— 513 —
المسألة الأولى
لقد أُثبت في "الكلمة الخامسة والعشرين" المسماة بی"المعجزات القرآنية" بالبراهين القاطعة أن أنواع إعجاز القرآن الكريم تبلغ أربعين نوعًا. وقد بُيّن بعضُ أنواعه مفصّلًا حتى إزاء المعاندين، بينما ظلت أنواع أخرى بصورة مجملة.
وقد تبيّن كذلك في الإشارة الثامنة عشرة من "المكتوب التاسع عشر" أنَّ القرآن الكريم يُبرز إعجازَه على وجوه مختلفة إزاء أربعين طبقة من طبقات الناس، إذ أثبتت تلك الإشارة أن لكل طبقةٍ من تلك الطبقات العشرة حظَّها من الإعجاز..
أما الطبقات الثلاثون الباقية، فقد أظهر القرآنُ الكريم إعجازَه لأصحاب المشارب المختلفة من الأولياء، ولأرباب العلوم المتنوعة، والدليل على ذلك إيمانهم التحقيقي الذي بلغ درجة علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ بأن القرآن الكريم هو كلام اللّٰه حقًا.
بمعنى أن كل واحد منهم قد رأى وجهًا من وجوه الإعجاز.
نعم؛ إن جمالَ جلوات الإعجاز يختلف باختلاف المشارب، إذ الإعجاز الذي يفهمه
— 514 —
وليّ من العارفين يختلف عن الإعجاز الذي يشاهده وليٌّ غارق في العشق الإلهي. وإنّ وجهَ الإعجاز الذي يشاهده إمامٌ من أئمة أصول الدين غير الوجه الذي يشاهده مجتهد في فروع الشريعة.. وهكذا.
ولما كُنتُ لا أقدر على الإيضاح المفصل لكلِّ وجه من تلك الوجوه المختلفة، لقِصر نظري عن رؤيتها، وضيق ذهني عن استيعابها، فقد أوضحتُ عشر طبقات منها فقط. فاكتفيت بالإشارة المجملة إلى بقيتها. ولكن ظلت في حينه طبقتان منها في "المعجزات الأحمدية" بحاجة إلى مزيد من التوضيح، فالآن نوضحهما:
الطبقة الأولى: وهم الذين يدركون الإعجازَ بأسماعِهم، إذ الشخص العامي -من عوام الناس- لا يستمع للقرآن إلّا بأذنه، ولا يفهم إعجازَه إلّا بالسمع. أي أنه يقول:
إنَّ هذا القرآن الذي أسمعه لا يشبه أيَّ كتاب آخر. فإما أنه فوق جميعها أو تحت جميعها. وهذا الأخير لا يستطيع أن يقول به أحدٌ قط، ولم يقُله، بل حتى الشيطان نفسه لا يستطيع أن يتفوّه به. فهو إذن فوق الجميع. وقد جاء بهذا الإجمال في "الإشارة الثامنة عشرة". ثم وُضّح هذا الإجمال في "المبحث الأول" من "المكتوب السادس والعشرين" المعروف بی "حجة القرآن على حزب الشيطان" الذي يصوّر فهم تلك الطبقة من الإعجاز ويثبته.
الطبقة الثانية: وهم الذين لا يرون الإعجاز إلّا بالعين، أي أن للقرآن الكريم إشارةً إعجازية تشاهَد بالعين، حتى من قِبَل عوام الناس والماديين الذين سالت عقولُهم إلى عيونهم فلا يؤمنون إلّا بما يشاهدون. وقد ادُّعي هذا الإدّعاء في "الإشارة الثامنة عشرة". وكان من الضروري أن يوضح أكثر لإثبات تلك الدعوى، ولكن لم يسمح الوقت بذلك، لحكمة ربانية مهمة، قد فهمناها الآن. لأجل هذا فقد أُشير إلى بعض جهاتها الجزئية إشاراتٍ بسيطة.
والآن، بعد أن توضّح سر تلك الحكمة اقتنعنا قناعةً كاملة بأن تأخيره كان هو الأَولى. ولتيسير فهم تلك الطبقة وتسهيلًا لهم ليتذوقوا نوعَ الإعجاز للقرآن، استكتبنا مصحفًا شريفًا يبيّن ذلك الوجه من الوجوه الأربعين للإعجاز.
إنَّ بقية مسائل هذا القسم الثالث مع القسم الرابع لم تُدرج هنا، لأنها تخص التوافقات، فاكتفينا بالفهرس الخاص للتوافقات وإنما كتبت النكتة الثالثة من القسم الرابع مع تنبيه.
— 515 —
تنبيه: لقد كُتبت مائةٌ وستون آية كريمة في صدد بيان النكتة العظيمة في لفظ "الرسول" الوارد في القرآن الكريم، ومع أن لهذه الآيات الكريمة خواصَّ جليلة فإن كلًا منها تثبت وتكمل الأخرى من حيث المعنى. لذا يمكن أن تكون تلك الآيات حزبًا قرآنيًا لمن يريد أن يحفظ آياتٍ مختلفة أو يتلوها.
وكذلك في الآيات "التسع والستين" الواردة فيها لفظ "القرآن"، في صدد بيان النكتة العظيمة للفظ "القرآن"، يلاحظ أن بلاغة هذه الآيات الجليلة فائقة جدًّا، وجزالتها عالية جدًّا. ويوصى الإخوان أن يتخذوا منها حزبًا قرآنيًا آخر.
وكلمة "القرآن" الواردة في المصحف الشريف، وردت في صورة سبع سلاسل، وظلت كلمتان منها خارج السلاسل، وكانت تلكما الكلمتان بمعنى القراءة، مما شدّ -بخروجهما- من قوة النكتة.
أما لفظ "الرسول"، فإن سورة "محمد" وسورة "الفتح" هما من أكثر السور القرآنية ذات العلاقة.. ولذلك حصرنا نظرنا في السلاسل الظاهرة في تلكما السورتين، ولم يُدرج -في الوقت الحاضر- ما ظل منه خارج السلسلة.
وسيُكتب بمشيئة اللّٰه ما في لفظ "الرسول" من أسرار إن سنح لنا الوقت.
النكتة الثالثة: وهي في أربع نكات:
النكتة الأولى: إن لفظ الجلالة "اللّٰه" ورد في مجموع القرآن الكريم ألفين وثمانمائة وست مرات. وورد لفظ "الرحمن" -مع ما في البسملة- مئة وتسعًا وخمسين مرة، وورد لفظ "الرحيم" مئتين وعشرين مرة. ولفظ "الغفور" إحدى وستين مرة، ولفظ "الرب" ثمانمائة وستًا وأربعين مرة، ولفظ "الحكيم" ستًا وثمانين مرة، ولفظ "العليم" مائة وستًا وعشرين مرة، ولفظ "القدير" إحدى وثلاثين مرة، ولفظ "هو" في "لا إله إلّا هو" ستًا وعشرين مرة.
(٭): إن كون مجموع عدد آيات القرآن الكريم ستة آلاف وستمائة وستًا وستين، ووجود علاقة له مع ستة أرقام من عدد الأسماء الحسنى الواردة في هذه الصحيفة. يشير إلى سر مهم. ولكن ظل مهملًا في الوقت الحاضر. (المؤلف).
— 516 —
وفي عدد لفظ الجلالة "اللّٰه" أسرار ونكات كثيرة.
منها: أنَّ أكثر ما ورد في القرآن هو لفظ "اللّٰه" و "الرب" ويليهما عددًا ألفاظ "الرحمن والرحيم والغفور والحكيم"، وإن عدد هذه الألفاظ مع لفظ "اللّٰه" هو نصف عدد آيات القرآن الكريم.
وأن لفظ الجلالة "اللّٰه" مع لفظ "الرب" الوارد بمعنى "اللّٰه" نصف عدد آيات القرآن أيضًا. إذ إن لفظ "الرب" المذكور ثمانمائة وستًا وأربعين مرة، خمسمائة وبضع منها قد ذكرت بدلًا عن لفظ الجلالة "اللّٰه"، ومئتان وبضعٌ منها ليست بمعنى "اللّٰه".
وأن مجموع عدد لفظ الجلالة "اللّٰه" مع عدد ألفاظ "الرحمن والرحيم والعليم" مع عدد من لفظ "هو" في "لا إله إلّا هو"؛ هو نصف آيات القرآن أيضًا، والفرق أربعة أعداد.
ومع لفظ "القدير" -عوضًا عن لفظ "هو"- هو نصف عدد مجموع الآيات أيضًا، والفرق تسعة أعداد.
نكتفي الآن بهذه النكتة، إذ النكات كثيرة في مجموع لفظ الجلالة.
النكتة الثانية: وهي باعتبار السوَر القرآنية، ولها أيضًا نكات كثيرة، ولها توافقات تدل على انتظام وقصد وإرادة.
منها: أن عدد لفظ الجلالة "اللّٰه" في سورة "البقرة" مساوٍ لعدد آياتها، والفرق أربعة أعداد. وهناك أربعة ألفاظ من "هو" بدلًا عن لفظ "اللّٰه" كما هو في "لا إله إلّا هو" وبها يتم التوافق.
وأن عدد لفظ الجلالة "اللّٰه" في سورة "آل عمران"، متوافقٌ مع عدد آياتها ويساويها، ولكن لفظ "اللّٰه" ورد في مئتين وتسع آيات بينما عدد آيات السورة مئتا آية، فالفرق إذن تسع آيات، ولا تخل الفروق الصغيرة في مثل هذه المزايا الكلامية والنكات البلاغية، إذ تكفي التوافقات التقريبية.
وأنَّ عدد آيات السور الثلاث "النساء والمائدة والأنعام" يتوافق أيضًا مع مجموع عدد ما في هذه السور الثلاث من لفظ الجلالة "اللّٰه" إذ إن عدد الآيات -في هذه السور- أربعمائة
— 517 —
وأربع وستون، وعدد لفظ الجلالة "اللّٰه" أربعمائة وواحد وستون، وهما متوافقان تمامًا، إذا عدّ لفظ الجلالة في البسملة.
