المكتوبات العربية
— 519 —

القسم الخامس

وهو الرسالة الخامسة
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ اللّٰه نورُ السّمواتِ والارض ﴾
(النور: ٣٥)
في حالة روحية في شهر رمضان المبارك شعرتُ بنور من أنوار هذه الآية الكريمة، ورأيت ما يشبه الخيال؛ أن الموجوداتِ جميعَها، والأحياء كلَّها تناجي ربها الجليل وتتضرع إليه بمناجاة "أويس القرني" المشهورة، [٭]: يراجع ختام الموقف الثالث من الكلمة الثانية والثلاثين من (الكلمات) والمقام الثاني من المكتوب العشرين. والمستهلة بی:
الهي أنت ربي وأنا العبد .. وأنت الخالق وأنا المخلوق.. وأنت الرزاق وأنا المرزوق... الخ.
فرأيتُ في هذه الواقعة القلبية الخيالية ما أورثني القناعةَ بأن كل اسم من الأسماء الإلهية هو نورٌ لكل عالَم من العوالم الثماني عشرة ألفًا؛ كالآتي:
إن أوراق الورد مثلما تغلّف الواحدةُ الأخرى، تستُر التي تليها، كذلك رأيت هذا العالَم، كل عالَم يُغلَّف بألوف من الأستار والحجب، فتستر تحتها عوالم أخرى. ورأيت كذلك، أنه كلما رُفع ستار وأُزيل حجاب إذا بعالَم آخر يظهر تجاهي، وأن ذلك العالم يتراءى لي في ظلمةٍ دامسة ووحشة رهيبة كما تصوِّره الآية الكريمة:
﴿ أو كَظُلماتٍ في بحرٍ لُجّي يَغشَيهُ موجٌ مِنْ فوقهِ مَوجٌ من فوقه سَحابٌ ظلماتٌ بعیضها فوقَ بعضٍ اذآ أخرجَ يَدهُ لم يكدْ يَريها ومَن لم يَجعَل اللّٰه لهُ نورًا فما لهُ من نور ﴾
(النور: ٤٠).
وإذ أنا أرى هذا العالَم في مثل هذه الظلمات إذا بجلوة من جلوات اسم إلهي تشع شعاعًا عظيمًا كنور يغمر ذلك العالم من أوله إلى آخره بالنور. فكلما بدا مشهدٌ من مشاهد هذه العوالم، ويُرفع ستارٌ من أستارها أمام العقل، ينفتح بابٌ إلى عالم آخر أمام الخيال. وإذ يتراءى
— 520 —
أنه غارق في ظلام، بسبب الغفلة، وإذا باسم إلهي يتجلى كالشمس المنيرة، فينوّر ذلك العالم كله.. وهكذا.
ولقد استمر طويلًا هذا السير القلبي والسياحة الخيالية، نذكر منها:
أنني لما رأيت عالمَ الحيوانات، وتأملت في عَجزها وضعفها وشدة حاجاتها وشدة عَوَزها وجوعها، بدا لي ذلك العالم، أنه عالمٌ غارق في ظلام دامس وحزن ملازم، وإذا باسم "الرحمن" يشرق كالشمس الساطعة من بُرج اسم "الرزاق" -أي في معناه- فنوّر ذلك العالم برمّته بضياء الرحمة.
ثم رأيت بين ذلك العالم، عالَم الحيوانات، صغارُها والأطفال، رأيتُها وهي تنتفض ضعفًا وعجزًا وحاجة، فعالَمها مظلم قاتم، يهزّ عواطفَ وشفقة كل من يراه.. وإذ أنا أرى هذه الحالة المؤلمة إذا باسم "الرحيم" يشرق من برج "الشفقة" وينشر أضواءه الزاهية على العالم كله وحوّله إلى عالم بهيج حلو لطيف، بل حوّل دموعَ الشكوى والعطف والحزن إلى دموع تتقطر فرحًا وسرورًا وشكرًا.
ثم رُفع الستار وإذا بمشهد عالم الإنسان يتراءى أمامي، كمشاهد السينما، وهو عالَم قد غشيَه الظلامُ الدامس، وتلفّه الظلمات الكثيفة والرعب المستديم، حتى استغثت من شدة فزَعي ومن هول ما رأيت، حيث رأيت: أن الآمال المغروزة في الإنسان والممتدة إلى الأبد، وأن أفكاره وتصوراته المحيطة بالكون، وأن هممَه واستعداداته ومواهبَه التي تطلب البقاء الأبدي والسعادةَ الأبدية وهي التواقة إلى الجنة الخالدة، يكمن معه -في هذا الإنسان أيضًا- فقرٌ شديد وحاجةٌ دفينة، رغم توجهه إلى مقاصدَ لا تنتهي، ومطالبَ لا منتهى لها، مع ضعف ملازم رغم أنه معرّض لهجمات مصائب وأعداء كثيرة.. زد على ذلك؛ ليس له إلّا عمر قصير جدًّا، وحياة تعيسة، وعيش مضطرب، يذوق مرارةَ الزوال والفراق اللذين يوجعان قلبَه ألَمًا شديدًا دائمًا، حيث ينظر -بنظر الغفلة- إلى القبر الماثل أمامه أنه ظلمات سرمدية، يُرمى بهم في تلك الحفرة المظلمة أفرادًا وجماعات.
