخروية والاستزادةَ منها مقبول -من جهةٍ- إلّا أنه في مسلكنا، وفي خدمتنا، قد يكون لبعض العوارض سبكل شيءكوى واليأس بدل الشكر، إذ قد يقع الحريص في خيبة الظن من عمله، لعدم رؤيته نتائجه. بل ربما يدَع خدمة الإيمان. لذا فنحن مكلفون في مسلكنا بالقناعة، وعدم الحرص على نتائج الخدمة وثمراتها على الرغم مما نبديه من حرص شآتي:
لب المزيد في أمور الخدمة ضمن دائرة الإخلاص، وذلك لأن القناعة في النتائج تورث دائما الشكر والثبات والصلابة.
فمثلا:إن ما نراه من حصيلة خدمتنا وجهودنا في ترسيخ الإيمان وتحقيقه في قلوب ألوف المؤمنين -حوالي ولاية إسبارطة- لَكا
أنمتنا هذه، بحيث لو ظهر مَن هو بمرتبة عشرة أقطاب من الأولياء الصوفية، واستطاع سَوقَ ألفٍ من الناس إلى مراتب الولاية، فإن
— 260 —
عمله هذا لا ينقص من أهمية عملنا وقيمتهِ ولا من ثمراته شيئا. لذا فإن طلاب رسائل ايل الآلحقيقيين واثقون كلّ الثقة ومطمئنون كلّ الاطمئنان بمثل هذه النتائج وحصيلةِ الأعمال هذه، إذ إن القناعة القلبية لدى مريدي ذلك القطب العظيم يحققها ويَضمَنُها المقامُ الرفيع لأستاذهم ومرشدهم، ويضمنها أحكامه في المسائل، إلّا مانية ئل النور تنشئ لدى طلابها درجةً من القناعة أكثر بكثير مما عند مريدي ذلك القطب العظيم، بما فيها من حجج قاطعة تسري إلى الآخرين فتنفعهم أيضا، بينما تبقى قناعةُ أولئك المريدين خاصة بهم وحدهم. إذ إن قبول أقوال الأشخاص العظام بغير دليل لا يفيد المن "شفالقطعية -في علم المنطق- بل ربما تكون قضية مقبولة يقتنع بها الإنسانُ بالظن الغالب. أما البرهان الحقيقي -كما هو في المنطق- فلا يَنظر إلى مكانة الشخص القائل وإنما إلى نوع من الذي لا يُجرَح.
فجميعُ حجج رسائل النور هي من هذا القسم، أي من "البرهان اليقيني"، لأن ما يراه أهلُ الولاية من الحقائق بالعمل وبالعبادة وبالسلوك وبالرياضة الروحية، وما يشاهدونه من حقائجل تلكمان وراء الحجُب، فإن رسائل النور تشاهدها مثلهم أيضا، إذ شقّت طريقا إلى الحقيقة في موضع العبادة ضمن العلم، وفتحت سبيلا إلى حقيقة الحقائق في موضع السلوك والأوراد ضمن برة على نطقية وحجج علمية، وكشفت طريقا مباشرا إلى الولاية الكبرى في موضع علم التصوف والطريقة ضمن علم الكلام وعلم العقيدة وأصول الدين؛ بحيث انتصرت على الضلالات الفلسفية التيحر، وشت على تيارات الحقيقة والطريقة في هذا العصر. والشاهد هو الواقع.
وكما أن حقيقة القرآن -التي هي في منتهى القوة وسدادِ المنطق- قد نجّت سائرَ الأديان من صولة الفلسفة الطبيعية وتغلّبها عليها،وت الل القرآنُ نقطةَ استناد لتلك الأديان حتى حافظت -إلى حدٍّ ما- على أصولها التقليدية والخارجة عن العقل؛ فیرسائل النور كذلك -ولا مشاحة في الأمثال- وهي معجزةٌ من معجزات القرآن الكريم ونور مفاض منه في هذا الزمان، قد حافظت على الإيمان التقليدي لدى عوقوقنا،ؤمنين من صولة تلك الضلالة العلمية المخيفة الناشئة من الفلسفة المادية، وأصبحت نقطةَ استناد لأهل الإيمان كافة، وفي حكم قلعة حصينة لا تُقهر للمؤمنين كافة القاصي منهم والداني على السواء، بحيث إنها تحفظ توحات في خضم
— 261 —
هذه الضلالات الرهيبة التي لا نظير لها- إيمانَ عوام المؤمنين من أن تَرِدهم شبهاتٌ على إيمانهم وتُطفئ الشبهات الواردة على إسلاميتهم.
نعم، إن أيّ مؤمن كان في أية بقعة من أرجاء العالم، حتى في الهند والصين، ما إن تساوره شبهةٌ معوا عل ظهور الضلالة الرهيبة في هذا العصر العجيب حتى يتساءل:
تُرى هل في الإسلام شيءٌ من باطل حتى آل أمرُه إلى هذا؟ إذا به يسمع ويدرك أنه قد ظهرت رسالةٌ تثبت إثباتا قاطعا جميعَ حقائق الإيمان، وتَقهر الفلسفة، وتُخرس الإيماة، وإذا بتلك الشبهة تزول نهائيا فينقذ إيمانه ويقوى.

* * *

(لِمَ هذا الحشد من البراهين؟).......
ثانيا:يسأل أخونا علي الصغير ذو الروح العالية، وهو بطل الرة، قد، وبمنیزلة عبد الرحمن ولطفي والحافظ علي سؤالا ورد جوابُه في مئات من المواضع من رسائل النور.
والسؤال هو:لِمَ هذا الحشد الهائل من البراهين والأدلة حول أركان الإيمان في رسائل النور؟ فإن إما يمدلمؤمن العامي هو كإيمان الولي العظيم.. هكذا سمعنا من علمائنا السابقين.
فالجواب:إن مباحث المراتب الإيمانية المذكورة في رسالة "الآية الكبرى".. وكذا ما قاله مجدد الألف الثاني الإمام الرحا لهذقضى به: "إن أهم نتيجة للطرق الصوفية كافة هي انكشاف الحقائق الإيمانية وانجلاؤها. وإن وضوح مسألة إيمانية واحدة وانكشافَها لهو أرجح من ألف من الكرامات". [٭]: انظر: الإمام الرباني، المكتوبات ج/١ المكتوب ٢١٠، ٢٦٠. وكذا مرة منهفي أواخر "الآية الكبرى" المستلهمة من الملاحق.. وكذا المسألة العاشرة من رسالة الثمرة التي تبين حكمة التكرار في القرآن الكريم وسببَ إكثاره من حشد مسعاكمين حول أركان الإيمان ولاسيما التوحيد.. تلك الحكمة القرآنية جارية أيضا بتمامها في تفسيره الحقيقي: رسائل النور.. وهذا هو الجواب.
— 262 —
ثم إن أقسام الإيمان اثبات اة للإيمان التحقيقي والتقليدي والإجمالي والتفصيلي -وثبات هذا الإيمان أمام جميع الشبهات والهجمات الشیرسة التي يشنها الكفر- قد تولت رسائلُ النور إيضاحَها، فذلك الإيضاح لا يدَع لنا حاجة إلى مزيد للإجابة عن سؤال أخينا العزيز. النورجهة الثانية من المسألة:إن الإيمان لا ينحصر في تصديقٍ إجمالي وتقليدي وحده، بل له انجلاءٌ ومراتب كثيرة جدّا كالمراتب الموجودة بين البذرة النامية إلى الشجرة الباسقة، أو كالمراتب اتي منهة بين انعكاس الضوء من المرآة الصغيرة في اليد إلى انعكاسه من سطح البحر، بل إلى انعكاسه من الشمس نفسها.
فإن للإيمان حقائق غزيرة جدّا إذ ترتبط حقائقَ كثيرة لأنوار ألف اسم واسم من الأسماء الحسنى، ولسائر أركان الإيمان بحقائق الكالحس اى اتفق أهلُ الحقيقة على أن أجلّ العلوم قاطبة وقمةَ المعرفة وذروة الكمال الإنساني إنما هو في الإيمان والمعرفة القدسية السامية المفصَّلة والمبرهَنة النابعة من وفي الن التحقيقي.
نعم، إن الإيمان التقليدي معرّضٌ لهجمات الشبهات والأوهام؛ أما الإيمان التحقيقي فهو أوسع منه وأقوى وأمتن وله مراتب كثيرة جدّا.
ومنها:مرتببهذا االيقين التي تقاوم الشبهات المهاجمة بقوةِ ما فيها من براهين. بينما الإيمان التقليدي لا يثبت أمامَ شبهة واحدة.
ومنها مرتبة عين اليقين التي تضم مراتب كثيرة جدّا بل لها مظاهر بعدد الأسماء الإلهية حتى تَجعلُ الكون يتلو آيات اللّٰه كالقرآن العليهم ومرتبة أخرى منها هي مرتبة حق اليقين.. وهذه تضم مراتب كثيرة جدا؛ فصاحبُ هذا الإيمان لا تنال منه جيوشُ الشبهات إذا هاجمته.
ولقد أوضح علماءُ الكلام الطريقَ العقلي والمبرهن لتلك المعرفة الإيمانية، وذلك في ألوف من مجلدات مؤرط سرّ المستندة إلى العقل والمنطق.
أما أهل الحقيقة والتصوف فقد أوضحوا تلك المعرفة الإيمانية من جهة أخرى وبشكل آخر في مئات من كتبهم المستنِدة إلى الكشف والذوق.
— 263 —
أما المنهج القرآني المعجِ فلو ا المنهج الأقومُ فقد أوضح الحقائقَ الإيمانية والمعرفة الإلهية والمقدسة إيضاحا أرفع بكثير وأسمى بكثير وأقوى بكثير مما أوضحه أولئك العلماء والأولياء.
فرسائل النور إنما تفسر هذا المنهج القرآني الأقوم الجامع الرفيع.ب الناتصدى للتيارات الفاسدة المضلّة المدمرة والواردة على القرآن الكريم للإضرار -في سبيل عوالم العدم- بالإسلام وبالإنسانية منذ ألف سنة.
فلا ريب أنها -أي الرسائل- بحاجةدتُه وإلى حشد براهين لا حدّ لها أمام أولئك الأعداء غير المحدودين، كي تتمكن من أن تكون وسيلة -بهذه البراهين المفاضة من القرآن- للحفاظ على إيمان المؤمنين.
ميا: إورد في الحديث الشريف: "فواللّٰه لأن يهدي اللّٰه بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم" [٭]: البخاري، الجهاد ١٤٢، ١٤٣، فضائل أصحاب النبيِ (ص) ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤؛ أبو داود، العلم ١ئل النن "تفكر ساعة خير من عبادة سنة". [٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين ٤/٤٢٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/٣١٤؛ علي القاري، المصنوع ٨٢؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٣٧٠. ولبلوغ هذا النوع من التفكر يُولي النقشبندن كالمميةً عظيمة للذكر الخفي.
سلامي على جميع إخوتي الأحبة فردا فردا، وندعو لهم جميعا بالخير.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي

* * *

(منع الذهاب إلى المسجد)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
منذ شهور والته. فمتُكاد ضدي، والآن تبيّنتْ، ولكن بفضل العناية الإلهية مرّت هيّنة.
كنت أتردد إلى المسجد في الأوقات الخالية. وصنع الطلاب -بدون علمي- في المحفل غرفة خشبية صغيرة لحمايتي من البرد. وقد قررت ألّا أذهبية جدّلمسجد، بعد أن رفع ضابط
— 264 —
الأمن المعروفُ تلك الغرفة الصغيرة، وأبلغوني رسميًا: عليك ألّا تذهب إلى المسجد. ولكنهم أثاروا ضجة بين الناس باستهوالهم الأمر، جاعلين من الحبة قبة.
إن الحادثة لا أهمية لها إطلاقا فلا تقلقوا أبدا. إنني أذكرياتهم يهينونني -بمثل هذه الحجج التافهة- لأجل الحدّ من توجّه الناس -من كل جهة- نحوي بما يفوق حدّي بكثير.
إنهم ينظرون إلى حياتي السابقة، فيتوقعون أنني لن أتحمل إهاناتهم. علما أنني لو أُهنت يوميا بألفالشريع وإهانة -بشرط ألا تُخل بسلامة نشر رسائل النور- وشدّوا عليّ الخناق، لشكرتُ اللّٰه كثيرا على ذلك.
فيا إخوتي، كما لم أهتم بهذه المسألة فالطلاب هنا أيضا لم يهتزوا.
ولقد مرت الحادثة -التي هذا اتوقعها- بسلام والحمد للّٰه.
تحياتنا إلى كل أخ من إخواننا مع دعواتنا لهم.

* * *

(تثبيط الإخوة العاملين)إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
لقد أُخطر على قلبي إخطارا معنويا قويا أن أكرر عليكم بيان مسألةإسبارطية الأهمية، رغم أنى قد بّينتُها لكم مجملا سابقا، وهي الآتي:
إن أعداءنا المنافقين الذين يعملون من وراء ستار قد جعلوا -كما هو دأبهم- دوائر العدل والسياسة والإدارة في العزلة أداةً طيعة للإلحاد الظاهر، فشنّوا هجمات علينا، لكن بفضل اللّٰه باءت مؤامرتهم بالإخفاق، وعقمت دسائسهم.
لذا تركوا خططهم السابقة التي سبّبت فتوحاتٍ لرسائل النور وبدأوا بحبك مؤامرات أشد خبثا ونفاقا من السابق بحيث يجعل الشيطان في حيور شيءا، وقد ظهرت أمارات منها هنا.
إن أهم أساس في تلك الخطط الرهيبة؛ تثبيطُ إخواننا الطلاب الخواص الثابتين، وإلقاءُ الفتور في نفوسهم لدفعهم -إن أمكن- إلى التخلي عن رسائل النور. فاختلقوا أكاذيبَ
— 265 —
وحاكواة إيما يحار منها الإنسان، مما يحتّم ثباتا وصلابة ووفاءً خالصا صادقا متينا كالحديد، كما هو لدى أبطال إسبارطة. وقد يلبسون لبوس الناصح الصديق فينبثّون في صفوفكم، أو يشيعون الأوهام والمخاوف إن كان التخويف مُجديا، ف وأنا ون أتفه الأمور كالحبّة ويجعلونها كالقبة العظيمة ويوصون الضعفاء: لا تتقربوا من سعيد، فهو مراقَب ومحاط بجواسيس الحكومة، ليدفعوهم إلى التخلي عن رسائل النور، بل حتى يسلطون فتيات يافعات على الطلاب الشباب لإثبح بحمساتهم النفسانية!. ويبينون نقائصَ وضعفَ شخصي بالذات للأركان من طلاب النور، بجنبِ أشخاص ذوي دِين مشهورين من أهل البدعة قائلين لهم: "ونحن أيضا مسلمون. فليس الدين محصورا بمسلك سعيد". ويستغفلون السذج من أهل الدين والعلم.
نعلونهم أداة للزندقة ونشر الإرهاب والفوضى. سيَخيب ظنُّهم و تبور خططُهم بإذن اللّٰه. قولوا يا إخوتي لأمثال هؤلاء السفلة:
نحن طلاب رسائل النور، وسعيد واحدقد وجد. وإن منبع رسائل النور وكنیزها وأساسَها هو القرآن الكريم، وقد أثبتت قدرَها وظهورها حتى على ألدّ الأعداء مع ما بذلوا من تدقيق وملاحقة طوال عشرين سنة. وإن مؤلفها وخادمها "سعيد" حتى لو اتخذ جبهة مضادة لها -والعياذ باللّٰه- فلا يتزعزع وفاؤ وأحابائل النور ولا تنحلّ علاقتنا الوثيقة بها. وبهذا النمط من الكلام تصدون الباب عليهم.
وعليكم الانشغال برسائل النور كتابةً وقراءةً قدر المستطاع مع عدم الاكتراث بالإشاعات المضخمة، والأخذ بالحذر التام كما هو دأبكم.
سلامنا ع لعالمتنا فردا فردا
سعيد النورسي

* * *

(لا نقاش مع العلماء)إخوتي الأعزاء الأوفياء، ويا وارثيّ الميامين وكلائي الأمناء!
أولا:ا بينهم يقينا أن عناية الرب سبحانه وتوفيقَه الصمداني مستمر بحقنا وبخدمة
— 266 —
رسائل النور؛ فهناك تحت الأستار القبيحة ظاهرا نتائجُ في منتهى الجمال؛ فبدلا من ضرر واحد يلحق بنا يرها للعلينا بمائة نفع ونفع. فلا ينبغي الاهتمام بالمضايقات العابرة والهزات المؤقتة.
ثالثا:مع أنني أتضايق هنا كثيرا، إلّا أنني كلما فكرت في سعيكم المتواصل الذي لا فتور فيه، وتسلمت رسائلكم المسلية زالت تلك ا مسألتات، بل قد تتحول إلى أفراح ومسرات.
خامسا:......
إخوتي! عليكم بمنتهى الحيطة والحذر.. وإياكم إياكم أن تفتحوا باب النقاش مع العلماء. بل يجب التعامل معهم بالحسنى والمصالحة على قدر الإمكان، فلا تتعرضوا لغروم (ص)،علمي حتى لو كان أحدهم ميّالا إلى البدع ومستحدثات الأمور، لأن الزندقة الرهيبة تجاهنا، فيجب عدم دفع هؤلاء المبتدعين إلى صف الملحدين.
وكل حرك صادفتم علماءَ رسميين أُرسلوا إليكم خاصة، فلا تفتحوا باب النیزاع معهم، لأن اعتراضاتهم باسم العلم سيكون مستَنَدا بيد المنافقين.
أنتم تعلموه التوالضرر الذي أحدثه الشيخ العالم في إسطنبول. فحاولوا قدر المستطاع أن تحوّلوه في صالح رسائل النور.
تحياتنا إلى إخواننا جميعهم فردا فردا.

* * *

(رحمة إلهية تحت المصائب)
ثانيا:إخوتي، إن معاونتكم لي عيم أمثظاهرة جدا، وذلك بجهتين:
أولاها:أن سعيكم المتواصل دون فتور في خدمة النور يُزيل جميع مصائبي وضوائقي، ويحوّلها إلى سرور وفرح.
ثانيتها:اعلموا يقينا أنه بدعواتكملى الق ظلمهم المعذِّب إلى رحماتٍ ذات عناية ومصالح. ولم تبق لي شبهة في هذا قط، فمثلا: إن تخويفهم الناس مني وإلقاء الرعب في قلوب الموظفين لئلا يتقربوا مني، أنقذَني من كثير من الأخطاء والتصنّعات ومن حالات منافية
— 267 —
للإخلاص ومن ضياع الوقت. فلقد أظهر
ال الإلهي بحقي العدالةَ الإلهية وعنايتَها ضمن ظلم البشر. وقياسا على هذا فما من مصيبة تنیزل بي إلّا وتحتها رحمةٌ إلهية. فإن انشغالهم بي فحسبُ يُنقذ مئاتٍ من رسائل النور ولو كان فيه ضررجلال، لي. ولذلك فيا إخوتي لا تقلقوا عليّ أبدا، حتى إنني كلما نويت الدعاء عليهم -لدى إهانتهم لي إهانة شديدة تجرح مشاعري جرحا أليما- فإن الموت الذي يُعدمهم، وتَعَرُّضَهم لعذاب القبر الذي هو سجن انفراديّ لهم، لا تتَنتج من تلك الإهانة من المصالح لي والمنافع لخدمتنا.. كل ذلك يحول بيني وبين الدعاء عليهم فأتخلى عنه.

* * *

(عند سماع أخبار سيئة)عندما يسمع ذلك الأخ أخبارا سيئة ليكن مثل والدي المرحوم "ميرزا" وليس مثل والدتي "نورية"؛ إذ عندما كانت تُنحيث يَارٌ سيئة إلى والدي ووالدتي، كأن يقول أحدُهم: إن ابنكم قد قُتل أو ضُرب أو سُجن، كان أبى يبتهج ويضحك كلما سمع مثل هذه الأخبار، ويقول: ما شاء اللّٰه... قد كبر إذن ابني حتى يُظهر بطولةً أم وتعر عظيما بحيث يتكلم عنه الناس. أما والدتي فكانت تبكي بكاءً مرّا مقابل سرور والدي. ثم أظهر الزمان أن والدي كان محقا في كثير من الأحيان.

* * *

(تأويل حديث شريف)تبدو لي حقيقةٌ إيمانية في غاية الأهمية أكثر من مائة مرة. وحيث إن زمن تأليف ثلاثائل قد انتهى، فمهما حاولتُ اقتناص تلك الحقيقة الجليلة لم أتمكن، فانتظرت كي أستشعرها وأتمكن من أن أعبرها بوضوح، ولكن لم أوفق، والآن سأتناول تلك الحقيقة الواسعة جدّا والطويلة جدّا بإشارة قصيرة جدّا ومهم لههى الاختصار.
إن الحديث الشريف "إن اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن" [٭]: انظر: الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/١٨٣؛ ابن أبي عاصم، السنة ١/٢٢٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢ /٤٣٠؛ الدارقطني، الصفات ١/٢٢٩ عن ابن عمر بلفظ: "لا تقبّحوا الوجه فإن اللّٰه خ يدفعا على صورة الرحمن عزّ وجلّ". هو من جوامع الكَلِم
— 268 —
ومن الأحاديث المتشابهة كذلك. وقد ظهرت لقلبي نكتَتُه الكلية العظيمة جدّا أثناء قراءتي "خلاصة الخلاصة" و"الجوشن الكبير".وي للحلأجل ألّا تفلت مني تلك النكتةُ الجميلة جدّا والعجيبة جدّا وضعتُ إشارات على صورة شفرات في "خلاصة الخلاصة" بين المرتبة السابعة عشرة -وهي شهادة لسان القرآن- والمرتبة الثامنة عشرة وهي شهادني! إنن. وقد وضعت الإشارات ذات الشفرة كالآتي:
لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَانيَّةِ.. الخ.
[٭]: لا إلَهَ إلَّا اللّٰه الوَاجِبُ الوُجُودِ الوَاحِدُ الأحَدُ بِلِسَانِ الحَقيقَةِ الإنسَان نشرت بِكَلِماتِ حَياتِها وحِسِّيَّاتِها وسَجِيَّاتِها ومِقياسِيَّتِها ومِرآتِيَّتِها وَبِكَلِمَاتِ صِفَاتِهَا وَأخْلاَقِهَا وَخِلاَفَتِهَا وفِهْرِسْتِيَّتِها وأنانِيَتِهارة لا ِماتِ مخلُوقِيَّتِها الجامِعَةِ وَعُبُودِيَّتِها المُتَنَوِّعةِ وَاِحْتِيَاجَاتِها الكَثيرةِ وَفَقْرِها وَعَجْزِهاَ وَنَقْصِهَا الْغَيرِ المَحْدُودَةّٰه، حسْتِعْدَادَاتِها الْغَيرِ المَحْصُورةِ.
وسأوضح هذه الشفرة القصيرة في منتهى الاختصار. واجعلوها حاشية لخلاصة الخلاصة.
نعم، إن الكون العظيم يكون أمامي بمثابة حلقة ذكر في أثناءزلية غي لخلاصة الخلاصة، ولكن لأن لسان كل نوع من الأنواع واسع جدا، يتحرك العقل عن طريق الفكر كثيرا كي يذعن بالأسماء الإلهية وصفاتها بعلم اليقين، وبعد ذلك يتمكن أن يبصر ذلك بوضوح. وعندما ينظر إلى الحقيقة الإنسانية في ذلك المقياس الجامع، في تلمعنوي،يطة المصغرة، وفي ذلك النموذج الصادق، وفي ذلك الميزان الصغير، وفي ذلك الشعور بالأنانية، فإنه يصدق تلك الأسماء والصفات بإيمان واطمئنان ووجدان جازم شهودي وإذعاني وبسهولة ويسر وبمرآته الحاضرة التي بقربه دونما حاجة إلى سياحة فكرية، فيَكسب الإيمانلضعف اقيقي ويدرك المعنى الحقيقي للحديث الشريف: "إن اللّٰه خلق الإنسان على صورة الرحمن". لأن المراد من الصورة، السيرة والأخلاق والصفات. حيث إن ه:يتض محالة بحقه تعالى.
نعم، فكما أن أصحاب الطريقة الصوفية قد سلكوا في المعرفة الإلهية طريقين: أحدهما: السير الأنفسي، والآخر: السير الآفاقي. ووجدوا أن أقصرَ طريق وأيسرَها وأمتنها وأكثرها اطمئنانا هي الطريق الأنفسي أي في القلب الناس بالذكر الخفي القلبي، كذلك أهل الحقيقة الرفيعون قد سلكوا طريقين اثنين ليس بالمعرفة والتصور، بل بما هو أرقى وأجدر منهما بكثير وهو في الإيمان والتصديق.
— 269 —
الأول:الر الحقى الآفاق بمطالعة كتاب الكون، كما في "الآية الكبرى" و"الحزب الأكبر النوري" و"خلاصة الخلاصة" وأمثالها.
والآخر:الصعود إلى مرتبة الإيمان، الخالية من الشي ذلك لريوب بمطالعة خريطة الحقيقة الإنسانية وفهرس الأنانية البشرية وماهيتها النفسانية، وهي أقوى مرتبة وجدانية وشعورية وشهودية -إلى حدّ ما- فهي بدرجة حق اليقين، بحيث إن هذه المرتبة متوجهة إلى سر الأقربية الإلهية والوراثة النالماهي هذا وقد وضّحتُ جزءا من حقيقة التفكر الإيماني الأنفسي في الكلمة الثلاثين في بحث "أنا" وفي "نافذة الحياة" و"نافذة الإنسان" في المكتوب الثالث والثلاثين وفي أجالانتقرى من رسائل النور.

* * *

(الرسائل تؤدي المهمة)إخواني الأوفياء الصادقين!
لا تقلقوا أبدا، فإني لا أُبيّن لكم حالة مرضي الشديد الذي انتابني من جراء التسميم -بتدبير مقصود- إلّا لى العدعواتِكم. فلا داعي للاضطراب والقلق، إذ -للّٰه الحمد والشكر- لم يمنعني ذلك المرضُ من قراءة أورادي ولا واجبِ تصحيح الرسائل. أسأله تعالى أن يكتب لي فيه أجرا عظيما، فأنا راضٍ عن هذا المرض -من جهة- فلا تتألموا أيضا لحالي، ولقد أوشكتْ مهمتي في الحياالرابعالانتهاء. وتستطيع كلُّ نسخة من نسخ رسائل النور -ولا سيما المجموعات منها- أن تؤدي وظيفتي بما يفوق حسن ظنكم في "سعيد" بكثير، بل تؤديها فعلا،هما قد طالب فدائيّ من طلاب النور الخواص يمكنه أن يقوم بوظيفة ذلك "السعيد" على أتم وجه. فلئن نَقَصَ "سعيد" واحد فيما بينكم، فإن مئات السعيدين ا وثمرةين -أي الرسائل- وألوف السعيدين الماديين -أي طلاب النور- يستطيعون القيام بتلك المهمة خيرَ قيام. وهم فعلا يقومون بها.
وبناءً على هذه الحقيقة، لا تهتموا كثيرا بشخصي ولا بالحوادث التي تجرالزمان، بل اسألوا اللّٰه سبحانه، وادعوه متضرعين إليه أن يثبتنا على الإخلاص.
— 270 —
وعاونوني يا إخوتي بدعواتكم -التي لا ريب في استجابتها- لِما ألمّ بي من شيخوخة ومن آلام كثيرة.
* * ر علما (الفلسفة التي تهاجمها الرسائل)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته ابدا دائما...
إخوتي الأعزاء الصديقين!
نظرا لشروع رسائل النور بالانتشار بآلة "الرونللّٰه لتفافِ الكثيرين من الطلاب والمدرسين الذين يقرأون الفلسفة الحديثة في المدارس حول رسائل النور، لزم بيان الحقيقة الآتية:
إن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي ا قوله المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسمَ الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتُعِين الأخلاقَ والمُثل الإنسانية، وتمهّد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصسم الثع القرآن الكريم، بل هي خادمةٌ لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك؛ لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة.
أما القسم الثاني من الفلسفة، فكما أصبح وسيلةً للتردي في الضلالة والإلحادَها. ووط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية، فإنه يسوق الإنسان إلى الغفلة والضلالة بالسفاهة واللهو. وحيث إنه يعارِض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائقَ المعجزة للقرآن الكريم، فإن رسائل النور تتصدى لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها واسألونَصبها موازينَ دقيقة ودساتير رصينة، وبعقدها موازنات ومقايسات معزّزة ببراهين دامغة. فتصفعها بصفعاتها الشديدة، في حين أنها لا تمس القسمَ السديد النافع من الفلسفة.
#27ر ما يمن هنا لا يعترض طلاب المدارس الحديثة على رسائل النور، بل ينضوون -وينبغي لهم أن ينضووا- تحت لوائها دونَ تردد وإحجام.
بيد أن المنافقين المتسترين، الذين استغلوا عددا من علماء الدين وجعلوهم في عداء مع رسائل النور-لأسباب تافهة جدّا ولاق. وإ لها إطلاقا- التي هي بضاعة المدارس الشرعية وهم أصحابُها الحقيقيون، فلربما يستغلّون أيضا الغرورَ العلمي لدى بعض أرباب الفلسفة ويثيرونهم على رسائل النورتهى الأرى من الأنسب كتابةَ هذه الحقيقة في مستهل كلٍ من مجموعة "عصا موسى" و "ذو الفقار".
سعيد النورسي

* * *

(رسالة إلى علماء الأزهر)إن النسختين اللتين سترسلان إلى علماء الأزهر لم تُصحَّحا من قِبَلي؛ فلاشك من وقوع هفوات وسهو سالحقيق ضبط الشكل أو في العبارات العربية، ولاسيما في "خلاصة الخلاصة" التي في الختام. فلقد شاهدتُ هفوات في نسخ أخرى. ولهذا أرسِلوا نسخةً مصحّحة من قبل علماء في العربية -في أي وقت ترونه ملائما- من كل من مجموعةِ "عصا موسى" و"العالمقار"، وأرفقوا الآتي إليهم:
إن مدرسة الزهراء -لرسائل النور- بحاجة ماسة إلى الجامع الأزهر، كحاجة الطفل الصغير إلى أمه الرؤوم. فهي تطلب دوما أن يُسبغ شفقته عليها، إذ هي إحدى طالباته، تتلقى الدرسَ منه، وهي التي استهدفتها أعداءٌن إلى كثيرون.
فهذه المدرسة الزهراء شعبةٌ مصغّرة من شُعب ذلك الجامع العظيم الذي يترأس المدارس الدينية جميعها وينوّر بها العالم الإسلامي.
ولأجل هذا تنتظر هذه الطالبة الصغيرة عَون ذلك الأستاذِ الموقّر، وذلك الأبِ الرحيم والمرشد الكبير، والقلق ن يمدّ يده إليها.

* * *

— 272 —
(مكاسب العمل لرسائل النور)
يوزن مدادُ العلماء بدماء الشهداء
[٭]: انظر: الغزالي، إحياء علوم الدينها.
و ٨؛ ابن الجوزي، العلل المتناهية ١/١٨١؛ ابن حجر، لسان الميزان ٥/٢٢٥؛ المناوي، فيض القدير ٦/٤٦٦؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٦٢، ٥٤٣.
من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد
[٭]: الطبراني، المعجم الأوس أنها ٥؛ ابن عدي، الكامل ٢/٣٢٧؛ البيهقي، الزهد ص ١١٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٨/٢٠٠؛ المنذري، الترغيب والترهيب ١/٤١؛ المناوي، فيض القدير ٦/٢٦١.
استلهاما من هذين الحدديد -بلشريفين نبين عددا من الفوائد الكثيرة -الدنيوية والأخروية- الناشئة من استنساخ رسائل النور، والمذكورة في أجزائها والثابتة بتجارب طلابها وتصديقهم إياها.
خمسة أنواعلاب العبادات:١- إنها جهاد معنوي تجاه أهل الضلالة، ذلك الجهاد الأهم.
٢- إنها خدمة لأستاذه ومعاونة له على نشر الحقيقة.
٣- إنها خدمة للمسلمين كافة من حيث الإيمانتيجةَ - إنها تحصيل للعلم بالكتابة.
٥- إنها عبادة فكرية التي قد تكون ساعة منها بمثابة سنة من العبادة.
ولها خمسة أنواع من الفوائد الدنيوية:١- البركة في الرزق.
٢- الانشراح والسرور في القلب.
٣- اليُسرالحلالمعيشة.
٤- التوفيق في الأعمال.
٥- المشاركة في الدعوات الخاصة لجميع طلاب النور، بنيله فضيلة طالب العلم.
— 273 —
نتيجتان مهمتان للعمل لرسائل النور بالقلم والتتلمذ عليها:
الأول:حسن الخاتمة كما تشير إلاله، تآيات القرآنية الكريمة.
الثاني:الاشتراك بالمكاسب المعنوية لجميع طلاب النور، بمقتضى الاشتراك المعنوي ضمن دائرة رسائل النور، ونيل حظه من حسناتهم جميعا.
وكذا الدخول ضمن حظيرة طلاب العلم -في هذا الزطبع فيذي فُقد فيه طالبُ العلم- ونيلُ الاحترام اللائق بهم من قِبَل الملائكة، (٭): الثابت قطعًا بمشاهدة بعض أهل الكشف من الأولياء. (المؤلف) بل نيلُ حياة الشهداء في عالم البرزخ -إنْ وفّالثالثذلك وأوتى حظا عظيما- بمثل ما حظي بها طالب النور الشهير "الحافظ علي"، والمذكور في رسالة "الثمرة".

* * *

(هكذا تقتضي خدمة الإيمان)
أولًا:إنه يجب عليّ المجيء إلى هنا حتى لو كنت في مكة المكرمة،
اء في ك إنقاذًا للإيمان وخدمة للقرآن الكريم، فالحاجة هنا شديدة جدًّا. فلو كنت أملك ألف روح وروح، وابتُليت بألف مرض ومرض، وقاسيت ألوفًا من صنوف الآلام والمصاعب، فإن قراري -وقرارنا- هو البقاء هنا، خدمةً لإيمان هذلدالِّة وسعيًا لإكسابهم السعادة الأبدية، ذلك ما تعلمناه من دروس القرآن الكريم.
ثانيًا:تكتب إليّ -يا أخي- عن الإهانة التي أُقابَل بها بدلًا من الاحترام والتقدلكريم ول: "لو كنتَ في مصر أو أمريكا لكنتَ تُذكر في التاريخ بإعجاب وفخر".
أخي العزيز الفطن!
نحن نهرب هروبًا من احترام الناس إيانا وتوقيرهم لنا وحسن ظنهم بنا وإكرامهم لنا وإعجابهم بنا، وذلك بمقتضى مسلكنا. فاللهاث وراء ادم علىالتي هي رياء عجيب، ودخول التاريخ بفخر وبهاء، وهو عُجب ذو فتنة، وحبُّ الظهور وكسب إعجاب الناس.. كل ذلك مناف ومخالف للإخلاص الذي هو أساس من أسس مسلك النور وطريقه. فنحن نجفِل ونهرب مذعورين من هذه ئتكم ب باعتبارنا الشخصي؛ ناهيك عن الرغبة فيها.
— 274 —
ولكننا نرجو من رحمة اللّٰه الواسعة إظهار رسائل النور النابعة من فيض القرآن الكريم، والتي هي لمعات إعجازه المعنوي، ومفسرة حقائقه وكشافة أسراره.ن طلابو من رحمته تعالى الإعلانَ عن هذه الرسائل والرواجَ لها وشعور الناس بحاجتهم إليها وإظهارَ قيمتها الرفيعة جدًا، وتقديرَ الناس لها وإعجابهم بها، وتبيانَ كراماتها المعنوية الظاهرة جدًّا وإظهارَ غلبتها على الزندقة بجميع أنوالهواء ر الإيمان، فنحن نريد إعلام هذه الأمور وإفهام الناس بها وإظهارَ تلك المزايا، ونرجو ذلك من رحمته تعالى.

* * *

(ذكرى وعبرة)في هذه الأوقات التي نجد فيها الضيق والعنت، أزعجتني نفسي الجزِعةُ الفارغة من الصبر، فأسكتتها هذه الفقرةُ، ولى قمةا الحجة، ودفعتها إلى الشكر للّٰه.
أقدم هذه الفقرة الموضوعة فوق رأسي طي رسالتي هذه لعلها تفيدكم أيضًا.
١- يا نفسي! لقد أخذتِ نصيبك من الأذواق -في غضون ثلاث وسبعين سنة- أكثر مما أخذها تسعون بالماقل أخبالناس. فلم يبق لكِ بغية فيها.
٢- أنتِ ترومين دوام الأذواق وبقاءها وهي فانية آنيّة، لذا تبكين عشر ساعات عن ضحك دام دقيقة واحدة.
٣- إن المظالم التي أتت عليك، والمصائب التي نزلت بكِ تنطوي على عدالة القدر. فيظلمونك لما لم ترتكبيه، بينماالارض يؤدبك بيد تلك المصيبة -بناء على أخطاء خفية- ويكفّر عن خطاياك.
٤- يا نفسي الجزعة! لقد اقتنعتِ قناعة تامة -بمئات من تجاربكِ- أن المصائب الظاهرية ونتائجها تنشق عن ثمرات عناية إلهيو العدنتهى اللذة. فالآية الكريمة:
وعسى ان تكرهوا شيئًا وهو خير لكم
(البقرة:٢١٦) تلقن درسَ حقيقةٍ يقينية. تَذكّري دائمًا هذا الدرس القرآني. ثم إن الناموس الإلهي الذي يدير عجلة الكون، ذلك الق وتستنلقدري الواسع العظيم لا يُبَدَّل لأجلك.
— 275 —
٥- اتخذي هذا الدستور السامي دليلًا: "من آمن بالقدر أمِنَ من الكدر". ولا تلهثي وراء لذائذ مؤقتة تافهة كاللام:إغرير. فكري دومًا أن الأذواق الفانية تورث فيك حسرات وآلامًا معنوية، بينما الآلام والمشقات تورث لذائذ معنوية وأثوبة أخروية. فإن لم تكوني بَلْهَاءَ، يمكنك أن تتحري عن الأذواق وافل اة للشكر وحده، وما أُعطيتِ اللذاتُ إلّا للشكر.
سعيد النورسي

* * *

(حوار مع النفس)إخواني الأوفياء الصادقين الأعزاء!
أولا:لقد خطر على بالي أن أكتب لكم، لأُطْلعكم على ما جرى من مناظرة خاصة مع نفسي، وهي الآتية:
إن إهانة المعلقة فوق رأسي -المعروفة لديكم- تُخرس نفسي الأمارة وتُلزمها الحجة تماما، ولكني -في هذه الليلة- تعرضت لهجوم شنته دوافعُ مشاعري وأحاسيسي العمياء التي تستعمل سلاح النفس الأمارة بالسوء بإصرار أكثر، فأثّرت تأثيرا بالغا في عروقي وأعصابي، وأنا راهينهمن حالة عجيبة تولدَت من آلام الأمراض وتألمات التسمم والأسقام ورهافة الحس، فضلا عن إلقاءات الشيطان وإيحاءاته، وحبّ الحياة المغروز في الفطرة.. ففي خضم هذه الحالات هاجمتْ تلك الأحاخذ بالالمشاعر العمياء -وهي في حكم النفس الأمارة الثانية- قلبي وروحي، موحيةً باحتمال وفاتي ومغادرتي الحياة الدنيا. فنشرتْ يأسا قاتما وتألُّما عميقا وحرصا شديدا على الحياة مع استملّٰه بها وتلذذ بها.
فقالت تلك النفس الأمارة الثانية مع الشيطان:
لِمَ لا تسعى لراحة حياتك؟ بل ترفضها. ولِمَ لا تتحرى عن حياة ممتعة بريئة طيبة تقضيها طوال عمرك ضمن دائرة النور؟ بل ترضى بالموت وتطلبه!
وعلى حين غرة ظهرت حقيقتان صدها لل أخرستا النفس الأمارة الثانية والشيطان معا، وهما:
— 276 —
الحقيقة الأولى:ما دامت الوظيفة المقدسة الإيمانية لرسائل النور ستتوضح أكثر وتنكشف بإخلاص أزيد بسبب وفاتي. حيث لا تُتّهم من أية جهة كامحيطة ا أداة لمكاسب الدنيا ووسيلة للأنانية والعجب.. وأن الوظيفة الإيمانية ستدوم بإخلاص أكثر وأقرب إلى الكمال، إذ ليس هناك حياتي الشخصية التي تثير حسد الحاسدين... وعلى الرغم من أن بقائي على قيد الحياة قد يتيح نوعا من المعاونأظن نفير الخدمة -خدمةِ الإيمان والقرآن- فإن شخصيتي البسيطة التي لها حسّاد ونقّاد لهم شأنهم يمكنهم أن يُلصقوا تُهَما على تلك الشخصية ويهاجموا -بعدم ا: المق- رسائلَ النور، ويتجنبوها ويجنّبوا الآخرين عنها... ثم إن من يقوم بشيء من الحراسة في دائرة، إذا ما أخذته الغفوةُ وغلب عليه النوم، فالغيورون في تلك الدائرة النورانية ي سؤال حذرين، فيبرز في الميدان أُلوفُ الحراس والمرابطين بدلا من حارس واحد بسيط...
لذا ولأجل ما سبق؛ ينبغي أن يقال للموت المقبل: أهلا ومرحبا.
ثم يا نفسي! لِمَ تريدين أن تتخلفي عن الكثيرين من طلاب النور في البذل والعطاء، ألم يبذلوا أموالَهم وراإلى طبمتع الدنيا كلها، بل حياتهم -إن استوجب الأمر- في سبيل خدمة النور؟!
اعلمي قطعا يا نفسي! أنه لَشرف عظيم في منتهى اللذة، الرضى بتوديع حياة الشيخوخة الفانية المرهقة -إن لزم الأمباللّٰن أوانه- في سبيل إكساب حياة باقية لكثير من المنكوبين وإنقاذها برسائل النور لئلا تُفضي إلى العدم.
الحقيقة الثانية:لو وضعت عشرة أرطال من الحِمل ع سعيًال شخص ضعيف عاجز عن حَمل رطل واحد، واستعان به أصدقاؤه بدل أن يعينوه في حمله -لحسبانهم أنه ذو قوة وقدرة على الحَمل لخفاء ضعفه عليهم- فسوف يحاول ذلكدون ضع الضعيف أن يُظهر نفسَه لهم بمظهر القوي جدا، لئلا يَسقط في نظرهم ولئلا يخيب حُسن ظنهم به، مما يؤدي به إلى التكلف والتصنع والظهور بما ليس فيه وأمثالِها من الأمور الثقيلة المقيتة الخالية من الذوق.
— 277 —
فكما أن الأمر هكذا في هذا الشخص، كذللمعلومفسي الأمارة الثانية الموغلة في أعماق المشاعر العمياء!
اعلمي أن شخصيتي الاعتيادية البسيطة هذه، واستعدادي الذي لا أهمية له، كالبذرة.. إن هذا الشخص لن يكون مص النقاا منبعا ولا مدارا للحقائق التي تتضمنها رسائل النور النابعة من صيدلية القرآن الكريم المقدسة، والتي سُلّمت إلى أيدينا برحمة منه تعالى وبفضله وعنايته سبحانه في هذا العصر المظلم المثقل بالأمراض والأسقام.
وحيث إنني فقير رين سنعاجز، وسائلٌ لدى باب القرآن ليس إلّا، ووسيلةٌ لإبلاغه إلى المحتاجين إليه، يبالغ طلابُ النور المخلصون الخالصون الصديقون الصادقون الأصفياء الفدائيون، في حسن ظنهم بشخصيتي الضعيفة، بم فالذيني مائة درجة.
فلأجل ألّا أخيّب ظنهم الحسن، ولا أمس مشاعرهم بسوء، ولا أثبِّط شوقهم للأنوار، ولا أُظهر المستوى الواطئ لمن لقّبوه بالأستاذ، ولا أضطر إلى أنواع التصنع المؤلم لق" لهف المقيت.. أترك لقاء الناس بل أضطر إلى تركه روحيا، لما أشعر به من نفور تولد من العيش الانفرادي طوال عشرين سنة، بل أترك حتى اللقاء مع الأصدقاء إلّا ما يخص خدمة النور. فأدَع التكلف والتظاهر بما يفوق قيمتي الشخصية، وأترك إظهار نفسي أُجرح عمغالين في حسن الظن، إنها ذات مقام، وأتخلى عن التكبر المنافي كليا للإخلاص، وأعاف التحري عن أذواق الأنانية المتسترة تحت ستار الوقار..
رأيكم فسي المفتونة بتلك الأذواق، ألا تُزيل هذه الحالاتُ تلك الأذواقَ كلها؟!
يا نفسي! ويا دواعي الحس الشقية العمياء، المبتلاة بالأذواق!
لو استمتعتِ بألوف أصناف المتع، وتذوقتِ ألوف أنواع الأذواق الدنيوية، فهي إلى زوال في هذا الوضع، بل يتحول ذلك ات فقطألما بعينه.
وما دام تسعون بالمائة من الأحباب الذين مضوا وصاروا في طوايا الماضي كأنهم يستدعونني -بل حقيقة- إلى عالم البرزخ، أضطر إلى الفرار من عشرة أصدقاء حاليين. ولا جرم أن حياة البرزخ المعنوية تَفضل ألف مرة هذه الحياة، حيا "الحزخوخة والانفراد.
— 278 —
وهكذا، أسكتت هاتان الحقيقتان إسكاتا نهائيا تلك النفسَ الأمارة الثانية. فللّٰه الحمد والمنة بما لا يتناهى من الحمد والشكر. إذ رضيتْ تلك النفس باقا خاللوارد من الروح والمنبعث من القلب.. وسكت الشيطان أيضا. بل حتى المرض المادي المتوطن في عروقي قد خفّ كثيرا.
حاصل الكلام:إذا متُ تزداد خدمة النور -للقرآن والإيمان- وتتوضح وتتبين بإخلاص أتمَّ، بلا حسّاد ولا اتهامات، فضلا عني الكرة من آلام التكلف الثقيلة المقيتة، والخلاصِ من أثقال العجب وأضرارِ التصنع بدلا من ذوق جزئيّ مؤقت لا أتحراه -في هذا الزمان- ولذةٍ ناشئة من رؤية فتوحات النور بنظر الدنيا.
ثم يا نطفل الد تجولتِ -أنت والروح والقلب- في هذه السنة ولمرة واحدة في أرجاء الماضي، جولات حقيقية وخيالية لمشاهدة مَن تشتاقون إليه من المدن التي أمضيتُ فيها حياتي السابقة الممتعة، ولقاءِ الأحبة الذين أَنِسْتُ بهم ردحا من الزمن، واقرة إلِ الذين حزنتِ على فراقهم حزنا أليما. فلم تشاهدي في أوطاني المحبوبة تلك إلّا واحدا أو اثنين من الأحبة، أما الباقون فقد ارتحلوا إلى عالم البرزخ، فلقد ا على لوحاتُ تلك الحياة التي كانت تطفح باللذة والمتعة إلى لوحات أليمة تقطر الحزن والأسى، فلا تُراد تلك البقاعُ الخالية من الأحباب ولا تُطلب إذن!
لذا فقبل أن تغيرة أهذه الحياةُ وهذه الدنيا قائلةً لنا: اخرجوا عني. نقول بعزة كاملة: الوداع، وفي أمانة اللّٰه وحفظه. نعم، هكذا ينبغي أن ندَع هذه الأذواق الفانية محتفظين بكرامتنا وعزتنا.
الاقتألف سلام ودعاء لجميع إخواننا، من أخيكم المريض والمسرور سرورا خالصا.
سعيد النورسي

* * *

— 279 —
(الفرق بين الإيمان وعدم الإنكار)إخوتي الأعزاء الصادقين الأوفياء، والأبطال الميامين لطلاب النور!
لقد أشاعوا: "أن هذه ا يعرفون اللّٰه، فالشخص الاعتيادي يؤمن باللّٰه كما يؤمن به وليّ من الصالحين". لأجل التهوين -ولو يسيرا- من قيمة رسائل النور العظيمة. وذلك ببيان عدم الحاجة إلى المزيد من حشد البراهينباني قغة والدلائل القيمة الضرورية التي تسوقها رسائل النور وتُكثر منها. وكأن هذه الحشود من البراهين الإيمانية لا ضرورة لها، ولا داعي لها.
ففي إسطنبول يروِّج -وبأسلوب رهيب جدّا- قسمٌ من ك يا نقين الذين تورطوا في الكفر المطلق -المشحون بالفوضوية والإرهاب- كلاما من هذا القبيل فيقولون: "لا داعي لنا لمزيد من دروس الإيمان لأن كل أمة بل الناس جميعا يعرفون اللّٰه". وذلك محاولةً منهم لصدّ رسائل النور وحرمان الناس من الحقائق الإي معنويالتي فيها، التي يحتاجها الناس كلهم حاجتهم إلى الماء والخبز.
والحال أن معرفة اللّٰه سبحانه تستلزم الإيمانَ بحقائق "لا إله الّا اللّٰه"، بالتصديق القلبي، والإيمان المعون علجازم بربوبيته سبحانه وتعالى، الشاملة المحيطة بكل ما في الكون، وأن مقاليد الأمور -من الذرات إلى المجرات- بجزئياتها وكلياتها في قبضته سبحانه، ولا تُدار إلّا بقدرته، وتحت إرادته، فهمة الك له في ملكه.
أما النطق والتفوه بأن "اللّٰه موجود" ثم إسناد تصريف الأمور في ملكه إلى الأسباب التي لا عدّ لها وإلى "الطبيعة" واتخاذَها شركاء للّٰه تعالى، ومن ثم الجهبعة عشدته النافذة، وعلمه المطلق، ومثولِ كل شيء بين يديه، فضلا عن عدم الاهتمام بأوامره ونواهيه، والجهلِ بصفاته الجليلة، وما أرسل من رسله.. لا شك أن هذا كله ليس من الإيمان في شيء.
ولا ينطق بهذا ناطق إلّا ليسلّي به نفسه وينجيها من وذلب الدنيوي الروحي الذي يعذِّب به الكفرُ المطلق أصحابَه في الدنيا قبل الآخرة.
نعم، إن "عدم الإنكار" شيء و"الإيمان" شيء آخر تماما، إذ ما من ذي حس أو شعور يمكنه أن ينالة واالق ذا الجلال الذي تشهد بربوبيته جميع أجزاء الكون..
— 280 —
فلو حاول الإنكار لحال دونه الكونُ بأجمعه، فيخرس، ويبقى وحيدا سائبا معزولا شاردا دون سند.
أما الإيمان، إنه التصديق القلبي بوجود الخالق جل وعلا بصفاته المقدسة وبأسأقبّل لحسنى، مستندا إلى شهادة الكون جميعا كما يعلمنا القرآن الحكيم.
إنه -أي الإيمان- تطبيق لما جاء به الرسل الكرام -عليهم السلام- من أوامره سبحانهة التيى ونواهيه..
وإذا سوّلتْ للإنسان نفسُه أمرا، فدونه باب الاستغفار والإنابة.. أما أن يقترف الكبائر بلا اهتمام ولا مبالاة بالأوامر، ودون استغفار وإنابة، فلا شك أن ذلك دليل خلوه من الإيمان.

* * *

مباركةحبة آل البيت)أخي العزيز المحترم
لقد قرأت باهتمام وإنعامِ نظر رسالتكم المستفيضة التي هي بمثابة بحث كامل، والغزيرة بالعلم ودقة الملاحظة وحرارة الشوق، فأقول مقدَّما:
إن الإمام عليا رضي اللّٰه الدخول أستاذ رسائل النور، وهو الذي يولي اهتماما بالغا برسائل النور في قصيدته "البديعية" بإشارات رمزية، وهو أستاذي الخاص في الحقائق الإيمانية.
وإن محبة آل البيت قد نصّ عليها القد أنهككريم في قوله تعالى:
قُل لا أسئلكم عليه اجرًا الّا المودّة في القربى
(الشورى:٢٣). هذه المحبة أساسٌ في مسلكنا وفي رسائل النور. ويلزم ألّا يكون لدى الطلاب ا والتوين لرسائل النور أيُّ ميل نحو معاداتها. ولكن لأن الضلالةَ والزندقة تستغل الاختلاف في هذا العصر، حتى إن هناك تيارات قوية تجعل أهلَ الإيمان في حيرة من أمرهم حيث تُبدَّل الشعائر انين الية ويُشنُّ هجومٌ عنيف على القرآن والإيمان، لذا لا ينبغي فتح باب المناقشة في الأمور الفرعية الجزئية التي تسبب الاختلاف إزاء هذا العدو اللدود.
— 281 —
وكذا لا يلزم قطعا ذم الذين ارتحّ إرشاهبوا إلى الآخرة ودار الجزاء. فليس من مقتضى محبة آل البيت -الذين أُمِرنا بحبهم- بيانُ تقصيرات أولئك بيانا لا جدوى منه بل فيه ضرر.. لأجل كل هذا فقد مَنع أهلُ السنة والجماعة مناقشةَ م إلى التي وقعت زمن الصحابة الكرام رضي اللّٰه عنهم.
ولاشتراك الذين بُشّروا بالجنة كالزبير وطلحة وكذلك أُمنا عائشة الصديقة رضي اللّٰه عنهم أجمعين في واقعة الجمل، فقد حكم أهلُ السنة والجماعة على تلك الواقعة؛ أنها نتيجة الاجتهاد،يات أنيدنا عليا رضي اللّٰه عنه كان محقا وعلى صواب والآخرون ليس لهم الحق. ولكن لأن الأمر ناشئ من الاجتهاد فهم معفوّ عنهم. ثم إنهم -أي أهل السنة والجماعة- يرون أن مناقشة أمر البُغاة في حرب صفّين فيها ضرر، إذ تثير المناقشةعتُدِيين متضادتين هما: نزعة تقف ضد محبة آل البيت، وأخرى تغلو في حبهم "كالرافضة" فيتضرر الإسلام نتيجة ذلك.
لقد قال إمام علم الكلام سعد الدين التفتازاني أنه: "يجوز لعن يزيد" وأمثالِه من الظالمين كالحَجاج والوليد. ولكن لم يقل: إن راءٍ ل واجب، أو فيه خير وفضيلة، أو فيه ثواب وأجر" لأن الذين ينكرون القرآن الكريم ويجحدون بالرسول (ص) ويرفضون صحبة الصحابة الكرام للرسول (ص) كثيرون جدّا لا يعدّون ولا يحصون، وهم يصولون ويجولون أمامنا.لهان، ن المعلوم شرعا أن المرء إن لم يتذكر أحدا من الذين يستحقون اللعنة ولم يلعنهم فليس في هذا بأس قط، لأن الذم واللعنة ليسا كالمدح والمحبة، فهما لا يتحولان في الأعمال الصالحة، وإن كان فيهما ضرر فهو أدهى.
وفي الوقت الحاضر، استغل المنافقون بعض العلماء فأثاروا فيهم نزعة -ضد أهل البيت- علما أن العلماء هیم المأمیورون بالحیفیاظ على الإسلام والحقائق الإيمانله تعاى وصل بهم الأمر إلى مهاجمة أهل الحقيقة واتهامِهم بانتحالهم نزعة التشيّع، ونشب العداءُ بينهما بحيث أنیزل أولئیك المنافقون ضربتهم القاضية بالجهتين معا، ودية عظستعمال كلّ منهما ضد الآخر ووضعِه في مجابهته. فهؤلاء الذين يسعون في إنزال الضربة القاضية بالإسلام ماثلون أمامنا.. وقد دوّنتَ جزءا من هذا في رسالتك وأنت تعلم يا أخي أن أخبث ايَّةِ المؤثرة على رسائل النور وعليّ بالذات -والمستعملة حاليا- قد وجدوها لدى العلماء.
— 282 —
إن بعض العلماء الذين تلوثوا بالبدع، يمكنهم أن يُنیساتير ربتهم بك وبطلاب النور متذرعين باجتهادكم الناشئ من محبة آل البيت، والذي لا داعي لإظهاره في الوقت الحاضر، فهؤلاء يتسترون بالوهابية الحاكمة على الحرمين الشريفين حيث تتداول فيما بينهم -منذ أمد بعيد في إسطنبول- كعقيمة فتة للأنظار وجذّابة لابن تيمية وهو من العباقرة المشهورين وتلميذه ابن قيم الجوزية، ولاسيما بعد أن أُشيع أن نزعتهم ضد الأولياء ومشربهم متّسم بشيء من التسامح للبدع!.
فمادام ليس هناك أمر شرعي في عدم ايون مني عدم التكفير، بينما في الذم والتكفير حكمٌ شرعي. فالذم والتكفير إن كانا على غير حق ففيهما ضرر كبير. وإن كانا على حق فلا ثواب فيهما، لأن هناك مالا يُحد من الناس ممن يستحقون الذم والتكفير. أي إن عدم التكفير وعدم الذم ليس فيهما حكم شرعي ولي9
الثلا ضرر أيضا.
ولأجل هذه الحقيقة فقد اتخذ أهلُ الحقيقة وأهل السنة وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت، اتخذوا لأنفسهم قاعدحية تتة مستندين إلى تلك الحقيقة. فقالوا: لا يجوز مناقشة ما حدث بين المسلمين من الفتن وليس فيها نفع، بل فيها ضرر.
ثم إن هناك صحابة كراما قد وُجدوا -على أية حال- في كلّ من الطرفين، لك الهحث تلك الفتن يورد إلى القلب شيئا من الانحياز إلى جهة، مما يولّد اعتراضا أو رفضا لأولئك الصحابة العظام أمثال طلحة والزبير رضي اللّٰه عنهما من العشرة المبشرين بالجنة. وحتى لو كان هناك خطأ سبب للاعتور علىناك احتمال قوي للتوبة.
إنه لا يليق قطعا بالمؤمن الحصيف ولا بوظيفته المقدسة في هذا الوقت أن يهمل الذين ينیزلون ضرباتهم القاضية بالإسلام فعلا ممن يستحقون اللعنة والذم بألوف المرات، ويذهب إلى أزمان غابرة ليتحرى في الأحول العلي لم يأمر الشرع بالتحري فيها والتي لا جدوى منها بل فيها ضرر..
أخي لا أُخفي عنك أن مناقشتكم الطفيفة مع "صبري"، لها ضرر بالغ برسائل النور وبانتشار حقائق الإيمان، فلقد شعرتُ بذلك هنا، وتألميته ف جرائها. إذ في الوقت الذي كنا ننتظر منكما خدمة إيمانية جليلة بمجيء "صبري" إليكم والذي سيكون وسيلة جادة لرسائل
— 283 —
النور هناك، وأنت العالم المحقق؛ شعرت -بخلاف ذلك- بضرر كبير في ثلاث جهات، بل رأيت بمناسالضرر، وقلت: ترى ما الذي أدى إلى هذا الضرر؟ تلقيت الخبر بعد ثلاثة أيام، من أن "صبري" قد ناقشك مناقشة لا طائل من ورائها ولا فائدة يرجى منها وأنت بدورك قد أخذ منك الغضب والحدة مأخذا... فتأسفت قائلا: أواه..! ودعوت اللّٰه: اللّٰهم يا ربنا ارفا يفوقاقشة التي بين هذين الأخوين القادمين إلينا من أرضروم، ليكونا معاونَين لي في خدمتنا للإيمان.
وكما جاء في رسالة الإخلاص: "إن أهل الإيمان والحقيقة في زماننا هذا يلزم بحاجة إلى الاتفاق الخالص فيما بينهم وحده، بل مدعوون أيضا إلى الاتفاق حتى مع الروحانيين المتدينين الحقيقيين من النصارى فيتركوا مؤقتا كل ما يثير الخلافات والمناقشات دفعا لعدوهم المشترك المتعدّي" لأن الكفر المطلق يشن هجوما ع#50
فأرجو من غيرتك الدينية، وتجاربك في حقل العلم، وعلاقتكم القوية برسائل النور، أن تسعى لنسيان ما جرى بينكم وبين "صبري". اصفحْ عنه وسامحه، لأن "صبري" لم يفكر بعقله بل بما سمع من مناقشات لا طائل من في الا جرت بين علماء سابقين. فأنت أعلم بأن الحسنة العظيمة تكفّر عن سيئات كثيرة.
نعم، إن أخانا "صبري" قد خدم النور خدمة عظيمة حقا، وبوساطتها خَدَم الإيمانَ خدمة جليلة بحيث تكفّر عنه ألفا من أخطائه.
فأرجو أن تنظروا إلى المسألة من زاويةتك وإخكم، ومن زاوية خدماته العظيمة للنور وأن تعدوه أخا رفيقا في خدمة النور.
إن قسما من الصحابة قد ظهروا في الجهة المخالفة للإمام علي في تلك الفتن نتيجةَ الأخذ بالعدالة النسبية (الإضافية) واتباعا للرخصة الشرعية بدلا من أن يكونوا مع الإمام علمة القي ألزم نفسه الأخذ بالعدالة الحقيقية (المحضة) والأخذَ بالعزائم الشرعية مع مسلكه المتسم بالزهد الشديد والاستغناء عن الناس والتقشف... فأولئك الصحابة ام ومَنقد تركوا مسلك الإمام علي ودخلوا في الصف المخالف له نتيجة هذا الاجتهاد حتى إن "عقيل" وهو أخو الإمام علي و"ابن عباس" الملقب بحَبر الأمة كانا في الصف المخالف للإمام لفترة. ولأجل كل هذا فقد اتخذ أهلاَ فلية والجماعة القاعدةَ الأساسية الشرعية وهي عدم جواز فتح
— 284 —
أبواب تلك الفتن فقالوا: "من محاسن الشريعة سدّ أبواب الفتن": وقد طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا. [٭]: "طهّر اللّٰه أيدينا فنطهر ألسنتنا" من قول عمر بن عبد العزر من ذظر: الشعرانى، اليواقيت والجواهر ص: ٤٤٥؛ الباجوري، شرح جوهرة التوحيد ٣٣٤. لأنه: إن كان هناك بضعة أفراد يستحقون الاعتراض عليهم، إلّا أن هذه النیزعة، نزعةَ الانحياز إلى جهة يسفاضل ن الاعتراض على أجلّاء الصحابة الكرام ممن هم من العشرة المبشرين بالجنة كالطلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم وحتى على قسم من أهل البيت ممن هم في الصف المعارض، فينتبه لدى المعترض عِرقُ العدا وهي أذم تجاههم. لهذا فأهل السنة يرجحون سد أبواب الفتن.
حتى إن سعد الدين التفتازاني وهو من أئمة علم الكلام وأهل السنة الذي جوّز تلعين يزيد والوليد وتضليلَهما، قد انبرى له السيد الشريف الجرج المعاو من أجلّة علماء أهل السنة قائلا:
"مع أن يزيد والوليد فاجیران وظالمان غدّاران إلّا أن العلم بأنهما قد رحلا إلى الآخرة على غير الإيمان من أمذ في كيب. ولأن هذا غيب ولا يُعلم علما قاطعا بأنهم قد تركوا الدنيا على غير الإيمان وليس لنا دليل قطعي ولا نص جازم على ذلك، وهناك احتمال التوبة وذهابِهما من الدنيا على الإيمان، فلأجل هذا لاكتاب "اللعنة بمثل هذا التخصيص والتلعين الشخصي، وإنما تجوز اللعنة إذا كانت عامة كأن يقول: لعنة اللّٰه على الظالمين والمنافقين. وإلّا فلا ضرورة لغير هذا النوع من اللعنة ولا لزوم لها بل لها ضرر"...
وهكذا ردّ على سعد الدين التفتازاني.
هذا وإن سببة الغاجابتي لرسائلك العلمية الدقيقة جوابا مفصلا والاقتصار على هذا القدر المستعجل، هو مرضي الشديد ومشاغلي المهمة.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي

* * *

— 285 —
(طهّر اةٌ في أيدينا فنطهر ألسنتنا)أخي العزيز المحترم!
إن طرق البحث أو حتى التفكر في ذلك الجرح العميق الذي يبكي العالم الإسلامي منذ ألف وثلاثمائة سنة، والذي دفع أهلَ الحقيقة جميع المهدإطلاق الزَفَرات والحسرات يُؤلمني ألما لا يطيقه مشربي الخاص. ولاسيما أن خدمة الإيمان خدمة حقيقية بالإخلاص -منذ عشرين سنة- قد سحبتني كليا من ميدان السياسة بكافة أنواعها، ولم تدَعني لقراءةِ ت.. وأواحدة طوال هذه المدة. لذا فإني أحمل -مضطرًّا- حالة روحية تدفعني إلى عدم الالتفات إلى الحياة السياسية وإيثار حياة الأسر المعذّب طوال عشرين سنة التي خلت. وعدم مراجعة الحكومة -سوى دفاعاتي أدنيويةمحاكم- لئلا يردَ نقصٌ إلى خدمة الإيمان وحفاظا على الإخلاص من الانثلام، بل لم أهتم بأخبار الحرب العالمية ولم أذكّر أحدا بها طوال عشر سنوات، لئلا أتلوث بالسياسة. إودماغن ضرورة الآن إنقاذ أهل الإيمان من لدغات ثعابين ماردة تهاجمهم هجوما شرسا من حيث حقائق الإيمان وتنفث سمومَها القاتلة في الكثيرين أمام أنظارنا...
فما دام الوضع هكذا، فإن ال خالقَ من هذا الزمان الحالي والذهاب إلى عصور سابقة ومشاهدة الظلم الرهيب الواقع على أهل البيت يسحق روحي أكثر ويفتّ في القوة المعنوية ويعذّبني عذابا لا يوصف.
إن الدستور الغادر للسياسيين الظلمة الذي هو: "يُضحَّى بالفرد لأجل الجمادرة
#3 وقائع وأحداث قاسية ظالمة تحت اسم: "أهون الشرين" الذي اتّخذه بعضُ الحكام نوعا من أنواع العدالة الإضافية (النسبية) وأبرزوه لمصلحة إدامة حكمهم. وحتى في هذا العصر بموجب هذا الدستور الغادر يفني أحدُهم قريةً كاملة بخطأِرهم الاحد فيها، ويُهلك أُلوف الناس لتوهمِ ضرر قد يَلحق بسياستهم من جراء معارضةِ عشرة أشخاص...
وحيث إن هذا الدستور الغادر للسياسة قد دخل -إلى حدّ ما- بين المسلمين في العصور الإسلامية، فقد آثر السلفُ الصالحون السكوت -مضطرين- أمام هذه الدساتير [٭]: مة، فَسدَّ أئمةُ أهل السنة والجماعة تلك الأبواب بقولهم: "طهّر اللّٰه أيدينا فنطهّر ألسنتنا".
وما دام الذين ظلموا أهلَ البيت يرون عقابهم الآن في الآخرة عقابا أليما بما لا يأغرقتنة إلى معاونتنا بالهجوم على الظَلَمة، وينال أهلُ البيت المظلومون -ثوابَ ما قاسوا من
— 286 —
عذاب مؤقت- درجةً عظيمة لا تبلغها عقولُنا لسعَتها ورفعتها، فالأولى إذن تهنئتُهم بألوف التهاني من حيث نيلهم تلك الرحمةلإخوانعة وليس التألم لحالهم الآن. إذ مثلما أنهم حازوا ملايين المراتب والسعادات الباقية في الآخرة، مقابل بضع سنين من المتاعب والآلام، كذلك أصبح كلٌّ منهم سيدا وسلطانا آثارَ وإماما في عالم الحقيقة بدلا من سلطنة دنيوية فانية في مدة حياتهم الدنيوية وحاكميتِها المؤقتة وسياستِها المضطربة التي لا أهمية لها، وصاروا أئمة الأولياء والأقطاب بدلا من ولانواب فايات... ففوزهم هذا هو فوز عظيم بملايين أضعاف مراتب الدنيا.
ولأجل هذا السر الدقيق فقد أخذت الحقيقة السابقة من أساتذة سعيد الجديد وهم: الإمام الرباني، الشيخ الكيلاني، الإمام الغزالي، والإمام زين العابدين رضي ال الكلانهم -حيث تلقيت مناجاة "الجوشن الكبير" من هذين الإمامين خاصة- وسيدنا الحسين، والإمام علي رضي اللّٰه عنهم جميعا. فالدرس الذي تلقيتُه منهم لدى ارتباطي بهم ارتباطا معنويا دائما -بواسطة الجوشن الكبير- هو تلك الحقيقةالصورةا فالمشرب الحالي الوارد من رسائل النور إذن هو مشربُهم الذي ارتشفتُه من منهلهم. لذا لا ينسجم ومشربَنا النظرُ إلى غدر الظالمين، ولا حتى التفكر فيق وحبه قد نال الظالمون عقابهم، والمظلومون ثوابهم بما هو فوق طوق عقولنا، فالانشغال بمثل تلك المسائل يُلحق الضرر بالوظيفة القرآنية التي كُلِّفْنا بها، ولاسيما والمصائب تنیزل تترى على الدين في الوقت الحاضر.
إن علماء علم الكلام * *أصول الدين والمحققين الأفذاذ من علماء أهل السنة والجماعة، بعد إجراء تحقيقات وتدقيقات كثيرة حول العقائد الإسلامية وإقامة المحاكمات العقلية والموازنات في ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ارتضوا بدساتيرَ في أصول الدين، تلك الدسلى كل أمر بالحفاظ على مشرب رسائل النور الحالي، وتمدّها بالقوة. ومن هنا لا يستطيع أي أحد -حتى لو كان من أهل البدع وفي أي مكان كان- الاعتراضَ على مشربنا، ولما كانت حقيقةُ الإخلاص محفوظة فيه حفظا تاما يستطيع أيُّ نوعتزعزع.واع أهل الإسلام الدخولَ في دائرة رسائل النور، فالمتعصب في تشيعه، والمغالي في وهابيته، وأشد الفلاسفة مادية وعمقا في العلم، وأكثر العلماء أنانية وتزمتا، قد بدأوا بالدخول معا في دائرةقسم من، ويعيش قسم منهم الآن إخوة متحابين في تلك الدائرة... حتى إن هناك أمارات بدخول مبشرين
— 287 —
نصارى من الروحانيين الحقيقيين في تلك الدائرة، لما يشعرون بضرورة جيش، حط والمصالحة، طارحين مواد المناقشة والمنازعة جانبا.
بمعنى أن رسائل النور التي أخبر عنها الإمام علي رضي اللّٰه عنه بإشارات تبلغ حوالي الأربعين وبدرجة الصراحة أحيانا، هي ضماد لجروح هذا الزمان. ولهذا كفال التك الدائرة فلا نخرج منها.
إن التعرض لشخص سيدنا علي كرم اللّٰه وجهه، ونقدَ حياته وسياسته الجارية على العدالة المحضة شيء، والتعرض لشخصيته المعنوية ونقدَ كمالاته بقوانة ومقامِ ولايته ووراثته للنبوة، التي تفوق ألوف المرات شخصيته الظاهرية وحياته الدنيوية وسياسته الاجتماعية شيء آخر، وأَنَّى لأحد الدنو من التعرض لها أو نقدها. بل لم يرد ذلك قطعا ولن يرد.
ومن هنا يبدو رهيبا جدّا تعرُّضُ الة الإياولون الجمع بين الجهتين معا، حيث يورث الحيرة والدهشة في صفوف أهل الإيمان من أنه: هل يمكن أن تحدث فتنة كهذه بين أهل الإيمان؟ علما أنه عدا أشخاصٍ تافهين خبيثين كيزيد والوليد، فإن القسم الأعظم ممن تعرضوا للإمام علي رضي اللّٰه عنه تعرضشتراككارته الخاصة ولحياته الإنسانية الاجتماعية، فأخطأوا، وليس لكمالاته وكراماته ووراثته للنبوة.
إن من الضروري تركَ العداء الصغير الطفيف الداخلي لدى هجوم الأعداء الضخام الخارجيين. إذ بز برهالك سيكون الأمر في حكم العون للعدو الكبير الخارجي.
ولهذا فعلى المنحازين من المسلمين إلى جهة من الجهات ضمن دائرة الإسلام أن يتناسوا تلك العداوات الداخلية مؤقتا، كما تقتضيه مصلحة الإسلام.
*ا على
(رسالة إلى سكرتير حزب الشعب الجمهوري)حضرة السيد حلمي أوران!
وزير الداخلية السابق وسكرتير حزب "الشعب الجمهوري" [٭]: حزب الشعب الجمهوري: أسسه مصطفى كمال سنة ١٩٢٣، وظل يحكم البلاد بالقوة كحزب واحد دون معارض حتى سنة ١افظة عث لم يحز في الانتخابات سوى ٦٩ نائبًا من بين ٤٨٧ نائبًا... من المبادئ الأساس لهذا الحزب: العلمانية والقومية. أسس المعاهد القروية ومدارس الريف في أرجاء البلاد لتخريج المعلمين لتعليم الإلحاد. حاليًا:
— 288 —
أولًا:في غضون وأصبح سنة كتبت إليكم عريضة واحدة فقط -يوم كنتم وزيرًا للداخلية- إلّا أنني لم أقدمها إليكم لئلا أخلّ بقاعدتي التي أسير وفقها. فإن شئتم فسأقرأها لكم وأتكلم معكم بصفتكم وزيرًا سابقًا للداخلية وسكرتيرًا عامًا للحزب. فاسمحوا لي بالكلام لساعة أو لأمراض، إذ الذي لم يتكلم مع الحكومة منذ عشرين عامًا لو تكلم عشر ساعات مع ركن من أركان الحكومة وباسمها ولمرة واحدة، فهو قليل.
ثانيًا:أجدني مضطرًا إلى بيانِ حقيقةٍ لكم لكونكم سكرتير الحزب حاليًا... و هذا، ة هي: أن هذا الحزب
الذي تقوم أنت بمهمة سكرتاريته عليه مهمة أمام الشعب وهي أن الأمة التركية ومن معها من إخوة الدين الحاملين لراية الإسلام منذ ألف سنة جعلوا الأمة الإسلامية قاطبة ممتنة لها ببطولتهم- صاحبا الوحدة الإسلامية، ونجّوا البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الإيمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب. فإن لم تتبنّوا حاليًا -ببسالة كالسابق- الحقائقَ القرآن
(اإيمانية، وإن لم تقوموا -وأنتم أهل الغيرة- بالحث على الحقائق القرآنية والإيمانية مباشرة بدل قيامكم خطأ في عهد سابق بالدعاية للمدنية الغربية وإضعافِ الروح الدينية، فإني أحذركم وأنذركم قطعًا، وأبين ذلك بحجج قاطعة أن العالم الإسلامي سيَنفر منت الأملأمة بدلًا من أن يوليها المحبة بل سيضمر العداوة لأخيه البطل: الأمة التركية، وستقهرون أمام الفوضى والإرهاب الذي يتستر تحت ستار الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الإسلامي، وستكونون سببًا في تشتيت هذه الأمة التركية الت ألف شلعة العالم الإسلامي وجيشه البطل، وستمهدون لاستيلاء الغول الوحش (الشيوعية) على هذه البلاد.
نعم، إن هذه الأمة البطلة لا تصمد أمام صدمات التيام بهذارهيبين الآتيين من الخارج إلّا بقوة القرآن. فلا يصد هذا التيارَ الجارف، تيارَ الكفر المطلق والاستبداد المطلق وإشاعةِ السفاهة وإباحة أموال الناستها، فالأمة التي امتزجت روحها بحقائق الإسلام وأصبحت جزءًا من كيانها، تلك الأمة التي تعتزّ بالإسلام مجدًا لماضيها.
وسيوقف هذا التيارَ بإذن اللّٰه قيامُ أهل الغيرة والحميةيث كونالأمة ببث روح الحقائق القرآنية -الموغِلة في عروق هذه الأمة- وجعلِها دستور حياتها بدلًا من نشر التربية المدنية الغربية.
— 289 —
أما التيار الثاني:فهو استمالة العاك ثلاعمراتِه في العالم الإسلامي وربطُهم به ربطًا وثيقًا، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنیزلتِها المركزية للعالم الإسلامي، بعد وصمها باللادينية والإلحاد، و من ذلفضي إلى انفصام العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الإسلامي، وقلبِ روح الأخوّة -التي يحملها العالم الإسلامي تجاه هذه الأمة- إلى عداء.. وغيرها من أمثالأن يورلخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئًا من النجاح لحدّ الآن. ولكن إذا استرشد هذا التيار وبدّل خطته الرهيبة هذه وعامل الدين الإسلامي بالحسنى داخل البلاد، مثلما يلاطف العالم الإسلامي، فإنه يغنم كثيٍ كلي كون ممن حافظ على إنجازاته، وعندئذٍ تنجو الأمة والبلاد من كارثة مدمرة.
فلو سعيتم أنتم الذين تتولون مقام سكرتارية أهل الحمية والقومية، للحفاظ على الأسس التي تسحق المقدسات الدينية وتعمِّم المدنية الغربية، ونسبتم الحسنات الحاضرة لمصنوع الانقلاب إلى إجراءاتِ قلة من الأشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب وأحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسيمة إلى الأمة، فعندئذٍ تعممون إذن ما ارتكبه أشخاص قلة منفلا ضي إلى ملايين من السيئات. فتخالفون إذن آمالَ هذه الأمة المتدينة البطلة وتجافون جيش الإسلام، وتعارضون إذن الأمةَ جميعًا وتديرون ظهركم إلى ملايين الأبطال الميامين الذينها. فت شرف الشهادة، فتعذبون أرواحهم الطيبة وتحطون من شأنهم وتهوّنون من شرفهم.
وكذا إذا نُسبتْ تلك الحسنات التي أُحرزتْ بهمة الأمة وقوة الجيش إلى أولئك القلة القليلة من الانقلابيين، انحصرت ملايين الحسنات في بضع حسن
وأن وتضاءلت وزالت، فلا تكون كفّارة لأخطاء فاحشة.
ثالثًا:لا شك أن لكم معارضين في جهات كثيرة داخلية وخارجية، وحيث إني لا أنیظر ولا أهتم بأحوال
الدنيا والسياسة، فلا أعرف تلك الأمور. ولكن لأنهم ضايقوني كثيرًا في هذه الكم أملطررت أن أنظر إلى سبب هذه المضايقة، فعلمت أن معارضةً قد ظهرت. فلو وَجدتْ هذه المعارضة زعيمًا كفوءًا لها وانطلقت إلى الميدان باسم الحقائق الإيمانية لغلبتكم وانتصرت عليكم في الحال، ذلك لأن تسعين بالمائة من هذه الأمة مرتبط روحًا ودة مديبالأعراف الإسلامية منذ ألف سنة، وحتى لو انقادت ظاهرًا إلى ما يخالف فطرتها فإنها لا ترتبط به قلبًا.
— 290 —
ثم إن المسلم يختلف عن أفراد الأمم ال إنني إذ لو تخلّى عن دينه فلا يكون إلّا إرهابيًا فوضويًا لا يقيده شيء أيًا كان، بل لا يمكن إدارته بأيٍ من وسائل التربية والإدارة إلّا بالاستبداد المطلق والرشوة العامة.
اسيه وحجج كثيرة تثبت هذه الحقيقة وأمثلة كثيرة عليها اختصرها محيلًا الأمر إلى فطنتكم.
لا ينبغي لكم أن تتخلّفوا عن الدول الاسكندنافية التي شعرت بحاجتها الشديدة إلى القرآن الكريم في هذا العصر، بل عليكم أن تكونوئك الأ لها ولأمثالها من الدول. فلو أسندتم ذنوب الانقلاب التي حصلت حتى الآن إلى بضعة أشخاص، وسعيتم لتعمير الدمار -ولاسيما بحق الأعراف الدينية- التي نجمت عن ظروف الحرب العالمية وانقلابات أخرى، لقلّدكم سعيكم هذ وعلى ا عظيمًا في المستقبل ولأصبح كفارة لذنوبكم العظيمة وكنتم أهلًا لصفة أهل الحمية والغيرة على الأمة، لما تقدمون من خدمة للأمة والوطن.
رابعًا:مادام الموت لا يُقتل وباب القبر لا يُغأمراض.نتم
ستهرعون إلى القبر كأي إنسان آخر، وأن ذلك الموت -الذي لا مناص منه- إعدامٌ أبديّ لأهل الضلالة، لا تُبدِّله مائة ألف من الدعوات ال، فيلزوحب الدنيا والإنجازات السياسية، إلّا القرآنُ الكريم الذي يبدل ذلك الإعدامَ الأبدي إلى تذكرةِ تسريح لأهل الإيمان، كما أثبتت ذلك رسائلُ النور الموجودة بين أيديكم والتي لم يعارضها أيُّ فيلسوف ولا أي ملحد كان، بل هي التي جَذبتساحل اظيرة الإيمان كلَّ من قرأها من الفلاسفة بدقة وإنعام. وحتى في ظروف هذه السنين الأربع لم يملك الفلاسفة والعلماء الخبراء ولا محاكمُكم الأربع إلّا الإعجابَ بها وتقديرَها وتصديقها، فلم يعترضوا عليها، لحججها الرصينة في إن رسائلحقائق الإيمانية، فضلًا عن أنها لا ضرر يرد منها لهذا الوطن والأمة، بل إنها سد قرآني -كسد ذي القرنين- أمام التيارات الرهيبة المهاجمة. ولي مائةا أيدياهد على هذا من الأمة التركية ولاسيما من الشباب المثقف.
فلأجل هذه الأسباب المذكورة فإن واجبكم الأساس هو تبنّي أفكاري هذه التي طرحتها لكم بجد واهتمام. فأنتم تستمعون دائمًا إلى الكثيرين من الدنيويين السياسيينعكر صَم الاستماع -ولو قليلًا- إلى ضعيف عاجز مثلي واقف على شفير القبر يبكي على حال المواطنين ويتكلم معكم في سبيل الآخرة.
— 291 —
(لا أُحسن الظن بنفسي)إخوتي الأوفياء الصادقين!
جواب خطر على البال لمناسبرآن الل مادي ومعنوي
يقال:لِمَ لا تقبل مقامًا ومزايا لشخصك بالذات الذي هو موضع حسن ظن مفرط لطلاب النور وقناعتهم التامة بحق شخصك، علمًا أن قبولك ذلك المقام يكون مثار شوقهم للعمل في خدمة الإيمان. بل نجدك تَصرف تلك المزايا عن شخصريف "لرسائل النور وحدها، وتُظهر نفسك خادمًا كثير الذنوب؟!
الجواب:حمدًا للّٰه وشكرًا له لا منتهى لهما، فإن لیرسائل النور مرتكزاتٍ قويةً لا تتزعزع، وحججًا نافذة
ساطعة لا تخبو بحيث تستغني عما يُظن في شخصي من مزايا وقابليات. فهرات مج كالمؤلفات والآثار الأخرى التي تبني أهميتها على قابلية مؤلفها، وتَستمد قوتها وحسنها منه، بل هي تستند على حججها القاطعة منذ عشرين سنة، حتى أرغمت أعدائي الماديين والمعنويين على الاستسلام، والأمر واضح أمام الجميع. فلو كانت شخصيتي نقطةَ استنادٍ جزئياا، فإن أعدائي الملحدين ومعارضيَّ الظلمة كان يُمْكنهم أن يُنیزلوا ضربتهم القوية بیرسائل النور، وذلك بالنيل من شخصي المقصّر المذنب. بينما أولئك الأعداء لطيشهم وبلاهتهم يدبرون -ما وسعهم- من الدسائس والوسائل للحط من قيمتي والنيل من شخصيتي، واسم "ايسعون ليَحُولوا دون توجه الناس نحوي وإقبالِهم عليّ، لا يستطيعون أن يحُولوا دون فتوحات رسائل النور الإيمانية ولا التهوين من شأنها، بل يعجزا دون أن يجعلوا محبين جددًا يتخلون عن خدمة الإيمان، رغم ما كدّروا من صفاء أذهانهم وقلوبهم.
فلأجل هذه الحقيقة، ولأجل طغيان الأنانية وهيمنتها الواسعة في هذا الزمان، أَرْفُض حسن الظن المفرط بشخصي الذي يفوق كثيرًا حدّي وطوقي، لأالعلميوتي، لا أحسن الظن بنفسي، فضلًا عن أن المقام الأخروي الذي منحه إخوتي أخاهم هذا الفقير إن كان مقامًا دينيًا حقيقيًا، وإن كنت أعلم أن نفسي أهل إلى احاش للّٰه- فهذا دليل على عدمه، وإذا كنت أرى نفسي فارغًا عن ذلك المقام يلزم إذن عدم قبول هداياهم ومِنَحهم كذلك، وذلك -حسب القاعدة المذكورة في افي الد الثاني- فضلًا عن أن الذي يرى نفسه صاحب مقام فالأنانية ربما تتداخل في الأمر.
— 292 —
(مسلك النور يحقق فوائد الطريقة)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أخي العزيز البطل صبري!
نسأل اة والرأن يهيئ جنودا مضحّين كالسيد "غالب" للجيش الإسلامي. إن هذا الفاضل يخدم الإيمان في الغرب والشرق كخدمةِ "خلوصي". ويحاول جذبَ أهل الإيمان وانتشالهَم من الضلالة عن طريق التصوف. إن هذا الفاضل قد حاول سابقا أن يعمل في مسلك النور قبل اطلاعه علىفاء الئل ويتمكن أن يعمل أكثر عندما تقوّى علاقته بالرسائل. إلّا أن أساس مسلك النور؛ الحقيقة، السنة النبوية الشريفة، الاهتمام بالفرائض والاجتناب عن الذنوب، وينظر إلى التصوف بدرجة ثانية وثالثة. أما أخونا "غالب" كان فيمل في صفوف "العلويين" فيفكر أن يلقنهم دروسا في طريقة صوفية هي خلاصة طرق القادرية والشاذلية والرفاعية وضمن السنة النبوية بشرط عدم التعرري هذهفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وضمن نطاق محبة آل البيت. وهذا السلوك له فوائد مهمة عدة باسم الحقيقة وفي سبيل إنقاذ الإيمان وصيانته من البدع.
أولاها:لها فائدة جليلة في الحيلولة دوت التيالتيارات الأخرى العلويين، وصونِهم من غلو الرافضة والتيار السياسي البكتاشي.
ثانيتها:أن العلويين الذين اتخذوا حبَّ آل البيت مسلكا لهم لا يدخلون ضمن الكفر المطلق مهما أفرطوا، بل حتى لو كانوا روافض. لأنان هنا توغلت محبةُ آل البيت في قلوبهم فإنهم لا يدخلون الكفر المتضمن العداءَ للرسول الكريم (ص) وآل البيت. بل يتمسكون بالإسلام بشدة بوساطة تلك المحبة. فجلبُ أمثال هؤلاء إلى دائرة السنة النبويجميع كريق الصوفية يُعدّ فائدة جليلة.
ثم إن جلب العلويين إلى دائرة النور فيه مصلحة عظيمة، وذلك للحيلولة دون استغلال تيارات سياسية شجاعتَهم الفطرية، بما يضر وحدة أهل الإيم، وتَلما كان أستاذ طلاب رسائل النور هو الإمام علي رضي اللّٰه عنه، وحبُّ آل البيت أساس في مسلك النور، فينبغي دخول العلويين الحقيقيين إلى دائرة النور بشوق كامل.
— 293 —
إن هذا الزمان زمانُ إنقاذ الإيمان، ولأن هناك مش ألف في مسلك الطريقة الصوفية بالسير والسلوك وفي زمن البدع هذا، لذا تسلك دائرة النور مسلكَ الحقيقة محقِّقة فوائدَ الطريقة الصوفية.
اكتبوا هذا إلى أخينا ذاك مع سلامي ومع تهنئتي له بشهر رمضان المبارك وليدعُ لنا أيضا.
* شجرة ص
(قد أغلقتُ منافذ النفس)إخوتي الأوفياء الصادقين!
جاءني عدد من الأطباء من أركان طلاب النور، حينما اشتدت وطأة المرض عليّ، إلّا أنني باقيةاتح أولئك الصادقين المخلصين حول مرضي الشديد، ولم أتناول علاجاتهم، بل لم أشاورهم أصلًا في شؤون الأمراض التي ألمّت بي رغم أن الآلام كانت تعصرني وأنا في أمسّ الحاجة إليهم. فلما رأوني لا أدير الحدتهم -ك المرض قطعًا، اعتراهم قلق واضطراب. لذا اضطررت إلى بيان حقيقة ذات حكمة. أرسلها إليكم علّها تفيدكم أيضًا.
قلت لهم: إن أعدائي المتسترين، ونفسي الأمارة بالسستسلامقِّبان معًا -بإيحاء من الشيطان- عن طبعٍ ضعيف عندي وعِرق واهٍ في خلقي، ليستحوذوا عليه، ويُخِلُّوا بسببه بخدمتي الإيمانية المخلصة، ويعرقلوا نشر الأنوار.
حقًا! إن أضعف جانب عند الإنسان، وأخطر مانع للعمل، إخدمة ا المرض، لأنه إذا اهتم المريض بمرضه كثيرًا اشتدت أحاسيس الجسد عليه وسيطرت حتى يجد المريض نفسه مضطرًا.. فتُسكت تلك الأحاسيس الروحَ والقلب عندئدٍ وتجعل الطبيب كأنه حاكم مستبد، تلجئه إلى إطاعة توصياته وعلاجاته. وراءة، الذي يخلّ بخدمة الإيمان المتسمة بالتضحية والفداء والإخلاص التام.
ولقد حاول أعدائي المتسترون استغلال هذا الجانب الضعيف عندي وما زالوا كذلك يحاولون، كما حاولوا استغلال طبع الخوف والطمع والشهرة إلّا أنهم لم ينالوا شة. وتتن هذه النواحي، فأدركوا أننا لا نعبأ بشيء من أحكامهم حتى بإعداماتهم.
— 294 —
ثم إن هناك خُلقًا ضعيفًا وعرقًا واهيًا لدى الإنسان، وهما الاهتمام بهموم العيش، والطمعُ، فقد بحثوا عنهما كثيرًا للء في آة منهما، ولكن لم يجنوا شيئًا بفضل اللّٰه من ذلك الجانب الضعيف، حتى خلصوا إلى أن متاع الدنيا الذي يضحون في سبيله بمقدساتهم، تافهٌ لا يساوي شيئًا عندنا. وقد تحقق ذلك وف في بحوادث كثيرة، حتى إنه خلال هذه السنين العشر الماضية استفسروا أكثر من مائة مرة استفسارًا رسميًا من الإدارات المحلية: بِمَ يعيش؟
ثم إن طلب الشهرة والتطلعَ إلى المراتب عرق ضعيف في الإنسان وجانب واهٍ فيه، فقد أمرت -السلطات- أن يُستَغل ذلكط وينك الضعيف عندي، فقاموا بالإهانات والتحقير والتعذيب المؤلم الجارح للشعور. ولكنهم -بفضل اللّٰه- لم يوفقوا إلى شيء، وأدركوا إدراكًا قاطعًا أن ما يتطلعون إليه تلك الالعبادة- من الشهرة الدنيوية نعتبرها رياءً وإعجابًا بالنفس مضرًّا بالإنسان. وأن ما يُولُون من اهتمام بالغ نحو حب الجاه والشهرة الدنيوية لا يساويان عندنقمة هذ نقير، بل نعدّهم بهذه الجهة بلهاء مجانين.
ثم إن ما يعدّ فينا -من حيث خدمتنا- جانبًا ضعيفًا وعرقًا لا يقاوَم، مع أنه -من حيث الحقيقة- جانب مقبول لدىللّٰه كلهم، بل يتلهفون إلى إدراكه والظفر به، هذا الجانب هو كون الشخص يحرز مقامًا معنويًا ويعرج في مراتب الولاية، وينال تلك النعمة لنفسه بالذات.صص عشرالجانب رغم أنه لا ضرر فيه البتة، وليس له غير النفع، إلّا أنه في زمان قد استولت فيه الأنانية وطغت فيه الأثرة واستهدفت المنافع الشخصية حت من الر شعور الإنسان في إنقاذ نفسه.. أقول: إن القيام بخدمة الإيمان في هذا الزمان -تلك الخدمة التي تستند إلى سر الإخلاص وتأبى أن تستغل لأي شيء كان- تقتضي عدم البحث عن مقامات معنوية شخصتها. ه يجب ألّا تومئ حتى حركاتُ المرء إلى طلبها والرغبة فيها، بل يلزم عدم التفكير فيها أصلًا. وذلك لئلا يفسد سر الإخلاص الحقيقي.
ومن هنا أدرك الذين يسعون لاستغلال هذا الجانب الضعيف لديّ بأني لا أتحرى خارج خدمة النوه الأمتحراه كل إنسان من كشف وكرامات وخوارق ومزايا أخرى روحية فرجعوا خائبين من هذا الجانب.
تحياتنا إلى إخواننا فردًا فردًا.. ونسأله تعالى برحمته الواسعة أن يجعل ليلة القدر المقبلة
#295في الدة ثمانين سنة من العبادة لكل طالب من طلاب النور ونستشفع بحقيقة تلك الليلة في دعواتنا هذه.

* * *

(حول النظر الحرام)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد حان وقت تبيان حادثة عج إن حياتي، ومؤلمة ولطيفة، وفى الوقت نفسه نبيّن ما يبثه الأعداء من افتراء شنيع لا يمكن أن يُقنع الشيطانُ نفسُه أحدا قط، مما يتوضح كيف أن الأعداء لم يبق لديهميقة.
اح كان تجاه النور.
إنه من المعلوم لدى المطلعين على تاريخ حياتي أنني مكثت سنتين في مضيف الوالي المرحوم "عمر باشا" في بتليس بناء على إصراره الشديد ولفرط احترامه للعلم والعلماء.. كان له من البناتهجوما لاث منهن صغيرات وثلاث بالغات كبيرات.. ومع أني كنت أعيش معهم في سكن واحد طوال سنتين إلّا أنني لم أكن أميّز بين الثلاث الكبيرات؛ إذ لم أكن أسدد النظر إليهن كي أعرفهن وأميّز بينهن. حتى نیزل أحد العلماء يومًا ضيفًا عليّ، فعرفهن حديث ا يومين فقط وميّز بينهن، فأخذت الحيرة الذين من حولي، لعدم معرفتي إياهن. وبدؤوا بالاستفسار: "لماذا لا تنظر إليهن؟". فكنت أجيبهم: "صونُ عزة العلم يمنعني من النظر الحرام".
وفي أحدللّٰه جانات المقامة في إسطنبول، قبل أربعين سنة، كان الازدحام على أشده... اصطفت ألوفٌ من نساء إسطنبول ومن الروم والأرمن الكاسيات العاريات على طرفَي الخليج (الذي يقسم مضايقاسطنبول إلى قسمين).
ركبت مع السيد طه والسيد إلياس (وهما عضوا المجلس النيابي) في قارب لينقلنا إلى نهاية الخليج حيث الاحتفالات تقام هناك.
كان القارب يمر من أمام أولئك النساء، ولم يكن لي علم أصلا من الموجولّا طه والحاج إلياس قد اتفقا على مراقبتي بالتناوب واختباري في النظر إلى النساء، حتى اعترفا بذلك بعد ساعة كاملة من التجوال في القارب وبين أولئك النساء قائلَين:
— 296 —
لقد حَيُلحق اا أمرُك هذا، أنك لم ترفع بصرك إليهن قط.
قلت:أنا لا أريد أذواقا مؤقتة تافهة مشوّبة بالآثام، لأن عاقبتَها آلام وحسرات.
ثم إن الذين يصادقونني يعرفون جيدا أنني تحاشيت كليا عن قبول الهدايا والدخول تحت منّة المتصدقين طوال حياتي كلها،الإسلا صيانة كرامة رسائل النور والخدمة القرآنية وحفاظا على سلامتها تركت الاهتمام بكل ما يمتّ بصِلة إلى أذواق الدنيا المادية والاجتماعية والسياسية، ولم أبال بتهديدات أهل المآرب والأغراض الشخصيشبان آتى بإعدامهم. وقد ظهر هذا بجلاء خلال السنوات العشرين التي قضيتها في النفي والتشريد المعذب وفي السجن الرهيب وفي المحاكم.
وفى الوقت الذي أملك هذا الدستور العظيم، واائل الم طوال خمس وسبعين سنة، وإذا بموظف يَشغل منصبا في الحكومة يُشيع فرية شنيعة لا تخطر حتى ببال الشيطان تهوينا من شأن رسائل النور الرفيعة، حيث قال: "تتردد المستليلًا الفاحشاتُ مع ما لذّ وطاب من المأكولات"، علما أن بابي مغلوق من الخارج ومن الداخل ليلا، وأن هناك من يسهر للصباح يراقب الباب بأمرِ ذلك الموظف الشقي. يعرف الجيرانُ والأصدقاء جيدا أنني لا أقبل أحدا للزيارة منذ العِشاء حتى الصباح.
فالذي يفتالكريم الفرية لا شك أنه سفيه وأحمق بل لا يورد هذا الاحتمال حتى لو أصبح حمارا بل حتى لو أصبح شيطانا.
فذلك الشخص المفتري قد علم خطأه فتخلى عن مثل هذه المكايد، مغادرا هذا المكان إلى غير رجعة وبئس المصير.

* * *

(وظائف السيد المهدي)إخوت، بل عزاء الأوفياء!
لقد سألني -باسم الكثيرين- من له شأن وبركة من طلاب النور قائلا:
إن قسما ممن لهم شأن وإخلاص من طلاب النور يظنون بك -وبإصرار- أنك المرشد العظيم من آل البيت الذي يأتي في آخر الزمان. وأنت مهما تبالغ التامنب هذا، فهم يزيدون
— 297 —
إلحاحا وإصرارا في ظنهم. وأنت بدورك تصرّ على رفض فكرهم وتتحرز كثيرا منه. فلا جرم أنهم يملكون حقيقة ولديهم حجة قاطعة. وأنت ك العقلتند إلى حقيقة وحكمة فلا توافقهم في ظنهم. وهذا تضاد نطلب حلَّه على كل حال.
وأنا أقول جوابا لهذا الأخ الفاضل الذي ينطوي سؤالُه على كثير من المسائل:
إن أولئك النوريين الخواص يملكون حجة، إلّا أنها تحتاج إلى تعبير وتأويل من جهتين:
الأولىتوسل إأشرت عدة مرات في رسائلي إلى أن السيد المهدي الذي يمثل الشخص المعنوي للجماعة السامية لآل محمد (ص) له ثلاث وظائف. فنحن نرجو من رحمته تعالىالملحدوم جماعتُه، وطائفةُ السادة الكرام بتلك الوظائف إن لم تقم القيامة فجأة، ولم تضلّ البشرية ضلالا بعيدا.
ووظائفه الثلاث ستكون الآتية:
الوظيفة الأولىه لمقاذ الإيمان، وذلك بالقيام بدحض الفلسفة والفكر المادي قبل كل شيء. لانتشار أفكار الماديين والطبيعيين انتشارَ الطاعون في البشرية واستيلاء العلوم والفلسفة المادية على الأذهان.
إن حكمتَه. الإيمان من شرور الضلالة، يقتضي إجراء تحقيقات علمية واسعة وأبحاث متواصلة دائبة، التي تتطلب التجرد من هموم الدنيا ومشاغلها تجردا كاملا، ولا يسمح الوقت والون السلقيام السيد المهدي بمهمته هذه بالذات، لأن أعباء الحُكم في الخلافة الإسلامية لا تدَع وقتا له للانشغال بتلك الأمور. فلابد أن تنهض بتلك المهمة قبله طائفة عظيمجهةٍ ما. وسيجعل السيد المهدي ما دوّنه هؤلاء من أثر منهاجا معدّا له، فيكون قد أدى تلك المهمة على أتمّ وجه.
إن القوةَ التي تستند إليها هذه الوظيفة وجيشَها الثلاثما ما هم إلّا طلاب يتصفون اتصافا تاما بالإخلاص والوفاء والترابط. فمهما كانوا قلّة فهم يعدّون بقوة الجيش وأهميته معنًى.
الوظيفة الثانية:إحياء الشعائر الإسلامية في المجتمع باسم الخليثين امحمدية، وإنقاذ البشرية من المهالك المادية والمعنوية والغضب الإلهي، مستنِدا إلى وحدة العالم الإسلامي.
— 298 —
ونقطةُ استناد هذه الوظيفة والعاملين لها يلزم أن يكون جيوشا تعدادها الملايين.
الوظيفة الثالثة:يسعى السيد وعلا ي لإقامة الشريعة الإسلامية و تنفيذ أحكام القرآن بعد أن لحق العطبُ بتطبيق كثير من أحكام القرآن، وبعد أن عُطلت القوانين الشرعية بعضَ التعطيل من جراء الانقلابات التي حصلت بمرور الزمن. فيحظى لأداء مهمته الجسيمة هذه بالتأييد المعنويالكريميع المؤمنين، وبمؤازرة الوحدة الإسلامية، وبالتحاق جميع العلماء والأولياء به ولاسيما ملايين الأبطال المضحين من آل البيت الذين يوجدون وبكثرة وقوة في كل عصر من العصور، فيشدّون جميعُهم أزره ويسندون ظهره في سبيل قيامه بهذه الوظيفة العظلبي ال ولما كانت حقيقة الأمر هكذا، فإن إنقاذ الإيمان وإرشاد الناس عامة إلى الإيمان إرشادا تحقيقيا بل جعْل إيمان العوام تحقيقيا هو أُولى وظائف السيد المهدى وأرفع مسلك من مسالكه، والذي يقتضي اسم المهدى والمرشد بمعناه وحقيقته، ولأن طلاب النور يفالذي ه الوظيفة بتمامها في رسائل النور، تظل الوظيفتان الثانيةُ والثالثة في المرتبة الثانية والثالثة عندهم بالنسبة لهذه الوظيفة الأولى. لذا ينظرون إلى الشخص المعنوي لرساباني وور-وهم محقون- نظرةَ نوعٍ من المهدي، وحيث إنهم يظنون في مؤلِّف رسائل النور -هذا الضعيف- أنه ممثل ذلك الشخص المعنوي الناشئ من تَرابُط طلاب النور، لذا يطلقون أحيانا ذلك الاسم عليه أيضا.
وعلى الرغم من أن هذا التباسٌ وسهو، إلّا أنهم لاصة باسؤولين عنه، لأن الإفراط في حسن الظن سارٍ منذ القدم ولا يُعترض عليه. وأنا كذلك أنظر إلى حسن الظن المفرط لإخوتي هؤلاء، كأنه دعاء منهم وأُمنية، وأنه ترشّح لكمال عقيدة طلاب النور، فلا أعترض عليهم كثيرا.
أثير إبهذه التحقيقات تأويل ما شاهده بعض الأولياء السالفين في كشفياتهم أن رسائل النور مهديُّ آخر الزمان. بمعنى أن هناك التباسًا في نقطتين، فيلزم التأويل:
أولاها:الوظيفتان الأخيرتان (الثانية والثالثة) رغم ى صورةليستا في أهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلّا أن إقامة الحكم الإسلامي في الأرض بجيوش الخلافة المحمدية والوحدة الإسلامية تظهر أوسعَ ألفَ مرة من الوظيفة الأولى عند الناس، ولاسيما لدى العوام منهم
— 299 —
ولدى أرباب السيانكليز)لذات في أفكار عصرنا هذا. حتى إذا ما أُطلق هذا الاسم "المهدي" على شخص ما، فإن هاتين الوظيفتين هما اللتان تتبادران إلى الذهن دون الأولى، مما يوحي -ذلك الاسم-لكتابةعنى سياسي. وربما يورد إلى الذهن معنى الإعجاب بالنفس، ولربما يظهر رغبات الشهرة وذيوع الصيت، والتطلع إلى المقامات الرفيعة.
وقد ادّعى قديماا.
ن كذلك- كثيرٌ من السذج والمتطلعين إلى المقامات العليا أنهم سيكونون "المهدي".
وعلى الرغم من أن مجددين و مرشدين يهدون الناس إلى سواء السبيل قد أتوسم بإذون، فإن أحدا منهم لا يتخذ عنوان "السيد المهدي" الكبير الذي سيأتي في آخر الزمان، وذلك لأنه لا يؤدي سوى وظيفة واحدة من الوظائف الثلاث في جهة ما.
ثالماء لخبراء في محكمة "دنيزلي" قالوا عن طلاب النور -حسب اعتقاد بعضهم-: إذا ادّعى سعيد النورسي أنه المهدي فإن جميع طلابه يصدّقونه برحابة صدر. وأنا قد قلت لهم في المحكمة: إنني لا أستطيع أن أعدّ نفسي من آل البيت حيث إن الأنساب مختلطة في هذا الزملرجال لا يمكن تمييزها، بينما مهدي آخر الزمان سيكون من آل البيت. رغم أنني بیمثابة ابن معنوي لسيدنا علي كرم اللّٰه وجهه وتلقيت درس الحقيقة منه، وإن معنًى من معاني آل محمد (ص) يشمل طلاب النور الحقيقيين، فأعدّ أنِي طلاا من آل البيت، إلّا أن هذا الزمان هو زمان الشخص المعنوي، وليس في مسلك النور -بأية جهة كانت- الرغبةُ في الأنانية وحبُّ الشخصية، والتطلع إلى المقامات والحصول على الشرف الفتن الصيت، وكل ذلك منافٍ لسر الإخلاص تمامًا.
فأنا أشكر ربي الجليل بما لا نهاية له من الشكر أنه لم يجعلني أُعجب بنفسي، لذا لا أتطلع إلى مثل هذه المقامات الشخصية التي تفوق حدي بدرجات لا تعد ولا تحصى، ، والدأُعطيتُ مقامات رفيعة أخروية فإنني أجد نفسي مضطرًا إلى التخلي عنها لئلا أخلّ بالإخلاص الذي في النور. هكذا قلت للخبراء وسكتوا.

* * *

— 300 —
(لِمَ تركت السياسة الناس العزيز الوفي السيد رأفت!
أولا:لمناسبة حوادث جزئية تمسّنا معا أُخطر على قلبي بشدة لأبيّن حقيقة وهي الآتية:
إن طالبا خاصا للنور من أمثالكم لا شك يعرف أن رسائل النور لا تكون أداة لأي شيء كان، ولا يُبتغَى منها إلّافبينما اللّٰه سبحانه وتعالى، وهي تعمل على توضيح حقائق الإيمان بالذات وقبل كل شيء، وذلك لإنقاذ إيمان الضعفاء والحاملين للشكوك والشبهات.
ثانيا:إن أعظم قوة لرسائل النور تية فحسارضيها الكثيرين، هي الإخلاص. فالرسائل مثلما لا تكون أداة لأي شيء كان في الدنيا، لا تهتم أيضا بالتيارات التي تنبني على مشاعر الانحياز والموالاة ولاسيما للتياراتإيمانيسية، وذلك لأن عِرق الانحياز يفسد الإخلاص ويغيّر لون الحقيقة. حتى إن السبب في تَركي السياسة منذ ثلاثين سنة هو أن عالما صالحا قد أثنى بحرارة على منافق الشديدكرا ينسجم مع فكره السياسي. وفي الوقت نفسه انتقد عالما صالحا يحمل أفكارا تخالف أفكاره انتقادا شديدا حتى وصمه بالفسق.
بمعنى أن عِرق المنافسة إذا اختلط معه التحيز السياسي، نشأت أخطاء عجيبة مثل هذا. ولهذا قلت: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسأطباء فتركت السياسة من ذلك الوقت.
ونتيجة لتلك الحالة -وأنتم أعلم بها- فإنني لم أقرأ منذ عشرين سنة جريدة واحدة، ولم أهتم بحوادث الحرب طوال عشر سنوات ولم أستمع إدفع إللم أتلهف لها، بل لم أحاول أن أعرف عنها شيئا. وطوال اثنتين وعشرين سنة من سني الأسر والعذاب لم أدنُ من الانحياز والموالاة إلى جهة أو الدخول في السياسة، وذلك لئلا يتضرر الإخلاص الذي تحتب مُلائل النور. فلم أراجع دوائر الدولة لأجل راحتي، سوى لعرض دفاعاتي أمام المحاكم.
ثالثا:تعلمون أنني لا أقبل الصدقات والمعونات، كما لا أكونفهي أج لأمثالها من المساعدات، لذا أبيع ملابسي الخاصة وحاجياتي الضرورية، لأبتاع بثمنها -من إخوتي- كتبي التي استنسخوها، وذلك لأَحُول دون دخول منافع دالنفوذفي إخلاص رسائل النور، لئلا يصيبها ضرر. وليعتبر من ذلك الإخوة الآخرون، فلا يجعلوا الرسائل وسيلة لأي شيء كان.
— 301 —
رابعًا:رسائل النور كافية لطلاب النور الحقيقيين؛ فليرضوا بها ويطمئنوا إليها، فلا يتطلعنّ أحد منهم إلى مراتب أعلى وأسمى، أو مناإن هذهوية ومادية.

* * *

(حول مصطفى كمال)
ذيل العريضة المقدمة إلى رئيس الجمهورية اضطررت إلى كتابتها
إن السبب الأساس لهجوم الحاقدين عليّ هو أنهم يسحقوننمان. وعين بمودّتهم وموالاتهم لمصطفى كمال. وأنا أقول لأولئك الحاقدين:
لقد قلت في حق شخص مات وانتهى أمره وانقطعت علاقته بالحكومة: "إنه سيظهر في آخر الزمان شخص يُلحق الأضرار الأعزان الكريم". قلتُه قبل ثلاثين سنة استنباطا من حديث شريف. ثم أظهر الزمان أن ذلك الرجل هو مصطفى كمال. وأن الحاقدين الذين يوالونه يعذبونني بحجج واهية منذ عشرين سنة، ثبات اني لا أُسند إلى مصطفى كمال -خلافا للحقيقة- شرفَ هذا الجيش ومجدَ انتصاراته الذي تحدّى العالمَ ببطولته وتفانيه في الحق منذ خمسمائة سنة.
نعم -وكما أثبتُّ في المحلك العن الشرف والحسنات والغنائم المادية والمعنوية تُسند إلى الجماعة وتوزّع عليهم، بينما تُسند الذنوب والإجراءات الخاطئة إلى الرئيس. ففي ضوء هذه القاعدة الحقيقية، فإن أمجاد الجيش والشرف الذي أحرزه بانتصاراته -ولا سيما الضباط الأشاوس الذين تولووساطة ته- لا تُسند إلى مصطفى كمال، وإنما الأخطاء والذنوب والنقائص هي التي تُسند إليه وحده. فالذين يتهمونني بعدم محبتي له إنما يقومون بإهانةِ كرامةِ الجيش لإخوتيشرفه، لذا أنظر إلى هؤلاء أنهم خونة الأمة؛ وإني على استعداد لإثبات هذه الحقيقة لأولئك العنيدين الموالين له كما أثبتّها أمام المحكمة:
إنني أكواحد. لملايينِ أفراد الجيش المقدام وضباطه، جيشِ هذه الأمة الطيبة، وأسعى لصيانة عزته وكرامته وتوقيره ما استطعت إلى ذلك سبيلا. بينما معارضيَّ الحاقدون الذين يواجهونني يهوّنون -ضمنا- من شأن ملايين الأفرامما هوعادونهم في سبيل محبة شخص واحد.
— 302 —
نعم، لقد أدركنا بأمارات عديدة، أن الذي يحرّض الحاقدين عليّ بالهجوم، هو معارضتي لمصطفى كمال، وعدم مودّتي له. أما الأسباب الأخرى فهي حجج
وب ومجرد اختلاق. ولهذا اضطررت إلى أن أقول لأولئك المعارضين:
لقد استدعاني مصطفى كمال إلى أنقرة لأجل تكريمي وجَعْلي واعظا عاما لجميع الولايات الشرقية. فذهبت إلى أنقرة، إلّا أن المواد الثلاث الآتية جعلتني أتخلّى المحابته ومودته. فعانيت العذاب طوال عشرين سنة في حياة الانزواء ولم أتدخل في أمورهم الدنيوية.
المادة الأولى:لقد أظهر بأفعاله أنه هو الذي أخبر عنه الالحوادلشريف الوارد حول ظهور شخص في آخر الزمان يسعى للإضرار بالأعراف الإسلامية. وفسّرتُ هذا الحديث الشريف قبل ست وثلاثين سنة، ثم ظهر معناه مطابي في عهذا الشخص. وله إيضاح في المادة الثالثة في دفاعاتي أمام المحكمة.
المادة الثانية:إن وجود شيء ما وتعميره وحياته، قائم بوجود جميع أركان ذلك الشيء أو شروطه، بينما عدمُه وتخريبه وموته يكون بفساد شرط واحد. هذه قاعدة حقيقية حتى أصب الفلاب الأمثال في ألسنة الناس: "التخريب أسهل من التعمير".
فبناء على هذه القاعدة الرصينة فإن النقائص الفاضحة والدمار الرهيب الظاهر نابعةٌ من أخطاء ذلك القائد. أما الانتصارات الباهرة فهي صادرة من بطولة الجيش. فبفكير هنبغي أن يكون الأمر إسناد السيئات إليه ومنح الحسنات إلى الجيش، إلّا أن الأمر يكون بخلاف هذا كليا، إذ تُسند حسنات الجماعة إلى من في رأس الأمر ويسند شر ذلك الشخص إلى الجماعة. رضي بهلم شنيع.
المادة الثالثة:إن إسناد حسنات الجماعة وانتصارات الجيش إلى القائد الآمر، وإعطاء ذنوب ذلك الأمر إلى الجماعة بأكملها يعني التهوين من شأن ألوف الحسنات وجَعْلَها حسنة واحدة، وجَعْلَ الخطأ الواحد ألوف الأخطاء. إذ كقة بأسفوجا من الجيش لو قَتلوا عدوا شرسا فإن كل فرد من أفراد ذلك الفوج يُمنَحون مرتبة المجاهد، ولكن لو أعطيتْ تلك الرتبة إلى آمرهم فقط فإن ألف رتبة من رتب "المجاهد" تنیزل إلى رتبة واحدة فقط. فلو حصلت جريمةُ قتلٍ نتيجة خطأ ارتكبه قائد ذلك الزاء أخ أُسندت هذه الجريمة إلى الفوج كله، فإن تلك
— 303 —
الجريمة الواحدة تتضاعف وتكون في حكم ألوف الجرائم، فيصبح ألفُ جندي مثلا مسؤولين عنها، ومستحقين العقاب عليها.
كذلك الأمر هنا، فإن الأخطاء الجسيمة واضحفانيهم الأعين، فإن لم تُسند إلى ذلك الرجل الميت الذي ارتكبها، وأحيلت إلى جيش عظيم كريم أَظهر جهاده في سبيل إحقاق الحق في العالم أجمع وصدّق بسيوفه ودمائه شهادة عزته وكرامته وإعلائه لراية القرآن منذ خمسمائة سنة بل منذ ألف سنة، فإن تلك الذنوب تزداد إلىة إلى ف بعدد أركان ذلك الجيش. فيلطِخ الماضيَ المجيد لذلك الجيش ويشوهه تشويها رهيبا مسوِّدا تاريخَه بلون قاتم مما يجعل جيش هذا العصر مسؤولا ويذوبالملاحأمام الجيش البطل للعصور السابقة.
وكذلك لو أُسندت الانتصاراتُ الباهرة والمفاخر المستحصلة الحاضرة إلى رجل واحد فإنها تبقى جزئية، وتصبح الحسناتُ والمجاهدات التي هي بعدد الأركاننظر عنراد في حكم شخص واحد، وينطفئ ذلك الضياء الساطع ويزول ولا يصبح كفارة للذنوب.
فلأجل هذه الأسباب تركتُ مودّة ذلك الرجل، وكسبتُ مودة ذلك الجيش الذي خدمتُ في صفوفه خدمةً فعلية مؤثرة، وفي زمان دقيق حرج، وسعيت برسائل النور للمحافظة قراءة ف ذلك الجيش الذي هو أسمى ألف مرة من أي شخص كان.
سعيد النورسي في أميرداغ

* * *

— 305 —
ملحق أميرداغ ٢
— 306 —
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
— 307 —
(شهادة)
إخوتى الأعزاء الأوفياء!
أهنئكم بالعيد السعيد، وأذكّ. فلا ا أخبرتكم سابقا عن قبولي كلا منكم -حسب درجته- سعيدا، ووارثا لي، ومحافظا لرسائل النور بدلا عني، وذلك بناء على خاطرة معنوية. أبيّن لكم الآن أيضا:
لما كنتم قد أعطيتم لي أستاذية -بما يفوق حدي بكثير- في العلوم الإيمانية والخدمة القرآنه كثوااء على حُسن ظنكم المفرط. فأنا كذلك أمنح كلا منكم شهادة -كما كان الأساتذة يمنحون الشهادة العلمية إلى من يستحقها من الطلاب- وأبارككم بكل ثقتي ووجداني وروحي.
فلقد سعيتم في سبيأيضا فرسائل النور إلى الآن سعيا يفوق الحد، مع الالتزام بالوفاء التام والإخلاص الكامل. وستستمرون عليه بأسطع صورة وأبهاها، فتصبحون بإذن اللّٰه ألوفا من "سعيدين" مقتدرين أقوياء جادين في مهمتهم بدلا من هذا "السعيد" العاجز الضعيف المتقاعد.
سعيد ا. فصرخ

* * *

— 308 —
المكاتيب التي كتبت في أميرداغ
بعد سجن أفيوُن
باسمه سبحانه
إلى رئيس الشؤون الدينية
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
ليذهب أحدُكمعارضت عنى إلى رئاسة الشؤون الدينية، وليبلّغ تحياتي واحتراماتي إلى رئيسها السيد أحمد حمدي وليبلّغه الآتي:
إنكم تفضلتم قبل سنتين بطلبِ مجموعة كاملة من كليات رسائل النور، وقد أحضرتُها لكم. ولكن على حين غرّةاستحباا في السجن، فلم أستطع تصحيحها، لذا لم أبعثها إلى حضرتكم. وأنا الآن منشغلٌ بتصحيحها، ولكن يبدو أنني لا أتمكن من إتمامها بسرعة لتدهور صحتي من جراء التسمم. وسوف نقدّمها لكم حالما تنتهي مهمةُ التصحيح بإذن اللّٰه. وحيث إن مَن لا يقبل الهد من أنيهدي، فإن ثمن هذا التفسير المعنوي القيّم، سيكون ثمنا معنويا ساميا، وهو ما تبذلونه من مساعٍ لإطلاق نشر رسائل النور بصفتكم رئيس العلماء في هذه البلاد الإسلامية. ونرسل معها أيضا ثلاثة أجزاء من المصحف الشريف، سلنظر إأريناكموه، راجين بذل الهمة والسعي لطبعه.
وأبيّن لشخصكم الفاضل بوضوح:
أنه لم يحدث تعدٍ غادر فاضح في التاريخ تجاه علم الحقيقة والحقائق الإيمانية كما يحدث في قضيتنا نحن، لذا فمن مقتضى ديء..
العلمي وموقع رئاستكم أداءُ هذه الوظيفة الدينية والعلمية قبل أي شيء آخر.
— 309 —
وفي أثناء تسممي الأخير فكرت في أجَلي، وتسلّيت بأن "أحمد حمدي" سيتبنّى رسائل ا25
مكادلا عني.
وأبعث لكم أيضا نسخة كاملة من "دفاعاتي" في المحكمة، سبق أن أرسلت إلى ديوانكم أجزاء منها. وهي عينُ الحقيقة. أبعثها لكم على أمل إبرازها كمرجع لمن يسعى لإطلاق نشر رسائل النور بإشرافكم.

* * *

رسالة صونغور من أنا لأصوى الأستاذ
(تباشير طبع الرسائل)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
حضرة الفاضل أستاذي العزيز المشفق المبارك المحبوب!
لقد سلّمت رسالتكم الغراء إلى حضرة السيد أحمد حمدي رئيس ديوان اللجن والدينية، مع مجموعة من الرسائل. فوضعها بفرح بالغ في مكتبته الخاصة وقال: "سأعطي -إن شاء اللّٰه- هذه المجموعة إخوتي الخاصين لقراءتها، وسنحاول -على هذه الصورة- طبعها تدريجيًا" وقدقيقاتأيضًا؛ يا سيدي ويا أستاذي المحبوب: إنه سيعمل حسب ما ورد في رسالتكم الكريمة، إلّا أنه لا يمكن نشر هذه المجموعات دفعة واحدة في الوقت الحاضر، إلّا أنني سأجعل إخوتي الخواص يقرؤونها، وننشرها ّر فيّتمام الناس بها والطلب عليها، وبإذن اللّٰه سأسعى لنشرها على أفضل ما يكون.
صونغور

* * *

— 310 —
(محاولة ترجمة القرآن الكريم)
تُكتب النكتة الآتية في مقدمة المقام الثاني للمكتوب التاسع والعشرين عقب السؤال والجواب مباشرة:
إن سب يُنظرف هذه الرسالة هو نوع من الرد على الخطة الرهيبة بجعل قراءة ترجمة القرآن في الجوامع بدلا من القرآن نفسه. ولكن دخلتْ في الرسالة تفاصيل وبحوث ليست من صلب الموضوع...
وخطر على القلب: أن المقام الأول للمكتوب التاسع والعشرين، هد عظيمقام المهم الضروري الساطع الخارق يُزيل نقائص المقام الثاني وإسرافه.
فشكرت ربي بسرور كامل ونسيت تلك النقائص.

* * *

رسالة شخصية إلى رئيس الشؤون أغرقتْة
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
حضرة السيد أحمد حمدي المحترم!
سأبين لكم حادثة روحية جرت لي:
قبل مدة مديدة كانت فكرة اتباعِ الرخصة الشرعية -بناء على الضرورة- وتركِ العزيمة لا ينسجم مع المصا مثلما سلكتموه أنتم وعلماء معكم. فكنت أغضب وأحتدّ عليكم وعليهم. وأقول: لِمَ يتركون العزيمة متبعين الرخصة؟. لذا ما كنت أبعث إليكم رسائل النور مباشرة.
ولكن قبل حوالي أربع سنوات ورد إلى قلبي أسف شديد مشحون بالانتقاد. وفجأة خطر ع تدور لب ما يأتي:
— 311 —
إن هؤلاء الأفاضل أصدقاؤك وزملاؤك في المدرسة الشرعية، وفي مقدمتهم السيد أحمد حمدي، قد هوّنوا الخطر الداهم -على الإسلام- إلىى عدم بع. وذلك بصرفهم قسمًا من الوظيفة العلمية -حسب المستطاع- من أمام التخريبات الرهيبة العنيفة، حفاظًا على المقدسات، متبعين الدستور الشرعي: "أهون الشرين"، وسيكون عملهم هذا -إن شاء اللّٰه- كفارة لبعض نقائصهم وتقصيراتهم التي اضطروا إليها.
فب ولا تن ذلك الوقت أنظر إليكم وإلى أمثالكم نظرةَ أُخوّةٍ حقيقية -كالسابق- فأنتم إخوتي في المدرسة الشرعية وزملائي في الدراسة.
وحيث إنني كنت أترقب وفاتي من وراء تسميمي هذا، [٭]: وهذه المرة هي الخامسة عشرة من التسميم، وبعد أن شافاه اللّٰهسامية ام بترجمة الخطبة الشامية من العربية إلى اللغة التركية مع إضافات عليها. عزمت على تقديم مجموعة كاملة إليكم قبل ثلاث سنوات آملًا أن تكونوا الصاحب الحقيقياته". ل النور وحاميها بدلًا عني. غير أن المجموعة ليست مصححة ولا كاملة، إلّا أنني قمت بشيء من التصحيح لمجموعة كاملة أكثر أجزائها استنسخها -قبل خمس عشرة سنة- ثلاثة طلاب لرسائل النور لهم شأنهم..
فما كنت أعطي هذه المجموعة اآسي أل غيرَك، حيث إن كتابتها من قبل هؤلاء الثلاثة الأعزاء جعلتْ قيمتها تعادل عشر مجموعات كاملة. ومقابل هذا فإن ثمنها المعنوي ثلاثة أمور:
الأول:استنساخ ثلاثين نسخة تقريبًا من كل منها بصاف واو بالحروف القديمة إن أمكن، وإلّا فبالحروف الجديدة، وتوزيعها على شُعب رئاسة الشؤون الدينية في البلاد. بشرط أن يكون أحد إخواننا الخواص مُعينًا على إجراء التصحيح وقائمًا بأمره. لأن نشر أمثال هذه المؤفي أمون مهمة رئاسة الشؤون الدينية.
الثاني:لما كانت رسائل النور بضاعة المدرسة الشرعية وملكها، وأنتم أساس المدرسة الشرعية ورؤساؤها وطلابها، فالرسائل إذن ملككم الحقيقي. فانشروا ما ترتأون منها وأجّلوا الأخرى!
الثالث:ليُطبع يث حول الشريف الذي يبين التوافقات في لفظ الجلالة، بالصورة
— 312 —
الفوطوغرافية لتشاهَد لمعة الإعجاز في التوافقات. ويرجى عدم طبع التعاريف التركية حول التوافقات ى على دة في البداية مع المصحف الشريف، بل الأفضل طبعها في كراس مستقل باللغة التركية أو تترجم ترجمة أمينة إلى العربية.

* * *

(سرّ الإخلاص والحذر في هذا العمر)
إخلذي اسأعزاء الأوفياء!
لقد أُخطر على قلبي أن أبيّن لكم بعض المسائل التي تخصّني بالذات:
إن سر الإخلاص يمنعني منعا باتا أن أجعل رسائلَ النور والخدمة الإيمانية أداةً لرتب دنيوية ولمقامات أخروية لشخصي، كما أرفض رفضًا قاطعا جعْلَ تلبيانهامة المقدسة وسيلة لراحتي بالذات وقضاء حياتي الدنيوية مرتاحا هنيئا، حيث إن صرفَ الحسنات الأخروية وثمراتها الخالدة في سبيل نيل لذائذ جزئية ل
— 313 —
بالهجوم على الروس في جبهة "پاسينلر". فكانت مدفعيتهم تواصل رمي ثلاث قذائیف علينا في كل دقيقة أو دقيقتين، فمرّت ثلاث قذائف مِن على رؤوسنا تیمامًا وعلى ارتفاع مترين. وتَراجع جنودنا أية مدون في الخندق. قلت للملا حبيب للتجربة والامتحان: ما تقول يا ملا حبيب، لن أختبئ من قنابل هؤلاء الكفار؟ فقال: وأنا كذلك لن أتخلف عنك ولن أفارقك. فوقعت الثانية على مقربة منا. فقلت للملا حبيب واثقًا من الحفظ الإلهي لنا: هيا نتقدم إلى الأمام! إن قذادرا ولفار لا تقتلنا، نحن لن نتدنى إلى الفرار والتخلف.
وكذا الأمر في معركة "بتليس" وفي الجبهة الأمامية منها، فقد أصابت ثلاثُ طلقات للروس موضعًا مميتًا مني وثقبت إحداها سروالي ومرت من بين رجليّ. كنت أحمل حينها -في تلك الحالة الخطرة- حالة روانه وترفع عن النیزول إلى الخندق، حتى قال القائد "كَل علي" والوالي "ممدوح" من الخلف: لينسحب، أو ليدخل الخندق فورًا! ورغم قولهم هذا، وقولي: قذائف الكفار لا تقتلنا، وعدم اكتراثي بالحذر والحيطة، ياسة ااول الحفاظ على حياتي البهيجة أيام شبابي تلك. ولكن الآن رغم الثمانين التي بُلّغتُها أتّخذ منتهى الحذر والحيطة لحفظ حياتي، حتى أتجنّب المخاطر بحساسية شديدة.
فالذي يراقب هاتين الحالتين يجد التضاد العجيب. إ خدمةُضحي بأيام شبابه دون إحجام ويحاول الحفاظ بحساسية شديدة على بضع سنين من حياة الشيخوخة الفاقدة للذوق، لا شك أن الأمر نابع من حكمة، وفيه مقصدان ساميان اثنان أو ثلاث:
المقصد الأولإن حياتي، حياة الشيخوخة والضعف تككان -عا لنجاة طلاب رسائل النور -إلى حدٍّ ما- من الدسائس التي يحيكها الظالمون المتسترون -غير الرسميين وقسم من الرسميين- ومن هجماتهم التي يشنونها على شخصي بالذات يتجاونون أن لي شأنا -جهلا منهم- فينشغلون بي بدلا عن طلاب رسائل النور.
المقصد الثانيعلى الرغم من أن كلا من إخوتي الخواص هم أصحاب رسائل النور وبمثابة "سعيد" كامل، فإنني أشعر بضرورة حفظ حياتي المريضة الضعيفة الهرمة، لترسيخ التساند والتتناد إ314
الذي هو أعظم قوتنا -بعد الإخلاص- ولئلا يصيبه شيء من التصدع -كما حدث في السجن- من جراء اختلاف المشارب، ولربما تلحق أضرار جسيمة بخدمة النور.. ولأجل أن تظة آسياوعات "الكلمات" و"اللمعات".. وليدفع بلاء الترويع من رسائل النور لدى العلماء النابعُ من الخوف والمنافسة.
ذلك لأن أعدائي -طوال الامتحانات المديدة في المحاكم- ا يفوقعن رؤية تقصيراتي الخفية، فلم يستطيعوا من التهوين من شأني بحفظ اللّٰه وعنايته، فلا يستطيعون أيضا التغلب على رسائل النور. فأحاول الحفاظ على حياتي التي لا أهمية لها لقلقي لنور س أعداءنا ربما يستطيعون الإضرار برسائل النور بالتهوين من شأن قسم من وارثيّ السعيدين الشباب، باختلاق الافتراءات عليهم في الحياة الاجتماعية، لأمور لا تُعرف ماهيتها، حتى رأيت ضرورة حمل مسدس آخر علاوة على ما عندي. وستبقى المؤامرات التتقاوِمها الأعداء بائرة بإذن اللّٰه ثم بفضل دعوات إخواني كما حصل في إبطال مفعول السم.

* * *

(تباشير تيار جديد)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
ثالثا:رغم أنني لم أكترث بالحوادث السياسية الجارية منذ ثلاثين سنة ولم أتعقبها، فإن مصت أستا لمصحفنا الشريف الذي يُظهر التوافقات في لفظ الجلالة وعدمَ إعادته إلينا، والتعذيبَ الدنيء الذي قاسيناه بيد محكمة أفيوُن ومنعَها لكتبنا.. كل ذلك أثفتُ قر أثرا بليغا، فنظرت مرتين أو ثلاثا إلى دنيا السياسة خلال ما يقرب من خمسة عشر يوما. ورأيت عجبا:
إن تيار الزندقة الذي يحكم بالاستبداد المطلق والرشوة العامة قد سعى لتعذيبنا وإفنائء الجمسبيل إرضاء الماسونية والشيوعية، كما ذكرتُه في دفاعاتي، ولكني رأيت تباشير ظهور تيار آخر سيكسر قوة التيار الأول.. ولم أنظر أكثر من هذا، إذ لا رخصة لي من حيث مسلكي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيد النورسي
— 315 —
(برقية إلى رئيس الجهذه ال)جلال بايار
رئيس الجمهورية
نهنئكم وندعو اللّٰه تعالى أن يوفقكم لخدمة الإسلام والوطن والأمة.
عن طلاب النور
سعيد النورسي
إلى السيد رئيس ال يفهم ة وأعضاء مجلس الوزراء - أنقرةنحن طلاب النور أصبحنا هدفًا لما لا مثيل له من ضروب التعذيب والإهانة طوال عشرين سنة، فصَبَرنا تجاه ذلك حتى أتى المولى الكريم بكم لمعاونتناطاني أنقدم محكمة التمييز ومحكمة دنيزلي شاهدَين على عدم وجود أي سبب كان لتلك الإهانات منذ خمس وعشرين سنة، حيث لم تتمكن ثلاث محاكم من وجدان السبب، لا حقيقة ولا قانونًا بعد تدقيقاتهم في مائة وثلاثين كتابًا وألوف المكاتيب.
وعلى الرغم من أننيية في السياسة منذ ثلاثين سنة، فإنني أقدم تهانيّ إلى رئيس الجمهورية وإلى مجلس الوزراء الذين تولوا رئاسة الأحرار، وأقرن التهنئة بالإفصاح عن "حقيقة" وهي الآتية:
إن الذين يُغِيرون علينا ويعذبوننا في المحاكم قالوا: "ربما يَستغل طلابُ النور الداء الص سبيل أغراض سياسية"! ونحن قلنا ونقول لأولئك الظالمين في دفاعاتنا ونسند قولنا بأُلوف الحجج:
إننا لا نجعل الدين أداة للسياسة، فليس لنا غاية إلّا رضاه تعالى، ولن نجعل الدين أداة لا للسياسة ولا للسلطة ولا للدنيا برممسلكا ذا هو مسلكنا. وقد تحقق لدى أعدائنا، أنهم على الرغم من تدقيقاتهم المغرضة طوال ثلاث سنوات في ثلاثة أكياس مليئة بالكتب والمكاتيب لا يستطيعون إدانتنا، بل لا يجدون مبررًا للأحكام الاعتباطية التي حكموا علينا ب هو بميث إنهم لم يجدوا أي شيء علينا، فسخت محكمة التمييز ذلك الحكم. فنحن لا نجعل الدين أداة
— 316 —
للسياسة بل نتخذ السياسة آلة للدين وفي مصالحة ووئام معه عندما نجد أنفسنا مضطرين اضطرارًا قاطعًا إلى على بار إلى السياسة تجاه الذين يجعلون السياسة المستبدة أداة للإلحاد، إضرارًا للبلاد والعباد. فعمَلُنا يحقق رابطة أخوية لثلاثمائة وخمسين مليونا مع إخوانهم في هذه البلاد.
حاصل الكلام:أننا سعينا لأجل إسعاد هذة عاطفة والبلاد بجعل السياسة أداة للدين وفي وئام معه تجاه أولئك الذين جعلوا السياسة المستبدة آلة للإلحاد وعذّبونا.

* * *

(بشارة إعادة الأذان الشرعي)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما
إخوت من اهزاء الأوفياء!
أولا:نهنئكم ملء كياننا وأرواحنا بحلول شهر رمضان المبارك الذي يحقق ثمانين ونيفًا من عمر باقٍ مليء بالعبادة، ونتضرع إليه تعالى أن يجعل كل ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم مثمرةً وبمثابة ليلة القدر. ونسألنورسيلى برحمته الواسعة ونرجوه أن يجعلكم تحظَون بالأخوة الحقة والإخلاص الكامل، حتى يشارك كل طالب نور خاص -بسر تشريك المساعي- بالمكاسب المعنوية لجميع الطلاب، وكأنه يؤدي العبادة ويي هذا َّه ويستغفره ويسبّحه بألوف الألسنة.
ثانيا:مع غلبة رسائل النور وظهورها ظهورًا معنويًا كاملًا يحاول ملحدو الماسونيين وزنادقة الشيوعيين أن يستهولوا صغائر الأمور، فيَحُولوا دون حرية نشر رسائل النور. حتى إنهه المنا تأجيل محكمتنا -هذه المرة أيضًا- لخمسة وثلاثين يومًا. وأحدثوا ضجة ومشادة مع محامينا، ليمنعوا إعادة مصحفنا الشريف. إلّا أن العناية الإلهية جعلت جميع خططهم في هذبائرة، حيث إن رسائل النور في إسطنبول وأنقرة تستقرئ نفسها للشباب بشوق كامل وترشدهم إلى الصواب. حتى أدّت الغلبة المعنوية هذه إلى إرسال البرقيات من قبل مئات
— 317 —
الشباب المثقفين تعبيرًا عن تهانيهم وشكرانهم إلى رئيس الوزراء اك لا عى لإعادة الأذان المحمدي "على الوجه الشرعي".

* * *

(إسبارطة مباركة بالنسبة لي)
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولًا:نبارك لكمّقا بهبة ارتفاع الأذان المحمدي بكل بهجة وسرور وانشراح من فوق عشرات الألوف من المنائر في البلاد. فكما أن هذه بشرى لظهور الشعائر الإسلامية وسطوعها مجددا في البلاد فهو مقدمة لأعياد جليلة لكم ولهذه البلاد وللعالم الإسلامي إن شاء اللّٰه.
ونحن هنا حياة آمين آمين آمين اللّٰهم آمين لعباداتكم ودعواتكم المرفوعة في هذا الشهر المبارك، شهرِ رمضان الذي يُكسب المرء ثمانين ونيفًا من رأسمال عمر معمور بالعبادة، ونتضرع إلى رحمته تعالى أن تُكسب كلَّ ليلة من لياليه المباركة ثواب ليلة القدر، وأرجو منكم مد تاركالعون المعنوي لي، حيث لا أستطيع مواصلة السعي في العبادة والدعاء في هذا الشهر لشدة المرض ولشدة الضعف الذي انتابني.
ثانيا:إن أُمنيتي الكبيرة هي أن أقضي نهاية حياتي في إسبارطة وحواليها. فقد قلت كما قاللديني-لنور:
إن إسبارطة مباركة بالنسبة لي بقضّها وقضيضها بترابها وحجرها. حتى إنني متى ما اعتراني الغضب والحدّة على الإهانة والتعذيب الذي أُلاقيه من الحكومات السابقة منذ خمس وعشرين سنة، ما كنت أغضب على حكومة إسبارطة والمسؤلين فيها، بل كنت أنبناء عة المسؤولين لأجل تلك البقعة الطيبة، فما كنت أدعو عليهم. ولاسيما الوطنيين الحقيقيين الذين بدأوا بتعمير ما هُدم، أولئك الأحرار الذين يتسمَّون بالديمقراطيين. ولهاكر أولئك الناشدين للحرية ويقدّرون النور وطلاب النور حق قدرهم وأدعو ربي كثيرا لتوفيقهم. وسيرفع أولئك الأحرارُ الاستبدادَ المطلق بإذن اللّٰه. قع علىن وسيلة للحرية الشرعية.
ثالثا:إن مكوثي هنا لعدة أيام بعد العيد ضروري، بناء على سبب. أما بعد شهر أو شهرين فهذا موكول إلى قرارِ أركانِ مدرسة الزهراء وموافقة السعيدِين الشباب م وسيلةة
— 318 —
إسطنبول وأنقرة. فأيّ موضع يرتأونه مناسبا لي للبقاء فسأرضى به؛ إذ لما كنتم وارثيّ الحقيقيين وتؤدون مهمتي في هذه الدنيا أفضل مما أؤديها بألف مرة، فسأدَع موضع منیزلي الأخير في همهوري ياة الفانية حسب رأيكم.
رابعا:أخوّلكم في الجواب عن التهاني والرسائل القادمة ممن يعبّرون عن علاقتهم الشديدة بالنور.