وكذلك فإن عدد لفظ الجلالة في السور الخمس الأولى؛ هو ضعف عدد لفظ الجلالة في سور "الأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود"، أي أن عدده في هذه السور الخمس الثانية هو نصف عدده في السور الخمس الأولى.
وأن عدد لفظ الجلالة في السور التالية "يوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل" هو نصف ذلك النصف.
ثم أن عدده في سور "الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج"
(٭): لقد انكشف سر حسب هذه التقسيمات الخماسية (خمس سور ثم خمس سور) وسجّل هنا ست سور بدلًا عن خمس منها، دون علمنا جميعًا، لذا لم يبق لنا ريب من أن السادسة قد دخلت غيبًا أي خارجة عن إرادتنا لكي لا تضيع هذا السر في النصفية. (المؤلف).
نصف نصف ذلك النصف.
وأن السور التالية بعدها بخَمس سورٍ وخَمس سورٍ تدوم بتلك النسبة تقريبًا. ولكن هناك فروق ببعض الأعداد الكسرية، ولا بأس في مثل هذه الفروق في مثل هذا المقام الخطابي.
مثلًا: إنَّ قسمًا منها مائة وإحدى وعشرون، وآخر مائة وخمس وعشرون وآخر مائة وأربع وخمسون. وآخر مائة وتسع وخمسون.
ثم إن في السور الخمس التالية تبدأ من "سورة الزخرف" ينیزل العدد إلى النصف، أي ينیزل إلى نصف نصف ذلك النصف.
والسور الخمس التي تبدأ من "سورة النجم" يكون العدد نصف نصف نصف نصف ذلك النصف، ولكن بصورة مقاربة، ولا ضرر في فروق الكسورات الصغيرة في مثل هذه المقامات الخطابية.
ثم في ثلاث مجموعات من السور الخمس الصغيرة، ثلاثة أعداد من لفظ الجلالة.
فهذه الكيفيات تدل على أن المصادفة لم تخالط أعدادَ لفظ الجلالة، بل عُيّنت وفق حكمة وانتظام.
— 518 —
النكتة الثالثة: للفظ الجلالة "اللّٰه"، وهي المتوجهة إلى أوضاعها في صفحات المصحف الشريف، وذلك:
أن عدد لفظ الجلالة في الصحيفة الواحدة، له علاقة بوجه تلك الصحيفة اليمنى، وبالصحيفة المقابلة لذلك الوجه، وأحيانًا بالصحيفة المقابلة لها في الجانب الأيسر، وبوجه ما وراءها.
وقد تتبعتُ هذا التوافق في نسخةٍ من مصحفي، فرأيت توافقًا بنسبة عددية جميلة للغاية، على الأغلب، وقد وضعت إشارات عليها في مصحفي، فكثيرًا ما كانت تتساوى وأحيانًا تصبح نصفًا أو ثلثًا، وعلى كل حال تُشعِر بحكمة وانتظام.
النكتة الرابعة: هي التوافقات في الصحيفة الواحدة.
وقد تابعتُ مع إخواني ثلاث أو أربع نسخ مختلفة من المصحف، قابلناها بعضها ببعض، فتوصلنا إلى قناعة بأن التوافقات مطلوبة أيضًا في جميعها، ولكن وقع شيء من الخلل في التوافقات بسبب مراعاة مستنسخي المطابع مقاصدَ أخرى.
فإذا ما نُظّمت ونُسّقت فستُشاهد التوافقات في مجموع القرآن في عدد لفظ الجلالة البالغ "ألفين وثمانمائة وستة" باستثناء نادر جدًّا، وستُشعَر في ذلك نور إعجاز عظيم. لأن فكر الإنسان لا يمكن أن يحيطَ بهذه الصفحات الواسعة جدًّا، ولا يستطيع أن يتدخل فيها قطعًا.
أما المصادفة فلا تنال يدُها هذه الأوضاع الحكيمة.
ونحن نستكتب مجددًا مصحفًا شريفًا ليبرز "النكتة الرابعة" إلى حدٍ ما مع المحافظة على صحائف المصاحف الأكثر انتشارًا، والمحافظة على سطورها مع تنظيم لمواضع منه تعرّضت لعدم الانتظام بسبب تهاون أرباب الصناعة، وعند ذلك سيظهر سر انتظام التوافقات الحقيقي إن شاء اللّٰه، وقد أُظهر فعلًا.
اللّٰهمَّ يَا مُنْزِلَ الْقُرْأٰنِ بِحَقِّ الْقُرْأٰنِ فَهِّمْنَا أَسْرَارَ الْقُرْأٰنِ مَادَارَ الْقَمَرَانِ وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلٰى مَنْ أَنْزَلْتَ عَلَيْهِ الْقُرْأٰنَ وَ عَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه أَجْمَعينَ. أٰمينَ