— 503 —
القسم الثاني
وهو الرسالة الثانية
رسالة رمضان
لقد بُحثت نبذةٌ مختصرة عن الشعائر الإسلامية في ختام القسم الأول، لذا سيُذكر في هذا القسم الثاني عدد من الحكم التي تخص صيامَ شهر رمضان المبارك والذي هو أسطع الشعائر وأجلّها.
هذا البحث عبارة عن تسع نكات دقيقة ومسائل لطيفة تبين تسعًا من الحكم الكثيرة لصيام شهر رمضان المبارك.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
شهْرُ رَمیضَانَ الَّذى اُنْزِلَ فيهِ القرآن هُدًى للِنَّاسِ وَبَيّنَاتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ
(البقرة: ١٨٥)
النكتة الأولى
إنَّ صيام شهر رمضان يأتي بين أوائل الأركان الخمسة للإسلام، ويُعدّ من أعاظم الشعائر الإسلامية.
إنَّ أكثر الحِكم المتمخضة عن صوم رمضان تتوجّه إلى إظهار ربوبية الحق تبارك وتعالى، كما تتوجّه إلى حياة الإنسان الاجتماعية وإلى حياته الشخصية، وتتوجه أيضًا إلى تربية النفس وتزكيتها، وإلى القيام بالشكر تجاه النِعَم الإلهية.
نذكر حكمةً واحدة من بين الحِكم الكثيرة جدًّا من حيث تجلي ربوبية الحق تبارك وتعالى من خلال الصوم وهي أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق وجهَ الأرض مائدةً ممتدة عامرة بالنِعم التي لا يحصرها العد، وأعدّها إعدادًا بديعًا من حيث لا يحتسبه الإنسان. فهو سبحانه
— 504 —
يبيّن بهذا الوضع، كمالَ ربوبيته ورحمانيتَه ورحيميته. بيد أن الإنسان لا يبصر تمامًا -تحت حجاب الغفلة وضمن ستائر الأسباب- الحقيقة الباهرةَ التي يفيدها ويعبّر عنها هذا الوضع، وقد ينساها.. أما في رمضان المبارك فالمؤمنون يصبحون فورًا في حكم جيش منظّم، يتقلدون جميعًا وشاح العبودية للّٰه، ويكونون في وضعٍ متأهب قُبيل الإفطار لتلبية أمر سلطان الأزلي: "تفضّلوا" إلى مائدة ضيافته الكريمة.. فيقابلون -بوضعهم هذا- تلك الرحمةَ الجليلة الكلّية بعبودية واسعة منظمة عظيمة.. تُرى هل يستحق أولئك الذين لم يشتركوا في مثل هذه العبودية السامية، وفي مثل هذه الكرامة الرفيعة أن يُطلق عليهم اسم الإنسان؟
النكتة الثانية
إنَّ هناك حِكَمًا عدة يتوجه بها صيامُ رمضان المبارك بالشكر على النعَم التي أسبغها الباري علينا، إحداها هي أن الأطعمةَ التي يأتي بها خادمٌ من مطبخ سلطانٍ لها ثمنُها -كما ذُكر في "الكلمة الأولى"- ويُعدّ من البلاهة توهّمُ الأطعمة النفيسة تافهةً غيرَ ذاتِ قيمة، وعدمُ معرفة مُنعِمها الحقيقي، في الوقت الذي يمنح الخادم هباتٍ وعطايا لأجلها. وكذلك الأطعمة والنعم غير المعدودة التي بثّها اللّٰه سبحانه في وجه الأرض فإنه يطلب منّا حتمًا ثمنَها، ألا وهو القيام بالشكر له تجاه تلك النِعم. والأسبابُ الظاهرية التي تُحمل عليها تلك النعم وأصحابها الظاهرون هم بمثابة خَدَمة لها، فنحن ندفع للخدام ما يستحقونه من الثمن ونظل تحت فضلهم ومنّتهم بل نبدي لهم من التوقير والشكر أكثر مما يستحقونه والحال أن المنعم الحقيقي سبحانه يستحق -ببثّه تلك النِعَم- أن نقّدم له غاية الشكر والحمد، ومنتهى الامتنان والرضا، وهو الأهلُ لكل ذلك، بل أكثر. إذن فتقديم الشكر للّٰه سبحانه وإظهار الرضا إزاء تلك النعم إنما يكون بمعرفة صدور تلك النعم والآلاء منه مباشرة.. وبتقدير قيمتها.. وبشعور الحاجة إليها.