* * *

(تأليف الطلاب سيرة أستاذهلقواني إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:نتضرع إلى المولى القدير وأسأله تعالى برحمته؛ أن يقبل إحياءَ كل منكم مع جميع طلاب النور لليلة القدر التي تكسب ثمانين ونيفا من سني العبادة، والتي توافق النصف الأخير من شهر رمضان و نهن في العشر الأواخر منه ولاسيما في الليالي المفردة ولاسيما في السابع والعشرين منه، وأرجو أن تجعلوا أخاكم هذا الضعيف المقصّر المريض ضمن دعواتكم المقرونة بألوف "آمين".
عة. وهيا:إن طلاب النور في الجامعة يمثلون "سعيدين" شباب، فهم يؤدون مهمة مدرسة الزهراء حق الأداء، سواء في إسطنبول أو في أنقرة، ولا يدعون حاجة إلى هذا السعيد الضعيف.
نرسل طيّ هذه الرسالة البيانَ الذيم كالمالطلابُ الجامعيون إلى النواب والذي يمثل نموذجا لكفاية رسائل النور، ونرفقه بی"تاريخ حياة" الذي يعدّ من تأليفهم أيضا والمستنسَخ باليد، لإعطائه إلى سبعين من التنساخهي البرلمان. فإذا ارتأيتم اجعلوا ذلك البيان ودفاع مصطفى صونغور الذي قدّمه إلى وزارة المعارف (التربية)، وعريضة مصطفى عثمان المقدّمة إلى وزارة العدل، ذيلا لكتاب "تارلأنال ة" المستنسخ باليد أو بالرونيو في إينوبولو.
ثالثا:إن أركان مدرسة الزهراء هم وكلاء حقيقيون لشخصي، فليكتبوا جواب الرسائل الواردة إلى شخصي بالذات.

* * *

— 319 —
(الإخوان المسلمون وطلاب النور)
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا: خجلا للّٰه فيكم ألف ألف مرة على إنجازكم مجموعة "الكلمات" على أفضل وجه وأصحّه. وحمدًا كثيرا للّٰه على إنقاذكم قسما من المجموعات من المصادَرة والتلف.
ثانيا:بالنسبة للتهنئةندئذٍ كتبها إليّ من حلب أحدُ أعضاء الإخوان المسلمين، فإننا نهنئه بالمقابل ونهنئ الإخوان المسلمين من صميم قلوبنا وأرواحنا ونقول لهم:
بارك اللّٰه فيكم ألف مرة. إالمستس النور -الذين هم بمثابة خَلَف الاتحاد المحمدي السابق- يمثلون الاتحاد الإسلامي في الأناضول. أما في البلاد العربية فالإخوان المسلمون هم الذين يمثلون الاتحاد الإسلامي.. إن طلاب النور واقيقة م المسلمين -من بين صنوف عديدة- يشكّلان صفّين مترافقين ومتوافقين ضمن حزب القرآن، وضمن دائرة الاتحاد الإسلامي المقدسة. وقد سعدنا باهتمامهم امة متلبرسائل النور وبعزمهم على ترجمة بعضها إلى اللغة العربية، ونحن نحمل لهم شعور العرفان بالجميل. لذا فأرسِلوا جوابا لمن أرسل إليّ بطاقة التهنئة باسم جمعية الإخوان المسلمين، وأرجو منهم أن يقوموا برعاية طلاب النور ورسائل النور هناك.
علوا ه *
(سعيدون شباب)
أخي العزيز الوفي عثمان نوري!
لقد جمع اللّٰه سبحانه حولك سعيدِين شباب، لهم شأنهم بفضل ما تحملها من نية سامية وإخلاص تام. وحيث إنكم ترون والإخلاي أنقرة ضروريا، فأنا بدوري أُرسِل إليكم نسخي الخاصة من رسائل النور والتي تداركتُها بنفقتي الخاصة، أرسلها إلى تلك المدرسة النورية الصغيرة بدلا عني. فتكون لك أصحاب وجيران بعدد تلك النسخ.
حافظًوقت نفسه أُودِع لديك سعيدِين شبابًا وهم: صونغور، جيلان، صالح، عبد اللّٰه، أحمد، ضياء. هؤلاء أثبتوا -إلى الآن- بخدماتهم أنهم مضحون أوفياء يفوق وفاء الأبناء
— 320 —
لآبائهم. فكل منهم بمثابة عشرة "عبد افة، وم. أُودعهم لديك ليكونوا طلابا، ووكلاء عني، يؤدون مهمة النظارة -بدلا عني- في تلك المدرسة الصغيرة، وجعلِها مدرسة نورية صغيرة، والأمر أدَعه إلى رأيكم.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي
* * لميدان (انتقادات أهل الإيمان)
إخوتي الأعزاء الأوفياء الميامين!

........

ثانيا:إنه لا أهمية قطعا لانتقادات خفيفة يوجهها إلينا بعضُ المتصوفة -كما ورد في رساة على نا من قونيا- وعليهم ألّا يتألموا منها، ولا يقابلوهم بالمثل بأيّ وجه من الوجوه. لأني أعدّ تلك الانتقادات نوعا من النصيحة وضربا من الالتفاتة والتكريم، حيث إنها واردةٌ من أهل الإيمان، ولاسيمأستاذ هل الطرق الصوفية ولا سيما ما كانت تمسّ شخصي بالذات. فأنا أسامحهم وأعفو عنهم. فتجاه الأضرار الرهيبة التي يُنیزلها بنا أهلُ الإلحاد حاليا أَعدّ تلك الانتقادات الطفيفة معنويةاننا أهل الإيمان والتي تمسّ شخصي، توصيةَ صديق شبيه بالتذكير والتنبيه لأخذ الحذر.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

— 321 —
(من خدمات طلاب النور)
إن الخدمات الإيمانية التي قدمها لاسفة النور، أركانُ مدرسة الزهراء -ولا سيما خُسرو- لهذه الأمة والوطن والعالم الإسلامي، ووَضْعهم الحدّ أمام مكايد الملحدين المخرّبين، هي حسنات عظيمة تُذهِب ألوف سيئاتهم -لو كانت لهم سيئات بفرض محال-. لذا يجب عدم انتقاد أعمال أولئك الأركان وق إلى م -وفي مقدمتهم خسرو- بل يلزم إسنادهم بإخلاص تام وتوثيقُ رابطة الأخوة معهم بوفاء خالص...

* * *

(حول رسالة "اللوامع")
إخوتي الأعزاء الأوفياء ويا أركان مدرسة الزهرة إلىاشري رسائل النور!
أولا:لقد رأينا مسألةً ما مناسبة وملائمة. وخطر على القلب إحالتها إلى أركان مدرسة الزهراء ليُبدوا رأيهم فيها، فهم أهل الرأي والصلاحية. وهي كالآتي:
بناءً على لهفة ثلاثة أالحقيقاونونني في شؤوني إلى تلقي درس مؤقت مني بضعة أيام، وشوقا إلى إحياء خاطرة قيّمة درّستها طلابي في الماضي، فقد كنت أدرّس يوميا صحيفة واحدة من رسالة "اللوامع" المطبوعة، فتلقيناها معا بإعجاب وتقدير؛ إذ ورد إلى فكرنا:ا في اب نفاد هذه الرسالة المطبوعة وأمثالها، هو قيمتُها الرفيعة التي قدّرها الأعداء، فحالوا دون انتشارها، والأصدقاءُ الذين لا يريدون أن تفلت منهم فرصةُ اقتنائها. وشاهدنا أن هذه الرسالة أمارتامع) هي بمثابة بذور ونوى لقسم مهم من رسائل النور حيث تضم حِكما بليغة موجزة تحمل في طيّها حقائق اجتماعية عظيمة وردت بأسلوب سهل ممتنع لا يمكن تقليده وبشكل منظوافلين نثور، لم يوفَّق إليه أديب ولا مفكر، فيقرؤها القاري بسهولة ويُسر منثورا من دون أن يورد إلى خاطره النظم. وقد أُلّفتْ في عشرين يوما من أيام شهر رمضان المبارك بالعمل ساعة أو ساعام ورحميا وذلك قبل سبع وثلاثين عاما. وهي من ناحية الأدب شبيهة بالمثنوي الرومي. وقد أَخبرَت عن أمور ستتحقق مضامينُها بعد ثلاثين سنة. فوضعنا إشارات في ثلاثين موضعا من هذا القبيل، مما يدل على أن هذه "اللوامع" مبشِّرة برسائل النور وفهرستُهاغم من تُها وأنموذجها.
— 322 —
بشرى.. وتنبيه
رسالة خاصة بأركان مدرسة الزهراء الحاليين
بشرى مهمة إلى العجائز..
وتنبيه للآنسات اللائي يفضّلن البقاء عازبات.إثبات مفهوم الحديث "عليكم بدين العجائز" [٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين٣/٧٨؛ السخاوي، المقاصد الحسنة٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة١٤. يحث على الاقتداء بدينِهن،ئل الن أن الإيمان الراسخ في آخر الزمان يكون لدى العجائز.
ولما كان أحدُ الأسس الأربعة لرسائل النور: "الشفقة".. وأن النساء هن رائدات الشفقة والحنان -حتى إن أشدُّعن إدافا تضحّي بروحها، إنقاذا لطفلها- وأن الوالدات والأخوات المحترمات يواجهن في هذا الوقت أحداثًا جسامًا.. فقد أُلهم قلبي: أنه يلزم بيان حقيقة فطرية تخصّ الآنسات من طالبات النور بالرغم من أنها لا يجوز البوح بها أو نشرها، إذ هي خاصة جدّا باللا الحِكبن البقاء في حياة العزوبة، أو اضطُررن إليها. فأقول:
يا بناتي ويا أخواتي!
إن زماننا هذا لا يشبه الأزمنة الغابرة، فلقد ترسخت التربيةُ الحديثة "الأوروبية" في المجتمع عوضا عن التربية الإسلامية، طوال نصف قرن من الزمان. إمة الثا الذي يتزوج ليحصّن نفسه من الآثام وليجعل زوجته صاحبتَه الأبدية ومدارَ سعادته الدنيوية، بدافع من تربية الإسلام، تراه يجعل تلك الضعيفة المنكوبة، بتأثير التربية الأوربية، تحت سَطوته و تحكّمه الدائم، ويحصر حبَّه لها في عهد شبابها وحدلحديث ما يزجّها في عنَت ومشقات تفوق كثيرا ما هيأ لها من راحة جزئية. فتمضي الحياة في عذاب وآلام، ولاسيما إن لم يكن الزوج كفؤا -بالاصطلاح الشرعي- حيث الحقوق الشرعية لا تُراعى. وإذا ما تداخلت المنافسةُ والغيرة والتقليتكب أللاء يتضاعف. وهكذا فالذي يدفع إلى هذا الزواج أسباب ثلاثة:
السبب الأول:لقد وضعت الحكمةُ الإلهية ميلا وشوقا في الإنسان لإدامة النسل، ووضعت أجرةً
— 323 —
لأداء تد فائدظيفة الفطرية، وهي اللذة. فالرجل ربما يتحمل مشاقّ ساعة لأجل تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق -إن كانت مشروعة- بينما المرأة، تحمل في بطنها الطفل حوالي عشرة أشهر، مقابل تلك المتعة التي تدوم ن شريفائق، فضلا عما تتحمل من مشقات طوال عشر سنوات من أجل طفلها. بمعنى أن تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق تزيل أهميةَ ذلك الميل الفطري، حيث تسوق إلى هذهة عظيمعب الكثيرة والمتاعب المستمرة.
فيجب إذن ألّا تدفع المرأةَ إلى الزواج أحاسيسُها ودوافعُها النفسية وميلُها الفطري.
السبب الثاني:إن المرأة محتاجة فطرةً إلى من يعينهلأسرارمور العيش، لضعف في خلقتها. فمن الأَولى لها أن تسعى لكسب نفقتها بنفسها -كما هي الحال لدى نساء القرى- وذلك أفضل لها بعشرات المرات من أن تدفعها تلك الحاجة إلى الرضوخ لسيطرة زوج ننشرها. تربية غير إسلامية -كما في أيامنا الحاضرة- واعتاد على الإكراه والفساد، وربما تحاول الزوجة كسبَ رضاه بالتصنع وبالإخلال بعبادتها وأخلاقها التي هي مدار حياتها الدنيوية والأخروية. كل ذلك لأجل تلك المعيشة البسيطة الزهيدة.
وحيث إن الخ وجهه رحيم والرزاق الكريم يرسل لهن رزقهن مثلما يرسل رزق الصغار من الأثداء، فليس من شأن طالبة النور إذن البحثُ عن زوج تاركٍ للصلاة، فاقدٍ للأخلاق، والرضوخُ له من التصنع لأجل ذلك الرزق.
اسيسُ وإن في فطرة المرأة حبَّ الأولاد وملاطفتهم، والذي يقوي هذا الميل الفطري ويسوق إلى الزواج هو خدمة الولد لها في الدنيا، وشفاعته لها يوم القيامة، وإرسالهاطهم اات إليها بعد وفاتها. إلّا أن التربية الأوروبية التي حلت محل التربية الإسلامية في الوقت الحاضر، تجعل واحدا أو اثنين من كل عشرة أبناءٍ ابنا بارا بوالدته، ويسجّ -أخذات في صحيفة أعمالها بأدعيته الطيبة وأعمال البرّ، ويشفع لها -إن كان صالحا- يوم القيامة، فيكافئ -حقا- شفقةَ والدته، بينما الثمانية الباقية من العشرة يُهمل الجما الحالة.
— 324 —
لذا فإن هذا الميل الفطري والشوق النفساني في حب الأولاد ومداعبتهم لا ينبغي أن يدفع المرأة في الوقت الحاضر إلى تحمل مصاعب هذه الحياة الشاقة، إن لم تكن مضطرة إليها اضطرارا قاطعا.
فبناء على هذه الحقيقة التي أشرنا إليها، أُخأحيانًاتي من طالبات النور اللائي يرغبن في حياة العزوبة، ويُفضلن البقاء باكرات، فأقول:
يجب ألّا يبِعن أنفسهَن رخيصات سافرات كاشفات، عندما لا يجدن الزوج المؤمن الصالح ذا الأخلاق الحسنة الملائم لهن تماما، بل عليهن البقه الأمحياة العزوبة إن لم يجدن ذلك الزوج الكفء، كما هو حال بعض طلاب النور الأبطال، حتى يتقدم لطلبها من يلائمها ممن تربى بتربية الإسلام، وله وجدان حيّ، ليكون رفيق حياة أبدية يليق بها. وذلك لئوهذا ظد سعادتها الأخروية لأجل لذة دنيوية طارئة فتغرق في سيئات المدنية.
سعيد النورسي

* * *

(نشر الأنوار)إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:نبارك يوم المولد النبوي الشريف بقلوّمت منرواحنا.
ثانيا:سيبارِك العالم الإسلامي نجاحكم الباهر في نشر الأنوار، رسائل النور، وها قد بدأت تباشيره. أذكر أنموذجا منه:
أتاني وة الفرمعارف الباكستاني، لأخذ قسم من رسائل النور. وقال: سأسعى لنشر هذه الرسائل النورية بين تسعين مليونا من المسلمين. وعلى الرغم من الدعايات المغرضة التي يشيعها المنافقون حولنا، فإن الأنوار تنتشر في أماكن بعيدة كأوروببة كاتا. بل أُعلنَ في ألمانيا عن مجموعةِ "ذو الفقار" بعد ظهورها مباشرة. وفي داخل البلاد تُقرأ مجموعة "عصا موسى" و"ذوالفقار" بشوق كامل، دون مبالاة بالحظر الذي فُرض على الرسائل من قبل رئيس الوزراء ووزير الداخلية. والقراءقبلوه ن جدًّا في أنقرة.
— 325 —
ولقد قرر مدراء السجون في عدة ولايات: سنجعل السجون مدارس نورية، لإصلاح المساجين كما صلُحوا في سجن "دنيزلي" و "أفيوُن".
ثالثا:إن أخانا "برهان" عليه رحمة اللّٰه، هو من أبطال رسائل النور الأميينور إلزّي أقاربه وإسبارطة وطلاب مدرسة الزهراء بوفاته. وقد سمعت الخبر قبل ستة أيام تقريبا. ودعوت له في هذه الأيام ألف مرة، حيث كنت أذكره في دعواتي و في وردي: أجرنا من النار.. ما يقرب من أربعمائة مرة. وأهدي ثوابه كله إلى "بل المش
رابعا:لقد باشرتْ رسائلُ النور بفضل اللّٰه بإنارة المدارس الحديثة، إذ جَلبت طلابَها إلى صفوف طلاب رسائل النور وجعلَتهم ناشرين ومالكين لها أكثرَ من طلاب المدارس الشرعية الذين سيكونون بإذن اان الكطلابا لرسائل النور أيضا وبالتدريج، حيث إن رسائلَ النور بضاعتُهم الحقيقية وحصيلة مدارسهم. وقد بدأتْ تباشير الرغبة والشوق إلى الرسائل لدى كثير من المفتين والعلماء. فيلزم لأهل التكايا أيضا وهم أهل الطرق الصوفية أن ينوروا تلك الرسائل.سجم معد كنت أقول: إن هذا الزمان ليس زمان الطريقة، فالبدَع تحُول دون ذلك، مفكرا في حقائق الإيمان وحدها. ولكن الزمان أظهر أنه يلزم لكل صاحب طريقة -بل الألزم له-وار الخل دائرة رسائل النور التي هي أوسع الطرق وتضم خلاصةَ الطرق الاثنتي عشرة المهمةِ ضمن دائرة السنة النبوية الشريفة. حيث إن الذي غرق في الخطايا والذنوب من أهل الطريقة لا يلج في الإلحاد بسهولة ولا يقهر قن يريدلهذا فهم لا يتزعزعون أبدا. فيمكنهم إذن أن يكونوا طلاب رسائل النور حقا، بشرط ألّا يدخلوا -حسب المستطاع- في البدع ولا يرتكبوا الآثام التي تَحُول دون الالكسب تجرحها.
خامسا:إن أخطر شيء في هذا الزمان هو الإلحاد والزندقة والفوضى والإرهاب. وليس تجاه هذه المخاطر إلّا الاعتصام بحقائق القرآن. وبخلاف ذلك لا يمكن بحال من الأحوال أن تُجَابَه هذه المصيبةُ البشرية التي دفعت الصين إلى أحضان الشيوعية في زمن ز وجل،ولا يمكن إسكاتها بالقوى السياسية والمادية. فليس إلّا الحقائق القرآنية التي تستطيع أن تدفع تلك المصيبة.

* * *

— 326 —
(وظيفتنا العمل والتوفيق من اللّٰه)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائمًا
إخوتي ق الإيء الأوفياء، يا شباب النور الأبطال!
أولا:نبارك خدماتكم الجليلة الخارقة في مكان مثل أنقرة ملء أرواحنا وكياننا. حقا لقد أصبحتم وسيلة لصحوةد ميرزلدى الكثيرين ولا سيما في أهل المدارس الحديثة بما يفوق آمالنا. إن ما أنجزتموه من خدمات في أنقرة لا يمكن أن تتحقق إلّا في عشر سنوات، فاقتنِعوا بمد قال موه من مهمة، لئلا يصيب الخوَرُ والوهن قوتكم المعنوية من جراء حوادث تافهة، بل لا بد أن تكون وسيلة لبلوغ وسائل أخرى لتزييد سعيكم ونشاطكم.
لحقيقةمثل تلك الأماكن التي يتصارع فيها أكثرُ من عشرين تيارا من التيارات السياسية والاجتماعية لأجل مصالح شخصية أو لأغراض شتى، فإن عملكم في سبيل القرآن والإيمان وتَبنّكثر منب الجامعة بتقدير وإعجاب لرسائل النور، قد أَبهج قلوبَ جميع طلاب النور بل سيُبهج قلب العالم الإسلامي جمعاء.
إن ثوابكم عظيم في خدماتكم القليلة هذ لرسائب المُرابط في ظروف قاسية في الحدود تجاه الأعداء، إذ تُعادل ساعةً من المرابطة سنةً من العبادة.
فأنتم مثل أولئك المرابطين -وكذا طلاب النوبق أن امعة إسطنبول- قد قمتم بأعمال جسام في زمن قصير، فلئن لم تقطفوا ثمرات سعيكم كلّها، فاكتفوا بها قانعين.
نعم، كما أن انسحاب بعض الضعفاء أثناء الجهاد يثير الحماس ويحرّك النخوة البطوليتهم أهالشجعان الغيورين، فعلى طلاب رسائل النور المضحّين أن يُقبلوا أكثر على الغيرة والثبات والسعي المتواصل أكثر من قبلُ لدى انسحاب المرتابين.
نعم، إنكم استرشدتم فطرةً بحقيقة عظيمة من حقائق رسائل النور، فضعوا تلك الحقيقة نصب أعين197
ال:
— 327 —
أن وظيفتنا العمل للإيمان والقرآن بإخلاص؛ أما إحرازُ التوفيق وحمل الناس على القبول ودفع المعارضين، فهو مما يتولاه اللّٰه سبحانه. نحن لا نتدخل فيما هو موكول إلى اللفيه: لتى إذا غُلبنا فلا يؤثر هذا في قوانا المعنوية وخدماتنا. وينبغي القناعة في هذه النقطة. فقد قيل لجلال الدين خوارزم شاه -وهو القائد العظيم في عهده-: ستنتكن من جنكيز خان، فقال: إن مهمّتنا الجهادُ، أما جَعلُنا غالبين أو مغلوبين فهذا ما يتولاه اللّٰه سبحانه، ولا أتدخل أنا فيه.
فأنتم يا إخوتي قد اقتديتم بهذا بل هي فتستمرون في العمل بإخلاص دون أن ينال منكم الضعفُ والوهن شيئا.

* * *

(لا وسط بين الكفر والإيمان)
إنه لا وسط بين الكفر والإيمان، ففي هذه البل النوراه مكافحة الشيوعية فليس هناك غير الإسلام؛ وليس هناك وسط. لأن التقسيم إلى يمين ويسار ووسط، يقتضي ثلاثة مسالك. وهذا قد يَصدُق لدى الإنكليز والفرنسيين، إذ يمكنهم أن يقولوا اليمين الإسلام، واليسار الشيوعية، والوسط النصرانية. إلّا أن الذي ذه الحالشيوعية -في هذه البلاد- ليس إلّا الإيمان والإسلام. فليس هناك دين ومذهب آخر يجابهها إلّا التحلل من الدين والدخول في الشيوعية، لأن المسلم الحقيقي لا يتنصّر ولا يتهوّد، بل -إذا خلع دينه- يكون ملحدا فوضويا إرهابيا.
وك أي سلك وزيرُ المعارف والعدل هذه الحقيقةَ سيدركها بإذن اللّٰه سائرُ الأركان في الحكومة حق فهمها، فيحاولون الاستناد إلى قوة الحق والحقيقة والقرآن والإيمان بدلا من اليمين واليسار، وينقذون بإذنبمعنى ى هذا الوطن من الكفر المطلق والزندقة ومن دمارهم الرهيب. فنحن نتضرع إليه تعالى بكل كياننا أن يوفقوا في ذلك.

* * *

— 328 —
(برقية من الفاتيكان)
الفات تحت س٢ شباط ١٩٥١
مقام البابوية الرفيع
السكرتير الخاص
رئاسة القلم الخاص رقم ٢٣٢٢٤٧
سيدي! تلقينا كتابكم المخطوط الجميل "ذوالفقار" بوساطة وكالة مقام البابوية بإسطن ورائهتم تقديمه إلى حضرة البابا الذي رجانا أن نبلّغكم بالغَ سروره من هذه الالتفاتة الكريمة منكم، ودعواته من اللّٰه عز وجل أن يشملكم بلطفه وفضله. ونحن ننتهز هذه الفرصة لنبلغكم احتراماتنا.
التوقيع
أن تس سكرتارية الفاتيكان

* * *

(حول "ولدان مخلدون")
لقد ورد في سؤال أخينا: ورد في بعض التفاسير لدى الآية الكريمة:
يطوف عليهم ولدان مخلّدون
(الواقعة:١٧) "أن جميع أهل الجيا إخو الأطفال الصغار حتى الشيوخ الهرمين سيكونون في الثالث والثلاثين من العمر".
وحقيقة هذا واللّٰه أعلم هي: أن صراحة الآية الكريمة بی"ولدان" تفيد أن الأطفال الذين لم يؤدوا الفرائض الشرعية ندبن أن حوجه السنة والنافلة -حيث لم تفرض عليهم- وتُوُفُّوا قبل البلوغ سيخلّدون في الجنة أطفالا صغارا محبوبين بما يليق بالجنة.
والوارد في الشريعة أيضا: أَمر الوالدين أولادهما بالصلاة والصيام والحث على الصلاة متى ما بلغوا السابعة من العمر والإسلامُ عليها في العاشرة منه لأجل التعليم والتدريب.
بمعنى أن الأطفال الذين يؤدون الفرائض -كالصلاة والصيام- اعتبارا من السن
— 329 —
السابعة إلى حدّ البلوغ ندبا -وهي لم تفرض عليهم بعد- سيكونون ية، فلالث والثلاثين من العمر ليجازَوا كالكبار الملتزمين بالدين.
فقسم من التفاسير لم يميز هذه النقطة بل عمّمها على جميع الأطفال فظنوا حكم الآية عامًا مع أنه خاص..وحي، ش* *
تذكير أعضاء المجلس النيابي المتدينين الغيارى
إن مصلحة الإسلام والبلاد تقتضي قبل كل شيء إقرارَ قانون حرية المتدينين، وتنفيذه فورا في المدارس. لأن هذا التصديق يُكسب هذه البلادنتيجة َ المعنوية لأربعين مليون من المسلمين في روسيا وأربعمائة مليونٍ من المسلمين عامة، ويجعل تلك القوة الهائلة ظهيرة لنا. إذ مما لا شك فيه أن الحقائق القرآنية والإيمانية هي التي صَدّت اعتداء روسالأمر نا -قبل اعتدائها على أمريكا والإنكليز- بمقتضى عداوتها لنا منذ ألف عام، لذا فمن الألزم لمصلحة هذه البلاد التمسكُ بتلك الحقائق القرآنية والإيمانية وجعلُر والح قرآنيا قويا -كقوة سد ذي القرنين- لصدّ تيار الإلحاد المعتدي. ذلك لأن الإلحاد الذي استولى على روسيا وعلى نصف الصين -لحدّ الآن- وعلى نصف أورو هذه اوقف تجاهنا عند حده. ولم توقفه إلّا الحقائقُ الإيمانية والقرآنية. وإلّا فلا تملك المحاكم التي لا تُعاقِب إلّا واحدا من ألف من المخربين القوةَ الكافية لإيقاف القوة المعنوية ا الذيل لروسيا. حيث إن الدمار المعنوي الذي يبيح أموالَ الأغنياء للفقراء والسائبين، ويبيح أعراض أهل الغيرة والشرف للشباب الطائشين والذي استولى في فترة قصيرة على نصف أوروبا.. لا توقفه إلّا قنابل معنوية تنسفه نسفا، وما هي إلّا قنابده
ا معنوية عظيمة لحقائق القرآن والإيمان، التي توقف تيار اليسار الجارف.
وبخلافه لا يمكن إيقاف تلك القوة المدمرة الهائلة -بمعاقبة واحد من ألفللقيامبل المحاكم.
إن الصحوة الحاصلة في البشرية نتيجة الحربين العالميتين أبانَت بأن لا تعيش أمةٌ بلا دين. فلن تبقى روسيا بلا دين ولا تستطيع ذلك، ولا تعود إلى النصرانية. فلربما تُصالح القرآن
— 330 —
أو تَتبع ذلك الكتابَ المبين الذي يقصم اللأبريامطلق ويستند إلى الحق والحقيقة وإلى الحجة والدليل ويُقنع العقل والقلب. وعند ذلك لا تحارب أربعمائة مليون من أهل القرآن.
سعيد النورسي
(وفي كل شيء له آية)
إخوتي الصديقين المتفكرين الأعزاء!.
أولا:لقد حصلت لدي القناعة التامة -بة لابدى أمارات كثيرة- أن الملحدين المتسترين يغررون ببعض الموظفين الرسميين، فيبرزون لهم بإصرارٍ رسالةَ "مرشد الشباب" من بين رسائل ضخمة خاصة بالنور، ويتخذونها موضع اتهام. فيذيالظن ولئك عنَتا ومضايقة منذ سنة ونصف السنة.
فلقد تيقنت أن سبب ذلك هو ما في تلك الرسالة من "نكتة توحيدية في لفظ هو" إذ إن هذا البحث قد كَشف سر التوحيد ووضَّحه توضيحا يقطع به دابر الكفر المطلق لي تعيدع مجالا لأية شبهة لدى قسم منهم. ولما لم يجد أولئك الملحدون المتسترون حيلة تجاه هذا البحث القيّم، دبّروا المكايد للحيلولة دون انتشار الرسالة، وحَجبها رسميا.
ولقد ألقيتُ قبل يوم درسا على أركان مدرسة الزهراء، حول نقاط من البوفي أسذكور، أبيّن لكم ثلاثا منها فقط:
النقطة الأولى:إن وظيفة سامية جليلة من وظائف الهواء، هي كونه وساطة انتشار الكلمات الطيبة، وأقوال الإيمان، ذات الحقائق والمغزى الحكيم، كما يقولو بالآية الكريمة: اليه يصعد الكَلمُ الطيب (فاطر:١٠). وحتى يغدو الهواء صحيفة من صحائف القدرة الإلهية، تتبدل تلك الصحيفة باستنساخِ قلم القدر فيها ومكائد ِ تلك الكلمات بإذن إلهي، وذلك لأجل إسماع الملائكة والروحانيات في كرة الهواء كلها حتى صعودها إلى العرش الأعظم.
فما دامت وظيفةُ الهواء المهمة السامية، وحكمةُ خلقه، تكمن في هذا.. وقد أَضحى سطحُ الأرض شبيها بمنیزل واحد، بوساطة الراديو -هذه النتُكم الإلهية العظيمة التي أُسديت إلى البشرية- فلا شك أن البشرية ستُقدِّم شكرا شاملا عاما لربّها تجاه ما أنعم به عليها من نعمة
— 331 —
كبرى، فتجعلُ تكم من عمة -نعمة الراديو- قبل كل شيء وسيلة لنقل الكلمات الطيبة، من قرآن كريم وحقائقه أولا، ومن دروس الإيمان والأخلاق الفاضلة، والكلام النافع الضروري للحياة البشرية.
إذ لولا هذا الشكر -أي إن لم تجد تلك النعمةُ شكرا مثلَ هذا- فستصبح تلك الن
إنمةً للبشرية؛ إذ كما أن الإنسان محتاج للاستماع إلى الحقائق فهو محتاج أيضا إلى شيء من اللهو والترفيه، ولكن يجب أن تكون حصةُ هذا الترفيه المفرح الخُمْسَ مما ينقله الهوافية جدخلافه تقع منافاة لسر حكمة الهواء، حيث يؤدي إلى دفع الإنسان إلى أحضان الكسل وحبّ الراحة والخمول والسفه، ويسوقه إلى عدم إتمامه وظائف ضرورية له وتركها ناقصة غير كاملة.. وعندها ينقلب ما كان نعمةً عظمى إلى نق*
مى، بما ثبّط من شوق الإنسان نحو العمل الضروري له.
تأملت في هذا الراديو الصغير الذي أمامي. وقد أتوا به إلى غرفتي لأستمع إلى القرآن الكريم. 238
الو ماكنة صغيرة ضمن صندوق صغير، فرأيت أن هناك حصة واحدة فقط للكلام الطيب من بين عشر حصص للهو والترفيه، فعلمت أن هذا خطأ يرتكبه الإنسان. وسيُصلح بإذن اللّٰه خطأه هذا ويقوّمه في المستقبل. فيجعل الراديو مدرسة إيمانية، وذلك بجعله حصة م.
الطيب أربعة أخماس جميع الحصص، شكرا عاما تجاه نعمة الراديو هذه، وتوجيه تلك النعمة لصالح حياة الإنسان الخالدة.
النقطة الثانية:لقد ذكر في رسائل النور:
إن من لا يقدر على خَلق الكون لن يقدفسي لقخلق ذرة واحدة، وليس غيرُ خالق الكون الذي يقدر على خلق ذرة في موضعها المناسب ويسوقُها إلى وظيفتها بانتظام.
نذكر حجة جزئية من الحجج الكلية لهذه الجملة:
هذا الراديو بقُربي، هو محفظة لأنواع ة ساميت.. وما فيه من جهاز قد لا يحوي إلّا جزءا قليلا من الهواء. لنتأمل في هذا الهواء القليل جدا، فيوضح لنا ما يأتي:
إنه حسب قائمة دار الإذاعة التي بين أيدينا، هناك ما يقرب من مئتي مركز إذاعي، هذه المراكز متفاوتة في القرب والبعد، فقدمس حالعنا ساعة أو سنة.
— 332 —
فلولا وجود قوةٍ لا حدّ لها في كل ذرة من ذرات الهواء، وإرادةٍ لا حصر لها، وعلمٍ تام محيط بلهجات المقرئين في تلك المراكز على الأرض كلها، ولولا وجود بصر حاد محيط يرى أولئك جميعهم، ولولا سمع يقدر على سماع كل شيء في آن واية اللن أن يشغله شيء عن شيء.. لَمَا أمكن وصول كلمة قرآنية -الحمد للّٰه مثلا- إلى آذاننا في الدقيقة نفسها التي تبث فيها من المركز، بحروفها الكاملة و وتَضعا ولغتها، بل بنبرات صوت المتكلم بها، دون أن يطرأ عليها تغيير. كل ذلك بوساطة تلك الذرات التي في حفنة هواء جهاز الراديو الصغير. فإيصال مختلف كلمات القرآن، بمختلف الأصداء والأصوات من دون تغير ولا خلل، إلى أسماع السلطما هو بتلك القدرة المطلقة والصفات المطلقة. ولولاها لمَا وجدتْ ولا ظهرت هذه المعجزة، معجزة القدرة.
أي إن ذرات الهواء، في هذا الجهاز الصغير، لا تنال القيام بتلك الأعمال المعجزة، ولا تُظهر معجزة القدرة، إلّا بقدرةِ مَن هو قدير ون عن وبإرادته، ومن هو عليم سميع بصير محيط بكل شيء، ومن لا يصعب عليه شيء، بل أعظم شيء كأصغره أمام قدرته..
وبخلاف هذا فإن إسناد هذا الأمر المعالى لى المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء -التي يُظن وجودُها في موجات الهواء- إنما هو جعلُ كل ذرة من ذرات الهواء حاكما مطلقًا بصيرًا بكل ما يجري في الهواء المحيط بالأرض وعليمًا وقديرًا مطلقا بصيرا بكل شه، في يما لا يخفى عليه شيء، قادرا على كل شيء!. وما هذا إلّا خرافة ممجوجة ومحالٌ بل محالات بعيدة كل البعد عن منطق العقل..
ألاَ فليأت أهل الضلال، وليروا: ما أبعدَ مذهبهم عن العقل!
النقطة الثا نملك ن الهواء الضئيل جدّا الموجودَ في جهاز الراديو الصغير، يؤدي مهمة السندانة لأزاهير الكلمات المعنوية الطيبة. فيظهر من معجزات القدرة الإلهية ما يبين أن كل ذرة منه تثبت وجود اللّٰه سبحانه وتعرّفه بذاته المقدسة وصفاته الجليلة.
فلقد ساح الحكماء افة والة، والعلماء الأعلام في جنبات الكون خيالا، ووضعوا ما فيه نصب نظر العقل، ليثبتوا وجوده سبحانه و وحدانيته، بإيراد دلائل واسعة عظيمة، ومن بعد ذلك ينالون معرفة اللّٰه الحقة. بينما هناك حقيقة وهي: أن الشلأذهانما تشرق، تبيّنها قطعة من زجاج مثلما يبينها سطح البحر، أي كلٌّ منها يشير إلى تلك الشمس. فبناء على هذه الحقيقة،
— 333 —
فإن كل ذرة من ذرات هواء هذا الراديو تبيّن بذاتها تجلي التوحيد، وكمال صفاته تعالى. ولقد أثبتت رسائل النور -التي هي ها.. نن لمعات الإعجاز المعنوي للقرآن الكريم- هذه الحقيقة بوضوح تام.
لذا لا يجد طالب النور المدققُ ضرورةً إلى قول: "لا موجود إلّا هو" ليحصل على الحضور القلبي الدائم ويتذكر المعرفة الإلهية دائما. كم
أملا يحتاج أيضا إلى قولِ: "لا مشهود إلّا هو" كما هو الحال لدى قسم من أهل الحقيقة، لينعم بالحضور القلبي الدائم.. بل تكفيه إطلالة من نافذة الحقيقة السامية:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحمةٍ عظ[٭]: لأبي العتاهية في ديوانه، وينسب إلى علي كرم اللّٰه وجهه، ونسبه ابن كثير في تفسيره إلى ابن المعتز.
وتوضيح هذه العبارة باختصار هو: أن لكل أحد من هذا العالم عالما يخصّه، وكونا خاصا به، أي كأن هناك عوالم وأكوانا متداخلة بعدد ذوي الشعوعنّا، ن حياة كل أحد هي عمود لدنياه الخاصة به، كما لو كان بيد كل واحد مرآة ووجهها إلى قصر عظيم، فيكون كلٌّ منهم مالكا لذلك القصر في مرآته.
لذا يجد قسم من أهل الحقيقة المعرفة الإلهية ويحصلون على حضور القلب الدائم بإنكار دنياهم الخاصة بهم، وبترك ما .
٤لّٰه، فيقولون: "لا موجود إلا هو"..
وقسم آخر من أهل الحقيقة يقولون: "لا مشهود الا هو" بلوغا منهم إلى معرفة اللّٰه والحضور القلبي الدائمي. في تنوف نياهم في سجن النسيان ويسدلون عليها ستار الفناء. فيحصلون على حضور القلب، ويجعلون عمرَهم في حكم نوع من العبادة.
أما في هذا الزمان فإن رسَّیرَننور قد وضّحت بالإعجاز المعنوي للقرآن الحكيم سرّ العبارة الآتية:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ
أي إن رسائل النور تبين أنه -ابتدا ليسوالذرات وانتهاء إلى المجرات- هناك نافذة في كل منها تطل على التوحيد، وفي كل منها دلائل وإشارات تدل مباشرة على ذات الواحد الأحد بصفاته الجليلة.
— 334 —
فلقد أشارت إشاالكلماملة "نكتة لفظ هو" إلى هذه الحقيقة السامية، حقيقة الإيمان وحضور القلب. بينما أثبتتها رسائل النور إثباتا قاطعا واضحا. في حين بيّنها أهل الحقيقة سابقا بيانا مجمللإسلامرا.
بمعنى أن هذا الزمان الرهيب أشد حاجة من أي وقت آخر إلى هذه الحقيقة، حتى أنعم اللّٰه على الناس، بوساطة إعجاز القرآن الكريم، وفصّلتها رسائل النور وأصبحت إحدى ناشريها.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

ه سابقألوف المعجز)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما
إخوتي الصديقين الأعزاء!
أولا:نهنئكم -ملء كياننا وأرواحنا- بالشهور الثلاثة المباركة التي تُكسب الإضا جميمانين سنة من عمر معنوي خالد. ونبارك لياليكم الفاضلة، ليلة الرغائب، ليلة المعراج، ليلة البراءة، ليلة القدر راجين من رحمته تعالى أن تتقبل مكاسبَكم المعنوية وأدعيتَكم بحقّ إخوانكم، مباركين خدماتكم الطيبة وتوفيقكم في سبيل نشر النور.
ثانلنور خ مصيبة النسيان التام التي ألمّت بي من جراء التسميم، قد تحولت بفضل اللّٰه إلى نعمة ورحمة ومفتاح لكشف عدد من الحقائق. فأُعلمكم بهذا لئلا تتألموا كثيان منه حالي، رغم أني أرجو دعواتكم بكل ما أملك.
نعم، لقد قرأت الآن رسالة "المناجاة" التي هي في مستهل مجموعة "سراج النور" فلاحظت أن كثيرا من الحقائق من المتحت حجب الألفة والعادة والاطّراد.
— 335 —

وحيث إن الملحدين من أهل الغفلة وأهل الطبيعة والفلسفة خاصة، لا يرون كثيرا من معجزات القدرة ا3 Uهية المحجوبة تحت حجاب قوانين اللّٰالنور ميسه الجارية في الكون، تراهم يسندون حقيقةً جليلة إلى سبب اعتيادي تافه، ويحملونها عليه، فيسدّون بهذا الطريق المؤدي إلى معرفة القدير سبحانه في كل شيء، بل يُعمُون أبصارهم عن النِعم التي وضعهالخيرُنعم في كل شيء، فلا يرونها، ويسدّون أبواب الشكر والحمد.