فما إن رأيتُ هذا العالَم عالم الإنسان غارقًا في مثل هذه الظلمات، حتى تهيأتْ جميعُ لطائفي الإنسانية مع القلب والروح والعقل، بل جميعُ ذرات وجودي للبكاء والاستغاثة،
— 521 —
وإذا باسم اللّٰه "العادل" يشرق من برج "الحكيم"، وباسم "الرحمن" يشرق من برج "الكريم" وباسم "الرحيم" يشرق من برج "الغفور" -أي في معناه- وباسم "الباعث" يشرق من برج "الوارث"، وباسم "المحيي" يشرق من برج "المحسن"، وباسم "الرب" يشرق من برج "المالك". فنوّرت هذه الأسماءُ الإلهية عوالم كثيرة جدًّا ضمن عالم الإنسان، وفتحت نوافذ من عالم الآخرة المنوّرة. ونثرت أنوارًا ساطعة على دنيا الإنسان المظلمة.
ثم رُفع ستار آخر عن مشهد عظيم آخر، وهو مشهد عالم الأرض، فظهر أمام الخيال عالمٌ رهيب، إذ القوانين العلمية المظلمة للفلسفة تجعل الإنسان الضعيف في ظلمة موحشة، حيث تسير الأرض في فضاء العالم غير المحدود بسرعة تفوق سرعة القذائف بسبعين مرة، وتدور في مسافة تبلغ خمسًا وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، وهي التي يمكن أن تتبعثر وتتشتت في كل وقت وآن بما تحمل في جوفها من زلازلَ هائلةٍ وهي المعمرة الهرمة.. ولشدة قتامة الظلام المخيّم على هذا العالم، دار رأسي من هوله، وإذا باسم "خالق السماوات والأرض" وأسماء اللّٰه؛ "القدير، العليم، الرب، اللّٰه، رب السماوات والأرض، مسخّر الشمس والقمر" أشرقت من أبراج الرحمة والعظمة والربوبية، فنوّرت ذلك العالم الذي خيّم عليه الظلام بأنوار ساطعة، حوّلت تلك الكرةَ الأرضية إلى ما يشبه سفينةً سياحية، في منتهى الانتظام والتسخير والكمال والراحة والاطمئنان، ورأيتها أنها حقًا مهيأة للتنیزه والسياحة والاستجمام والتجارة.
حاصل الكلام: أن كلَّ اسم من ألف اسم واسم من الأسماء الإلهية المتوجهة للكون، ينوّر كالشمس العظيمة عالَمًا من العوالم، بل ينور كلَّ ما في تلك العوالم من عوالم، إذ كانت تتراءى جلوات الأسماء الأخرى ضمن تجلي كل اسم من الأسماء، وذلك بسر الأحدية.
فكان القلب في هذه السياحة ينبسط ويزداد شوقُه إلى المزيد منها كلما رأى أنوارًا مختلفة وراء كل ظلمة. حتى إنه أراد ركوبَ الخيال ليجول في السماء، وعندها رُفع الستار عن مشهد واسع عظيم جدًّا، فدخل القلب في عالم السماوات، ورأى:
أن تلك النجوم التي تنثر الابتسامات النورانية هي أعظمُ من كرة الأرض جسامة، وتسير أسرع منها وتدور متداخلة فيما بينها، لو ضيّعتْ إحداها طريقَها، وتاهت دقيقة واحدة، لاصطدمت إذن مع غيرها، وعندها تنفلق وتدوي دويًا هائلًا وتندلق أحشاءُ الكون ويتفتت.
— 522 —
فلا تشع النجوم بعدُ نورًا بل تستطير نارًا، ولا توزع الابتسامات النورانية بل تخيم عليها الظلمات الدائمة. وهكذا رأيت السماوات -بهذا الخيال- عالمًا واسعًا خاليًا رهيبًا محيرًا مذهلًا. فندمت على مجيئي إليها ألفَ ندم، ولكن وأنا أعاني هذه الحالة إذا بالأسماء الحسنى لی "رب السماوات والأرض" ولی "رب الملائكة والروح" تشرق بجلواتها من برج ولقد زينّا السّماء الدنيا بمصابيح (الملك: ٥). و وسخّر الشمس والقمر (الرعد: ٢). فالتمست النجومُ التي غشيتها الظلماتُ لمعةَ نور من تلك الأنوار العظيمة -من حيث ذلك المعنى- استنارت السماء بمصابيحَ بعدد النجوم. وامتلأت بالملائكة والروحانيات وعمّرت بعد أن كانت تُظن خالية خاوية، ورأيت أن تلك الشموس والنجوم الجارية كأنها جيش من جيوش رب العالمين، سلطان الأزل والأبد، وكأنها تتحرك وتدور ضمن مناورة راقية، تُظهر عظمة ربوبية ذلك المليك المقتدر.
فقلت بما أملك من قوة، بل لو استطعتُ لتلوت بكل ذرات وجودي، وبلسان جميع المخلوقات -لو كانوا يسمعون لي- الآيةَ الكريمة:
﴿ اللّٰه نورُ السّمواتِ والارضِ مَثَلُ نورهِ كمشكوةٍ فيها مِصباحٌ المصباحُ في زجاجةٍ الزجاجةُ كأنها كوكبٌ دُريّ يوقَدُ من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولاغربية يكاد زيتها يیُضيء ولو لم تمسسهُ نارٌ نورٌ على نورٍ يهدي اللّٰه لنورهِ من يشاء ﴾
(النور: ٣٥).
ورجعت إلى الأرض وهبطت من السماء، وأفقتُ من تلك الواقعة، وقلت:
اَلْحَمْدُ للّٰه عَلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْقُرآنِ