— 383 —
النكتة الرابعة
سؤال: إن عبارة: "إنه (ص) قد رأى ربَّه وراء سبعين ألف حجاب" [٭]: انظر: أبويعلى، المسند ١٣/٥٢٠؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٢٧٨، ٨/٣٨٢؛ الروياني، المسند ٢/٢١٢؛ ابن أبي عاصم، السنة ٢/٣٦٧؛ الطبري، جامع البيان ١٦/٩٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ١/٧٩. تعبّر عن بُعد المكان، والحال أن اللّٰه سبحانه منیزّه عن المكان، فهو أقرب إلى كل شيء من أي شيء كان. فما المراد إذن من هذه العبارة؟!.
الجواب: لقد وُضّحت تلك الحقيقة في "الكلمة الحادية والثلاثين" وبُيّنت بيانًا شافيًا مفصلًا مدعمًا بالبراهين، إلّا أننا نقول هنا:
إن اللّٰه سبحانه قريب إلينا غايةَ القرب، ونحن بعيدون عنه غاية البُعد.
مثال: إن الشمس قريبة منا بوساطة المرآة التي في أيدينا. بل كل ما هو شفاف يكون نوعًا من عرشٍ للشمس ومنیزل لها. فلو أن للشمس شعورًا، لكانت تحاورنا بما في أيدينا من المرآة. ولكننا بعيدون عنها أربعة آلاف سنة.
وهكذا فشمسُ الأزل (بلا تشبيه ولا تمثيل) وللّٰه المثل الاعلى أقرب إلى كل شيء من أي شيء كان، لأنه واجب الوجود، ومنیزّه عن المكان، ولا يحجبه شيء، بينما كل شيء بعيد عنه بعدًا مطلقًا.
ومن هذا تفهم: سر المسافة الطويلة جدًّا في المعراج مع عدم وجود المسافة التي تعبر عنها الآية الكريمة:
﴿ ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ﴾
(ق: ١٦)
وكذا ينبع من هذا السر: ذهاب الرسول (ص) وطيّه المسافات الطويلة جدًّا ومجيئه في آن واحد إلى موضعه.
فمعراج الرسول (ص) هو؛ سيرُه وسلوكه، وهو عنوان ولايتِه، إذ كما يعرج الأولياء إلى درجة حق اليقين من درجات الإيمان رقيًا معنويًّا بالسير والسلوك الروحاني بدءًا من أربعين يومًا إلى أربعين سنة، كذلك الرسول (ص) وهو سلطان جميع الأولياء وسيدُهم عُرج بجسمه وحواسه ولطائفه جميعًا لا بقلبِه وروحه وحدهما فاتحًا صراطًا سويًا وجادة كبرى حتى بلغ أعلى مراتب حقائق الإيمان وأسماها بالمعراج الذي هو كرامةُ ولايته الكبرى في أربعين دقيقة
— 384 —
بدلًا من أربعين سنة، ورقي إلى العرش بسلّم المعراج وشاهد ببصره بعين اليقين -في مقام قاب قوسين أو أدنى- أعظم حقائق الإيمان، وهو الإيمان باللّٰه، والإيمان باليوم الآخر، ودخل الجنة وشاهد السعادة الأبدية وفتح باب الجادة الكبرى وتركه مفتوحًا ليمضي جميعُ أولياء أمته بالسير والسلوك الروحاني أي بسير روحاني وقلبي في ظل ذلك المعراج، كل حسب درجته.
النكتة الخامسة
إن قراءة المولد النبوي و "قصيدة المعراج" عادة إسلامية مستحسنة، ونافعة جدًّا، بل هي مدار مجالسة ومؤانسة لطيفة في الحياة الاجتماعية الإسلامية. وهي درس في غاية اللذة والطيب للتذكير بالحقائق الإيمانية. وهي أقوى وسيلة مؤثرة ومهيجة؛ لإظهار أنوار الإيمان، وتحريك محبة اللّٰه، وعشق الرسول (ص).
نسأل اللّٰه أن يديم هذه العادة إلى الأبد، ويرحم كاتبَها "السيد سليمان أفندي" وأمثاله من الكتّاب، ويجعل جنة الفردوس مثواهم.. آمين.
خاتمة
لما كان خالق هذا الكون، يخلق من كل نوع فردًا ممتازًا كاملًا جامعًا، ويجعله مناط فخر وكمال ذلك النوع، فلاشك أنه يخلق فردًا ممتازًا وكاملًا -بالنسبة للكائنات قاطبة- وذلك بتجلي الاسم الأعظم من أسمائه الحسنى. وسيكون في مصنوعاته فردٌ أكمل كالاسم الأعظم في أسمائه. فيجمع كمالاته المنتشرة في الكائنات في ذلك الفرد الأكمل، ويجعله محط نظره.
ولا ريب أن ذلك الفرد سيكون من ذوي الحياة، لأن أكمل أنواع الكائنات هم ذوو الحياة، ويكون من ذوي الشعور، لأن أكمل أنواع ذوي الحياة هم ذوو الشعور، وسيكون ذلك الفرد الفريد من الإنسان، لأن الإنسان هو المؤهل لما لا يحد من الرقي. وسيكون ذلك الفرد حتمًا محمدًا الأمين (ص)، لأنه لم يظهر أحد في التاريخ كله مثله منذ زمن آدم عليه السلام وإلى الآن، ولن يظهر. لأن ذلك النبي الكريم (ص) قد ضم نصف الكرة الأرضية وخمس البشرية ضمن سلطانه المعنوي وحاكميته التي دامت ألفًا وثلاثمائة وخمسين عامًا بكمال هيبتها وعظمتها. وأصبح أستاذًا لجميع أهل الكمال في جميع أنواع الحقائق، ونال أرقى المراتب في
— 385 —
السجايا الحميدة باتفاق الأصدقاء والأعداء، وتحدى العالم أجمع وحده -في أول أمره- وأظهر القرآن الكريم الذي يتلوه أكثر من مائة مليون من الناس في كل دقيقة..
فلابد أن نبيًا كريمًا كهذا النبي (ص) هو ذلك الفرد الفريد لا أحد غيره أبدًا. فهو نواة هذا العالم وثمرته. عليه وعلى آله وأصحابه الصلاة والسلام بعدد أنواع الكائنات وموجوداتها.
واعلم أن الاستماع إلى المولد النبوي ومعراجه (ص) أي الاستماع إلى مبدأ رقيّه ومنتهاه. أي معرفة تاريخ حياته المعنوية.. لذيذ، ونوراني، ومبعث فخر لأمته واعتزاز لهم، ومسامرة علوية رفيعة للمؤمنين الذين اتخذوه رئيسًا وسيدًا وإمامًا وشفيعًا لهم.
يا رب
بحرمة الحبيب الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبحق الاسم الأعظم.. اجعل قلوب ناشري هذه الرسالة ورفقاءهم مظهرًا لأنوار الإيمان. واجعل أقلامهم ناشرةً لأسرار القرآن واهدهم إلى سواء السبيل. آمين
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
المكتوب الخامس والعشرون
(لم يؤلف)