المكتوبات العربية
— 501 —

النكتة الثامنة

ينبغي بيان دستور من دساتير الحقيقة الذي يخصّ هذا الأمر. وذلك أن في الشريعة الإسلامية نوعين من الحقوق: "حقوق شخصية" و "حقوق عامة" والتي هي من نوع "حقوق اللّٰه". وأن من المسائل الشرعية ما يتعلق بالأشخاص ومنها ما يتعلق بالناس عامة، أي يتعلق بهم من حيث العموم، فيُطلق على هذا القسم اسم "الشعائر الإسلامية". فالناس كلهم لهم حصةٌ من هذا القسم، حيث يتعلق بالعموم، وأن أي تدخل في هذا القسم من الشعائر وأي مسّ بها، يعتبر تعديًا على حقوق أولئك الناس عامة، إن لم يكونوا راضين عنه. وإن أصغر مسألة من تلك الشعائر (ولتكن من قبيل السنة) على جانب عظيم من الأهمية، كأية مسألة جليلة، لأنها تتعلق مباشرة بالعالم الإسلامي كافة.
ألا فليدرك أولئك الذين يسعَون لقطع تلك السلاسل النورانية التي ارتبط بها جميعُ أعاظم الإسلام منذ خير القرون إلى يومنا هذا، ويعاونون على تحريفها وهدمها. فلينظر أي خطأ عظيم يرتكبون. وليرتعدوا إنْ كانت لهم ذرة من شعور!.
النكتة التاسعة
يطلق على قسم من المسائل الشرعية اسم "المسائل التعبدية" هذا القسم لا يرتبط بمحاكمات عقلية، ويُفعل كما أُمر، إذ إن علّتَه هو الأمرُ الإلهي.
ويعبّر عن القسم الآخر بی"معقول المعنى" أي أن له حكمة ومصلحة، صارت مرجّحة لتشريع ذلك الحكم. ولكن ليست سببًا ولا علة. لأن العلّة الحقيقية هي الأمر والنهي الإلهي.
فالقسم التعبدي من الشعائر لا تغيّره الحكمةُ والمصلحةُ قطعًا، لأن جهة التعبّد فيه هي التي تترجح، لذا لا يمكن أن يُتَدخل فيه أو يُمسَّ بشيء، حتى لو وجدت مائة ألف مصلحة وحكمة، فلا يمكن أن تغيّر منها شيئًا. وكذلك لا يمكن أنْ يقال: إنَّ فوائد الشعائر؛ هي المصالح المعلومة وحدَها. فهذا مفهوم خطأ، بل إن تلك المصالح المعلومة، ربما هي فائدة واحدة من بين حكمها الكثيرة.
فمثلا: لو قال أحدهم: إن الحكمة من الأذان هي دعوة المسلمين إلى الصلاة، فإذن
— 502 —
يكفي -بهذه الحالة- إطلاق طلقة من بندقية! ولا يعرف ذلك الأبله أن دعوة المسلمين هي مصلحة واحدة من بين ألوف المصالح في الأذان. حتى لو أُعطى ذلك الصوتُ تلك المصلحة فإنه لا يسدّ مسدّ الأذان الذي هو وسيلةٌ لإعلان التوحيد الذي هو النتيجة العظمى لخلق العالم، وخلق نوع البشر وواسطة لإظهار العبودية إزاء الربوبية الإلهية بإسم الناس في تلك البلدة أو بإسم البشرية قاطبة.
حاصل الكلام: إن جهنم ليست زائدةً عن الحاجة، فإن كثيرًا من الأمور تدعو بكل قوة: لتعش جهنم. وكذا الجنة ليست رخيصة بل تطلب ثمنًا غاليًا.
﴿ لايستوي أصحاب النارِ وأصحابُ الجَنّة أصحابُ الجَنّة همُ الفائزون ﴾
(الحشر:٢٠).