لذا فإن صيامَ رمضان المبارك لهو مفتاحُ شكرٍ حقيقي خالص، وحمدٍ عظيم عام للّٰه سبحانه. وذلك لأن أغلبَ الناس لا يدركون قيمة نِعَمٍ كثيرة -غير مضطرين إليها في سائر الأوقات- لعدم تعرّضهم لقساوة الجوع الحقيقي وأوضاره. فلا يُدرِك -مثلًا- درجةَ النعمة الكامنة في كسرة خبز يابس أولئك المُتخمون بالشبع، وبخاصة إن كانوا أثرياء منعّمين، بينما يدركها المؤمن عند الإفطار أنها نعمةٌ إلهية ثمينة، وتشهد على ذلك قوّتُه الذائقة. لذا ينال
— 505 —
الصائمون في رمضان -ابتداءًا من السلطان وانتهاءً بأفقر فقير- شكرًا معنويًّا للّٰه تعالى منبعثًا من إدراكهم قيمةَ تلك النعم العظيمة. أما امتناع الإنسان عن تناول الأطعمة نهارًا فإنه يجعله يتوصل إلى أن يدرك بأنها نعمةٌ حقًا، إذ يخاطب نفسه قائلًا:
"إنَّ هذه النِعم ليست مِلكًا لي، فأنا لست حرًا في تناولها، فهي إذن تعود إلى واحد آخر، وهي أصلًا من إنعامه وكَرَمه علينا، وأنا الآن في انتظار أمره".. وبهذا يكون قد أدَّى شكرًا معنويًّا حيال تلك النعم.
وبهذه الصورة يُصبح الصوم في حكم مفتاح للشكر من جهات شتى، ذلك الشكر الذي هو الوظيفة الحقيقية للإنسان.
النكتة الثالثة
إنَّ حكمة واحدة للصوم من بين حِكَمه الغزيرة المتوجهة إلى الحياة الاجتماعية للإنسان هي أن الناس قد خُلقوا على صور متباينة من حيث المعيشة، وعليه يدعو اللّٰه سبحانه الأغنياءَ لمدّ يد المعاونة لإخوانهم الفقراء. ولا جرم أن الأغنياء لا يستطيعون أن يستشعروا شعورًا كاملًا حالات الفقر الباعثة على الرأفة، ولا يمكنهم أن يحسوا إحساسًا تامًا بجوعهم، إلّا من خلال الجوع المتولد من الصوم.. فلولا الصوم لما تمكّن كثيرٌ من الأغنياء التابعين لأهوائهم من أن يدركوا مدى ألمِ الجوع والفقر ومدى حاجةِ الفقراء إلى الرأفة والرحمة. لذا تُصبح الشفقة على بني الجنس -المغروزة في كيان الإنسان- هي إحدى الأسس الباعثة على الشكر الحقيقي، حيث يمكن أن يجد كلُّ فرد أيًا كان مَنْ هو أفقرُ منه من جهة، فهو مكلّف بالإشفاق عليه.
فلو لم يكن هناك اضطرارٌ لإذاقة النفس مرارةَ الجوع، لما قام أحدٌ أصلًا بإسداء الإحسان إلى الآخرين والذي يتطلبه التعاون المكلّف به برابطة الشفقة على بني الجنس، وحتى لو قام به لَمَا أتقنه على الوجه الأكمل، ذلك لأنه لا يشعر بتلك الحالة في نفسه شعورًا حقيقيًا.