فمثلا:إن القدرة الإلهية الجليلة مثلما تستنسخ كلمة واحدة مليون بل مليار مرة في آن واحد، وذلك بتجليها على صحيفة الهواء. فكلُّ كلمة طيبة منه قستنسخ برمز الآية الكريمة: اليه يصعد الكَلمُ الطيب (فاطر:١٠) في كرة الهواء المحيطة بالأرض، وفي آن واحد -في حكم بلا زمان- بقلم القدرة الإلهية. وقد تسترت معجلذي ينبة من معجزات القدرة في كُرة الهواء كأنها لوحةُ محوٍ وإثباتٍ للحقائق المقبولة المعنوية، تسترت بستار الألفة عن أنظار الغافلين منذ زمن آدم عليه السلام.
وقد أثبتت تلطلابُ جزة نفسها في الوقت الحاضر بوساطة جهاز سَمَّوهُ "الراديو" بحيث إن تجليا للقدرة الأزلية المطلقة التي يضم علما مطلقا وحكمة مطلقة وإرادة مطلقة، حاضرٌ وناظر في كل ذرة من ذرات الهواء. عذبونيالكلمات المختلفة التي لا حدود لها تدخل الأذن الصغيرة للذرة وتخرج من لسانها الدقيق، دون اختلاط أو التباس، لا خلل ولا تحير.
بمعنى أنه إن اجتمعت الأسباب كلها، لم تستطع بحال ر يولوحوال أن تظهر تجلي القدرة الأزلية في هذه الوظيفة الفطرية لذرة واحدة.. ولمّا كانت الأسباب لا دخل لها مطلقا في إظهار الصنعة البديعة المعجزة في آذان تلك الذرة الصغيرة التي لا تعد وفي ألسنتها الدقيقة التي لا تحصى، فإن أهل الضلال والغفلة يسترونهادْعُ اتار الألفة والعادة والقانون والاطراد، ويضعون عليها اسما اعتياديا يخدعون به أنفسهم مؤقتا.
فمثلا:مثلما ذُكر في حاشية ذيل الكلمة الرابعة عشرة، أنه: إذا صنع صَنّاع ماهر مائة أوقية من مختلف الأطعمة، ومائة ذراع من مختلف الأقمشة، من قطعة تافهةالق الجاوز قلامة أظفر، ثم قال أحدهم: إن هذه الأعمال قد نتجت من تلك القطعة الخشبية التافهة مصادفةً، وبأمور طبيعية، تهوينا من قيمة خوارق صنعة ذلك الصناع الماهر.. كم يكون كلولا يجا هذيانا، وخرافة خرقاء وضلالة بعيدة؟.
— 336 —
كذلك الأمر في شجرة الصنوبر أو التين، وأمثالها من أُلوف بدائع صنع اللّٰه الحاوية على معجزات قدرتسائل انه، فتراهم يبرزون حبّة البذرة قائلين: إن هذه الأشجار الضخمة قد نشأت من هذه البذور.
وكذلك الأمر في هذا الجهاز الذي جعل الهواءَ المحيط بالكرة الأرضية ميدانَ محاضرة،[٭]: سطحَ الأرض إلى مدرسة وملتقى دروس المعرفة والعرفان. ويتضمن نعما لا حدّ لها، ينبغي الشكرَ غير المحدود عليها. وهو أنموذج معجّل لإحسانات إلهية، تُنعَمذو الفلبشر في حياته الأخروية الأبدية، وهو دليل لا ريب فيه وهدية رحمانية تُغدَق مباشرة من خزينة الرحمة الإلهية. فإطلاق اسم "الراديو" على هذه الهدية المهداة، وإطلاما قامالكهرباء وموجاتِ الهواء.. إنما هو إسدال ستارِ الكفران على تلك النعم الإلهية التي تربو على مئات الألوف -كما هو في المثال السابق- بل هو بلاهة لا منتهى لها يقترفها الماديون والضالون، بحيث تفضي بهم إلى جناية غير متناهية، تعرّضهم إللثة:إ غير متناه يستحقونه.
فيا إخوتي:
لقد قرأت هذا اليوم -بنية التصحيح -رسالة "المناجاة" التي هي في مستهل مجموعة "سراج النور"، ولكن لما كانت قوةُ حافظتي قد وهنَلّت كثت نهائيا، فقد رأيتُني كأنني أتيت حديثا إلى الدنيا تجاه تلك الحقائق في "المناجاة" رغم أني في الثمانين من العمر، فلم تعُد تلك العاداتُ المعروفة ستارا وحجابا أمام تأملي، لذا قرأت تلك "المناجاة" بشوق كامل، واستفدت منها استفادقرة لصة بفضل اللّٰه، ووجدتُها خارقة حقا، وعلمت أن أعداءنا المتسترين يغررون ببعض الموظفين الرسميين في سبيل مصادرة "سراج النور"، محتجين بما في آخره -من بحث الدجال-، إلّا أن قناعتي أن سببَ ذلك هو ر المرحالمناجاة" التي في مستهلها، كما كان سببُ هجوم الملحدين على "مرشد الشباب" بحثَ "نكتة توحيدية في لفظ هو".
ثالثا:نبشركم بكياننا كله يا إخوتي: أن الإخلاصَ التام ال * * لى به طلابُ النور والوفاءَ الحقيقي الجاد والتساند الذي لا يتزعزع الذي يحملونه يجعل جميع المصائب التي تنیزل بنا -من حيث الخدمة الإيمانية- نعما عظيمة.. نعم، إن فتوحات النور تتوسع في الخفاء راد باس بالحسبان ولا يخطر على خيال أحد.
— 337 —
فمثلا:لقد اضطروا إلى دفع مائة ليرة ورقية أجرة للسيارة التي نقلتني من إسبارطة إلى المحكمة المنعقدة هنا (إسطنبول). ثقوا يا إخوتي لو كنتُ أدفع مئتي ليرة لنتا إيمانّ خدمة الإيمان تنشأ من هذه المسألة فقط وتخص "مرشد الشباب" فحسب، أو مما يخصني أنا بالذات، لكنت أعد تلك النقود المصروفة قليلة زهيدة تجاه تلك النتائج الجليلة.. فكينا خالتائج التي تعود إلى عامة الطلاب والناس عموما والمسائل الكلية!
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض الراجي دعاءكم
سعيد النورسي

* * *

(االدليللى المخلوقات)
حاشية لرسالة مفتاح عالم النور
في سَفرة بالسيارة ذات يوم، مع طالبَين نوريين جامعيين، كنا نستمع من راديو السيارة الذي لا يرتبط بأي اتصال سلكي، إلى احتفال بالمولد النبوي شريفٍ مُقام في مكان بعيد. قلت لذينك الجامعيين:عارضين الدليل على أن تجلي القدرة الإلهية تظهر في "النور" تجليا بديهيا دون حجاب -كتجلي الحياة والوجود- هو: أن الهواء الموجود في هذا الجهاز الصغير، والذي لا يتجاوز وفياء!ظفر الإنسان، هذا الهواء القليل جدّا والنور المعنوي الضئيل جدّا لا يستمع إلى الكلمات القادمة من هذا المولد النبوي ثم يقولها، وإنما أيضا يستمع إلى أُلوف الكلمات ويُسمعنا جميعَ الكلمات التي تبثها ألوفُ إالمؤمن العالم، ونسمَعُها بمثل ما نسمع هذا المولد النبوي بوضوح.
بمعنى أن أصغر موجود جزئي يصبح أكبر كلي!
ثم إن هذا الهواء القليل جدّا يُنجز من الوظائف بقدر ما ينجزه الهواء المحيط بالكرة الأرضية، أي يكبرُ أصغرُ جزئي بكبرفهو يق الهوائية المحيطة... فلو لم يُسند هذا الأمر إلى تجلي القدرة الإلهية لنتجت خرافة عجيبة تحمل من المتناقضات ما لا يسعه خيال، إذ إن
— 338 —
انقلاب الشيء إلى ضده محال، فكيف يُصبح هذا الجزئي الذي هو صغير بألوفدّا فإات كليا بألوف المرات؟ وكيف يصبح هذا الجامد العاجز الذي لا يشعر بشيء مقتدرا وذا شعور وإدراك و إرادة؟
فهذه خرافة تحمل مئات الخرافات والمتناقضات التي لا مثيل لها.
بودًا ون الأمر إنما هو بتجلي القدرة الإلهية بالبداهة. والذي يمثل ذلك التجلي الواسع في الهواء عامة يبيّنه معنى الحديثِ الشريف: "إن للّٰه ملكا، له أربعون ألف رأس، في كل رأس أربعون ألف لسان، يسبح أربعين ألف تسبيحة بنكم مهن". [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٥/١٥٦؛ أبو الشيخ، العظمة ٢/٥٤٧، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٧، ٣/٨٦٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٦٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٤٠٢؛ المناوي، فيض القدير ٢/٨٢. بمعنى أنهن حتى أربعا و ستين تريلون تسبيحة في اللحظة نفسها.
أي إن الهواء المحيط بالأرض كهذا الملك، أي يكتب على صحيفة الهواء كل كلمة طيبة بعدد تسبيحات هذاسيظهر .
يقول الهواء المحيط: إن هذا الحديث ينبئ عني وعن الملَك الذي يُشْرِف على أعمالي، لأنه ضمن كلمات الإنسان كلّها والأصوات الأخرى التي لا تحد تَردُ هذه الكلماتُ الطيبة بحروفها دون أي التباس مع أنها تختلط مع بعضها، وبنبرات المتكلم بها، وبصوِ الأستميز. فليس في الإمكان قطعا إحالة هذا العمل الذي يتم بشعور كلي كامل -هو وظيفة ذرة واحدة مني- إليّ ولا إلى أي سبب من الأسباب.
أي إنه تجلي القدرة الأزلية التي تضم إرادة شاملة لكل شيء وعلما محيطا ب الأمو ليس إلّا، ذلك التجلي العام الشامل لكل شيء، الحاضر والناظر بتجلي الأحدية في كل مكان.
والشهود على هذا يربون على الملايين، أحد أولئك الشهود: الراديو.
إن مضمون ما جاء في الكلمة الثالثة عشر دخلوا المقارنة بين حكمة القرآن وفلسفة الإنسان هو الآتي:
إن الفلسفة التي تَوصَّل إليها الإنسان تحجُب معجزاتِ القدرة الإلهية وخوارقَ رحمته تعالى بستار العاديات، فلا ترى دلائل الوحدانية المضمرة تحت تط.. وإاديات وتلك النعم
— 339 —
الجليلة، ولا تبينها ولا تدل عليها، بينما إذا ما رأت ما هو خارج عن العادة من جزئيات خاصة، تتوجه إليه وتهتم به.
فمثلا:إنها لا تليأمن زة القدرة الإلهية في خلق الإنسان السوي ولا تهتم به، بينما تجلب الأنظار بحيرة واستغراب إلى الإنسان ذي الرأسين أو ذي ثلاثة أرجل الخارج عن القاعدة. فهي تخبئ معجزاتِ القدر فهذا ليةَ العامة تحت ستار العادة، في حين أنها تجعل المواد الجزئية الخارجة عن القانون النائية عن طائفتها مدارَ عبرةٍ وتأمُّلٍ!.
ومثلا:إنها لا ترى المعجزات في إعاشة صغار الإنسان والحيوانات، بل تعدّها أمرا عاديا فلا أن تقلها بالا، ولكن حشرة نأت عن طائفتها وانعزلت عن أمتها وظلت في قعر البحر ومُدَّت إليها يدُ المعونة بورقة خضراء، وأَخذت تتغذى عليها، أدمعت عيونَ صيادي الأسمامي.
الحادث هذا، وأعلنوا عنها ببهاء حتى ذكرتها إحدى صحف أمريكا في حينه.
بينما في أصغر حيوان هناك ألوفُ ألوفِ المعجزات أمثال هذه للأرزاق، إذ تتدفق الأثداء بسائل الحياة للصغار. بيد أن الفلسفة اي متذر لا ترى تلك المعجزة، معجزة الرحمة والإحسان الإلهي كي تشكر ربها وتؤمن بالرحمن وتقابله بالشكر.
وهكذا فالحكمة القرآنية تمزّق ذلك الحجاب، حجابَ العاديّات المضروبَ على المخلوقات وترشد البشرية إلى تلمطلق، جزات الكلية والنعم التي يسبغها اللّٰه سبحانه على الكائنات قاطبة، فتَعرِف ربها وتسوق الجميع إلى العبودية المكللة بالشكر للّٰه تعالى.
وهكذا فإن أعجب خطأ وأغربَه مما تقترفه الفلسفة البشرية هو: أن الإنسان الذي لا تفي إرال فيه اختيارُه الجزئي لفعل جزئي ظاهري جدّا وهو "التكلم" ولا يقدر على إيجاده، وإنما يدفع الهواء إلى مواضع مخارج الحروف، واللّٰه سبحانه هو الذي يخلق الكلمات بناء على هذا الكسب الجزئي، ويكتبه بألوف ألوف النسخ في الهوي هي ق فعلى الرغم من قصر يد الإنسان عن الإيجاد إلى هذا الحد، فإن إعطاء اسم "إيجاد الإنسان" على معجزة قدرة إلهية كلية تعجز جميعُ الأسباب، أسباب الكون دونها خطأٌ جسيیمٌ وأيّ خطأ. يدرك ذلك كلُّ من له ذرة من شعور.
— 340 —
ومثال ذلك هو:أن رجلا عن مصادعل قانونا إلهيا -يضم مائة ألف من الخوارق- وسيلةً لاستفادة البشر، بكشفه الراديو، بإلهام إلهي، أي بنوع من استجابة دعاء الإنسان الفعلي، كم يكون خطأ قول الإنسان: نعم، إن الراديو قد أوجدَه المخترع الفلاني، وهو الذي أوجدَ القوةواء فيبائية. وهناك آخرون يسعون لإيجاد مادة لقراءة ما في دماغ الإنسان!.
نعم، إن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق العالم دار ضيافة تليق بالإنسان، وهيأ له فيها كل ما يحتاجه ويلزمه... وكنوع من متطلبات الضيافةُ يسلم إلى يده -في بعض الأزمان والعصومائة وا ظلت مخفية عنه، وذلك نتيجة دعائه الفعلي الذي هو البحث عن الحقائق والتحري عنها، المتولدُ من تلاحق الأفكار. فبينما يجب على الإنسان أن يشكر ربه تجا الفردالنعم، إذا به يرتكب كفرانا عظيما فينسى أنها منه تعالى، وينظر إليها من إيجاد إنسان اعتيادي عاجز، ويُسندها إلى مهارته بل يُنسي الآخرين كذلك تلك الخوارقَ الناشئة من إحسانٍ عميم يغدقذلك باوإرادة ورحمة وشعور، حيث لا يظهر إلّا سبباَ ومشهدا منه. ويفوّض أمره إلى المصادفة العشواء والطبيعة والمواد الجامدة. وما هذا إلّا فتحٌ لباب الجهل المطلق المنافي للإنسان المكرم المخلوق في أحسن تقويم.
لذا يلزم النظر إلى المخلوقات بالنظر الحرفيشر" الاسمي، وفق دستورِ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ وَاحِدٌ
وذلك لأجل أن يسمو الإنسان إلى مستوى الإنسان حقا.
سبحانسائل يلم لنا الّا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم

* * *

(تحليل سيرة ذاتية)
باسمه سبحانه
إخوتي الصديقين الأعزاء!
أولا:نبارك لكم يوم المولد النبوي الشريف، ونبارك توفيقكم في أعمالكم ونبشركم بانتشار رسائل النور انتشارا مؤثراذلك الأوساط بما هو فوق المعتاد. ونهنئ جميع طلاب النور.
— 341 —
ثانيا:في هذه الليلة المباركة خطرَ على قلبي خاطرٌ قوي وهو:
أنه لمناسبة ما كتبه الطلاب الجامعيون في إسطنبول من خوارق عن حياة سعيد القديم وسعيد الجدائب وهكتاب "تاريخ حياة" تولّد لدى القراء رأيان ونشأت فكرتان هما:
الأول:لقد حصل حسن ظن مفرط لدى الأصدقاء -كما يحصل في الولاية- بما يفوق حدّي بكثير.
الثاني:حصل ظن وشبهة بما هو خارج طوقي بألف مرة لدى المن كسب وأهل الفلسفة، إذ ظنوا وجود دهاء خارق جدا، بل حتى تولّد لدى البعض منهم توهم وجود سحر قوي.
ولقد سُئلتُ في أماكن كثيرة أسئلة تدور حول هذا المعنى، وطلبوا مني جلية الأمر ماديا ومعنويا. وأنا بد: إليطررت إلى بيان حقيقة ذات مقدمات كثيرة لورود ذلك الخاطر في هذه الليلة.
المقدمة الأولى:إن بذرة شجرة الصنوبر التي هي بحجم حبة الحنطة تكون منشأ لالعقابنوبر ضخمة. فالقدرة الإلهية تخلق تلك الشجرة العجيبة من تلك البذرة، وقد لا توجد للبذرة إلّا حصة واحدة من مليون حصة من الخلق، حيث سطر فيها قلمُ القدر فهرسا معنويا لتلك الشجرة... فالموقريسند الأمر إلى القدرة الإلهية للزم وجود مصانعَ تَسَعُ مدينةً كاملة كي تتكون تلك الشجرة العجيبة بأغصانها المتشعبة.
وهكذا فإن إحدى دلائل عظمة اللّٰه وقدرته سبحانه هو أنه يخلق من شيء صغير جدّا كالذرة، أض، فيصعظيمة عظمة الجبال.
وهكذا بمثل هذا المثال أُعلنُ باقتناع تام وبخالص نيتي ولا أتكلف التواضعَ ونكرانَ الذات فأقول:
إن خدماتي وأحداثبا قد قد أصبحت في حكم بذرة، لكي تكون مبدأ لخدمة إيمانية جليلة، قد منَحت العنايةُ الإلهية منها في هذا الزمان شجرةً مثمرة برسائل النور النابعة من القرآن الكريم.
فأُقسم لكم لتطمئنوا فأقول:
— 342 —
إنني ما كنت أجد ى هذه ي قابلية ولا مزيّة ولا أهليّة فائقة لتلك الخوارق التي مرت في حياتي، لذا كنت أتقلب في حيرة. بل ما أجد في نفسي كفاءة لتدبير أمورها وارتباطها بعلاقات بالمجتمع فكيف لها بدهاء خارق وولاية خارقة؟
نعم، لقد ظهأنا بداتٌ جَلبت الأنظارَ إليّ، ولكنها كانت خارجة عن إرادتي واختياري، حتى بدت كأنها نوع من جلب الإعجاب، وما كانت إلّا من قبيل عدمِ تكذيبِ حسنِ الظن الذي كان يحمله الناس نحوي.
ولكن لما كنت أجهل الحكمة في عدم كوني في الحقيقع الآخما يظنه الناس بي، ولا أفيد شيئا للدنيا، وها قد أصبحتُ موضع توجه الناس بما يفوقني بألف مرتبة ومرتبة، لذا كنت أتلقى هذا الأمر باعتباره خلافا للحقيقة كليا.
ولكن بفضل اللّٰه وكرمه، وألف حمد وشكر له، إذ قد أنن اللذّ فهمَ شيء من حكمة ذلك الأمر، في أواخر أيامي بعد قضاء ما يقرب من ثمانين سنة من العمر.
وسأشير إلى شيء منها. وها أنا أبين قسما من عديد نماذجها:
المثال الأول:إنه حس خمسينق المتبعة في المدارس الدينية ينبغي دراسة العلوم الشرعية مدة خمس عشرة سنة -في الأقل- كي تحرز الحقائق الدينية والعلوم الإسلامية.
ففي ذلك الوقت لم يبدُ على سعيد ذكاء خارق أو قوة معنوية وحدها، بل ظهرت عليه أيضًا حالة عجيبة كانياسة أة عن نطاق استعداده وقابليیاته كلها، بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادئ الصرف والنحو خلال سنة أو سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه أكمل الوظيما يقرب من خمسين كتابا خلال ثلاثة أشهر، وقد استوعبها وأُجيز عليها وتَسَلَّم الشهادة بإكمالها.
هذه الحالةُ أظهرتْ بعد ستين سنة بوضوح: أن تفسيرا للقرآن الكريم سيظهر وينا وعالمارئ في فترة قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر العلومَ الإيمانية، وأن ذلك الضعيف "سعيد" سيكون عاملا له وفي خدمته.
— 343 —
ومن جراء ذلك الوضع تخطُر على البال معانٍ كأنها إشارات غيبية بأنه سيأتي زمانٌ تضمح وجود المدارس الدينية، لا يمكن نيل العلوم الإسلامية في خمس عشرة سنة بل حتى في سنة واحدة.
الأنموذج الثاني:إن مناظرة "سعيد" في ذلك الزمن البعيد لعلماءَ أجلاءَ وهو بعدُ في فترة الصبا، وإجابته عن أسئلتهم الغامضة -مية. كلأن يسأل أحدًا- إجابةً صائبة رغم كونیها في أعقد المسائل، هذه الحالة التي ظهرت، أعترف اعترافا قاطعا، وأعتقد جازمًا أنها ليست ناشئة من حدة ذكائي، ولا من خارق استعدادي قط؛لفلسفةالذي كنت صبيًا صغيیرًا، مبتلًى بأمور كثيرة، مبتدِئًا بعدُ في العلوم، سارحَ الفكر، ومثيرًا للمناقشات، فما كان في طوقي قطعا الإجابةُ على أسئلةِ ع.
وأفذاذ، بل كنت أُغلب في مناقشات صغار العلماء وصغار طلاب العلم، لذا فأنا على اقتناع تام بأن إجاباتي الصائبة تلك، ليست ناشئة من استعدادي ولا من ذكائي.
فلقد كنت طوال السنوات السبعيین الماضية؛ أن يرة من هذا الأمر، ولكن الآن -بفضل اللّٰه وإحسانه- فهمت حكمة منها وهي: أنه ستُمنح شجرةٌ طيبة لعلوم المدارس الدينية التي هي بمثابة بذرة العلوم وسيكون لخادم تلك الشجرة حسّاد ومعارضون كثيرون.
وهكذا فإن قيام أصحاب المشارب يستعظملك المختلفة بين المسلمين في هذا الزمان بانتقاد عمل خدام تلك الشجرة (شجرةِ النور) ولاسيما من علماء الدين سواء بسبب المنافسة أو بسبب اختلاف المش نالواضلا عما تثير رسائل النور كثيرًا من عِرق علماء الدين، كما كان دأب أهل السنة والمعتزلةِ سابقًا في دحض بعضهم بعضًا ونشرِ مؤلفاتٍ في تفنيد آراء الآخرين والظهور عليهم.. أقول: بينما كان الأمر لا بد أن يؤول إلى هذا أراد اللّٰه سبحانه أن يجري الأمر ع بعدد ف تلك العادة المتبعة منذ القدم. فألْفُ شكر وشكر للّٰه سبحانه. وأنا على اعتقاد جازم أن سبب عدم تأليفهم أيّ كتاب لنقد رسائل النور أو الادّ -بإعليها إنما هو: إجابةُ سعيد الصغير إجابة صائبة على علماء عظام، في ذلك الوقت؛ إذ تلك الإجابات السديدة قد فتّت في عضد شجاعتهم وجُرْأتهم، حتى إنهم لم يتصدوا لرسائل النور ولم يعارضوها رغم مخ أصدّق لها مشربًا، ورغم ما يحملون من روح المنافسة والغيرة العلميتين.
— 344 —
لذا اقتنعتُ اقتناعا تامًا أن هذه هي حكمة واحدة لعدم قيام العلماء بالاعتراضُ على الرسائل، إذ لو بدأ الاعتراضُ لغم حاجداؤنا المتسترون والملحدون ومن يوالونیهم يتخذون ذلك الاعتراض ذريعة مهمة جدًّا لتهوين شأن رسائل النور وعلماء الدين معا. فالحمد للّٰه حمدًا لا حدّ له، لم يقاوِم رسائلَ النور حتى أولئك العلماءُ الرسميون الذين تعرضت لهم الرسائل كثيرًا.
الأنموذج لثالث::على الرغم من أن سعيدًا القديم كان فقير الحال منذ أيام طفولته، كما أن والده كان فقير الحال كذلك، فإن عدم قبوله الصدقات والهدايا من الآخرين، بل عدمَ استطاعته قبولها إلا بمقابل، را فسحُته الشديدة جدا، وعدمَ ذهاب "سعيد" قط في أي وقت من الأوقات لأخذ الأرزاق من الناس، وعدمَ قبوله الزكاة من أحد -عن علم- كما كانت العادة جارية في كردستان، حيث كانت أرزاق طلاب العلم تدفع من بيوت الأهلين وتسد مصاريفهم تَبق وال الزكاة... أقول -وإني على قناعة تامة الآن- حكمةُ هذا الأمر هي: عدمُ جعل رسائل النور -التي هي خدمة سامية خالصة للإيمان والآخرة- في آخر أيامي وسيلة لمغانم الدنيا، وعدم جعلها ذريعة لجرّ المنافع الشخصية.
بعد.
هذه الحكمة أُعطيتُ هذه الحالة، حالةُ النفور من تلك العادة المقبولة وتلك السجيةِ غير المضرة، والهروبِ منها، وعدم فتح يد المسألة من الناس. فرضيتُ بالعيش الكفادامت ا الفقر والضنك. وذلك لئلا يَفسد الإخلاصُ الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية لرسائل النور.
وأشعر كذلك أن في هذا الأمر إشارة فيها مغزى، بأن هذه الحاجة هي التي ستدفع أهل العلمن دون أزمان الآتية إلى الانهماك بهموم العيش حتى يُغلبوا على أمرهم.
الأنموذج الرابع:بينما كان سعيد الجديد يجهد في أن يجنّب نفسَه أيام شيخوخته عن السياسة وأمرِ الدنيا كليا، فإن أهل الدنيا خلافا لكل الونها ب والأعراف والإنصاف والوجدان بل خلافا للإنسانية، أنزلوا به أقسى ضربات الظلم الشنيع طوال ثمان وعشرين سنة، فقاسى ذلك الضعيف، سعيد،
— 345 —
أمرَّ العذاب، وتَحمَّل أشدَّ العنت منهم، مع أنه ما كان يتحب من ا الذباب، وذلك بما وهب له سبحانه من الصبر العظيم والتحمل الذي لا مثيل له لأذى الإهانات الشنيعة. وعلى الرغم من مزاجه العصبي ورهافة حسه وعدم التخوف في فطرته، والجرأةَ التي يحملها منمانية ه بحقيقة أن الأجل واحد لا يتغير، فإن صبره وسكوته في حالة في غاية من المسكنة والخوف، بل منحَ الفرح والانشراح لروحه بعد معاناته تلك الأنواع من التعذيب والإهانات.. أقول: إنوالسلاواحدة من هذا الأمر هي الآتية كما اقتنعت بها قناعة تامة:
عدمُ جعل رسائل النور -التي تفسّر حقائق القرآن الحكيم الإيمانية- وسيلةً لأي شيء وبه تدا مرضاة اللّٰه- إذ قد أشاع أهلُ السياسة شبهة استغلال "سعيد" الدينَ لأجل السياسة، فعُذّب سعيد وسجن... لئلا يكون الدينُ وسيلة للسياسة. ولكن القدر الإلهي لطمَ سعيدا لطماتِ رأفةٍ وشفقةوالرسات ستار ذلك الحُكم الظالم لأهل السياسة، لئلا يَفسد الإخلاص الذي استلهمه من رسائل النور قائلا له:
"إياك أن تجعل رسائل النور -التي هي تفسير لحقائق الإي-من جرسيلة لجرّ منافعك الشخصية، بل حتى لكمالاتك المعنوية، واحذر أن تجعلها ذريعة للخلاص من البلايا والأذى والأضرار، وذلك لكي يبقى الإخلاص الحقيقي-الذي هو القوة العظمى لرسائل النور- مصونا من الخلل".
لنفيسةمقتنع الآن قناعة تامة أن تلك اللطمات كانت لطمات رأفة نزلت بيّ من القدر الإلهي، بل اطمأننت تماما أنه متى ما انصرفتُ لشؤون آخرتي وحدَها، وانشغلت بعباداتي الشخصية وحدَها،على أن خدماتي لرسائل النور، في هذا الوقت بالذات، يتسلّط عليّ أهلُ الدنيا فيذيقوني العذاب والآلام.
أُحيل إيضاح هذا الأنموذج الرابع إلى الرسالحسارُ يرة (الحقيقة هي التي تتكلم) التي تخص بيان السبب في إلقاء أهل السياسة سعيدا في السجون والمعتقلات منعا لاستغلال الدين في أمور السياسة، ومعرفة سعيد بعد ذلك حكمة الأمر بأنها لطمات قدر إلهي رؤوف، وص دائرتهم بعد ذلك، وكذا معرفته حكمة الصبر الشديد والتحمل الشديد الذي وهبه اللّٰه له.
— 346 —
الأنموذج الخامس:إن هذا المسكين سعيدًا، برغم حاجته الشديدة إلى الكتابة وجودة الخط، وانشغاله بها منذ سبعين سنة، واضطراره إلى تصحيح ملأ جهفحة في اليوم الواحد أحيانا، لا يملك من الخط ما يتعلمه طفل ذكي في العاشر من العمر في عشرة أيام. هذا الأمر محيّیِر حقًا، إذ لم يكن سعيد محرومًا من القابليات كليًا، فضلا عن أن أشقاءه يجيدون الخط وحسن الكتابة.
فأنا مقتنع تمام الاقتناع الأمورمة بقائي نصف أُمّي برداءة الخط وأنا في أشد الحاجة إليه هي: أنه سيأتي زمان لا يمكن للقدرات والقوى الشخصية والجزئية أن تقاوِم وتَصُدّ هجوم أعداء رهيبين، فيبحث "سعيد" بحثا حثيثا عن الذين اني بأ خطًا جيدًا ليشركهم في خدمته فيشكلون معًا آلاف الأقلام التي تحوّل تلك الخدمة الشخصية الجزئية إلى خدمة كلية عامة قوية، إذ يجتمعون حول تلك البذرة، بذرةِ النور، اجتماعَ الماء والهواء والنور، ويمدّون تلك الشجرة المعنوية بالعون. ففاملة ف هذه الحكمة، فإن إذابة أنانيته في حوض الجماعة المبارك كإذابة قالب الثلج نيلا للإخلاص الحقيقي، حكمةٌ أخرى تدفع لخدمة الإيمان.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي

* * *

(لا ذنب في رسائل النور)إخوتي الأعزاء الصادقين!
ت" التئكم من صميم أرواحنا وأعماق قلوبنا بحلول العيد السعيد، وستدركون بإذن اللّٰه عيدا يعم العالم الإسلامي كله ذات يوم. إن هناك أمارات كثيرة تبين أن القرآن الحكيم الذي هو منبع جميع القوانين القام فيللجماهير المتحدة الإسلامية، سيكون مهيمنا في المستقبل. وسيأتي ذلك اليوم بإذن اللّٰه، ذلك العيد الحق للمسیلمين جميعا، بل البشريیة قاطبة.
ثانيا:مما لا ريب فيه أن رسائل النيمان اابها تحت العناية الإلهية وحفظها، إذ رغم
— 347 —
الظروف الدقيقة في هذه المرحلة، ورغم القوانين الاعتباطية، ورغم العناد الشديد، وطوال هذه المدة المديدة، لم يتمكنوا أن يلحقوا الضرر بطلاب اكبت بالّا بنسبةِ واحد في المائة.
فعلى الرغم من خططهم الرهيبة لإشغال ستمائة طالب من طلاب النور النشطين بالمحاكم المتتالية، لم يتمكنوا إلّا على ستة م من خراب. حتى لم تجد خمس وعشرون محكمة من محاكم العدل شيئا ما في الألوف من رسائل النور وفى الألوف من طلاب النور -كما ذكره بطل النور- خلال تحقيقاتها المتوالية. بل الدليل القاطع على ذلك هو قول الكثير من دوائر العدل أنه: لا ذنب في رسائل النو- من قنجده فيها.
فضلا عن أنني قد تكلمت في كل من محكمة إسطنبول وأفيوُن وأمثالها بما يناقض قوانينهم -التي يمكن استعمالها لأغراض سيئة-، ولم يستطيعوا أن يدينوني.
علاوة على أن رسائل النور التي حطمت القواه سبحاجائرة للمدنية الأوروبية لم يجدوا فيها ذنبا قط، مما يبين بوضوح أن حقائق رسائل النور قد حملت دوائر العدل على الإنصاف، بظهورها وتغلبها على معارضيها. فال من سجالإلهية تضم رسائلَ النور تحت جناحها، وكيف لا وهى معجزة من معجزات القرآن الكريم. أما هجوم المعارضين والمخالفين عليها، فيكون بإذن اللّٰه وسيلة لسطوع رسائل النور وسببا لانتشارها.

* * *

(مع ضلى الأأمن)
يقول أستاذنا:
لم يقابلني أحد من مسؤولي الحكومة خلال ثمان وعشرين سنة إلّا وضايقني، ماخلا ضباط الأمن (المباحث) فإنهم لم يضايقوني قطعا، فضلا عن أن بعضهم تصرَّف معي تصرف مدافع وحامٍ. والآن أوضح حكلحديث التصرف منهم:
لقد تحقق أن رسائل النور وطلابها هم كأفرادِ أمن معنويين، يحاولون الحفاظ على الأمن والنظام في البلاد عن عقيدةٍ، وقد نصبوا حارسا في كل قلبٍ مؤمن بإرشاداتهم ونصائحهم، وشعر ضباط اوأئمة هذا شعورا معنويا، فأظهروا لنا في كل وقت وجه الصداقةَ. وسر هذا هو الآتي:
— 348 —
أن قانونا أسییاسيا للقرآن الكريم هیو
ولا تزر وازرة وزر اخرى
(فاطر:١٨) فيمنع القرآنُ بموجبه محاولةَ الإخلال بالنظام، ونسان ثلا يتضرر تسعون بالمائة من الناس في أثناء القضاء على عشرة من الجناة. وبناء على هذا السر الدقيق فإنه على الرغم من وجود قوًى معنوية رهيبة تحاول الإخلال بالأمن والنظام، وعلى الرغم من فعالياتهم ونشاطهم في البلاد كافة، بل إن نشاطهم هنا أكثر مما قد أتسا ومصر والمغرب وإيران، لم يستطيعوا الإخلال بالأمن. وما سبب ذلك إلّا ستمائة ألفٍ من نُسَخ رسائل النور وخمسمائة ألف طالبٍ من طلابها وقد أصبحوا كقوة معنوية ساندة للأمن ليصدوا تلك القوى الهدامة الرهيبة.
لامكم الأمن شعروا بهذا، لذا يبدون حالات تتسم بالرحمة والإنصاف والشفقة على رسائل النور خلافا للموظفين الرسميين منذ ثمان وعشرين سنة.
ويقول أستاذنا أيضا:
إنني أقول: إن على أفراد الأمن أن يكونوا أصحاب تقكن لا ن فيؤدوا الفرائض ويجنّبوا أنفسهم الخطايا والذنوب، أكثر من العلماء بل من المتصوفة، وهذا ما تقتضيه مهمَّتهم وواجبُهم نظرا للحاجة الشديدة، وذلك ليؤدوا وظائفَهم في سبيل استتباب الأمن والنظام حق الأداء، تجاه الدمار الرهيب الذي يحدثه المخربون المعرابط

#

طلاب النور
الذين في صحبته

* * *

— 349 —
الحقيقة هي التي تتكلم
لقد أثبتت رسائل النور أنه قد تنبثق عدالة من بين طيات الظلم، أي قد يتعرض أحدهم إلى الظلم وإلى الحيف فتصيبه نكبة، وقد يُحكم عليه بالحبس ويُرمى به في غياهب السجون.. لاة بهذه مثل هذا الحكم ظلم واضح، ولكنه قد يكون سببًا لتجلي العدالة وظهورها، ذلك لأن القدر الإلهي قد يَستخدم الظالم لتوجيه العقوبة إلى شخص استحقها بسبب آخر، وهذا نوع من أنواع تجلي العدالة الإلهية.
وأن أما أفكر.. لِمَ أُساق من محكمة إلى محكمة، ومن ولاية إلى ولاية، ومن مدينة إلى أخرى طوال ثمانيا وعشرين عامًا؟ وما التهمة الموجهة إليّ من قِبَل من ارتضوا لأنفسهم معاملتي بكل هلق آدمعذيب الظالم؟ أليست هي تهمة استغلال الدين في سبيل السياسة؟ ولكن لِمَ لا يستطيعون إثبات ذلك؟.. ذلك لأنه لا يوجد أي شيء من هذا القبيل في الحقيقة وفي الواقع. فهذه محكمة تقضي الشهور والسنوات في محاولة الحصول على أي دليل ي مضايقفلا تستطيع، وإذا بمحكمة أخرى تسوقني للتحقيق وللمحاكمة تحت التهمة نفسها، وتقضي بدورها مدة في هذه المحاولة وفي الضغط عليّ، وتعرّضني لأنواع شتى من التعذيب، وعندما لا تحصل بما يفة نتيجة تتركني، وإذا بمحكمة ثالثة تمسك بخناقي هذه المرة.. وهكذا أنتقل من مصيبة إلى مصيبة، ومن نكبة إلى أخرى. لقد انقضى ثمان وعشرون سنة من عمري على هذا المنوال، وأخيرًا أيقنوا عدم وجود أي نصيب من الصحة ا شروىالمسندة إليَّ؛
وإني أتساءَل: سواء أكان ذلك قصدًا أو وهمًا فإنني أعلم علم اليقين عدم وجود أية علاقة لي بهذه التهمة، كما أن جميع أهل دان إلف يعرفون بأنني لست بالرجل الذي يستغل الدين لغاية سياسية، بل إن الذين وجّهوا إليّ هذه التهمة يعرفون ذلك في قرارة نفوسهم. إذن فما السبب في إصرارهم على اقتراف هذا الظلم في حقي؟ ولماذا بقيتُ معردبر وهلى الدوام لهذا الظلم والتعذيب مع كوني بريئًا ودون أي ذنب؟ ولماذا لم أستطع التخلص من هذه المصائب؟ ألم تكن هذه الأحوال مخالفة للعدالة الإلهية؟
لقد بحثت عن أجوبةا وآخرالأسئلة خلال ربع قرن من الزمن فلم أُوفق في ذلك. ولكني الآن عرفت السبب الحقيقي في قيامهم بظلمي وتعذيیبي. وأنا أقول وكلي أسف:
— 350 —
إن ذنبي هو اتخاذي لى الك القرآنية وسيلة للترقي المعنوي والكمالات الروحية. والآن بدأتُ أفهم هذا وأحس به تمامًا، وأنا أشكر اللّٰه تعالى آلاف المرات لأنه طوال سنوات طويلة وُضعت موانعُ معنوية وقوية جدًّا خارج إرادتي لكي لامية الخدماتي الإيمانية وسيلة للترقيات المادية والمعنوية أو من أجل الخلاص من العذاب ومن جهنم أو حتى من أجل سعادتي الأبدية أو من أجل أية غاية أخرى.
لقد أذهلتني سم اللأحاسيس الداخلية العميقة والخواطر الإلهامية، فبينما نرى أن كل فرد له الحق في اكتساب المقامات التي يعشقها، وفي نيل السعادة الأخروية عن طريق الأعمال الصالحة، هذا زيییادة على أنه لا ينتج أي ضرر لأي أحد، ومع هذا فقد رأيت لمية وُمنیع -روحيًا وقلبيًا- من هذه الأحوال ومن سلوك هذا الطريق. وجُعل نصب عيني أن عليّ ألّا أهتییم -بجانب الفییوز بالرضى الإلهي- إلا بواجیب خیدمیة الإيمان. ذلك لأن الزمن الحالي يحتاج إلى إعطاء نوع م لدنياس القرآني الذي لا يكون في خدمة أي غرض آخر للذين لم يتوصلوا بفطرة العبودية الموجودة في أنفسهم إلى الحقائق الإيمانية التي هي فوق كل شيء، وإلى الذين هم بحاجة إلى و الباه الحقائق وذلك بأسلوب مؤثر، بحيث يستطيع إنقاذ الإيمان في مثل دنيا الاضطراب هذه التي اختلطت فيها الأمور، ويستطيع إقناع كل أحد حتى المعاندين وبعث وأقينة في نفوسهم، وبذلك يستطيع قصم ظهر الكفر المطلق والضلال المتمرد والمعاند وبذلك يهب القناعة الكاملة للجميع.
ولا تحصل مثل هذه القناعلدنيويلظروف الحالية إلّا عندما يكون الدين بعيدًا عن كونه وسيلة لأية غاية شخصية أو دنيوية أو أخروية، مادية كانت أو معنوية. وإذا لم يتحقق هذا فإن أي شخص كان مهما بلغ من المراتب المعنوية يقف عاجزًا تجاه التيا؟)أخييب -المتولد من المنظمات والجمعيات السرية- ضد الدين؛ لأنه لا يستطيع إزالة كل الشكوك والشبهات. ذلك لأن النفس الأمارة للشخص المعاند الذي يرغب في فيهما إلى حلقة الإيمان ستقول له: "إن ذلك الشخص زين لنا هذا بدهائه وبمستواه الرفيع واستطاع بهذا إقناعنا".. يقول هذا ويبقى الشك يساوره.
فللّٰه الشكر ألوف ألوف المرات ففي طيّ تهمة القيام باستغلال الدين في السياسة قام
— 351 —
القدر الإلهي -الذي هبوية.
ل المحض- طوال ثمان وعشرين سنة بمنعي من جعل الدين -دون علمي ودون إرادة مني- آلة لأي غرض شخصي، وذلك باستخدام الأيدي الظالمة للبشر في توجيه الصفعات لي وفي تذكيري وتنبيهي.. هذهينة الات التي كانت عدلًا محضًا وتحذرني قائلة: إياك إياك! أن تجعل الحقائق الإيمانية آلة لشخصك، وذلك لكي يعلم المحتاجون إلى الحقائق أن الحقائق وحدها هي التي تتكلم، ولكضجر منبقى هناك أوهام النفس ودسائس الشيطان، بل لتخرس وتصمت.
هذا هو سر تأثير رسائل النور في إشعال الحماس في القلوب وفي الأرواح كالأمواج في البحار الواسلك الزذا هو سر تأثيرها في القلوب وفي الأرواح وليس شيئًا غيره. ومع أن هناك آلافًا من العلماء سجلوا الحقائق التي تتحدث عنها رسائل النور في مئات الآلاف من الكتب، والتي هي أكثر بلاغة من رسائل الّفون لم تستطع إيقاف الكفر البواح. فإذ كانت رسائل النور قد وفّقت إلى حدّ ما في مقارعة الكفر البواح تحت هذه الظروف القاسية، فقد كان هذا هو سر هذا النجاح.. ففي هذا الموضوع لا وجود لی"سعيد"، ولا وجود لقابلية سعيد وقدرته، فالحقيقة هي التي تتحدث عن نفس
الرعم، الحقيقة الإيمانية هي التي تتحدث.
وما دامت رسائل النور تؤثر في القلوب العطشى إلى الإيمان وإلى نور الحقائق، إذن لا يُفدَى بیسعيدٍ واحد بل بألف "سعيد وسعيد". وليكن كل ما قاعندهم ي غضون ثمانٍ وعشرين سنة من الأذى والمصائب حلالًا زلالًا. أما الذين ظلموني وجرجروني من مدينة إلى أخرى، والذين أرادوا أن يوصموني بمختلف التهم والإهانات، وأفردوا لي أماكن في الزنزانات فقد عفوت عنهم ذلك وتنازلت عن حقوقي تجاههم.
ا سورةول للقدر العادل: إنني كنت مستحقًا لصفعاتك العادلة لأنني لو كنت قد سلكت مثل الآخرين طريقًا -هي بذاتها مشروعة ولا ضرر منها- فكرت فيها بشخصي، ولو لم أضح بمشاعري في الفيوضات المادية والمعنوية، لفقدت هذه القوة المعانها:
لكبيرة في أثناء تأدية خدماتي من أجل الحفاظ على الإيمان. لقد ضحيت بكل شيء وتحملت كل أذى، وبذلك انتشرَت الحقائق الإيمانية في كل مكان، ونشأ مئات الآلاف -بل ربما الملايين- من طلاب مدرسة النور ونهلقة وم معارفها. وهؤلاء هم الذين سيستمرون في هذه الطريق في خدمة الإيمان، ولن يحيدوا عن
— 352 —
طريقتي في التضحية بكل شيء ماديًا كان أو معنويًا، إذ سيكون سعيهم للّٰه سبحانه وتعالى وحده دون غيره.
إن الكثيرين من طلابي قد ابتُلوا بشت دولة ع البلايا والمصائب، وتعرّضوا لصنوف العذاب والمتاعب، واجتازوا امتحانات عسيرة بفضل اللّٰه. إنني أطلب منهم أن يتجاوزوا -مثلي- عمن اقترف تلك المظالم وهضَم الحقوذا الك أولئك قد ارتكبوا تلك الأمور عن جهل منهم، والذين آذونا وعذبونا، ساعدوا على نشر الحقائق الإيمانية دون أن يدركوا تجليات أسرار القدر الإلهي.. ووظيفتنا تجاه هؤلاء هي التمني لهم بالهداية.
أوصي طلابي ألّا يحمل أحد منهم شيئًا من روح الانتي لا أ قلبه ولو بمقدار ذرة، وأن يسعوا سعيًا جادًا لنشر رسائل النور وليرتبطوا بها ارتباطا وثيقًا. إنني مريض جدًّا.. لا طاقة لي لا في الكتابة ولا في الحديث.. وقد يكون هذا آخر أقوالي.. فعلى طلاب رسائل النور لمدرسة الزهرايدركون ينسوا وصيتي هذه.

* * *

(رسالة إلى رئيس الوزراء)
إخوتي!
لقد أُخطرت على قلبي حقيقةٌ في غاية الأهمية، أبيّنها لكم، وأضعها بينالمعنوم، فإن ارتأيتم إبلاغها إلى رئيس الوزراء (عدنان مندرس) والنواب المتدينين فافعلوا.
مقدمة:إنني لما كنت قد تركت الساحة السياسية الواسعة منذ أربعين سنة وقضيت أكثر أيام حياتي منیزويا عن الناس، ولم ع والعفي الحياة الاجتماعية والسياسية لم أستطع رؤية الخطر الداهم في الوقت الحاضر. ولكن في هذه الأيام شعرتُ أن الوسط مهيأ لنیزول ذلك الخطر الجسيم والمصيبة الكبرى بأزهر والإسلامية وبهذه البلاد والحكومة الإسلامية.
فأبيّن ثلاث نقاط -خطرت على قلبي معنويا- لأولئك السياسيين الساعين لصالح الأمة الإسلامية وللاحتكام بالإسلام ولضمان سلامة البلاد، ويحاولون الحفاظ على المجت". ومننساني.
— 353 —
النقطة الأولى:طرق سمعي منذ سنتين -رغم أني لا أستمع إلى الجرائد- الاتهام بالرجعية. فتأملت في الأمر بعقلية سعيد القديم وشاهدت: أن أعداء الإسلام المتسترين الذين يجعلون السياسة أداةً للإلحاد، ويجدّونلو لم ع البشرية إلى قانون الجاهلية الرهيبة متقنعين بقناع الدفاع عن الوطن والأمة. هؤلاء يتهمون اتهاما جائرا غادرا أهلَ الإسلام والغيارى على الدين بالرجعية، علما أن دافع الإسلام والغيرة على الدين يدفاللّٰهى جعل السياسة أداة طيّعة للدين دون أن يجعلوا الإسلام أداة للسياسة. وإنما يقومون بهذا العمل ليُمدّوا هذه الحكومة بالقوة المعنوية للإسلام وتصبح قوية راسخة بقوّة أربعمائةني كإخ من إخوانهم الحقيقيين الظهيرين لهم، لكي ينجوَ أهلُ السياسة الحاضرة من التسوّل لدى أبواب ظَلَمة أوروبا.
فهذا الاتهام المجحف يَصِم هؤلاء الغيارى بی"الرجعية" ويُظهرهم بأنهم يضرون البلادوه أنتاد. ألاَ إن هذا بهتان عظيم واتهام غادر لا حدود له.
هذا وإن هناك نوعين من الرجعية، كلٌّ منهما يستند إلى قانون أساس:
الأول:الرجعية الحقيقية، وهي رجعية سياسية اجتماعية، أصبح قانونها الأساس محورا لكثير من المظالم والسيئات.يس عملثاني:هو أساس الرقي الحقيقي والعدالة الحقة، ولكن أُطلق عليه -ظلما- الرجعية.
النقطة الثانية:إن الذين يشنّون هجومَهم على الدين يريدون أن يرجعوا بالبشريي بدايعهود البداوة والجهل بقانون أساس ودستور جارٍ لديهم متسترين باسم المدنية، والذي يفني سعادةَ البشرية وراحتَها و عدالتها وسلامتها. فهم يريدون أن ينفذوا هذا القانون في بلادنا المنكوبة، فيزرعون بذور الشقاق والاختلاف وبلبلة الأفكار بالتحزب وصول علامةمآرب شخصية وإشباعا للحرص والعناد.
ذلك القانون هو: أنه يؤخذُ بجريرة شخص واحد جميعُ أفراد طائفته وجماعته وعشيرته، فكلهم مسؤولون ومُدانون. فالذنب الواحد يكون بحكم هذا القا عن محوفَ ألوف
— 354 —
الذنوب والخطايا. مما يجعل الأخوة والمحبة والمواطنة التي هي ركائز الاتفاق والاتحاد هباءً منثورا.
نعم، إن القوى المعارضة والمعاندة عندما يجابه بعضُها بعضا تُستهلكته
ف حتى تصبح بلا قوة. فلا تَقدر بعد ذلك على العمل للأمة والبلاد وفق العدالة حيث إنها ضَعُفت وانهارت نتيجة المجابهة. لذا تضطر إلى دفع نوع من الرشاوى والأتاوات لجلب الملحدين إلى صفدع حاجتشبث بذلك القانون الوحشي الجائر تجاه القانون العادل الحق والدستور السماوي المقدس وهو الآية الكريمة
ولا تزر وازرة وزر اخرى
(الأنعام:١٦لتوكل ي يحقق المحبة والأخوة الصادقة وينقذ الأمة الإسلامية وهذه البلادَ من المخاطر. فلا يكون أحد شريكا في جناية ارتكبها آخر ولو كان أخاه وعشيرته وطائفته وحزبه، إلّا إذا مال إلى تلك الجنام السيكون مسؤولا عنها في الآخرة وليس في الدنيا.
فما لم يؤخذ هذا الدستور قانونا أساسا فإن المجتمع البشري سيتردى برجعية وحشية إلى أسفل سافلين مثل الدمار الفظيع الذي ولدّته الحربان العاليه الع
ألا ما أشقى أولئك الذين يُطلقون على هذا القانون -قانون القرآن العظيم- اسم الرجعية، ويرضون بقانون وحشي جاهلي وينفّذونه في سياساتهم ويجعلونه ركيزتهم في الإدارة، والذي يُضحَّى فيه بالفرد لأجل الجماعة،فظ أهلُؤخَذُ حقوقُ الأفراد بنظر الاعتبار لأجل سلامة الوطن، ولا يكترث للمظالم الجزئية لأجل سلامة سياسة الدولة، ويُدمَّر مدينةٌ كاملة وما فيها من مئات الألوف من الأبرياء بجريرة جانٍ على رسويجوِّز -هذا القانون- إعدامَ ألف شخص بجناية شخص واحد، ويفرض الضيق والعنت على أُلوف الأبرياء لجرح أصابَ شخصا واحدا.
وحسب هذه الحجة لا يُعبأ بإعدام مائتي شخص بالرصاص مثلما أُفني ثلاثون مليونا ماء أجیخاص في الحرب العالمية الأولى للسياسة الخاطئة التي ارتكبها ثلاثةُ آلاف شخص. وقس على هذا المنوال أُلوف الأمثلة.
إن لطلاب القرآن وخدّامه إزاء هذه المظالم الفظيعة لهذه الرجعية الوحشية مئات من قوانين القرآن ااتِ الة من أمثال
ولا تزر وازرة وزر اخرى
(الأنعام:١٦٤) التي تحقق
— 355 —
العدالة الحقة والاتحاد والأخوة. فإطلاق الرجعية على أهل الإيمان الذين يحققون العدل والأخوة، واتهامُهم بذلك يشبه تفضيلَ ظلمِ "يزيد" الملذواق دى عدالة "عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه" وكترجيح محاكم التفتيش على عدالة القرآن الكريم العظيمة.
لذا ينبغي لأهل السياسة الذين يسعَون للحفاظ على سلامة هذه البلاد ولحكومتها الإسلامية أن يأخذوا هذه الحقيقة بنظر الاعتبار.م" فتُفه فإن التيارات المعارِضة للحكومة وإصرارَها على المعارضة تنهك القوى، فلا تكفي تلك القوةُ الضعيفة لضمان مصالح البلاد وإرساء النظام، ولا تحافظ على كيانها ولو بالاستبداد.
وما هذا إلّويكون المجال لبذر بذور الثورة الفرنسية في هذه البلاد. و هذا مما يستحق القلق عليه.
مادامت تُعطي رشاوى من التنازلات المعنوية لأجل إقرار السياسة الأجنبية مقابل ما يقدمونه من مساعدات تافهة مؤقتة، بسبب ما نعانيه من الضعف الناشئ من الاختلعشر دقى غدت اللامبالاة تهيمن على أخوّة أربعمائة مليون من المسلمين وعدم الاكتراث بمسلك مليار من الأسلاف العظام، بل رأوا أنفسهم مضطرين إلى دفع مَبالغ ضخمة كمرتّبات للموظفين لأجل عدم الإضرار بإدارة الدولة ونظام البلاد من دون مرا المصنا يعانيه الناس من فقر مدقع.
إن ما يعطيه أربابُ السياسة الحاليون في هذه البلاد من رشاوى إلى الغرب وإلى الأجانب ومن تنازلات سياسية و معنوية، عليهم أن يعطوا عشرة أمثالها بل ينبغي لهم أن يدفعوها لأجل إقرار أخوة أربعمائة مليون من المسلمين بعنف. ستتشكل على صورة جمهوريات إسلامية متحدة. وذلك لأجل سلامة هذه البلاد والحفاظ على كيان هذه الأمة، وسوف يكون ذلك هدية ضرورية وأتاوة لا ضرر فيها.
فتلك الرشوة الواجبة، الجائزة النافعة جدّا بل الضرورية المقبولة هي اتخاذ الدث أيضاالمقدسة منهجا للعمل، تلك الدساتير التي هي أساس التعاون الإسلامي وهي هدايا سماوية من القرآن الكريم توثِق الرابطة بين المسلمين بل هي قانونهم المقدس الأساس وهي: انما المؤم٩٥٠ حيوة (الحجرات:١٠)، واعتصمیوا بحبیل اللّٰه جميعیًا (آل عمران:١٠٣)، ولا تنازعوا فتفشلوا (الأنفال:٤٦).
— 356 —
ملاحظة:يرد في هذا الموضع من النص التركي "إفادة المرام ومقدمة سورة الفاتحة" من كتاب إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" تراجع في موضعها لا شيمترجم.

* * *

(لِمَ تركتَ السياسة بعد الاندفاع فيها؟)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما..
إخوتي الأعزاء الأوفياء الصادقين!
أولا:بملء روحي ذين يَي أهنئ أعيادكم المعنوية والمادية، السابقة منها واللاحقة وأُبارك لياليكم المباركة الطيبة، وأسأل رحمة المولى القدير وأتضرع إليه تعالى أن يتقبل منكم طاعاتكم ودعواتكم المخلصة.
ثانيا:لقد اضطررت إلى أن أجيب عن سؤالَيهم المهمَّين إجابة خاصة لى الشرِدان من جهات كثيرة:
سؤالهم الأول:لقد كنتَ سابقا وفي بداية عهد الحرية منهمكا جدّا في السياسة ومندفعا إليها بحرارة؛ وها قد مرت أربعون سنة وقد تركت السياسة كليا، فلماذا؟
الجواب:إن القانون الأساس للسابة غنلبشرية هو: أنه يضحَّى بالأفراد من أجل سلامة الأمة، ويُفدى بالأشخاص حفاظا على الجماعة، ويَرخص كل شيء في سبيل حماية الوطن.
فجميعُ الجرائم البشعة التي ارتُكبت في البشرية إلى الآن إنما ارت وقلبهلاستعمال السيء لهذه القاعدة ولهذا القانون الأساس، فلقد تيقنتُ من هذا يقينا قاطعا. فهذا القانون البشري الأساس ليس له حدٌّ معين ولا ضوابط مخصصة، لذا فیقید مهّید السبيل للتیلاعب باستعماله بكثرة.
— 357 —
إن الحربَيزان والميتين قد نشبتا من سوء استعمال هذا القانون البَشري الأساس، فأبادت نهائيا ما توصلت إليه البشرية من رقي منذ ألف سنة، كما سمح هذا القانون بأخذ تسعين بريئا بجريرة عشرة من الجناة، وأفتى بإبادتهم، كما سمح بتدمير قصَبة كاملة لجريمة مجرم واحد، لأغراضن، بل مستترة تحت اسم المصلحة العامة.
ولما كانت "رسائل النور" قد وضّحت هذه الحقيقة في كثير من أجزائها وفي "الدفاعات" أحيل القارئ الكريم إليهمان الوهكذا، ولقد وجدت عوضا عن هذا القانون البشري الأساس الغادر، القانونَ الأساس للقرآن العظيم النازل من العرش الأعظم، وذلك في الآيتين الآتيتين:
ولا تزر وازرة وزر اخرى
(الأنعام:١٦٤)،
من قتل نضا من غير نفسٍ أو فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا
(المائدة:٣٢)؛ فهاتان الآيتان تعلّمان القاعدة الجليلة الآتية: "لا يؤاخَذ أحدٌ تشكّلة شخص آخر. ثم إن البريء لا يُضحّى به -حتى من أجل جميع الناس- دون رضاه، ولكن لو ضحّى بنفسه بإرادته وبرضاه فتلك مرتبة الشهادة". هذه القاعدة الجاني:مي التي ترسي العدالة الحقة في البشرية. أُحيلُ تفاصيلها إلى رسائل النور.
سؤالهم الثاني:لقد كنتَ -فيما مضى- في أثناء تجوالك بين العشائر البدوية في شرقي الأناضول تدعوهم إلى التحضر وتحثهم بلهفة وشوق على التمدن والرقي فيي صفهات حياتهم، فلماذا انسللت -منذ نحو أربعين سنة- من المدنية الحاضرة ووصفتها بأنها دنيّة وليست مدنية وجانبتَ الحياة الاجتماعية وسحبتَ نفسك إلى العزلة والانزواء؟..
الجواب:إن المدنية الحاضرأقول: بية، لسلوكها طريقا مناقضا لأسس دساتير السماء، وقيامِها بمناهضتها، فقد طفحَ كيلُ سيئاتها على حسناتها وثقلت كفةُ أضرارها على فوائدها؛ فلقد اضطرب أمنُ الناس واطمئنانهم، وأُقلقوا وأَسِنت سعادتُهيزا فييقية، فاختل ما هو مطلوب من المدنية ومقصود منها. حيث قد حلّت بسببها نوازع الإسراف والسفاهة محل بوادر الاقتصاد والقناعة، واستُمرئتْ ميولُ الك الطالدعة وهُجرت مراعى السعي والعمل. ولقد أَلبستْ -هذه المدنية- البشريةَ المضطربة لباس الفقر المدقع وكسَتها أثواب الكسل والتقاعس الرهيب.
— 358 —
واستنادا إلى ما بذلت به رسائل النور من إيضاح الدستور الذي يخاطب به القرآن الكريم في ندائه العُلوي:
وكلوا واشرَبوا ولا تُسرفوا
(الأعراف:٣١)، وكذلك في قوله تعالى:الصانعليسَ للإنسان إلّا ما سَعى
(النجم:٣٩)
فقد أشارت تلك الرسائل-مستضيئة بنور الآيتين المذكورتين- إلى أن سعادة حياة البشرية منوطة بالاقتصاد وعدم الإسراف، وعلى إثارة الهمم للسعي والعمل والكدّ.. وأنه تراهم الشرطين يتم التآلف والوئام بين طبقتي البشرية؛ الخواص والعوام. لذا سأتحدث عن مسألتين لطيفتين، نكتتين قصيرتين وهما الآتيتان:
أولاهماحكمةَ البشر في عهد البداوة تعوزهم ثلاثة أو أربعة أشياء، وكان اثنان من كل عشرة أشخاص يعجزان عن تدارك تلك الأشییياء الثلاثة أو الأربعة. بينما في الوقت الحاضر تحت سطوة المدنية الغربية المستبدة، المتميزةِ بإثارة سوء الاستعمال، والذ الصدى الإسراف، وتهييج الشهوات، وإدخال الحاجات والمطالب غير الضرورية في حكم المطالب والحاجات الضرورية؛ فقد أصبح الإنسان العصري من حيث حبّ التقليد والإدمان مفتقرا إلى عشوذلك بجة بدلا من أربع منها ضروريةٍ. وقد لا يستطيع إلّا شخصان من كل عشرين شخصا أن يلبّوا تلك الحاجات العشرين من مصدرٍ حلال بشكل مباح. ويبقى الآخرون الثرام واعشر محتاجين وفقراء. فهذه المدنية الحاضرة إذن تجعل الإنسان فقيرا جدّا ومعوزا دائما، ولقد ساقت البشريةَ -من جهة تلك الحاجة- إلى مزيد من الكسب الحرام، وإلى ا المخاأنواع من الظلم والغبن، وشجعت طبقةَ العوام المساكين على الصراع والتخاصم المستمر مع الخواص، وذلك بهجرها القانون الأساس الذي سنّه القرآن الكريم القاضي بوجوب الزكاة وتحريم الربا والذي يُحقق بواسطتهما توقير العامة للخاصة، ويوفّر بهولو سقفقة الخاصة على العامة. فبهجرها ذلك القانون الأساس أرغمت البرجوازيين على ظلم الفقراء وهضم حقوقهم، وأجبرت الفقراءَ على العصيان والتمرد في معاملتهم معهم. فدمّرت سعادة البشرية وهذا من وأمنَها واطمئنانها وجعلتها أثرا بعد عين.
— 359 —
النكتة الثانية:إن ما أنجزته هذه المدنية الحاضرة من خوارق -في ساحة العلم- نِعَمٌ رِبانية ون بها شكرا خالصا من الإنسان على ما أُنعم عليه، وتقتضي منه كذلك استخداما ملائما لها لفائدة البشرية ومنفعتهم. بيد أننا نرى الآن خلاف ذلك؛ إذ يقود قسم مهم من تلك الخوارق الناسَ ويوردهم موارلعاجلةل والسفاهة... إذ إنها تذكّي نار الأهواء النفسانية، وتثير كوامن النیزعات الشهوانية، فتُقعِد الإنسان عن الكدّ والسعي وتثنيه عن الشوق إلى العمل، وتسوقه -بعدم القناعة وعدم الاقتصاد- إلى السفاهة والإسراف والظلم وارتكاب المحرماتنه لم ُورد مثالا على ذلك، مثلما ذكر في رسالة "مفتاح عالَم النور":
الراديو نعمةٌ إلهية عظيمة على البشرية، فبينما تقتضي شكرا معنويا منّا عليها وذلك باستخدامها لمصلحة البشرية كافة، نرى أربعة أخماس استعمالاتها تُصرَف في إثار وأن سواء النفسانية، وإلى أمور تافهة لا تعني الإنسان في شيء، فتجتث جذورَ شوق الإنسان إلى السعي وتُوقعه في الكسل والإخلاد إلى الراحة والاستمتاع بالاستماع إليها، حتى يدع الإنسانُ وظيفة حياته الحقيقية. وفي الوقت الذي يلزوتختفيه قسم من الوسائط والوسائل الخارقة النافعة وصرفُها في تيسير مصالح البشرية الحقيقية واستخدامها في سبيل السعي والعمل لأجل خير البشرية وتوفير حاجاتها الحقيقية وتذليل مشاقها، فقد رأيتُ بنفسي، أنها لا تُصرف إلّا إلى واحد أو اثنين من عشرة في تلمصيبةلك الحاجات الضرورية وتُساق الثمانية الباقية من العشرة إلى اللهو والاسترسال في إثارة الهوى والاسترخاء والدعة والكسل وقضاء الوقت.
وهناك ألوف الأمثلة على هذين المثالين الجزئيين.
وحاصل الكلام:أن المسبق الغربية الحاضرة لا تلقي السمعَ كليا إلى الأديان السماوية؛ لذا أوقعت البشريةَ في فقرٍ مدقع، وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار الإسراف والحرص والطمع عندها بعد أن قوّضت أساستقوى وصاد والقناعة، وفتحت أمامها سُبل الظلم وارتكاب المحّرمات. زد على ذلك فقد ألقت -بذلك- الإنسانَ المحتاج المسكين في أحضان الكسل والتعطيل المدمّر، بعد أن لشؤون على وسائل السفاهة. وهكذا
— 360 —
بددت الشوقَ لديه إلى السعي والعمل، فأضاع الإنسان عمرَه الثمين سدًى باتباعه هوى المدنية الحاضرة وبسيره وراء سفاهتها ولَهوها.
زد على ذلك فقد ولّدت المدنية في ذلك الإنسان المعوز العاطل أمراضا وأسقاأكتب للا، إذ أصبحت وسيلةً، إلى انتشار مئات من الأوبئة والأمراض في أرجاء المعمورة. بثتها في الأوساط بسوء الاستعمال والإسراف.
ففضلا عن هذه العلل الثلاثة التي ولّدتها المدنية وهي الحاجة الماسة والميل إلى السفاهة، وكثرة اا. بل المذكّرة بالموت، فإنه بتفشي الإلحاد وتوغله فيها استيقظت البشرية من غفوتها، وإذا بالمدنية تهددّها باستمرار، بإظهار الموت تجاهها إعداما أبديا، فجرّعتها نوعا من عذاب جهنم في الدنيا.
فإزاء هذه المصيبة الرهيبة النازلة بساحة البشرية يداوي القرآن فأنا م تلك الجروح الثلاثة البليغة بصحوةِ تلاميذه الذين يربون على أربعمائة مليون تلميذ وبما يضمه من قوانين مقدسة سماوية مثلما عالج علاجا شافيا أدواء البشرية قبل ألف وثلاثمائة سنة، فإنه مستعد لتضميد تلك الجراحات الغائر الشخصنينه الأساسية السامية.. فضلا عن أنه الكفيل بتحقيق سعادة دنيوية وأخروية للبشرية ما لم تقم على رأسها قيامة مفاجئة.. زد على ذلك فإنه يبين لها أن الموت ما هو إلّا تسريح من الوظيفة وتذكرةُ ترخيصٍ للدخول إلى عالم النور بدلا من كونه إعداما حاجة إ. وأن كفة حسنات الحضارة النابعة منه ستتغلب حتما على سيئات المدنية الحاضرة، بل يجعل المدنية سائرة في ركاب تلك القوانين السماوية، تخدمها وتعينها بدلا مما يحدث إلى الآن من تنازل قسم من الدين لقسم من المدنية. ومن شرة هؤكام الدين رشوة في سبيل المدنية. كل ذلك يُفهم من إشارات القرآن المعجز البيان ومن رموزه، فترجو البشرية الصاحية الحاضرة ذلك العلاج القدسي من رد من قعالى وتتضرع إليه وتطلبه.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي

* * *

— 361 —
١٨/١/ ١٩٥٨
(اتخاذ البيت مدرسة نورية)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام ذين يحورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما...
إخوتي الأعزاء الأوفياء، ويا طلاب النور لمدرسة الزهراء المعنوية!
عندما قدمت إلى إسبارطة طرق سمعي أنه ستفتح مدرسة الوعظ والخطابة والإمامة فيها. فخطر على القلب: فتحُ مدرسة نورية في الأماكن المجاورميامينلك المدرسة، وذلك لجعلها نوعا من مدرسة نورية، إذ إن معظم الذين سيسجلون فيها هم من طلاب النور.
وقد فُهم من مجيء الرجال والنساء زرافاتٍ ووحدانا إلى إسبارطة بعد يومين منهم راج إليها، وبعد إشاعة الخبر وكأنني سأُلقي درسا عاما للناس، أنه لو فتحت مدرسة نورية شبه رسمية عامة فستكون مكتظة ومزدحمة لتوافد الناس إليها كما توافدوا لمشاهدتنا عند ذهابنخطر علمحكمة أفيوُن. ولاحتمال حدوث أمثال هذه التجمعات التي لا معنى لها تركتُ تلك الخاطرة. ولكن خطرت هذه الحقيقة على القلب:
ليحوّل كلُّ شخص بيتَه إلى مدرسة نورية يتدارسون فيها مع أطفاله وأهل بيته، وإن لم يكن له أحد وكان وحيداالتي تذ مع بضع أفراد من جيرانه أحدَ المساكن مدرسة نورية يتدارسون فيه رسائل النور أو يستمعون لها أو يستنسخونها، وذلك في الأوقات التي يتفرغون فيها عن أعمالهم ومشيء، عل إذ الانشغال بهذه الرسائل ولو لعشر دقائق يثيب صاحبَه ثواب طالب علم حقيقي، فضلا عن كسبه ثواب خمسة أنوار من العبادات المذكورة في رسالة الإخلاص، علاور، إنمتحول عاداته ومعاملاته الاعتيادية لمتطلبات معيشته عبادة يُثاب عليها، كما هي الحال لدى طالب العلم. هكذا ورد إلى القلب وأنا بدوري أبيّنه لإخوتي.
الباقي هو الباقي
أخوكم المريض
سعيد النورسي
— 362 —
(الدروسكلمات عني)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
أولا:أقدم مائة ألف شكر وشكر إلى الرب الجليل الذي حقق بكم، أنتم أرصلدة ورسة الزهراء، الحقيقةَ المعنوية لمدرسة الزهراء، التي كانت هدفَ خيالي وغايةَ حياتي طوال خمس وخمسين سنة.
ثانيا:لقد حُرمتُ من المحاورة مع إخوتي طلابِ النور والمجالسةِ معهم من جراء المرض ولأسباب أخرى. لذا فإنني أُوكل -عو فلقد - الدروسَ التي لقَّنَتها رسائلُ النور سعيدا الجديد في مدرسة القرآن، والدروسَ التي تعلّمها سعيدُ القديم من الحياة الاجتماعية -كالخطبة الشامية وذيولها- فأوكل جهة كمَ والمحاورات في تلك الدروس لتُنوبَ عن أخيكم هذا الضعيف المشتاق إليكم في محاوراته.
ثالثا:أقدم تعازي إلى البطل "طاهري" الطالب الخاص الخالص لرسائل النور والناشر لها والذي اتخذ بيتَه مدرسةً نورية صغيرة، وذلك لوفاة والده الذي وهَبه لدائباختلاور. وأعزي أقاربَه وذويه وإسبارطة ودائرة رسائل النور سائلا المولى القدير أن يُنیزل الرحمات إلى روحه بعدد حروف رسائل النور...
الباقي هشئتم".قي
أخوكم المريض
سعيد النورسي

* * *

— 363 —
(اعتراض ولي عظيم)
باسمه سبحانه
إخوتي الأعزاء!
حصلتُ على مؤلَّف مطبوع لسعيأن ننظيم "المناظرات" ونظرت إليه بلهفة وإنعام نظر. فوردتْ إلى القلب هذه الفقرة الآتية:
أولًا:إن هذا المؤلَّف الذي طبع في مطبعة "أبو الضياء" سنة ١٣٢٩ (١٩١٣م) هو الدرس الذي ألقاه سعيد القديم بين عشائر الأَرتُوش ولاسيما عشائر "كَوْدَان وعة" لهُورَان"، لأجل إفهام الشورى الشرعية للعشائر فهمًا صائبًا وحَملِهم على قبولها، وذلك في السنة الثالثة من عهد الحرية، ولكن لم أحصل على هذا المؤلّف مع الأسف رغم بحثي عم صباح ثلاثين سنة، إلّا أن أحدهم حصل على نسخة منه فأرسلها إليّ.
طالعت الكتاب بإمعان وبعقل سعيد القديم وبسانحات سعيد الجديد، فأدركت أن سیعيدًا القديم بهذا: سّ عجيب مسبَق -قبل الوقوع- الوقائعَ المادية والمعنوية التي تَحدُث الآن، فقد شعر بها قبل حوالي أربعين سنة؛ إذ إنه شیاهد ما وراء ستار العشائر الكردية، الخونةَ الذين جبل يحتذا الزمان قناعًا لهم وهم الملحدون الجاهلون الحقيقيون والرجعيون الذين يحاولون تحت ستار الوطنية إرجاع هذه الأمة إلى عاداتها السابقة قبل عهد الإسلام. فتكلم سعيد القديم معهم بشدة وحاورهمك على
ثانيًا:قرأت الصفحات التي يبدو فيها أن بين المستمعين لدرسي ذاك وليّا عظيما -دون علمي به- فقد اعترض اعتراضًا شديدًا في ذلك المقام إذ قال: "أنت تغالي وتُفرط، إذلقد شا الخيال عينَ الحقيقة وتُهيننا بظنك أننا جهلاء، فنحن في عصر آخر الزمان والفساد يستشري وسينقلب من سيء إلى أسوأ".
وكان الجواب في الكتاب: لماذا تكون الدنياالسامي تقدمٍ وترقٍ للجميع، وتكون لنا وحدنا ميدان تأخر وتدنٍ. فهل الأمر هكذا؟ فها أنذا آليتُ على نفسي ألّا أخاطبكم، فأدير إليكم ظهري وأتوجه بالخطاب إلى القادمين في المستقب يبين 4
أيا من اختفى خلف عصر شاهق لما بعد ثلاثمائة سنة، [٭]: المقصود لما بعد ألف وثلاثمائة سنة. يستمع إلى كلمات النیور بصمت وسكون، ويلمحنا بنظر خفي غيبيّ.. أيا من تتسمّون بی"سعيد وحمزة، وعمر وعثمان وطاهر ويوسف وأحمد وأمثالهلحقيقيني أتوجه بالخطاب إليكم:
ارفعوا هاماتكم وقولوا: "لقد صدقت" وليكن هذا التصديق ديْنًا في أعناقكم. إن معاصريّ هؤلاء وإن كانوا لا يعيرون سمعًا لأقوالي، لندعهم وشأنهم، إنني أتكللمكاتي عبیر أمواج الأثير الممتدة من الوديان السحيقة للماضي -المسمّى بالتاريخ- إلى ذرى مستقبلكم الرفيع. ما حيلتي، لقد استعجلت وشاءت الأقدار أن آتي إلى خضم الحياة في شتائها.. أما أنتم فطوبى لكم،ن أن أن إليها في ربيع زاهر كالجنة، إن ما يزرع الآن ويستنبت من بذور النور ستتفتح أزاهيرَ يانعة في أرضكم.. نحن ننتظر منكم لقاء خدماتنا.. أنكم إذا جئتم لتَعبروا إلى سفوح ل الثا، عوجوا إلى قبورنا، واغرسوا بعض هدايا ذلك الربيع على قمة القلعة. (أي كما ذكر في الرجاء الثالث عشر من رسالة "الشيوخ" أنه بوفاة مدرسة "خُورْخور" التي هي تحت قلعة "وَانْ" ال من الالتي هي مدرسة ابتدائية لمدرسة الزهراء، وغلقِ المدارس الشرعية في الأناضول كافة الدال على وفاتها، [٭]: وذلك بقانون توحيد التدريسات: العدد رقم ٤٣٠، التاريخ ٣/٣/١٣٤٠ رومي (١٦/٣/١٩٢٤م)، أُلغي بموجبه جميع الدروس الواعة، فأُغلقت جميع المدارس التي تدرس القرآن الكريم والدين. توفيت جميع المدارس، وكأن قلعة "وان" صارت شاهدًا لقبرها العظيم. فيا أيها المُقبلون بعد ثلاثمائة سنة، ازرعوا على الأوليه القلعة زهرة مدرسة نورية). أي ابنوا جسمَ مدرسة الزهراء التي تعيش روحًا ضمن هيئة واسعة، ولم تُبعث جسما. علما أن سعيدا القديم قد قضى معظم حياته في سبيل ت الغفللك المدرسة. وقد سجّل حقائق مهمة في مؤلَّفه ذاك سواء في تأسيسها أو في فوائدها.
وإنه لفأل حسن بعد انكسارِ حدّةِ الاستبداد الرهيب "سنة ١٩٥٠" الذي دام خمسًا وعشرين سنة، والذي أنهى جانب.المدارس الشرعية، قرارُ وزير المعارف "توفيق إيلري" على إنشاء مدرسة الزهراء في "وان" باسم جامعة الشرق، واستصوب رئيسُ الجمهورية "جلال بايار" -من حيث لم يحتسب- قرار الوزير وجعله ضمن قائمة المسائل المهمة. وهذا ما علوم ومناه سعيد قبل أربعين سنة، وسيتحقق بإذن اللّٰه.
نبيّن هنا ثلاث حقائق لإيضاح جواب سعيد القديم الذي قاله قبل خمس وأربعين سنة.
— 365 —
الحقيقة الأولى:لقد شعر سعيد القدين الآيمسبَق بحادثتين عجيبتين. ولكن كان يقتضي التعبيرَ كما في الرؤى الصادقة. إذ لو نظر أحدُهم إلى شيء أبيض من خلال ستار أحمر فإنه يراه أحمر، فسعيد القديم كذلك نظر إلى تلك الحقيقة من خلال ستار السياسة الإسلامية فأبدلت صورة أبيّيقة شكلَها شيئا ما. وقد عرف ذلك الوليُّ الصالح الحاضر في المجلس خطأَ سعيد القديم فاعترض عليه من تلك الجهة.
وتلك الحقيقة قسمان:
القسم الأول:سيظهر نورٌ ساطع عظيم في المملكة العثمانية، حتى كان سعيد يبشر به طلابه قبل عهد الحرية وفجعة جعديدة مسرّيا عنهم، وأن ذلك النور سيحقق السعادة لهذا الوطن رغم التخريبات والفساد المشاهَد. وهكذا أظهرت رسائلُ النور -بعد أربعين سنة- تلك الحقيقة حتى للعيووام شيموسة.
فلقد عبّر سعيد القديم عما استشعره من منافعِ ذلك النور الجليلة الواسعة وبنوعيتها الراقية، فكأن ذلك النور سيظهر في المملكة العثمانية كلها مشاهدا إياه من خلال السياسة من دون أن يأخذ بنظر الاعتبار كمية النور القليلة وسعته الض أنني فكان سعيد القديم محقا إلى حدٍّ ما كما أن ذلك الولي محقٌّ ومصيب في اعتراضه برؤيته الدائرة الضيقة واسعة.
لأن دائرة رسائل النور الضيقة واسعةٌ جدّا من حيث إنقاذها الإيمان. حيث إنها تنقذ الحياةفاته.
ية. فمليون من طلابها في حكم المليار. أي إن محاولة إسعاد ألفٍ من الأشخاص في الآخرة أفضل بكثير من إسعاد مليار من الأشخاص في حياتهم الدنيوية والمدنية، وأوسع منها معنى، فذلك الذي شاهده سعيد القديم بذلكثانيه!المسبَق الشبيه بالرؤيا الصادقة. أي إن ذلك النور الضيق سيحيط بالمملكة العثمانية كلها.
ولعل اللّٰه سيجعل تلك الدائرة الواسعة منوَّرة بنمو ما تزرعه رسائلُ النور من بذور نورانية، بعد مائة سنة. وعندها تتبين صحةُ تعبيره الخطأِ.
#366وضعيف حقيقة الثانية:كان سعيد القديم يخبر طلابه -في مؤلفاته القديمة وفي إفادة المرام لإشارات الإعجاز- ويقول لهم مكررًا: ستحدث زلزلة اجتماعية بشرية عظيمة، زلزلة مادية ومعنوية، فيها مونني على اعتكافي وانزوائي وبقائي عزبًا.
حتى إنه في السنة الأولى من عهد الحرية سأل الشيخُ بخيت -مفتى الديار المصرية- سعيدا القديم: ما تقول في والنس الحرية العثمانية والمدنية الأوربائية؟ فأجابه سعيد:
"إن الدولة العثمانية حاملة بدولة أوروبائية وستلد يوما ما، وإن أوروبا حاملة بالإسلامية وستلد يوما ما".
فقال له الشيخ الجليل: وأناوضعًا ما يقوله. ثم قال لمن حوله من العلماء: لا أناقش هذا ولا أتمكن أن أغلبه.
فلقد شاهدنا الولادةَ الأولى، أنها سبقت أوروبا في بُعدها عن الدين بربع قرن.
أما الولادة الثانية: فستظهر بعد حوالي ثلاثين سنة بإذن اللّٰه. ستظهر في الشرق والغربلأساسيإسلامية.
الحقيقة الثالثة:كان سعيد القديم -والجديد- يخبر بحس مسبق وبإصرار بالغ وبتكرار عن حادثة عظيمة معنوية ومادية وظهور زلزال اجتماعي بشري رهيب مدمّر في الدولة العثمانية. والحال أنه رأى بذلك الحس ما في الدائرة الدنية جدّا في دائرة ضيقة. ورغم أن الزمان صدّقه بالحرب العالمية الثانية تصديقا تاما، فهو يعبّر عن رؤيته تلك الدائرة الواسعة في المملكة العثمانية بالآتي:
رغم أن الدمار الذي ولّدته الحرب العالمية الثانية واسع ج لم أفنه ضيق بالنسبة للدمار الذي حصل في الدولة العثمانية، حيث إنه متوجه إلى الحياة الدنيوية والمدنية الزائفة. بينما الذي حصل في الدولة العثمانية دمارٌ للحياة الباقية والسعادة الدائمة. فهذا الدمار كون وسإسلامية أفظع وأرهب من حيث المعنى من تلك الحرب. وبهذا يصحِّح ما سها عنه سعيدٌ القديم ويعبّر
— 367 —
عن رؤياه الصادقة ويُظهر للعيون حسَّه المسبق. ويرح باب الوقت نفسه اعتراض ذلك الولي الفاضل الذي يبدو حقا، بإثباته أن الحس المسبق لسعيد القديم أحقّ منه.

* * *

(التضحية الصديقية)نشرت كلٌّ من صحيفة بويوك جهاد (الجهاد الأكبر) و"سبيل الرشاد" ما أعلنتُه، وهو: أنني لا أجعل خدمة الإيمان والدكل ثمرائل النور أداةً للسياسة الدنيوية، ولاسيما للوصول إلى كمالات معنوية ومقامات رفيعة، كذلك لا أجعلها وسيلة لبلوغ ما يهش له الناس من سعادة أبدية ونجاة من النار، بل هي خالصة لوجه اللّٰه ولابتغف والناته وحده وتنفيذا لأمره سبحانه. وما ألجأني إلى هذا الأمر إلّا الإخلاص الحقيقي الذي هو القوة الحقيقية للنور، علّني أحظى بذرّةٍ من التضحية السامية التي كان الصدّيق الأكبر رضي اللّٰه عنه يتحلى بها، حيث قال: "أسأله تعالى أن يكبر جسمي ليات. إننم حتى لا يبقى موضع لمؤمن، أُعذب عوضا عنهم". فأنا أرضى كذلك بدخول النار لأُنقذ بضع أشخاص منها بالإيمان.
ومن المعلوم أن العبادة لا تؤدّى طمعا في الجنة ولا خوفا من النار، بل للأمرالثعابني وابتغاء مرضاته سبحانه.

* * *

(حول تحضير الأرواح)
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما.
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد تحقق بأمارات كثيرة وحوادثًا، فأ أن أعداء طلاب النور يدبّرون خططا شتى ليحملوا بعض طلابِ رسائل النور الخواص على التخلي عن خدمة النور أو التراخي والتخاذل عن العمل، وذلك بكشف ما لديهم من عِرق ضعيف.
— 368 —
نبين أدنافجعة اذجين اثنين ليكونا موضع عبرة وعظة:
الأنموذج الأول:هو لفت نظر عدد من طلاب رسائل النور الخواص المرتبطين ارتباطا قويا بخدمة النور، وصرفُ تفكيرهم إلى جهةٍ غير الخدمة، بإشغالهم بمشارب روحانية ذات أذواق، مما يفتتّ صلابتهم ويوهن ارتبزلها.
لوثيق، أو بإشغالهم بتلقي الأخبار عن الأموات، المسمى بتحضير الأرواح، وهو مخابرة مع الجن، أو بإشغالهم بالتنبؤ عن أخبار مستقبلية كما كان لدى الكهانعمالهمقين، فكأنهم يتصلون مع أولياء عظام أو حتى مع الأنبياء عليهم السلام، ويُجرون معهم ما يشبه المحاورة.. وأمثال هذه الأمور.
ولما كانت هذه المسألة (تحد ما يأرواح والتنبؤ بالغيب) آتيةً من الأجانب ونابعةً من الفلسفة فقد تؤدى إلى أضرار جسيمة بالمؤمنين، حيث يمكن استعمالها استعمالا سيئا، إذ لو كان فيها صدقٌ واحد ففيها عشرةُ أكاذيب. ولا محكَّ ولا مقياسَ لتمييز الصدق عن الكذب. وبهذه الوسيلة يُلحق معنى أالذين يُعينون الأرواح الخبيثة- الضررَ بقلب المنشغل بها وبالإسلام أيضا؛ ذلك لأنها إخبارات تنافي حقائقَ الإسلام وتعارض عقائدَه العامة مع أنها تزاوَل باسم أمور روحية معنوية، حيث يوحون بأنهم أرواحٌ طيبة مع أنهم أرواح خبيثة، بل حاتِ رسعون للإخلال بالأسس الإسلامية، أو يتفوهون بكلمات مقلّدين أسماء أولياءٍ عظام، وبهذا يستطيعون تغيير الحقيقة والتمويه على السذج الذين يكونون ضحية خداعاتهم..
فلو قالت جلوة الشمس التي تُشاهَد فيلذي يهزجاج صغيرة -متكلمة باسمها- إن ضيائي يستولي على الدنيا وحرارتي تحمي كل شيء، وأنا أكبر بمليون مرة من الكرة الأرضية. كم يكون كلامُها خلافا للحقيقة!
فالنبي الذي في مقامه الحقيقي الرفيع كالشمس الساطعة، لا يمكن أن تتكلم جلوتُه باسأنهما ى تحضير الأرواح أو التنبؤ بالمستقبل. ولو تكلمتْ باسم النبي لكان كلامُها مخالفا كليا بمئات الأضعاف. فلا يمكن قياسُ ظهورِ جلوة جزئية لدى تحضير الأرواح أو التنبؤِ بالمستقبل أصلا وقطعا با أقدرة السامية الرفيعة لصاحب الوحي الذي هو كالشمس المعنوية، لذا لا يمكن جلبُ تلك الحقيقة العظمى قطعا، بل إن جلبها سوءُ أدب وإهانةٌ وعدمُ احترام
— 369 —
ليس إلّا، وإنما يمكن الرقي بالسيرأستاذنوك للتقرب من ذلك المقام الرفيع والحظوة بالمحاورة والمجالسة مع تلك الشمس الحقيقة كما حدث لجلال الدين السيوطى وأولياء آخرين. مع العلم أن هذا الرقي ب.
لسة ومحاورة مع ولايته (ص) -كما أثبتته رسائل النور- ولا يكون هذا إلّا حسب قابلياتهم ووفق استعداداتهم الذاتية. ولكن حقيقة النبوة لكونها أرفع وأسمى وأعلى بكثير من الولاية، فإن اللّٰهرة التي تُنال بالرقي الروحي أو بوساطة تحضير الأرواح والتلقي منها، لا تبلغ حقيقةَ المحاورة والتلقي من النبي تلقيا حقيقيا بأي جهة كانت، ولا يكون محورا للأحكام الشرعية قطعا.
إن تحضير الأرواحن الطلتي من الإيغال في دقائق الفلسفة، وليس من الدين، حركةٌ تخالف الحقيقة وتنافي الأدبَ اللائق والاحترام الواجب. لأن جلب أرواح مَن هم في أعلى عليين وفى المقامات السامية المقدسة إلى مائدة تحضير الأرواح، موضع الريم ال واللعب واللهو، في أسفل سافلين إنما هو إهانة عظيمة وعدم توقير محضٌ وسوء أدب. بل الحقيقة عينُها والأدب المحض والاحترام اللائق هو أن يحصل ما حصل للأفذاذ من أمثال جلابي الكن السيوطي وجلال الدين الرومي والإمام الرباني بالسمو الروحاني -بالسير والسلوك- إلى مرتبة القربية لأولئك الأشخاص السامين والاستفاضة منهم.
إن الشيطان الحسناح الخبيثة لا تتمثل في الرؤى الصادقة، بينما في تحضير الأرواح يمكن أن تتكلم الأرواح الخبيثة باسم نبي من الأنبياء مقلِدةً له خلافا للأحكام الشرعية والسنة النبوية الشريفة. فإن كان هذا التكلم مخالفا للأحكام الشرعية 1
و النبوية فهو دليل قاطع على أن المتكلم ليس هو من الأرواح الطيبة وليس حنيفا مسلما ومؤمنا، بل هو من الأرواح الخبيثة، يقلّد على هذه الصورة.
ثانيا:إن طلاب النور ليسوا بحاجة إلىة
من الإرشادات في مثل هذه الأمور حاليا، إذ رسائل النور قد بَيّنت حقيقة كل شيء، ولم تعد هناك حاجة إلى إيضاحات أخرى. فحسبُهم رسائل النور. وعلى الذين هم خارج طلاب رسائل النور ألّا يعيروا سمعا إلى مثل هلجدّي لقينات المخالفة للأحكام الشرعية والسنة النبوية، سواء عن طريق تحضير الأرواح أو عن غيرها. وهذا هو الألزم لهم. وبخلافه يحدث خطأ جسيم.
— 370 —
تنبيه:إن هذا النقد الشديد الوارد في هذه الرسالة حول المحاورة مع الأرواحلسوء.
ٌ على تلك الحركة النابعة من الفلسفة والعلم والتي تسمى تحضير الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنبؤ بالمستقبل، والتي اتخذت شكل الأمور الروحية والمعنوية. بمعنى أن هذا النقد القوي ليس موجها إلى التصوف وطردنا طريقة والنابع من الإسلام، وفيه ما يشبه المخابرة مع الأرواح، التي أُسيءَ استعمالها -إلى حدّ ما- بدخول مَن ليس أهلا فيها، ومع هذا ربما يكون لتلك المخابرة ضرر من جهة البعض إلّا أنها ليست خادعة ولا يُقصد منها الإضرار بالإسلام. فضلا عن هذا إن عديدةلمشرب الآتي من الأجانب هو مناف للطريقة الصوفية ويخالف الإسلام أيضا كما أنه يحاول هدم مسلك التصوف، ويهوّن من شأنه حتى يجعله أمرا اعتياديا.
أل تهنئةحذر أولئك المتصوفة الذين لم يحظَوا بعدُ -لضعفهم- باتباع السنة النبوية اتباعا كاملا، فلا يحاولوا التشبه بأولئك.
سعيد النورسي

* * *

حقيقة تخص حياتنا الاجتماعية أُخطرت على القلبتوجد على أرض الوطن أربعة أحزاب: الوفة الزب الشعب الجمهوري، والآخر: الحزب الديمقراطي، [٭]: انفصل عن حزب الشعب الجمهوري سنة ١٩٤٦، تولّى السلطة في سنة ١٩٥٠ بعد إحرازه الأغلبية العظمى في البرلمان ٤٠٨ نائبًا من بين ٤٥٠ نائبًا فأصبح جلال بايار رئيسُ الحزب رئيسًا للجمهورية وامه هذمندرس رئيسًا للوزراء. ومن منجزاته إعادة الأذان الشرعي، وإدخال دروس الدين في المدارس، وإذاعة برامج دينية، مع إعطاء الحرية النسبية في النشر. استمر في الحكم عشر سنوات حتى أزيح عنه بانقلاب عسكري سنة ١٩٦٠ وحومن الذان مندرس ورفقاءه بالإعدام. والآخر حزب الأمة، [٭]: تأسس سنة ١٩٤٨ منفصلًا عن الحزب الديمقراطي، لم يحز في الانتخابات سوى نائبًا واحدًا. أغلق سنة ١٩٥٤ بحجة استغلاله الدين لأغراض سياسية. ثم تأسس تحت أسماء مختلفة حتى فسخ نفسه سكم عدن٧. وآخر حزب الاتحاد الإسلامي.
إن حزب الاتحاد الإسلامي يستطيع أن يأخذ بناصية الحكم متى ما كان ستون إلى سبعين بالمائة منه تامّ التدين لئلا يحاول جعلَ الدين أداة للسياسة. بل ربما يُسخّر السياسة في سبيل الدين. ولكند بلغنألّا يتولى هذا الحزبُ الحكمَ حاليا، لأنه سيضطر إلى استغلال الدين في
— 371 —
إمرة السياسة لمجابهة جرائم السياسة الحالية وشرورها. حيث إن التربية الإسلامية قد أصابها اء عدم والخلل منذ زمن بعيد. [٭]: لم يتأسس هذا الحزب وإنما هو الشعور العام لدى الشعب المسلم ولدى أشخاص من أحزاب محافظة، بعد أن أصبح لهم شيء من الحرية في النشاط، علمًا أن بعضًا من الغيارى على الإسلام حاولوا إنشاءه إلا هوين مم يفلحوا. والنسبة المئوية تخص الذين يتولون إدارة الأمور في الدولة. ولعل المقصود من تام التدين هو عدم تجزئة شمولية الإسلام، لئلا يكون أداة للسياسة.
أما حزب الشعب الجمهوري: فإن جميع الجرائم التي اقترفها طوال ثمان وعشرين سنة،ا. أقوم غيره، علاوة على سيئات الاتحاد والترقي والماسونيين منهم، قد حُمّلت على هذا الحزب. فعلى الرغم من جميع هذه السيئات فإنه في حكم الغالب على الديمقراطيين من جهة، ذلك لأنادرتهم بعض الموظفين -تحت ستار القانون- رشوة عجيبة ولذيذة حقا، لأن الأنانية تتقوى بنقصان العبادة، فيزداد الداعون إلى فرعونية النفس. ففي مثل هذا الزمان الذي طغت فرعونيةُ النفس، أصبحت الوظيفة الحكومية تورث النفسَ روحَ التسلط والسيادة والفرعونية. علمااخلين مجرد قيام بخدمة الآخرين، وقد شعرتُ من طريقة التعامل التي يعاملونني بها، أن هذا الحزب يعطي مرتبة الحاكمية ذات المشاعر اللذيذة العجيبة إلى نفوس قسم من الموظفين وتمس لهم، فيغلب -في جهة- الديمقراطيين. على الرغم من جميع الجنايات المريعة ومن وجود نشريات الصحف التي لا تنتمي إليه. بينما الوظيفة هي خدمة الآخرين ليس إلّا، حسب الدستور الوارد في الحديث الشريف "سيد القوم خادمهم" [٭]: البيهقي، شعب الإيم الإيم٣٤؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١٠/١٨٧؛ الديلمي، المسند ٢/٣٢٤؛ المناوي، فيض القدير ٤/١٢٢. إذ القوة إن لم تكن في القانون فإنها تسري إلى الأشخاص، فالاستبداد يكون اعتباطيا بمعنى الكلمة. فلا مناص من أن تستند الديمقراطيةُ وحرية الوج لدائهى هذا الدستور الإسلامي.
أما حزب الأمة: فإن كان المقصود بالأمة، فكرة الأمة الإسلامية التي هي الأساس في الوحدة الإسلامية -والقومية التركية ممتزجة بها- فهي موجودة في معنى الحزب الديمقراطي، وسيضطر هذا الحزب إلى الالتحاق بالق ومحضطيين المتدينين.
بيد أن العنصرية التي نعدّها داء السيَلان الغربي، قد سرت فينا سريان الوباء من الغرب ولقّحته أوروبا فينا كي تستطيع أن تمزق قرة لذ الإسلامي. هذا الداء الوبيل يورث حالةً روحية جاذبة، حتى إن كل أمة تحمل رغبة وشوقا بشكل كلي أو جزئي نحوها على الرغم من أضرارها الوخيمة ومهالكها المدمرة.
— 372 —
فلو أحرز هذا الحزب -بسبب استحواذ المدنية الغربية وضعف التربية الإسلامية- نصرذا الأالعناصر غير التركية التي تمثل سبعين بالمائة من الأمة ستضطر إلى اتخاذ جبهة مضادة للأتراك الحقيقيين -الذين لا يتجاوزون الثلاثين بالمائة- معارضة لسيادة الإسلام.
حيث إن من أسس القوانين الإسلامية
ولا تزر وازرة وزر في الت (الأنعام:١٦٤) أي لا يؤاخَذ الشخصُ بجريرة غيره، بينما في العنصرية يجد الشخصُ نفسَه محقا في قتل شقيق الجاني، بل أقاربه، بل حتى أفراد عشيرإخلاص ثلما لا يُحقق هذا عدالةً، بل يفتح سبيلا إلى ارتكاب مظالمَ شنيعة، علما أن الدستور الإسلامي يقرر أنه لا يُضحّى ببريء واحد لأجل مائة جانٍ. ة القرسألة مهمة من مسائل البلاد، وخطرة تجاه السيادة الإسلامية.
فمادامت هذه هي الحقيقة، فيا أيها الديمقراطيون المتدينون والذين يحترمون القيَم الدينية! أنتم مضطرون إلى جعل الحقائق الإسلامية ركيزةً لكم فهي أقوى من ناحية جاذبيتها المعنويةب النادية تجاه جاذبيةِ ركائزِ هذين الحزبين وإغرائها. وبخلافه فإن الجرائم التي ارتُكبت بحقّ هذه الأمة منذ القدم تُحمَّل عليكم وإن لم تكونوا قد اقترفتموها، مثلما تُحمَّل على الحزب السابق. وعند ذاك يستغل الحزبُ الشعب الج. - الالعنصريةَ، فيغلبونكم. وهذا احتمال قوىّ، كما شعرتُ به. لذا فإنني قلق باسم الإسلام من هذا الوضع.
(٭): لقد ظهرت نتيجة سن القوانين الاعتباطية وتطبيقها السيء في عهد الحزب السابق، أن يد التيجانية ، فضلًا عن تحريضهم وإثارتهم الناس. فلكي لا تقع مغبّة هذه المسألة على الديمقراطيين المتدينين، وللحيلولة دون سقوطهم في نظر العالم الإسلامي أرى أن السبيل الوحيد هي: أنه مثلما أحرز الديمقرون هذهعشرة أضعاف قوتهم بإعادة الأذان الشرعي، فإن تحويل "أياصوفيا" إلى وضعه العبادي السابق سيؤثر تأثيرًا حسنًا جدًّا في العالم الإسلامي، ويُكسب لأهل هذه البلاد اهتمام الرُّم الإسلامي وودّهم.. وكذا على الديمقراطيين المتدينين الإعلان رسميًا عن حرية نشر رسائل النور التي لم تجد المحاكمُ فيها طوال عشرين سنة شيئًا ذقت صللبلاد، وقضت خُمس محاكم ببراءتها. وبهذا تضمدون هذا الجرح فتكسبون اهتمام العالم الإسلامي فضلًا عن عدم تحميلكم جرائم ظالمة لغيركم.
في غضون يوم أو يومين نظرت إلىلذي سعر السياسية رغم أني تركتها منذ خمس وثلاثين سنة، وذلك لأجل الديمقراطيين المتدينين ولاسيما الأفاضل من أمثال عدنان مندرس.
سعيد النورسي
نحن طلاب النور شهود على هذه الحقيقة ومصدّقون لها.
جيلان، خليل، عثمان، حمزة، وغيرهم.

----------

في الن منتسبي الطريقة التيجانية قد قاموا بحملة كسر هياكل مصطفى كمال في شتى أنحاء تركيا (١٩٥٠- ١٩٥٢) وحوكموا من جرائها، وعلى إثرها سُنّ قانون "صيانة مصطفى كمال وانقلابكريم.
ونفي زعيمهم محمد كمال بلاو أوغلو بعد انتهاء محكوميته إلى جزيرة "بوزجا" للإقامة الإجبارية حتى وفاته سنة ١٩٧٧.

* * *

— 373 —
(مواجهة الأستكرون مباسمه سبحانه
يقول أستاذنا:
إلى جميع إخوتي الأعزاء الراغبين في مقابلتي وزيارتي أبيّن لهم الآتي:
إنني لا أطيق مقابلة الناس ما لم تكن هناك ضرورة، إذ التسمم الحالحركاتهضعف الذي اعترى جسمي، وكذا الشيخوخة والمرض.. كل ذلك جعلني عاجزًا عن التحدث كثيرًا. ولأجل هذا أبلّغكم يقينًا أن كل كتاب من رسائل النور إنما هو "سعيد". فما من رسالة تطالعونها إلّا وتستفيدون فوائد أفضل من مواجهتي بعشرة علم ف، بل تواجهونني مواجهة حقيقية. فلقد قررت أن أذكر في دعواتي وقراءاتي صباح كل يوم أولئك الراغبين في لقائي لوجه اللّٰه بديلًا عن عدم استطاعتهم اللقاء، وسأستمر على هذا القرار.
ومنذ شهرين لا يستطيع أستاذنا الكلام حتى مع من يعاونه في أم والتييث ترتفع حرارته متى ما بدأ بالتكلم. وقد قال بناء على إخطار قلبيّ: إن حكمة هذا هي أن رسائل النور لا تدع حاجة إليّ. فلا داعي للكلام. فضلًا عن أنني قد لا أتكلم إلّا مع عشرين أو ثلاثين من أحب.
إبما مُنعت من الكلام لئلا يجرح شعور أُلوف الأحبة الآخرين. فليعذرني الإخوة عن اللقاءات الخاصة.

* * *

(أهمية مدرسة الزهراء)قبل أربع سنوات حينما وكّلني أستاذنا -بسبب مرضه- بمتابعة شؤون رسائل النور في المحاكم بأنقلتي هيّمنا إلى النواب الأفاضل الرسالةَ المرفقة أدناه، ونقدمها الآن لكم ولحضرات النواب الأفاضل مجددًا. والداعي لهذا هو استمرار المسألة نفسها ولاسيما المحاولات الجارية في الة والنلأخيرة لإنشاء الجامعة الجديدة في الولايات الشرقية.
إن الانتشار الواسع لرسائل النور في السنين الثلاثين الماضية، سواء في الداخل أو في الخارج وتأثيرها الجيد في ار- نعموالسعي المتواصل لإنشاء دار الفنون (الجامعة) في الولايات
— 374 —
الشرقية قبل خمس وخمسين سنة، مسألتان مهمتان متعاقبتان متممتان إحداهما للأخرى، وهما موضع اهتمام العالم الإسلا نفعا فهذه الأمة ولاسيما أهل الولايات الشرقية وأربعمائة مليون من الأمة الإسلامية وعالم النصرانية المحتاج إلى السلام العالمي تهتم بهاتين الن سلامن العظيمتين والحادثتين الجليلتين؛ حيث إنهما مصدران واسعان لإعلان الإسلام ونشر حقائق القرآن.
ولقد بذل أستاذنا المحترم منذ خمس وخمسين سنة جهوده وبهمة فائقة متوسلًا بوسائل شتى لإنشاء جامعة إسلامية باسم مدرسة الزهراء في شرقُنعَم اضول على غرار الجامع الأزهر، ودعا للحاجة الماسة إليها. مثلما ورد في تهنئته لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بهذا الخصوص حيث قال:
إن جامعة الشرق ستحرز مقامًا مرموقًا بين المسلمين بفضل ما تتمتع به من مويدفع آزيٍّ في العالم الإسلامي. إذ ستبعث وتتجسم فيها الخدمات الدينية الجليلة السامية السابقة والخصال المعنوية الخالدة لألوف العلماء والعارفين والشهداء والمحققين من أجدادنا الراقدين في تلك الولايات، فيؤدون وظائفهم الإيمانيجعل الوسع ميدان.
أما الدرس الأساس الجدير بأن يكون منهجًا وبرنامجًا لجامعة الشرق فهو رسائل النور التي تفسّر الحقائق الإيمانية للقرآن الكريم، والتي تقيم البراهين العقلية والدلائل المنطقية الإيمانية لفٍ لخدمسائل القرآن العظيم. فقمين بهذه الرسائل أن تكون موضع دراسة في الجامعات والمدارس الحديثة.
إن رسائل النور ظهرت بوساطة طالب من طلاب أساتذة الشرق ومدارسها الدينية المنتشرة في أرجائه كافة والتي فجّرت الينابيع المعنوية الباعثة تضع بحياة.
فنحن نرجو ونتمنى من الرحمة الإلهية بكل أرواحنا وكياننا أن يتسنم أولئك الأساتذة الأفاضل وظائفهم السابقة مجددًا، فيوسعوا من دائرة أعمالهم الفكرية وخدماتهم القرآنية بالثمام وخادنعة المنورة الحالية لجهودهم، فتتهيأ الظروف الحياتية الزمانية والمكانية والسلام العام لتحقيق أمانينا هذه.
— 375 —
نعم، إن رسائل النور التي هي ثمرة واحدة ونتيجة عظيمة ك، وهي شاط العلم والمعرفة في الشرق جديرة بأن تلقى اهتمام العاملين للإسلام وهذه الأمة والعالم الإسلامي.
هذا وإن الإقبال على رسائل النور وطلبها في كل من أمريكا وأوروبا وانتشارها هناك تبين أهمية دعوانا هذه.
مصطفى صونغورما أدر * *
(وصية)لقد كان منذ القدم دأبُ أستاذنا ألّا يتذلل أمام أعظم الرؤساء، حفاظًا على عزة العلم، بل ما كان يقبل هدايا أحد من الناس دون مقابل. والآن وقد أصبح يرفض الهدايا -ا من شي ضير من قبولها لدى أهل العلم- بحجة المرض الذي ضعّفه أشدّ الضعف، بل يرفض حتى ما نقدّمه له نحن الذين نقوم بخدمته ولو كان شيئا صغيرًا، فنراه يتمرض إن تناوله. فاقتنعنا أنه أُخطم!" إنقلبه مَنعه من إخلال قاعدته التي اتخذها طوال حياته، وهي ألّا تكون رسائل النور أداة لأي شيء كان، حفاظا على الإخلاص التام. ونحن الآن في موسم عيد لرسائل النور حيث تنتشر في الأرجاء كافة. لكننا نجد أن أستاذنا يتُ السن المحاورة ويمتعض من النظر إليه والمصافحة حتى من أخص طلابه وإخوانه.
وشاهدناه يقول في هذه الأيام المباركة للعيد السعيد: "اجعلوا قبري في مكان مخفي غاية الإخفاء، ويلزم ألّا يعرف موضعهيسى علعدا واحد أو اثنين من طلابي فقط. هذه وصيتي إليكم؛ فالحقيقة التي منعتني عن المحاورة والمسامرة في الدنيا تمنعني بلاشك بعد وفاتي".
ونحن بدورنا سألنا أستاذنا: إن الذي يزور القبر يقرأ سورة الفاتحة ويُثاب عليها. فما الحكمة من منعك[٭]: ة قبركم؟ فأجاب: إن الغفلة الناشئة من الأنانية وحب الذات في هذا العصر العصيب تدفع الناس إلى أن يُولوا اهتمامهم إلى مقام الميت وشهرته الدنيوية في أثناء زيارتهم القبور، مثلما عمل الفراعنة في الزمن الغابر على ت إذا سوتاهم ونصب التماثيل لهم ونشر صورهم رغبة في توجيه الأنظار إليهم، فتوجهت الأنظار إلى المعنى الاسمي -أي
— 376 —
لذات الشخص- دون المعنى الحرفي -أي لغيره-.. وهكذا فإن قسمًا من أهل الدنيا في الوقت الحاضلحرب. ن توجههم إلى شخص الميت نفسه وإلى مقامه ومنیزلته الدنيوية بدلًا من الزيارة المشروعة لكسب رضاء اللّٰه ونيل الثواب الأخروي كما كانت في السابق.
مع الإ أُوصي بعدم إعلام موضع قبري حفاظا على سر الإخلاص ولئلا أجرح الإخلاص الذي في رسائل النور. فأينما كان الشخص سواء في الشرق أو الغرب وأيا كان فإن ما يقرأه من "الفاتحة" تبلغ إلى تلكللنشر،.

* * *

(الحيلولة دون وصول حزب الشعب إلى السلطة)سألنا أستاذنا:
لماذا تعمل على الحفاظ على الحزب الديمقراطي؟ فأجابنا بالآتي:
إذا سقطت حكومةُ الحزب الديمقراطي، فسيتولى الرساةَ حزب الشعب الجمهوري، أو حزب الأمة. والحال أن الجنايات التي ارتكبها الفاسدون من الاتحاد والترقي والقسم الأعظم من الإجراءات التي نفّذها رئيسُ الجمهورية الأول بموجب معاهسلاح ور، طوال خمس عشرة سنة تحت ضغوطٍ ومكايدَ سياسية كثيرة، كل هذه الأمور حُمّلت على حزب الشعب الجمهوري، لذا فإن هذه الأمة التركية العريقة لن تُمكِّن بإرادتها ليتولى حزبُ الشعب السلطة، ر والنن حزب الشعب إذا تولى السلطة فإن القوة الشيوعية ستحكم في البلاد تحت اسم الحزب نفسه، علما أن المسلم يستحيل عليه أن يكون شيوعيا، بل يُصبح إرهابيا فوضويا، ولا موضع لمقارنة المسلم بالأجنبي.
ولأجل الحيلولة دون وصول حزب الشا الخس السلطة والذي يشكّل خطرا رهيبا على حياتنا الاجتماعية وعلى الوطن، أعمل على المحافظة على الحزب الديمقراطي باسم القرآن والوطن والسلام.

* * *

— 377 —
(لذة الجنة في الدنيا)
باسمه سبحا شخص و هذه الرسالة تخص میا يحققه الإيمان في حياتي من لذة الجنة حتى في الدنيا.
إنني لم أشاهد والدتي الرؤوفة منذ التاسعة من عمري، فلم أحظ بتبادل الحوار اللطيف معها في جلساذلك وفبتّ محرومًا من تلك المحبة الرفيعة.
ولم أتمكن من مشاهدة أخواتي الثلاث [٭]: وهن: درية: هي والدة "عُبيد" توفيت قبل الحرب العالمية الأولى. وخانم: وهي العالمة الفاضلة التي توفيت في الحجوالمسا الطواف سنة ١٩٤٥ "الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، المسألة الحادية عشرة" ومرجان: وهي أصغرهن جميعا. منذ الخامسة عشرة من عمري، حيث ذهبن مع والدتي إلى عالم البرزخ. فبتّ محرومًا من كثير من ألطاف الرحمة والاحترام التي تشيع ن يحملاء الجلسات الأخوية الطيبة اللذيذة في الدنيا.
ولم أشاهد أيضًا أخويّ من ثلاثة إخوة [٭]: وهم: عبد اللّٰه: توفي عام ١٩١٤ وهو والد "عبد الرحمن" تلميذ الأستاذ النورسي وابنه المعنوي. ومحمد: توفي سنة١٩٥١. وعبد المجيد: توفي سنة ١٩٦٧. فأبناء السيئز يناا بالتسلسل هم: درية، خانم، عبد اللّٰه، سعيد، محمد، عبد المجيد، مرجان. منذ خمسين سنة -رحمهم اللّٰه- فبتّ محرومًا من السرور المنبثق من الأخوّة الودود والشفقة العطفانية مجالسة أولئك الأعزاء المتقين العلماء.
وعندما كنت أتجول اليوم مع أبنائي المعنويين الأربعة الذين يعاونونني في شؤوني، أُخطر على قلبي بيقين جزءٌ من بذرة الجنة التي ينطويقصير، الإيمان، مثلما أظهرتها رسائل النور.
وحيث إنني قضيت حياتي عزبًا فلم أنجب الأولاد. لذا بتّ محرومًا من مَذاقات محبتهم البريئة ومن ابتهاجهم وانشراحهم.
ومع كل هذا ما كنت أشعر حاد- ولنقص قط، حيث أنعم سبحانه وتعالى عليّ في هذا اليوم معنًى في منتهى الذوق واللذة فضمد جراحاتي الأربعة المذكورة من جهات ثلاث:
الأولى:إنه عوضًا عشياطينة الآتية من العطف الخاص لوالدتي، أحسن الرحيم سبحانه وتعالى عليّ، بأُلوف من الوالدات اللائي يستفدن من رسائل النور استفادة تفوق
— 378 —
المعتاد ويتذوقن منها أذواقًا روحية خالصة، بیمثل ما جاء في اما أن الشريف "عليكم بدين العجائز" [٭]: الغزالي، إحياء علوم الدين، ٣/٧٨؛ الآمدي، الإحكام، ٤/٢٣٠؛ العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، ٦/٣٧٠؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ص٢٩٠؛ السيوطي، الدرر المنتثرة، ص١٤؛ علي القاري، الأسرار المرفوعة، ص ١ طلابكعجلوني، كشف الخفاء، ٢/٩٢. المذكور في رسائل النور.
وعوضًا عن السرور والبهجة والعطف الأخوي الناشئ من مجالسة أخواتي الثلاث -رحمهن اللّٰه- أحسن المولى الكريم عليّ بالألوف من السيدات والشابات، وجعلهن سبحر إلى عالى في موضع أخوات لي، فأستفيد من دعواتهن وتعلقهن بیرسائل النور ألوفًا من الفوائد والثمرات المعنوية والمسرات الروحية، وهناك أمارات عديدة على صدق هذا القسم الثاني يعرفها إخوتي.
وعوضًا عن حرماني من العون المادي وللذة اي الذي كان يمدني به في الدنيا أخَوايَ المرحومان ومن عطفهما ورأفتهما، فقد أحسن سبحانه وتعالى برحیمته عليّ بمئات الألوف من إخوة حقيقيين مضحين في خدمة رسائل النور ي. تلك عطفًا خالصًا ويیمدّون إليّ يد العون بل يفدون رأسمال حياتهم الأخروية فضلًا عن حياتهم الدنيوية.
وعوضًا عن حرماني من أذواق العطف والحنان النابعة من الأولاد -حيث لا أولاد لي في الدا المُنعم سبحانه وتعالى عليّ بمئات الألوف من الأولاد الأبرياء، من حيث استفادتهم من رسائل النور مستقبلًا. فحوّل سبحانه وتعالى هذه العواطف الثلاث والشفقة الرؤثمّن خجزئية إلى مئات الألوف منها.
وفيما يخص هذا القسم هناك أمارات كثيرة جدّا. حتى يعلم من يعاونني في أموري من الإخوة أن الأطفال في "أميرداغ" و"بولفادين" لام، بقصبة تابعة لولاية أفيوُن. يتعلقون بي ويُبدون من الاحترام والارتباط أكثر مما يبدونه لوالديهم.
فأمثلة هذا كثيرة جدّا بتحويله سبحانه وتعالى هذا الذوقَ واللذة والاحترام المتسم بالرأفة من هذا الا بطبعجزئي الشخصي إلى صور الألوف من العواطف الكلية والرأفة العمومية.
— 379 —
فلقد استشعرتْ أرواحُ هؤلاء الأطفال الأبرياء بحس مسبق -كما هو في بعض ذوي الأرواح ا؟
وة- أن رسائل النور ستربيهم تربية الوالدين في الدنيا وستصونهم من البلايا.. لذا يُظهرون احتراما وتوقيرا لخادم النور أكثر مما يظهرونه لوالديهم. حتى إن طفلة لا تتجاوز عمرها ثلاث سنوات أتتني مهرولة إليّ مخترقة الأشواك، علما أنني لا أعرفها. ول ومن فا في "بولفادين" من الأطفال الأبرياء المحبوبين ما كنا نخلص منهم ونحن نقطعها بالسيارة. بل حتى في كل مكان رغم أنهم لم يسمعوا عني شيئا ولم يشاهدوني، فإن إظهارهم هذا العطف صر الرن نحوي أكثر مما يبدونه لوالديهم جعلني أرى في الإيمان بذرة الجنة حقا -بالنسبة لي- حتى من حيث جسمي وهواي.

* * *

إشارة قصيرة إلى حقيقة مهمةهناك إشارات لقسم من الأحاديث الشريفة: أن حقائق الإيمان تبدو بوضوح أكثر لدى النساالأولىخر الزمان، حتى يتمكنّ من وقاية أنفسهن -إلى حدّ- من مهالك الضلالة في ذلك الوقت. كما أن هناك حثا على الاقتداء بالعجائز في آخر الزمان، كما هو في الحديث: "عليكم بدين العجائز".
وهذا يعنى أن النساء اللاسائل، بطلات الشفقة ورائدات الحنان والعطف، يحُول إخلاصهن النابع من تلك السجية دون مهالك الضلالة المتمرغة بالتصنع والرياء في ذلك الوقت، فيظللن محتفظات بإسلامهن.
وهناك حديث آخر فيه: أن "أبا البنات مرزوق"، بفيُردين في آخر الزمان، يكثر الإناث من الأطفال، ويكنّ طيبات، يبارك اللّٰه في أرزاقهّن.
كنت أجهل في السابق سرّ هذا الحديث الشريف وأمثاله، ولكني وللّٰه الحمد فهمت مؤخرا شيئا من أسراره، أشير إليه في غاية الاختصار: الناس أطفال الإنسان ليسوا كصغار الحيوانات، إذ بينما تَقدِر هذه الصغار على الاعتماد على أنفسها في غضون شهرين أو ثلاثة، يحتاج طفل الإنسان إلى حماية ورعاية مكللة بالرحمة والرأفة، تستغرق عشر سنوعيد الأكثر.
— 380 —
وبناء على هذا، لزم دوام شفقة الوالدات على أطفالهن وحمايتهم حماية جادة، وهي سجية فطرية مغروزة في الإنسان خلافا للحيوان. أما في اائل الفقد أدرجت الحكمة الإلهية في فطرتهم سجية الشرف والغيرة، ليتمكنوا من القيام بمعاونة الوالدات الضعيفات والأطفال العاجزين.
وضمن هذه السجية (الشرف) أدرجت بطولة نادرة خالصة لا يع آثالعوض والمقابل، ولكن -في الوقت الحاضر- دبّ فيها شيء من الفساد، فضعفت على أثرها تلك البطولة في معظم الناس. إلاَ أن السجية الفطرية لدى النساء -وهي الشفقة والحنان- لم تفسد.
فالنساء بِدٌ
سجية الفطرية يؤدين خدمات جليلة بين المسلمين في آخر الزمان، فتلك الأحاديث الشريفة تشير رمزا إلى أهمية هذه السجية الفطرية ودورها في المجتمع، وكيف أنها تكون ركيزة ضمن دائرة الإسلا السيا (موافقة السنة في الزواج)
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما...
جواب عن سؤال ورد في صحف نشرت في بلدان خارجية.
[٭]: ننقل أدناه نص الرسالة التي بعثها أحدهم إلى الأستاذ شخص لسي في حينه:
"لقد قرأت عددًا من رسائل النور مع ترجمة حياتكم، فرأيت في الترجمة أن من شؤونكم الخاصة: العزوبة، وعدم إيجاد علاقة بشيء في الدنيا، الأمر الذي لوحظ سريانه إلى طلاب النور أيضا. وبما أن هذا مما لا يتفق مع قوله تعالى في سورة النينَ فيفانكحوا ما طاب لكم من النساء) (النساء:٣)، وقوله (ص): "لا ترهّب في الإسلام" وقوله: "تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة". فقد رأيت أن أستوضح الأمر.
وإني أعتقد أن الاعتراض الذي أوردتُه قد يندفع ببيان كون العزوبة مطلوبةً لدومة فلنور، ذكورهم وإناثهم إلى سن معينة، من أجل التفرغ لخدمة القرآن والإيمان في سن الفتوة والشباب، ولكني لا أرى بدًا من البحث في هذا، مع تعيين السن التي يتمكن أولئكلمدمرةب من الزواج بعد الوصول إليها.
وليس لي على كل حال إلّا انتظار جوابكم المقارن للصواب إن شاء اللّٰه."
نقلا عن كراس صدر ببغداد سنة ١٩٥٣.
"لِمَ بقيت أعزبَ خلافا للدون أننبوية؟"
لقد قرأنا رسالتكم أستاذنا الذي يعاني أشد حالات المرض، فقال لنا:
— 381 —
لو لم أكن في حالة شديدة من المرض لكنت أكتب جوابا مفصلا لهؤلاء الإخوة الفاضلين الطيبينهذا ال أن حالتي الصحية المتردّية لا تسمح لي بذلك. فاكتبوا في غاية الاختصار، في بضع نقاط، جوابا لأولئك الإخوة المخلصين البررة ولرفقائي في خدمة القرآن:
أولا:في الوقت ال كنا نم لصد هجوم زندقة رهيبة تُغيیر منذ أربعين سنة، فدائيون يضحّون بكل ما لديهم، قررتُ أن أضحي لحقيقة القرآن الكريم لا بسعادتي الدنيوية وحدها، بل -حتى إذا استدعى الأمر- بسعادتي الأخروية كذلك، فلأجل أن أتمكن من القيام بخدمة القرآننا لا جهها الصحيح بإخلاص حقيقي ما كان لي بد من ترك زواج الدنيا الوقتي -مع علمي بأنه سنة نبوية- بل لو وُهب لي عشر من الحور العين في هذه الدنيا، لوجدت نفسي مضطرًا إلى التخلي عنهن جميعًا، من أجل تلك الحقيقة، حقيقة القرآن. لأن هییذه المنظوره، حملحدة الرهيبة تشن هجمات عنيفة، وتدبر مكايد خبيثة، فلا بد لصدها من منتهى التضحية وغاية الفداء، وجَعْلِ جميع الأعمال في سبيل نشر الدين خالصة لوجه اللّٰعلى ال، من دون أن تكون وسيلة لشیيء مهما كان.
ولقد أفتى علماء منكوبون وأناس أتقياء لصالح البدع، أو ظهروا بمظهر المُوالين لها، من جراء همومِ عيشِ أولادهم وأهليهم، لذا يقتضي منتهى التضحية والفداء، ومنتهى الثبات والصلابة وغاية الاستغناء عن الناس، وعاع كثييء، تجاه الهجوم المرعب العنيف على الدين، ولا سيما بعد إلغاء دروس الدين في المدارس وتبديلِ الأذان الشرعي ومنع الحجاب بقوة القانون؛ لذا تركت عادة الزواج الذي أعلم أنها سنة نلنور، ئلا ألج في محرمات كثيرة، ولكي أتمكن من القيام بكثير من الواجبات وأداء الفرائض. إذ لا يمكن أن تُقترف محرماتٌ كثيرة لأجل أداء سنة واحدة. فلقد وَجَد علماء أدوا تلك السنة نون ألة أنفسَهم مضطرين إلى الدخول في عشر كبائر ومحرمات وتركِ قسم من السنن والفرائض، في غضون هذه السنوات الأربعين.
ثانيا:إن الآية الكريمة:
فانكحوا ما طاب لكم
(النساء:٣) والحديث الشريف "تَناكحُوا تَكثُروا.." [٭]: عبد الرزاق،
* ف، ٦/١٧٣؛ العجلوني، كشف الخفاء، ١/٣٨٠؛ المناوي، فيض القدير، ٣/٢٦٩؛ الهندي، كنیز العمال، ١٦/٢٧٦. وأمثالهما من الأوامر، ليست أوامر وجوبية ودائمية، بل استحبابية مسنونة، فضلا عن أنها موقوفة بشروط لا بد من توافرها، وقد يتعذر توافلعصر-.جميع وفي
— 382 —
كل وقت. ثم إن الحديث الشريف "لا رهبَانِية في الإسلام" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند، ٦/٢٢٦؛ كشف الخفاء، ٢/،٥١٠، رقم: ٣١٥٤؛ وانظر: أبو داود، المراسيل ٢٨٧؛ ابن حبان، المجروحين ١/٣٩٩؛ الذهبي، المهذب ٥/٢٦٥٠؛ ابن حجر، كان مدباري ٩/١٣؛ العجلوني، كشف الخفاء ٣١٥٤؛ وعند البيهقي: إن اللّٰه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة. لا يعني أن الانزواء والعزوبة -كما هو لدى الرهبان-إعییادان مرفوضتان لا أصل لهما. بل هو حث على الانخراط في الحياة الاجتماعية كما هو مضمون الحديث الشريف "خَيرُ النَّاس أنفَعهُم للنَّاس". [٭]: العجلوني، كشف الخفاء، ١/٤٧٢؛ الطبراني، المع ست؛ ثوسط، ٦/٥٨؛ البيهقي، شعب الإيمان، ٦/١١٧. وإلّا فإن ألوفًا من السلف الصالحين قد اعتزلوا الناس مؤقتًا، وآثروا الانزواء في المغارات لفترة من الزمن، واس الثلاعن زينة الحياة الدنيا الفانية وجردوا أنفسهم عنها، كي يقوموا ببناء حياتهم الأخروية على الوجه الصحيح. فما دام الكثيرون من السلف الصالحين تركوا الدنيا وزينتها بلوغًا إلى كمال باق وخاص بشخصهم، فلا بد أن من يعمل لأجل سعادة باقية لكثير جدّعب إلىالمنكوبين، ويحول بينهم وبين السقوط في هاوية الضلالة، ويسعى لتقوية إيمانهم، خدمةً للقرآن والإيمان خدمة حقيقية، ويثبت تجاه هجمات الإلحاد المغير من الخارج والظاهر ا تخاطاخیل، أقیول لا بید أن الییذي يقوم بهذا العمل العام الكلي -وليس عملا خاصًا لنفسه- تاركًا دنياه الآفلة، لا يخالف السنة النبوية بل يعمل طبقا لحقيقة السنة النبوية.
ثم إنني أتمنى أن أغنم ذرة واحدة من هذا الكلام الصادق الصادر من الصدي لتعلّبر رضي اللّٰه عنه: "ليكبر جسمي في جهنم حتى لا يبقى موضع لمؤمن".. ولأجله آثر هذا السعيد الضعيف العزوبةَ والاستغناء عن الناس طوال حياته كلها.
ثالثًا:ب لرأيل لطلاب النور: "تخلوا عن الزواج، دعوه للآخرين" ولا ينبغي أن
يقال لهم هذا الكلام. ولكن الطلاب أنفسهم على مراتب وطبقات. فمنهم من يلزم عليه ألّا يربط نفسه بحاجات الدنيا قدر المستطاع في لا تزيوقت، وفي فترة من عمره، بلوغًا إلى التضحية العظمى والثبات الأعظم والإخلاص الأتم، وإذا ما وجد الزوجة التي تعينه على خدمة القرآن والإيمان، فبها ونعمت. إذ لا يضر هذا الزواج بخدمته وعمله للقدات واللّٰه الحمد والمنة، ففي صفوف طلاب النور كثيرون من أمثال هؤلاء، وزوجاتهم لا يقصرن عنهم في خدمة القرآن والإيمان، بل قد يفقن أزواجهن ويسبقنهم لما فطرن عليه من الشفقة التي لا تطلب عوضًا، فيؤدين العمل بهذه الباها عللموهوبة لهن بإخلاص تام.
— 383 —
هذا وإن المتقدمين والسابقين من طلاب النور أغلبهم متزوجون، وقد أقاموا هذه السنّة الشريفة على وجهها، ورسائلُ النور تخاطبهم قائلة: اجعلوا بيوتكم مدرسة نورية مصغرة، وموضع تلقي العلم و* * ن، كي يتربى الأولاد الذين هم ثمارُ تطبيقِ هذه السنة، على الإيمان، فيكونوا لكم شفعاء يوم القيامة، وأبناءَ بررة في هذه الدنيا، وعندها تتقرر هذه السنة الشريفة فيكم حقًا. وبخلافه لو تربي الأولاد على التربية الأوروبية وحدها -كما حدثته المثلاثين سنة خلت- فإن أولئك الأولاد يكونون غير نافعين لكم في الدنيا -من جهة- ومدّعين عليكم يوم القيامة، إذ يقولون لكم: "لِمَ لم تنقذوا إيماننا؟" ك الخرن وتحزنون من قولهم هذا، يوم لا ينفع الندم، وما هذا إلا مخالفة لحكمة السنة النبوية الشريفة.

* * *

— 384 —
نكتة توحيدية في لفظ "هو"
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلاما الآن ورحمة اللّٰه وبركاته أبدا دائما...
إخوتي الأعزاء الأوفياء!
لقد شاهدتُ -مشاهدةً آنية- خلال سياحة فكرية خيالية، لدى مطالعة صحيفة الهواء من حيث جهته في دمة فقط، نكتةً توحيدية ظريفة تولدت من لفظ "هو" الموجود في "لا إله إلّا هو" وفي قل هو اللّٰه أحد ورأيت فيها أن سبيلَ الإيمان سهلٌ ويسير إلى حدّ الوجوب بينما سبيلُ الشرك والضلالة فيه من المحالات والمعضلات إلى حدّ الامتناع.
سأبين بإشارة فيامة من الاختصار تلك النكتةَ الظريفة الواسعة الطويلة.
نعم، إن حفنة من تراب، يمكن أن تكون موضعَ استنبات مئات من النباتات المزهرة إنْ وُضعتْ فيها متعاقبةً. فإن أُحيل هذا الأمر إلى الطبيعة والأسباب يلزم؛ إما أن تكون في تلك الحفنة من التراب مئاتٌ مالرونيانع المصغرة المعنوية، بل بعدد الأزهار.. أو أن كلَّ ذرة من ذرات تلك الحفنة من التراب تعلم بناءَ تلك الأزهار المتنوعة وتركيبها بخصائصها المتنوعة وأجهزتها الحيوية، أي لها علمٌ محيط وقدرة مطلقة بما يشبه علم الإله وقا إلى .
وكذلك الهواء الذي هو عرشٌ من عروش الأمر والإرادة الإلهية؛ فلكلِّ جزء منه، من نسيم وريح، بل حتى للهواء الموجود في جزء من نَفَس الإنسان الضَّئيل عندما ينطق بكلمة "هو" وظائفُ لا تعد ولا تحصى.
فلو أُسندلخالدةالوظائف إلى الطبيعة والمصادفة والأسباب؛ فإما أنه أي الهواء يحمل بمقياس مصغر میراكزَ بثٍ واستقبال لجميع ما فیي العالم من أصیوات ومكالمات في التلغراف والتلفون والراديو مع ما لا يحد من أنواع الأصوات للكلام والمحادثات، وأن يكون له القتخريبا85
على القيام بتلك الوظائف جميعِها في وقت واحد.. أو أن ذلك الجزءَ من الهواء الموجود في كلمة "هو"، وكلَّ جزء من أجزائه وكل ذرة من ذراته، لها شخصياتٌ معنوية، وقابليات بعدد كل مَن يتكلم بالتلفونات وجميع مَن يبث من ا ١/ ٦،ت المتنوعة وجميع مَن يذيع كلاما من الراديوات، وأن تَعلَم لغاتِهم ولهجاتهم جميعا، وتُعَلِّمَه في الوقت نفسه الذراتِ الأخرى، وتنشرَه وتبثه. حيث إن قسما من ذلك الوضع مشهود أمامنا، وأن أجزاء ايضا.
كلها تحمل تلك القابلية.. إذن فليس هناك محال واحد في طريق الكفر من الماديين الطبيعيين بل محالات واضحة جلية ومعضلات وإشكالات بعدد ذرات الهواء.
ولكن إن أُسند الأمر إلى الصانع الجليل، فإن الهواء يصبح بجميع ذراته جنديا مستعدا لتلقي الأوامرلّٰه عئذٍ تقوم ذراتُه بأداء وظائفها الكلية المتنوعة والتي لا تحد، بإذن خالقها وبقوته وبانتسابها واستنادها إليه سبحانه، وبتجلي قدرة صانعها تجليا آنيا -بلذم وفلبرق- وبسهولةِ قيام ذرة واحدة بوظيفة من وظائفها وبيُسرِ تلفظِ كلمة "هو" وتموج الهواء فيها. أي يكون الهواءُ صحيفةً واسعة للكتابات المنسقة البديعة التي لا تحصر لقلم القدرة الإلهية، وتكون ذراتُه بدايات ذلك القلم، وتصبح وظائف الذرات ه رغم قاط قلم القَدَر، لذا يكون الأمر سهلا كسهولة حركة ذرة واحدة.
رأيت هذه الحقيقة بوضوح تام وبتفصيل كامل وبعين اليقين عندما كنت أُشاهد عالم الهواء وأُطالع صحيفته في سياحتي مثلماة وتأملي في "لا إله إلّا هو" و قل هو اللّٰه أحد وعلمت بعلم اليقين أن في الهواء الموجود في لفظ "هو" برهانا ساطعا للوحدانية مثلما أن في معناه وفي إشارته تجليا للأحدية في غاية النورانية وحجة توحيدية في غاية القلعسير ث فيها قرينةُ الإشارة المطلقة المبهمة لضمير "هو" أي إلى مَن يعود؟ فعرفت عندئذٍ لماذا يكرر القرآنُ الكريم وأهلُ الذكر هذه الكلمة عند مقامبقرة:2يد.
نعم، لو وضع نقاط متعددة في ورقة بيضاء هي بقدر نقطة واحدة لأختلط الأمر. كذلك يرزح كائن صغير تحت ثقل قيامه بعدة وظائف في وقت واحد. وأيضا من المفروض أن يختلط النظام ويتبعثر عند خروج كلمات كثيرة في وقت واحد من الفم ودخولها الأذن معا..
في قب ولكني شاهدتُ بعين اليقين، وبدلالة لفظ "هو" -هذا الذي أصبح مفتاحا وبمثابة بوصلة- أن نقاطا مختلفة تعد بالألوف، وحروفا وكلماتٍ توضع -أو يمكن أن توضع- على كل جزء من أجزاء الهواء الذي أَسيح فيه فكرا، بل يمكن أن توضع كلها على عاتق ذرة واحدة من ورسي
يَحدث اختلاط أو تشابك أو ينفسخ النظام، علما أن تلك الذرة تقوم بوظائف أخرى كثيرة جدّا في الوقت نفسه، فلا يلتبس عليها شيء، وتحمل أثقالا هائلة جدّا من دون أن تبدي ضعفا أو تكاسلا؛ فلا نراها قاصرةًصر ولااء وظائفها المتنوعة واحتفاظها بالنظام؛ إذ تَرِد إلى تلك الذرات ألوفُ الألوف من الكلمات المختلفة في أنماط مختلفة وأصوات مختلفة، وتخرج منها أيضا في غاية النظام مثلما دخلت، دون اختلاط أو امتزاج ودون أن يُفسد إحداها الأخرفوظ، فن تلك الذرات تملك آذانا صاغية صغيرة على قدّها، وألسنةً دقيقة تناسبها فتَدخل تلك الكلماتُ تلك الآذانَ وتخرج من ألسنتها الصغيرة تلك.. فمع كل هذه الأمور العجيبة فإن كل ذرة -وكل جیزء من الهواء- تتیجییول بحیريیة تامیة ذاكرةًهر مجمها بلسان الحال وفي نشوة الجذب والوجد قائلة: "لا إله إلّا هو" و قل هو اللّٰه أحد بلسان الحقيقة المذكورة آنفا وشهادتها.
وحينما تَحدث العواصفُ القوية وتدّوي أهازيجُ الرعد، ويتلمع الفضاءُ بسنا البرق، يتحول الهواء إلى أمواج ضخا، بل اطمة.. بيد أن الذرات لا تفقد نظامها ولا تتعثر في أداء وظائفها، فلا يمنعها شغلٌ عن شغل.. هكذا شاهدت هذه الحقيقة بعين اليقين.
إذن، فإما أن تكون كلُّ ذرة -وكل جزء من الهواءأنهم لةَ علم مطلق وحكمة مطلقة وإرادة مطلقة وقوة مطلقة وقدرة مطلقة وهيمنة كاملة على جميع الذرات.. كي تتمكن من القيام بأداء هذه الوظائف المتنوعة على وجهها.. وما هذه إلّا محالات ومحالات بعدد الذرات وباطل بطلانا مطلقلمستقبحتى لا يذكره أي شيطان كان..
لذا فإن البداهة تقتضي، بل هو بحق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين: أن صحيفة الهواء هذه إنما هي صحيفة متبدلة يكتب الخالقُ فيها بعل فليس طلق ما يشاء بقلم قُدرته وقَدَره الذي يحركه بحكمته المطلقة، وهي بمثابة لوحةِ محوٍ وإثبات في عالم التغيّر والتّبدل للشؤون المسطّرة في اللوح المحفوظ.
— 387 —
فكما أن الهواء يدل على تجلي الوحدانيدعو رب الأمور العجيبة المذكورة آنفا، وذلك لدى أداء وظيفة واحدة من وظائفه وهي نقل الأصوات، ويبين في الوقت نفسه بيانا واضحا محالات الضلالة التي لا تحصر، كذلك قية.
وم بوظائف في غاية الأهمية وفي غاية النظام ومن دون اختلاط أو تشابك أو التباس، كنقل المواد اللطيفة مثل الكهرباء والجاذبية والدافعة والضوء.. وفي الوقت نفسه يدخل إلى مداخل النباتات والحيوانات بالتنفس مؤديا هناك مهماتهِ الحياتية بإتقان، وفي الوق.
بك يقوم بنقل حبوب اللقاح -أي وظيفة تلقيح النباتات- وهكذا أمثال هذه الوظائف الأساسية لإدامة الحياة؛ مما يُثبت يقينا أن الهواء عرشٌ عظيم يأتمر بالأمر الإلهي وإرادته الجليلة. ويُثبت أيضا بعين اليقين أن لا احتمالَ قطعا لتدخل اة بقواة العشواء والأسباب السائبة التائهة والموادِّ العاجزة الجامدة الجاهلة في الكتابة البديعة لهذه الصحيفة الهوائية وفي أداء وظائفها الدقيقة. فاقتنعْتُ بهذا قناعة تامة بعين اليقين، وعرفتُ قد فكر ذرة وكل جزء من الیهواء تقول بلسییان حالها: "لا إله إلّا هو" و قل هو اللّٰه أحد ومثلما شاهدت هذه الأمور العجيبة في الجهة المادية من الهواء بهذا المفتاح، أعني مفتاح "هو"، فعنصر الهواء برمته أصبح أيضا كلفظ "هو" مفتاحاخروي، المثال وعالم المعنى؛ إذ قد علمتُ أن عالم المثال كآلة تصوير عظيمة جدّا تلتقط صورا لا تعد ولا تحصى للحوادث الجارية في الدنيا، تلتقطها في آن واحد بلا اختلاط ولا التباس حتى غدا هذا العالم يَضم مشاهد عظيمة وواسعتْها، وية تَسَع ألوف ألوف الدُنى، تعرض أوضاع حالات فانية لموجودات فانية وتظهر ثمار حياتها العابرة في مشاهد ولوحات خالدة تُعرض أمام أصحاب الجنة والسعادة الأبدية في معارض سرمدية مذكِّرةً إياهم بحوادث الدنيا و، ولا هم الجميلة الماضية فيها.
فالحجة القاطعة على وجود اللوح المحفوظ وعالم المثال ونموذجِها المصغر هو ما في رأس الإنسان من قوةٍ حافظة وما يملك من قوةِ خيال، فمع أنهما لا تشغلان حجم حبة النوردل إلّا أنهما تقومان بوظائفهما على أتم وجه بلا اختلاط ولا التباس وفي انتظام كامل وإتقان تام، حتى كأنهما يحتفظان بمكتبة ضخمة جدّا من المعلومات والوثائق. مما يُثبت لنا أن تينك القوتين نموذجان للّوح المحفوظ وعالم المثلفلاسف وهكذا لقد عُلم بعلم اليقين القاطع أن الهواء والماء ولا سيما سائل النُطف، واللذان
— 388 —
يفوقان الترابَ في الدلالة على اللّٰه -الذي أوردناه في مستهل البحث- صحيفتان واسعتان يكتبيلا إل قلمُ القدَر والحكمةِ كتابة حكيمة بليغة، ويجريان فيهما الإرادة وقلم القدر والقدرة. وأن مداخلة المصادفة العشواء والقوة العمياء والطبيعة الصماء والأسباب التائهة الجامدة في تلك الكتابة الحكيمة محال في مائة محال وغير ممكن قطعا.
ألف ألف تحية كنتُ إلى الجميع.

* * *

(من معاني "التشهّد")
باسمه سبحانه
وإن من شيءٍ إلّا يسبح بحمده
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبداي يمكّ
إخوتي الأعزاء الصادقين الأبرار!
لقد ارتأينا أن نبين لكم خلاصة الدرس الذي ألقيناه على أركان مدرسة الزهراء، بناء على رغبتهم.
وموضوعه هو: أن الرسول الأكرم فخر الكائناتالأعزا خلق العالم (ص) قد قال ليلة المعراج في الحضرة الإلهية باسم جميع الكون بدل السلام:
"التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه" قالها، باسم البشرية جمعاء، بل باسم جميع ذوي الحياة، بل باسم عموم المخلوقاا عليّن الأمة الإسلامية تردد هذا الكلام المبارك يوميا مرات ومرات في صلواتهم لما فيه من معنى كلي.. وينال كل مؤمن -مهما كانت مرتبته في الإيمان- حظه من هذا الكلامن شخصيلقد ذكرنا -فيما سبق- ما في عنصر الهواء من خوارق القدرة الإلهية لدى بياننا أن الراديو نعمة إلهية، وذلك في حاشية بحث (نكتة توحيدية في لفظ "هو")..
فلأجل كل هذا خطر على القلب: أن العبادة التي يؤديها المؤمن في هذه الدنيا القصيرة،
— 389 —
وفي ع وعبد ر، والتي يثاب عليها بملك باق واسع أوسع من الدنيا في السعادة الأبدية، إنما هي عبادة كلية، ولكأن دنياه الخاصة بكاملها تؤدي معه العبادة أيضا، حيث يثوالاعتر دنياه الخاصة.. هكذا تفهم من إشارات القرآن، كما هو مذكور في رسالة "الحجة الزهراء" في المقام الثاني لدى بحث العلم الإلهي.
فعندما كنت أقرأ في التشهد "التحيات.." خطرت معانيها الكلية على روحي فتحولت فجأيخص الخيالي- عناصرُ دنياي الخاصة من تراب وماء وهواء و نور، إلى أربعة ألسن كلية ذاكرة. كل منها يذكر بأحواله: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات للّٰه" بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحص المعرلمرات.
هكذا رأيته في خيالي:
أحد هذه العناصر هو "التراب".. هذا التراب أصبح لسانا ذاكرا، وكلُّ ذي حياة غدا كلمة ذات حياة ناطقة بی"الالسلا. للّٰه".
وذلك:أن حفنة من تراب يمكن أن تكون موضع استنبات معظم النباتات.. فإما أن فيها من المصانع المعنوية -بمقياسٍ مصغر جدًّا- ما تتمد الحرتوليد تلك النباتات، وبعدد يفوق عدد المصانع التي نصبها الإنسان في العالم.. وهذا محال في محال، أو أن ذلك الاستنبات يحصل بقدرةِ قدير مطلق، وبعلمه المحيط وإرادته الشاملة.
فعنصر التراب إذن ينال بهذا دلالة على اللّٰه بجميع ذراته وأجزائهإن هذايردد: "التحيات للّٰه". أي يقول: "إن ما تقدمها جميعُ الأحياء من هدايا حياتية من الأزل إلى الأبد خاصة لذات اللّٰه المقدسة سبحانه وتعالى".
وكذا العنصر الآخراطب بني الخاصة -كما هو لدنيا الآخرين- وهو "الماء". رأيته قد أصبح كذلك لسانا كليا يلهج بأحواله و بجميع ذراته الكلمة المباركة: "المباركات" وينشرها في أرجاءي الأننات كلها بملايين بل ببلايين بل بما لا يعد ولا يحصى من المرات. ولاسيما خدمته في إنماء الأحياء وإعاشتها، حيث الوظائف التي تقوم بها قطرات الماء ولاسيما في إنماء النطف والنوى والبذور وتنبيهها لأدا ما رفتها الفطرية.. وقيام تلك المخلوقات الصغيرة الجميلة البديعة، وتلك الصغار المباركة بأوضاعها اللطيفة بوظائف عظيمة وفي منتهى الإتقان
— 390 —
والانتظام حتى يستنطق جميع ذوي الشعور فيقولوا من إعجابه سيدرك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه" ويرددها بما لا يعد ولا يحصى من المرات..
فأداء تلك الوظائف على ذلك الوجه المتقن يتطلب حتما أن يكون لكل ذرة من ذرات ات وضعفن العلم ما لألفِ ألفِ أفلاطون! ومن الحكمة والإرادة ما لألفِ ألف لقمان الحكيم!. وهذا محال في محال بعدد ذرات الماء!..
فإذن لا تتم تلك الأمور المتقنة إلّا بقدرةِ قديرٍ ذي جلال وبإرادته، وبرحمة رحمن رحيم وبحكمته.
فتلك الأحياء الصغيرة ال منارة التي أَظهرت تلك المعجزات التي لا تعد ولا تحصى تردد إذن بألسنة أحوالها جميعا وبعددها الكلمة الكلية: "المباركات.. للّٰه".
ومن هنا فقد قال ثمة على العالم رسولنا الأكرم (ص) في ليلة المعراج متكلما باسم جميع المخلوقات:
"المباركات.. للّٰه"، وقدم في الحضور الإلهي جميع "المباركات" التي لا يحصرها العد، أي "إن ولم أهذه الحالات اللطيفة والأوضاع البديعة، والإتقان والإبداع، التي تدفع كل ناظر إلى أن يقول من إعجابه: "بارك اللّٰه.. ما شاء اللّٰه".. جميعها خاصة لقدرة اينما يالجليلة وحدها".
وكذا عنصر "الهواء" وهو الثالث في دنيا كل أحد.. فإن كل ذرة من ذرات قبضة صغيرة منه، حتى لو كانت بمقدار كلمةِ "هو" تحمل في طيات وظائفِها -كمركز للاستلام والنقل- جميعَ الأدعية ونوياتهلصلوات وجميع التضرعات وجميع العبادات والتي تعبر عنها جميعا بی: "الصلوات". فيصبح الهواء لسانا كليا ذاكرا بأحواله بعدد ذراته التي لا تعد ولا تحصى جميعَ تلك الكلمات وتقدمها إلى خالقها العظيم. لذا فقد قال الرسول الكريملدنيا "الصلوات للّٰه" باسم جميع تلك الذرات معبرا عن ذلك المعنى الكلي، وقدّمها إلى الحق سبحانه وتعالى. أي: "إن جميع الأدعية والتضرعات التي يتضرع بها المضطرون والشكر والحمد على النعم، والعبام أن يلصلوات كلها خاصة لخالق كل شيء، للّٰه وحده".
لأنه كما ذكر في البحث المذكور آنفا: إما أن ذراتِ قبضةِ هواء -بقدر كلمة "هو"- تتقن
— 391 —
اللغات جميعها، وتَرى مواضع من يتكلمون بها، وتسمع كل ما هو قرساء: (بعيد، وتجيد لفظةَ كل لهجة ومخارج كل حرف، مع وظائف أخرى كثيرة، من دون اختلاط ولا تشوش. بمعنى أنها تكون مالكة لقدرة مطلقة وإرادة مطلقة!. وهذا محال في محال بعدد ذرات الهواء!
أو أن كل ذرة من تلك الذرات تدل على اء مرض الحكيم يقينا و تشهد على جميع صفاته الجليلة بلا ريب، بل كأنها تسع -بمقياس مصغر- جميعَ شهادات العالم على الصانع الجليل. أي إن الصلوات التي قُدمتسن إليالذرات، والتي تعبر عنها بی "الصلوات للّٰه" قد قدمها الرسول الكريم (ص) ليلة المعراج بهذا المعنى الكلي إلى اللّٰه سبحانه وتعالى.
وكذا عندما تقال الكلمة الطيبة: "الية الم تصبح النار والنور، أي عنصر النور المادي والمعنوي -بحرارة أو بدونها- لسانا كليا ذاكرا يردد: "الطيبات للّٰه" يرددها بما لا يحد من ألسنة أحواله.
أي: "إن جميع الكلمات الطيبة، والمعاني الزكية، وبدائع الحسن والجمال، وا- فتج الأسماء الحسنى الأزلية المتلمعة على خد الكائنات وجميع سنا الجمال الزاهي المُشاهَد على المخلوقات والكائنات بإيمان المؤمنين وفي طليعتهم الأنبياء عليهم السلام والأوليقرآن بالحون والأصفياء العاملون.. وجميع الأقوال الطيبة الجميلة النابعة من إيمان المؤمنين وتحميداتهم وتشكراتهم وتهليلاتهم وتسبيحاتهم وتكبيراتهم المتعالية صاعدة إلى العرش الأعظم بدلالة الآية الكريمةالى منه يصعد الكلم الطيب (فاطر:١٠).. فجميع هذه الكلمات الطيبات المتوجهة إلى العرش الأعظم، مع جميع أشكال الجمال والحسن والطيب التي لا تحد والناشئة من أحد أجمل الوجوه الثلاثة للدنيا، وهي وجالتعذيمرآة المتوجهة إلى الأسماء الحسنى، مع ما لا يحد من الحسنات والخيرات والثمرات المعنوية المزروعة في الوجه الثاني للدنيا وهي مزرعة الآخرة.. كل هذه "الطيبات" خاصة بكاملها للّٰه وحده.. القدير المطلق، سلطان سائل اوالأبد.
فهذا المعنى الكلي، وبلسان العبودية الكلية للنار والنور قدّمه سيد الكون رسولنا الأكرم (ص) بهذه الكلمة الطيبة: "الطيبات.. للّٰه" باسم جميع المخلوقات، إلى المعببالبشرالجلال سبحانه، إذ يحمل النور المادي والمعنوي من الشهادات والدلالات -الجزئية والكلية- على اللّٰه سبحانه ما لا يحصره العد.
— 392 —
نعم، إن النوذي يتحار -كما هو الحال في التراب والهواء والماء- يدلان بالبداهة دلالة قاطعة وبالضرورة وبتلك النماذج على أن الأسباب كلها ليست الّا حجبا، والتأثير والإيجاد كله إنما هو من القدير ذي الجلال.
حيث إن النور -كالحياة والوجود تماما- ينال الوجود بصدِرُ اباشرة من القدرة الإلهية، فلا تتوسط الأسباب الظاهرية حجابا دونه في أية جهة كانت. ومن هنا فإنه يدل على الأحدية ضمن الواحدية، أي: يشير بوظيفة جزئية صغيرة جدّا إلى دليل واسع كلي للأحدية - كما أثبت ذلك فيحق هذه في لفظ "هو" مع هوامشها باختصار)-.
وسنذكر هنا مثالين اثنين فقط من بين ملايين الملايين من الأمثلة:
المثال الأول:هو ما يظهر على صورة علم في جزء من ومضة نور معنوي، في دماغ إنسان يملك قوة حافظة لا تتجاوز حجم ظفر، هذا الشخص أدرج في دمالفاعل ات تسعيین كتابا، ويتم قراءة هذا الجزء فقط من حافظته في ثلاثة أشهر بمُعَدَّلِ ثلاث ساعات يوميًا، ويمكنه أن يراجع ويخرج من تلك الحافظة ما يشاء ومتى يشاء مما شاهده وسمعه وما تراءى أمامه من صور ومعان وقظ يحسأعجب بها أو تحير منها أو رغب فيها.. مع جميع الصور والأصوات طوال عمره الذي ناهز الثمانين.. كل ذلك مجموعة في صحيفة تلك الحافظة. لذا يرى أن تلك الحافظة كأنها مكتبة ضخمة نسقت فيها المحفوظات منتظمة مرصوفة.
فهذه الحافظة التي لاما يجرحجم حبة من خردل تكتب فيها و تحفظ تلك الأحوال كلها، فلها إذن سعة كسعة البحر، ونور كلي، وضياء معنوي محيط بالشيء كضياء الشمس المحيط، وصحائف كبيرة واسعة سعة سطح الأرض.. وما هذا إلّا محال في محال، بل محال بمئات الألوف مالأنفسالات.
فلا بد إذن ولا شك أن هذه الحافظة الصغيرة جدّا قد وضعها العليم المطلق العلم في دماغ الإنسان بعلمه وحكمته وقدرته، وخَلَقها أنموذجا مصغرا ليشير ويشهد على اللوح المحفوظ الذي هو صحيفة قدره وقدرته.
— 393 —
المثامسلك يني:الجزئي والأنموذج المصغر جدّا: هو الكهرباء. فبعد أن خبر أحدهم المصباح الكهربائي ودقق فيه النظر، رأى أن الذرات والمواد الموجودة في مئات المفاتيح الكهربائا مختصلاكها ومراكزها، جامدة لا تملك شعورا، ولا حركة ذاتية. ومع هذا تمحو ظلمات كانت تشغل عشرات الكيلومترات، بعد أقل من تماس بسيط، ويملأ مكانها نورًا في أقل من نصف يَدخل فذهاب هذه الظلمات المشییاهدة فجأة ومجيء نور مشاهَد بقدرها بدلا منها لاشك أنیه ليس خيالا، فأما أن التماس الحاصل في تلك الذرات الجامدة الفاقدة للشعور يحمل قوة لا حدّ لها ونورا لا منتهى له والسنةتمكن تلك الذرات من أن تمد يدها إلى مئات الكيلومترات، فتزيلَ منها الظلام وتملأَه بالنیور.. وهذا محال لا يمكن أن يقنع به حتى السوفسطائي ولو حاولت معه الشییياطين جمرة الألملحدون والماديیون قاطبة..
(٭): إنه لأجل الخداع والتمويه ليس إلّا يضعون اسمًا على بعض الحقائق العظيمة الجليلة، وكأن تلك الحقيقة قد عُلمت وفهمت، فيجعلونها أمرًا عاديا مألوفا.
فمثلا: إن قولهم: "هذا ما يسمى بقوة الكهد أبكتيُبدون به إظهار تلك الحقيقة العظيمة والدقيقة أمرا عاديًا مألوفًا، علما أنه قد لا تكفي صفحات لبيان حكم تلك المعجزة البديعة للقدرة الإلهية. لذا فبمجرد وضع اسم وإطلاق عنوان على تلك الحقيقة تُستر حِكَمها الكلية الدكتو ماهيتها وعظمتها، وتغدو من الأمور العادية. وقد يقيمون مكان تلك الحقيقة العظيمة أحد مظاهرها البسيطة، وعندها يسندون ذلك الأثر البديع إلى قوة عمياء ومصادفة عشواء، وطبيعة موهومة، فيتردون في هاويةِ جهلٍ أجهلَ من أبي جهل.
إن القوانين سنن * *
الجارية في الكون والتي هي عناوين لنواميس الإرادة الإلهية، قد أَطلق البشرُ على إحدى تلك القوانين اسم "الكهرباء"، وذلك لعجزه عن إدراك ماهيتها، فجعل بهذا الإطلاق ما تُظهرنوير من معجزة قدرة خارقة أمرا عاديا بسيطا وكأنه شيء معلوم لدى الجميع.
وهكذا يجعلون أمثال هذه المعجزات البديعة للقدرة الإلهية أمورًا عادية مألوفة بمجرد إطلاق اسم عليها كقوة الكهرباء.(المؤلف)
أيفتُناذلك بقدرة القدير المطلق، علام الغيوب، وبحكمة العليم النافذ حكمه في الكون كله، فتستفيض الأنوار من اسمه "النور" فهو "نور النور، وخالق النور، ومدبر النور".
وعلى غرار هذين المثالين هناك ما لا يحد من الأمثلةة الولاذج.
وهكذا فكما تُقدِّم الكائناتُ جميعَ ما فيها من أنوار، وحسن وجمال، وطيبات، وكلمات طيبة، وخيرات وكمالات إلى الذات الجليلة بلسان حال عنصر النور بی: "الطيبات للّٰه" فإن ن العاخلق الكائنات وسببَ خلق الكون (ص) قد قال أيضا بذلك المعنى الكلي في ليلة المعراج: "الطيبات للّٰه" باسم جميع موجودات الكون التي بعث إليه.
فالرسول الأعظم (ص) -بعدد ذرات الأنام- بعد أن قال مؤمنينكلمات الجميلة الأربع -بعدد ذرات الأنام-
— 394 —
بدلا من السلام في ليلة المعراج، قابله الرب الجليل سبحانه وتعالى -كما هو موضح في رسائل النور- بقوله: "السلام عليك
بمثابلنبي" دليلا على رضاه وقبوله منه ما قدم من تحيات، وإشارة منه سبحانه إلى أمته - بأمر معنوي - أن يقولوا مثله؛ "السلام عليك أيها النبي"... وعند ذلك قال الرسول (ص) مباشرة: "السلام عليناا.
عباد اللّٰه الصالحين" جاعلا من ذلك السلام الإلهي المقدس سلاما عاما شاملا لنفسه ولامته ولأمثاله من الأنبياء -عليهم السلام- ولجميع المخلوقات، حيث هو المبعوث إليهم جميعا.
فما تقوله أمته (ص) في كل صلاة: "السلام عليك أيها النبي" ما هو الا امتثال لما في ذلك السلام الإلهي المقدس من أمر. وهو في الوقت نفسه بيعة مع الرسول (ص)، و تجديد يومي لبيعته، أي الرضى به رسولا والطاعة والانقياد لما جاء به، وهو في الوقت نفسهالنظام و تحية لرسالته.. وشكرانٌ يقدمه العالم الإسلامي أجمع يوميا لما بشّرهم به من سعادة أبدية.
نعم، إن كل إنسان يتألم من زوال وجوده، كما يتألمضارًا اب بيته، ويتألم أشد الألم بدمار بلده، بل يتجرع قلبه آلاما وغصصا بفراق أحبائه ووفاتهم، بل يتحرق وجدانه وروحه حتى كأنه في جهنم معنوية كلما تفكر بزوال دنياه الخاصة -وهي بكبر الدنيا- ودمارها أول: ح في الختام. لذا فكل إنسان راشدٍ -أي ما لم يكن فاقد القلب والروح والعقل- يدرك بلا شك أن ما أتى به الرسول الكريم (ص) من بشرى عظيمة سارة، مما رآه رؤيةَ عينٍ وبصرٍ في ليلة المعراج من سعادة أبدية، ومن تنعم أهل الإيمان في جنة خالدة، و حتى ه فناء أحباء الإنسان الذين يرتبط بهم بعلاقة، ومن لقائهم الحتمي بعضهم بعضا بعد زوالهم.. أقول: سيدرك هذا الإنسان مدى ما تحمله تلك البشرى السارة والهدية البهيجة من فرح وانشراح، ويدرك أيضا سبب استقبال عالم الإسلام تلك الهدية الغال مقتضىلهم: "السلام عليك أيها النبي" كما يقوله كل موجود معنًى وبلسان هذه الحقيقة، إذ تتحول صحائف الكائنات إلى كتابات صمدانية بتلك الهدية المعنوية، وتتظاهر القيمة الحقيقية للمخلوقات وكمالاتها برسالته. وما "السلام عليكم" الذي تتبادله الأمة ما عممية كسنة نبوية وشعيرة للإسلام إلّا شعاع من تلك الحقيقة العظمى.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي

* * *

— 395 —
إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراءر الأعز شفير القبر، جاوز الثمانين وابتُلي بأمراض عديدة، شيخ غريب ضعيف، يقول: أريد أن أبيّن لكم حقيقتين:
أولاهما:أننا نبارك تعاونكم الوثيق مع العراق والباكستان بملء أرواحنا ووجداننا، فلقد أكسبتم ا كُتبلتعاون الفرحَ والانشراح لهذه الأمة [٭]: لاشك أنه بعد انقطاع دام أكثر من ربع قرن عن البلدان العربية والإسلامية يعدّ هذا الانفتاح بشرى عظيمة للمسلمين في تركيا. وسيكون بإذن اللّٰه مقدمة لإقرار الأمان هبّون م بين أربعمائة مليون مسلم، ويضمن السلام العام للبشرية قاطبة. هذا ما أحسستُه في روحي ورأيته لزاما عليّ أن أكتب إليكم هذه الحقيقة، حيث وردت إلى قلبي في أذكار الصلاة.
اهين مكما يعلم الجميع تركت الدنيا والسياسة منذ أكثر من أربعين سنة، إلّا أن الذي دفعني إلى بيان هذا الإخطار القلبي والعلاقة القوية التي شعرت بها هو: تأثير رسائل النور -التي كَشفت منذ خمسين سنة عن أقصر طريق لإنقاذ الإيمان، والمعجزة المعنوي. فعندآن الكريم في هذا العصر- في البلدان العربية والباكستان أكثر من أي بلاد أخرى، حتى وَرَدَنا خبرٌ مفاده أن طلاب النور في تلك الأماكن يزيدون ثلاي !
اف على ما ثبتته المحاكمُ هنا. لذا اضطرت روحي إلى بيان ومشاهدة هذه النتيجة العظيمة وأنا على عتبة القبر.
ثانيتها:لقد ظهرتْ أضرار النعرة القومية والعنصرية في عهد الأمويين، كما فرّقت الناس شرّ فرقة فابتين ة عهد الحرية وإعلان الدستور، حيث تأسست النوادي والتكتلات، كما استغلت إثارة النعرة القومية مجددًا للتفريق بين الإخوة العرب النجباء وبين الأتراك المجاهدين، فعّم الاضطراب وسُلبت راحة الناس.
علمًا أن الإضرار بالناس بأعمال سلبية هو فطرلفاتهممية والعنصرية التي فطروا عليها. والأتراك مسلمون في أنحاء العالم كافة فقوميتهم مزجت بالإسلام لا يمكن فصلهم عنه. فالتركي يعني المسلم. حتى إن غير المسلم مأعزاء يكون تركيًا. وكذلك العرب فإن قوميتهم مزجت بالإسلام أيضا وينبغي هكذا. فقوميتهم الحقيقية هي الإسلام وهو حسبهم. ألاَ إن العنصرية ودعوى القومية خطر عظيم. نسأل اللّٰه أن يدفع تعاة السامع العراق والباكستان
— 396 —
أضرار هذه الدعوى الخطرة ويُكسب الأتراك أربعمائة مليون من الإخوة بدلا من خمسة ملايين من العنصريين. ويكسب في الوقت نفسه صداقة ثمانمائة ملالرحم) النصارى وسائر الأديان الأخرى المحتاجين إلى إقرار السلام.
ثالثا:قبل [٭]: رسالة مرفوعة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بعد سنة ١٩٥٠م في عهد عدنان مندرس وجلال بايار. خمسة وستين عامًا أخلمتضمنالٍ من الولاة أنه قرأ في الصحف: إن وزير المستعمرات البريطاني خطب وبيده نسخة من المصحف الشريف قائلًا: "إننا لا نستطيع أن نحكم المسلمين ما دام هذا الكتاب بيدهم، فلا مناص لنا من أن نرهان".ن الوجود أو نقطع صلة المسلمين به".
وهكذا دأبت المنظمات المفسدة الرهيبة على تحقيق هاتين الخطتين: إسقاط شأن القرآن الكريم من أعين الناس، وفصلهم عنه. فسعوا في هذا المضمارنها ست حثيثًا للإضرار بهذه الأمة المنكوبة البريئة المضحية.
وقد قررتُ قبل خمس وستين سنة أن أجابه هذه المؤامرات الخطرة مستمدًا القوة من القرآن العظيم، فألهمني قلبي طريقًا قصيرًا إلى الحقيقة، وإنشاء الروحة ضخمة. فمنذئذ نسعى لإنقاذ آخرتنا.
وإحدى ثمراتها أيضًا إنقاذ حياتنا الدنيوية من الاستبداد المطلق، والنجاة من مهالك الضلالة. وإنماء علاقات الأخوة بين الأقوام الإسلامية. وقد وجدنا وسيلتين في هذه السبيل:
الوسيلة الأولى:رسائل النور التالوقت وشائج الأخوة الإيمانية بتقوية الإيمان. والدليل على ذلك تأليفها في وقت الظلم والقسوة الشديدة، وتأثيرها البالغ في أنحاء العالم الإسلامي وفي أوروبا وأمريكا -في الوقت الحكل لساغلبتها على المخِلّين بالنظام والفلسفة الملحدة، وظهورها على المفاهيم الإلحادية السارية كالفلسفة الطبيعية والمادية مع عدم جرحها من قِبَل أية محكمة أو لجنة خبراء. وسيتبنى أمثالُكم بإذن اللّٰه ممن كَشفوا عن مفتاح الأخوة الإسلامية، هذه الرسا (كنتتي تُمثل نورًا من أنوار القرآن الكريم وينشرها في العالم الإسلامي كله.
الوسيلة الثانية:قبل خمس وستين سنة أردت الذهاب إلى الجامع
الأزهر باعتباره مدرسة العالم الإسلامي، لأنهل فالدرس لوم. ولكن لم يُكتب لي نصيب فيه، فهداني اللّٰه إلى فكرة
— 397 —
وهي: أن الجامع الأزهر مدرسة عامة في قارة إفريقيا، فمن الضروري إنشاء جامعة في آسيا على غراره، بل أوسع منه بنسبة سعأعاني على إفريقيا. وذلك لئلا تُفسد العنصرية الأقوامَ في البلدان العربية والهند وإيران والقفقاس وتركستان وكردستان، وذلك لأجل إنماء الروح الإسلامية التي هي القومية الحقيقية الصائبة السامية الشسالة "تنال شرف الامتثال بالدستور القرآني: إنما المؤمنون إخوة (الحجرات:١٠).
وكذلك لتتصافح العلوم النابعة من الفلسفة مع الدين، وتتصالحَ الحضارة الأوروبية مع حقائق الإسلام مصالحة تامة، ولتتفق المدارس الحديثة وتتعاون مها إليارس الشرعية في الأناضول.
لذا بذلت جهدي كله لتأسيس هذه الجامعة في مركز الولايات الشرقية التي هي وسط بين الهند والبلاد العربية وإيران والقفقاس وتركستان، وسميتها "مدرسة الزهراء". فهي مدرسة حديثة ومدرسة شرعية في الوقت نفسه. فمثلأنهم يت جهدي في سبيل إنشاء هذه الجامعة بذلته في سبيل نشر رسائل النور.
هذا وإن السلطان "رشاد" رحمه اللّٰه هو أول من قدّر أهمية إنشاء هذه الجامعة، فخفما داين ألف ليرة ذهبية لإنجاز بنائها فقط. وحينما رجعتُ من الأسر في الحرب العالمية الأولى وافق مائة وثلاثة وستون نائبًا -من بين مائتين- في البرلمان ووقّه الضلى تخصيص مائة وخمسين ألف ليرة -بقيمة الليرة الثمينة آنئذٍ- للغرض نفسه. وكان مصطفى كمال من ضمنهم. وهذا يعنى أنهم أولوا أهمية لإنشاء هذه الجامعة أ سلامي أي شيء آخر. بل حتى وقّع ذلك القرارَ المتغربون من النواب الذين لا يهمهم أمر الدين من قريب أو بعيد والذين قطعوا صلتهم بالأعراف الإسلامية سوى اثنين منهم حيث قالا: نحن بحاجة إلى الحضارة الغربية أكثر من حاجتنا من تحلجمع بين العلوم الدينية والحديثة.
وأنا بدوري أجبتهم بالآتي:
لنفرض فرضًا محالًا أنكم لستم بحاجة إلى ذلك، ولكن ظهور أكثر الأنبياء في آسيا والشرق وظهور أكثر الحكماء والفلاسفة في الغرب يدل على أن الذي الفتهمسيا إلى الرقيّ الحقيقي هو الشعور الديني أكثر من العلوم والفلسفة. فإن لم تأخذوا بهذا القانون الفطري
— 398 —
وأهملتم الأعراف الإسلامية بحجة التغرب وأسستم الدولة على الإلحاد، فأنتم مضطرون أيضًا إلى الانحياز إلى اية ضمن -لصالح الوطن والأمة- إقرارًا للسلام في الولايات الشرقية الواقعة بين أربع دول كبرى.
وأورد لكم مثالًا واحدًا من بين ألوف الأمثلة:
حينما كنت في مدينة "وان" قلت لأحد طلابي الأكراد الغيورين: لقد خدم الأتراكُ الإسلامَ كثيرًا، فكيفمن الأ؟ قال: إني أفضّل تركيًا مسلمًا على شقيقي الفاسق، بل أرتبط به أكثر من ارتباطي بوالدي، لخدمته الإيمان خدمة فعلية.
ومرت الأيام والسنون، ودخل ذلكعيني اب -أيام أسري- المدرسةَ الحديثة في إسطنبول. ثم قابلته بعد عودتي فلمست أنّ عِرق القومية الكردية قد تحرك فيه من جراء الدعوى العنصرية التركية لدى بعض معلميه. فقال لي: إنني أفضل الآن كرديًا فاسقًا مجاهرًا بل ملحدًا على تركي صالح.. ثم جلست معه بحرف منات فأنقذته بإذن اللّٰه، فاقتنع أن الأتراك هم جنود أبطال لهذه الأمة.
فيا أيها النواب السائلون!
إن في الشرق حوالي خمسة ملايين من الأكراد وحوالي مائة مليون من الإيرانيين والهنود وسبعين مليونًا من العرب وأربعين مليونًا من القفقاس،جب وأمء جميعًا تربطهم الأخوة وحسن الجوار وحاجة بعضهم إلى البعض الآخر.
فأنا أسألكم! أيّهما أكثر ضرورة: الدرس الذي يتلقاه الطالب في مدرسة "وان" الجامعة بين الشعوب والأمم، أم الدرس الذي يفرق بين تلك الشعوب ويجعله يحصر تفكيره بقومه فقشعر بحر أخوّة الإسلام، ويبذل جهده لتعلم العلوم الفلسفية دون اعتبار للعلوم الإسلامية، ألا تكون حاله كحالة الطالب الثانية؟
وعقب هذا السؤال قي ليستتغربون من النواب والمتحللون من الأعراف الإسلامية بتوقيع القرار. ولا أرى داعيًا لذكر أسمائهم.. سامحهم اللّٰه، لقد توفوا..
— 399 —
إن هذه الجامعة حجر الأساس لإحلال السلام في الشرق الأوسط وقلعته الحصينة وستثمر فالدنيامة لصالح هذه البلاد والعباد بإذن اللّٰه.
إن العلوم الإسلامية ستكون أساسًا في هذه الجامعة، لأن القوى الخارجية المدمّرة قوى إلحادية، تمحو المعنويات، ولا تقف تجاه تلك القوى المدمرّة إلّا قوة معنوية عظيمة، تنفلق على رأسها كالقنبلة ال سؤالك وحيث إنكم ترون أنفسكم مضطرين إلى استشارة أمريكا وأوروبا في هذه المسألة إلّا أن لي الحق أيضا أن أدلي برأيي فيها حيث قضيت خمسا وخمسين سنة من عمري لتحقيقها. بل ننتظر ذلك منكم باسم الأمة جميعا.
سعيد النورسي

* * *

— 400 —
الدرس الأخ. فرأي العملالإيجابي البنّاء
[٭]: جزى اللّٰه الأخ "دنجر قورقماز" خيرًا لترجمته هذا الدرس القيّم.
الذي ألقاه الأستاذ النورسي قبل وفاته على طلبة النور
"إخواني الأعزاء!
إن وظيفتنا هي العمل الإيجابي البنّاء وليس السعي للعمل السليل حيهدام. ومهمتنا القيام بالخدمة الإيمانية ضمن نطاق الرضى الإلهي دون التدخل بما هو موكول أمره إلى اللّٰه. إننا مكلفون بالتجمل بالصبر والتقلد بالشكر تجاه كل ضيق ومشقة تواجهنا وذلك بالقيام بالخدمة الإيمانية كلاتٍ ة التي تثمر الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.
أقول متخذا من نفسي مثالا: إنني لم أنحن تجاه التحكم والتسلط منذ القدم. وهذا ثابت بكثير من الحوادث. فمثلا: عدم قيامي للن أصحالعام الروسي، وكما أنني لم أعر أية أهمية على أسئلة الباشوات في ديوان المحكمة العسكرية العرفية الذين كانوا يهددوني بالشنق والإعدام. وطوري هذا تجاه القواد الأربعة يُبين عدم قبول رئاسةكم والتسلط، إلّا أنني قابلت المعاملات الشائنة بحقي منذ ثلاثين سنة الأخيرة بالرضى والقبول، ذلك من أجل السعي للعمل الإيجابي والاجتناب عن السعي للعمل السلبي لئلّا أتدخل بما هو موكووالحقي إلى اللّٰه، بل قابلتها بالرضى والصبر الجميل اقتداءً بنبي اللّٰه جرجيس عليه السلام وبالصحب الكرام الذين قاسوا كثيرا في غزوة بدر وغزوة أحد.
فمثلا:إنني لم أدعُ حت فليتخالمدعي العام الذي اتخذ علينا القرار الجائر رغم أنني قد أثبتُّ أخطاءه البالغة واحدا وثمانين خطا. لأن المسألة الأساسية في هذا الزمان هو الجهاد المحجمُه وإقامةُ السد المنيع أمام التخريبات المعنوية، وإعانةُ الأمن الداخلي بكل ما نملك من قوة.
نعم، إن في مسلكنا قوةً، إلّا أننا لم نقم باستعمالها إلّا في تأمين الأمن الداخلي. لذا قمت طوال حياتي بتحقيق الأمن الداخلي اتباعا لدستور الآية الكريمة:
بي من ر وازرة وزر أخرى
(الإسراء:١٥) (أي لا يجوز معاقبة إنسان بجريرة أخيه أو أحبائه). إن هذه القوة لا يمكن استعمالها إلّا ضد الهجمات الخارجية. إن وظيفتنا -وفق دستور الآية الكريمة المذكورة- هي
— 401 —
الإعانة على ضمان الأمن الداخليور وطلا نملك من قوة. لهذا السبب لم تشتعل نار الحروب الداخلية المخلة بنظام الأمن الداخلي في العالم الإسلامي إلّا بنسبة واحد من الألف. وهذا كان من جراءتثير الاف في الاجتهاد. إن أعظم شرط من شروط الجهاد المعنوي هو عدم التدخل بالوظيفة الإلهية. أي بما هو موكول إلى اللّٰه. بمعنى أن وظيفتنا الخدمةُ فحسب، بينما النتيجة تعود إلى رب العالمين، وأننا مكلفون ومرغمون في الإيفاء بوظيفتنه، ولاوأقول كجلال الدين خوارزم شاه: "إن وظيفتي هي الخدمة الإيمانية، أما النصر أو الهزيمة فمن اللّٰه سبحانه". وإنني قد تلقيت درس التقلد بالإخلاص التام من القرآن الكريم.
أجل، يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة، لأن أموال العدو وذراريه تكون بمثافة اليمة للمسلمين. أما في الداخل فالأمر ليس هكذا. ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام. إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل. وقد أحسن إليّ المولى سبحانه وتعالى بملايين مقين، راب الحقيقيين. فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في الوقت الحاضر.
وهناك مسألة أخرى في غاية الأهمية. وهي أنا إدارات المدنية الدنية (الدنية بالنسبة لأحكام القرآن الكريم) في يومنا هذا قد زيّدت الحاجاتِ الضرورية من الأربعة إلى العشرين. فجعلتِ الحاجاتِ غير الضرورية بمثابة الحاجات الضرورية بالإدمان لكم مياد والتقليد. فتجد من يفضل الدنيا على الآخرة رغم إيمانه بها لانهماكه بالأمور المعاشية والدنيوية ظنا منه أنها ضرورة.
قبل أربعين سنة أرسل إلي قائد عام عددا من الضباط وحتى بعضَ العلماء اكوك وامن أجل أن يعيدوني شيئا إلى الأمور الدنيوية. فقالوا: "نحن الآن مضطرون". أي إننا مضطرون في تقليد بعض الأصول الأوروبية وموجبات المدنية حسب القاعدة المعروفة: "إن الضرورات تبيح المحظورديمقرالت لهم: إنكم منخدعون تماما؛ لأن الضرورة النابعة من سوء الاختيار لا تبيح المحظورات. فلا يجعل الحرام بمثابة الحلال. بينما إن لم تنبع من سوء الاختيار، أي إن لم تأت الضرورة عن طريق الحرام ارة هور. فمثلا: إذا سكر شخص بسوء اختياره بشربه الحرام،
— 402 —
ثم اقترف جريمة وهو سكران، فإن الحكم يجري عليه ولا يكون بريئا بل يعاقب. ولكن إذا قام طفل مختل العقل بقتل شخص ما -وهو في حالة الاختلال- فهو معذور ولا يعاقب بمعنى لم يقترف الجريمة بإرادته. وهكذا قلت للقواد والأئمة: أيّ الأمور تُعد ضرورية مما سوى الأكل والعيش؟. فالأعمال النابعة من سوء الاختيار والميول غير المشروعة لا تكون عذرا لجعل الحرام حلالا. فإذا٢٤؛ الالإنسان نفسه على شيء كمتابعته للأفلام في السينما وارتياده المسرح والرقص بكثرة، وهذه الأمور ليست ضرورية قطعا، بل نابعة من سوء الاختيار، لذا لا تكون كافية لريم.
حرام حلالا. وحتى القانونُ الإنساني قد أخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، وميز بين الضرورة القاطعة غير الداخلة ضمن إطار الاختيار والأحكام الناشئة من سوء الاختيار. إلا أن القانون الإلهي قد فرق بينهما بشكل أساس وثابت راسخ ومحكم.
الوقتني! لا تهاجموا بعض العلماء الذين ظنوا بعضَ إلجاءات العصر ضرورة، وركنوا إلى البدع. لا تصادموا هؤلاء المساكين الذين ظنوا الأمر "ضرورة"، بدون علم وعملوا وفقها. ولهذا فنحن لا نقوم باذ)
ل قوتنا في الداخل. فلا تتحرشوا بهم وإن كان المعارضون لنا من العلماء الأئمة. إنني قد تحملت وحدي المعارضات كافة، ولم أفتر مقدار ذرة قط. ووفّقت في تلك الخدمة الإيمانية بإذن اللّٰه. فالآن رغم وجود ملايين من طلبة النور، فإنني أسعى بالعمل الإيجادينني حمل جميع مظالمهم وإهاناتهم وإثاراتهم.
إننا لا نلتفت إلى الدنيا، فإذا ما نظرنا إليها فنحن لا نسعى إلى ما سوى لمعاونتهم فيها. فنحن نعاونهم في تأمين الأمن بشكل ص المؤ. وبسبب هذه الحقائق وأمثالها نحن نسامحهم حتى لو عاملونا بالظلم.
إن نشر رسائل النور قد أورث قناعة تامة بأن الديمقراطيين يساندون الدين ويؤيدونه. لذا فإن التعرض للرنهم منكون ضد منفعة الوطن والملة.
وها مثالا صغيرا لقاعدةِ: "إنّ ضرورةً نبعت من سوء الاختيار لا تكون سببا لجعل الحرام حلالا":
كانت هناك رسالة خاصة سرية قد منعتُ نشرها زجّونتُ تلاميذي بنشرها بعد وفاتي، إلّا أن المحاكم قد عثرت عليها وطالعتها بدقة ثم قضت بالبراءة. وأيدت محكمةُ التمييز هذه
— 403 —
البراءة. وأنا بدوري أذِنتُ بنشرها من أجل تأمينَ جامع الداخلي والحيلولة دون أن يمس خمسا وتسعين بالمائة من الأبرياء ضرر، وقلت: يمكن نشرها بالاستشارة...
المسألة الثالثة:يسعى الكفر المطلق حاليا لنشر جهنم معنوي رهيب، بحيث يلزم أن لا يقترب منه أي إنسان فيلى طلام أجمع. ولكن أحد أسرار كون القرآن الكريم "رحمة للعالمين" هو: مثلما أنه رحمة للمسلمين جميعا، فهو رحمة لجميع الكفار أيضا وبني آدم أجمع، حيث يورثهم احتمالَ وجود الآخرة ووجود اللّٰه سبحانه، فيخفف عنهإثم.
الاحتمال شيئا من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا. وهذا سر دقيق من أسرار كون القرآن رحمة للخلق أجمعين. إلّا أن قسم الضلالة من العلم والفلسفة، أي غية الأهتوافق مع القرآن الكريم والمنحرفَ عن الصراط السوي قد بدأ بنشر الكفر المطلق على طراز الشيوعيين، فبدأ بتطعيم أفكارهم المولدة للفوضى والإرهاب ونشرها بوساطة المنافقين والزنادقة وبوساطة قسم من السياسيين الكفرة. علما أن الحياة لا يمكندي المير بدون دين. ومبدأُ "لا حياة لأمة بلا دين" تشير إلى هذه النقطة. إذ لا يمكن العيش-في حقيقة الحال- بالكفر المطلق. ولهذا فإن إحدى المعجزات المعدينة للقرآن الحكيم أنه قد منح هذا الدرس لطلاب رسائل النور ليكونوا سدا أمام الكفر المطلق والإرهاب في هذا القرن. وحقا إن الرسائل أدت دورها. نعم، إن هذا الدرس القرآني هو الذي وقانا را [٭ التيار الجارف الذي استولى على الصين ونصف أوروبا ودول البلقان وأقام سدا أمام هذا الهجوم. وهكذا وُجد حل سليم أمام هذا الخطر الداهم.
إذن لاجدّا..لمسلم أن يخرج عن الإسلام ويتنصّر أو يتهود أو يكون بلشفيا... لأن النصراني إذا أسلم فإن حبَّه لعيسى عليه السلام يزداد أكثر. واليهودي كذلك يزداد حبه لموسى عليه السلام بعد دخوله للإسلام. ولكن المسلم إذا ارتد وحل ربقته من سلسلةة سیؤال محمد (ص) وتخلى عن الدين الحنيف فلا يمكن له أن يدخل أي دين آخر بل يكونُ إرهابيا. ولا يبقى في روحه أيّ نوع من الكمالات. بل يتفسخ وجدانه، ف من أبمثابة سم قاتل للحياة الاجتماعية.
لذا نشكر اللّٰه عز وجل أن قد بدأ بالانتشار درسٌ من دروس القرآن المعجز لينقذ هذا العصر باسم رسائل النور بين معمةِ ارك والعرب باللغة التركية والعربية. وقد تحقق أنها مثلما
— 404 —
أنقذت قبل ست عشرة سنة إيمانَ ستمائة ألف شخص. فإنها الآن قد تجاوزت هذا العدد إلى الملايين من الناس. وكما أن رس الناسنور أصبحت وسيلة لإنقاذ الإنسانية من الإرهاب -شيئا ما- أصبحت وسيلة للتآخي والوحدة بين الأخوين الجليلين للإسلام وهما العرب والترك، وكذلك أصبحت وسيلة لنشر الأحكام الأساسية للقرآن الكريم حتى بتصديق أعلا يمك
فمادام الكفر المطلق يقف حائلا أمام القرآن الكريم في هذا العصر، وأن الكفر يُضمر في ثناياه في هذه الحياة الدنيا جهنمَ معنوية تفوق جهنم نفسها، حيث إن الموت لا يمكن قتله، بل تشهد كل يوم ثلاثون ألفا من الجنائز على استمرارية الموت، فإن هذا الموتى الإيثابة جهنم معنوية تفوق عذاب جهنم نفسها عشرات المرات لمن وقع في الكفر المطلق أو لمن يساند الكفر المطلق، نظرا لأنه يفكر في الموت أنه إعدام أبدي له ولأحبة التيذين مضوا والآتين معا، لأن كل شخص كما يكون سعيدا بسعادة أحبائه، يتعذب بعذابهم. فالذي يكفر بوجود اللّٰه تمحى عنده جميع تلك السعادات، وتحل العذاب محلها. لذا هناك حل وحر أخرىهذا العصر ليزيل هذا الجحيم المعنوي من قلب الإنسان؛ ألا وهو القرآن الحكيم، وأجزاء رسائل النور التي هي المعجزة المعنوية للقرآن الكريم والتي كتبت وفق أفهام أبناء هذا العصر.
نحن الآن نشكر اللّٰه عه وأشو إذ قد شعر-إلى حدّ ما- أحدُ الأحزاب السياسية هذا الأمر فلم يقم بمنع هذه المؤلفات. ولم يمنع نشر رسائل النور التي تُثبت بأن الحقائق الإيمانية تذيق أهل الإيمان جنة معنوية في هذه الدنيا. بل سمح بنشرها وتخلى عن مضايقة ناشريها.
إخواأن رسا مرضي قد اشتد كثيرا، ولعلي أتوفى قريبا، أو أُمنع من المكالمة كليا -كما كنت أمنع أحيانا منها- لذا فعلى إخوتي في الآخرة أن يتجاوزوا عن الهجوم على أخطاء بعض المخطئين المساكين، وليعدّوها من قبيل "أهون الشرين". ولة على بالعمل الإيجابي دائما. لأن العمل السلبي ليس من وظيفتنا. ولأن العمل السلبي في الداخل لا يُغتفر. ومادام قسم من السياسيين لا يُلحقون الضرر برسائل النور من خرتسامحون قليلا. لذا انظروا إليهم كأهون الشرين. ومن أجل التخلص من أعظم الشر فلا تمسوهم بضرر بل حاولوا أن تنفعوهم.
وإن الجهاد المعنوي في الداخل هو العمل ضد التخريبات المعنوية، وإنه ليس ماديا قك إلى نما يستوجب القيامَ بخدمات معنوية. لذا فكما لم نتدخل بأمور أهل السياسية، فلا يحق لأهل السياسة أن ينشغلوا بنا.
— 405 —
فمثلا:لقد سامحت عن جميع حقوقي وعفوت عن حزب من الأحزاب السياسية رغم مقاسالة لأي ألوفا من المضايقات والسجون منذ ثلاثين سنة. فقد أصبحتُ وسيلة لإنقاذ خمسة وتسعين بالمائة من المساكين من أن يسقطوا في مضايقات ومظالم واعتراضات.حيث أُسنِد الذنب إلى خمسة بالمائة من ذلن هذه ب، بحكم الآية الكريمة:
ولا تزر وازرة وزر أخرى
(الإسراء:١٥). فلا يحق إذن لذلك الحزب الذي عادانا القيام بالشكوى منا بأي وجه كان.
حتى إن المدعي العام الذي طالب في إحدى المحاكم ة عن طاء الأوهام الخاطئة لبعض المخبرين والجواسيس- بإنیزال الحكم علينا نحن السبعين متهما، مستندا إلى سوء فهمه وعدم تدقيقه، وبإسناد معنى خطأ لقسم من رسائل النور، فسعى بالحكم علينا بهذه الأخطاء التي كانتلعدالةعلى ثمانين خطا، كما أثبتنا أخطاء تلك الأخطاء، وكان أحد إخوانكم الذي تعرض أكثر من غيره لمثل تلك الهجمات الظالمة، مسجونا وقد شاهد طفلةً صحيث سبن خلال نافذة السجن فسأل عنها فقيل له إنها ابنة ذلك المدعي العام، فلم يقم حتى بالدعاء على ذلك المدعي العام لأجل تلك الطفلة البريئة المسكينة. ولعل تلك المشقات والاضطرابات التي ألق قلاع ينا المدعي العام انقلبت إلى رحمة، نظرا لأنها أصبحت وسيلة لنشر رسائل النور تلك المعجزة المعنوية.
إخواني! ربما أموت قريبا. فإن لهذا العصر مرضا داهما، وهو الأنانية وحب النفس، واشتهاءُ قضاءِ حياة جميلة في ظل مباهج وزخارف المدنية الجذابة وأمثالها من الأمراض المزمنة. إن أول درس من دروس رسائل النور الذي تلقيته من القرآن الكريم، هو التخلي عن الأنانية وحب النفس، حتى يتمامنا،ذ الإيمان بالتقلد بالإخلاص الحقيقي. وللّٰه الحمد والمنة، فقد برز في الميدان كثيرون ممن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم الحقيقي. فهناك الكثيرون ممن يضحون بأنانيتهم وبكن كلّ وجاههم في سبيل أصغر مسألة إيمانية... وحتى قد أُخفِتَ صوت لأحد طلاب النور وهو الضعيف المسكين من قِبَل الرحمة الإلهية عندما أصبح أعداؤه أصدقاء له وكثر الخطاب معه. ويتألم من أتيجتُهن ينظر إليه بنظر تقدير واستحسان. إضافة إلى أنه يتضايق من المصافحات كأنه يتلقى الصفعات. فسئل عنه "ما حالك؟ فما دام لك أصحاب يتجاوزون الملايين، فلماذالمحاوحافظ على احترامهم لك وتوقيرهم إياك؟"
— 406 —
فأجاب قائلا: مادام الإخلاص التام هو مسلكنا، فبمقتضى الإخلاص التام لا بد من التضحية والفداء ليس بالأنان الصديب، بل لو منحت سلطنةُ الدنيا لوجب تفضيل مسألة إيمانية واحدة باقية على تلك السلطنة. لذا فقد فَضَّل نكتة دقيقة قرآنية في آية واحدة أو في اتكم مها في الحرب، وفي الخط الأمامي بين قنابل مدافع الأعداء فأمر طالبه المسمى بی"حبيب": أن "أخرج الدفتر" أملى عليه تلك النكتة وهو يمتطي صهوة جواده. أي إنه لم يترك حرفا واحدا ونكتةً واحدة من القرآن الكريم مقابل قنابل الأعداء بل ف مع اللى إنقاذ حياته.
فسألنا ذلك الأخ: "من أين تلقيت هذا الإخلاص العجيب". فقال: من نقطتين:
الأولى:إن في غزوة بدر التي هي من أعظم الغزوات الإسلامية، وَضع قسم من المجاهدين أسم وظيفووقفوا لأداء الصلاة جماعة، بينما القسم الآخر وقفوا مسلحين حذرين، ثم التحقوا بالصلاة كسبا لثواب الجماعة كما أمر به رسول اللّٰه (ص). فمادامت هذه الرخصة موجودة في اترفة بومادام ثواب الجماعة رغم كونه سنة قد فضّل على أكبر حادثة في الدنيا لأجل رعاية تلك السنة النبوية فنحن نستلهم من الرسول الأعظم (ص) هذه النكتة الصغيرة ونتبعها بروحنا وأنفسنا.
الثانية:إن الإمام عليا رضي اللّٰه عنه قد طلب والرللّٰه سبحانه وتعالى في أماكن كثيرة من قصيدته "البديعية" ولاسيما في أواخرها حاميا يحميه كي لا تطرأ الغفلة في خشوعه عند وقوفه في الصلاة، فطلب من الرب الجليل عفريتا من الجن ليحميه من أعدائه الكثيرين خشية أن يصيب خلل في خشوعه في الصلاة بتد دخلاجوم أعدائه.
إن أخاكم هذا المسكين الضعيف الذي قضى صفوة عمره في الأنانية في هذا الزمان، قد تلقى هاتين النكتتين الصغيرتين من سيد الكونين الذي هو سبب خلق الأفلاك، ومن الذي هو أسد الإسلام. وفي زماننا هذا قد أعطى هذا المسكين الضعيف أهمية ا صلاة القرآن ولم يعر سمعا لحماية نفسه من الأعداء في الحرب، فبيّن نكتة واحدة فقط من حرف واحد من القرآن الكريم".
سعيد النورسي

* * *

— 407 —
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
يَا اَللّلسائقةا رَحْمنُ، يَا رَحِيمُ، يَا فَردُ، يَا حَيُّ، يَا قَيُّومُ، يَا حَكَمُ، يَا عَدْلُ، يَا قُدُّوسُ
بحق الاسم الأعظم وبحرمة القرآن المعجِز البيان وبكرامة الرسول الأعظم (ص)، أدخل الذين قاموراز من هذه المجموعة ومعاونيهم الميامين جنةَ الفردوس والسعادة الأبدية.. آمين. ووفّقهم في خدمة الإيمان والقرآن دوما وأبدا.. آمين. واكتب في صحيفة حسناتهم ألفَ حسنة لكل حرف من حروف كتاب "الملاحق".. آمين. وأحسِن إل. ومنثبات والدوام والإخلاص في نشر رسائل النور.. آمين
يا أرحم الراحمين! آت جميع طلاب النور في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. آمين. واحفظهم من شر شياطين الجن والإنس.. آمين. واعف عن ذنوب هدو مستبد العاجز الیضعيف سعيد.. آمين
باسم جميع طلاب النور
سعيد النورسي