المكتوبات العربية
— 379 —

النكتة الأولى

إن "السيد سليمان أفندي" الذي كتب قصيدة حول المولد النبوي الشريف، يبين فيها أحداث عشق حزين حول البُراق الذي جِيءَ به من الجنة. ولأنه من الأولياء الصالحين ويستند في قصيدته إلى روايات في السيرة، لا شك أنه يعبّر بتلك الصورة عن حقيقة معينة. والحقيقة هي الآتية:
إن لمخلوقات عالم البقاء علاقة قوية بنور رسول اللّٰه (ص)، إذ بالنور الذي أتى به ستعمّر الجنة ودار الآخرة بالجن والإنس، ولولاه لمَا كانت تلك السعادة الأبدية، ولمَا عمرت الجن والإنس الجنةَ، ولا تنعّموا بجميع أنواع مخلوقات الجنة، أي لولاه لبقيت الجنة خاوية وخالية من سكنتها.
ولقد ذكرنا في "الغصن الرابع من الكلمة الرابعة والعشرين":
— 380 —
لقد انتخب من كل نوع من الأنواع بلبلًا، خطيبًا، يعبّر عن طائفته، وفي مقدمة أولئك الخطباء، البلبل العاشق للورد، الذي يعلن عن حاجات طائفة الحيوانات البالغة حدّ العشق، إزاء قافلة النباتات الآتية من خزينة الرحمة الإلهية والحاملة لأرزاق الحيوانات.. تعلنها هذه البلابل بنغماتها الرقيقة على رؤوس أجمل النباتات تعبيرًا عن حسن الاستقبال المفعم بالتسبيح والتهليل.
فالرسول الكريم محمد الأمين (ص) الذي هو سببُ خلق الأفلاك، ووسيلةُ سعادة الدارين، وحبيب رب العالمين، فكما كان سيدنا جبريل عليه السلام ممثلًا عن نوع الملائكة، في طاعته وخدمته بكمال المحبة مبينًا سرّ سجود الملائكة وانقيادهم لسيدنا آدم عليه السلام.. فأهل الجنة كذلك، بل حتى حيواناتها لها علاقات بذلك الرسول الكريم (ص). وقد عبّر "السيد سليمان أفندي" عن هذه الحقيقة بمشاعر الحب والعشق التي أطلقها البراق الذي ركبه الرسول (ص).
النكتة الثانية
إنَّ أحد أحداث "قصيدة المعراج النبوي" هو أن "السيد سليمان" قد عبّر عن المحبة النیزيهة للّٰه سبحانه وتعالى تجاه الرسول الكريم (ص) بجملة: "قد عشقتُك".
فهذه التعابير بمعانيها العُرفية لا تليق بقدسيته وتعاليه سبحانه، ولكن لأن "السيد سليمان أفندي" من أهل الولاية وأهل الحقيقة، حيث إن قصيدته هذه لقيت القبول والرضى لدى عامة المسلمين، فلا شك أن المعنى الذي أظهره صحيح، وهو هذا:
أن للّٰه سبحانه وتعالى جمالًا وكمالًا مطلقَين، لأن جميع أنواع الجمال والكمال المنقسمة على الكائنات جميعِها، هي أماراتٌ على جماله وكماله وإشارات إليهما وعلامات عليهما.
وحيث إن كل صاحب جمال وكمال، يحب جمالَه وكماله بالبداهة، فاللّٰه سبحانه وتعالى يحب جماله [٭]: انظر: مسلم، الإيمان ١٤٧؛ ابن ماجه، الدعاء، ١٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٣٣، ١٣٤، ١٥١. بحبٍ يليق بذاته الجليلة. وأنه يحب أيضًا أسماءه التي هي شعاعات جماله جلّ وعلا.
— 381 —
وإذ إنه يحب أسماءه، فإنه يحب إذن صنعتَه التي تُظهر جمالَ أسمائه.
ويحب إذن مصنوعاته التي هي مرايا لجماله وكماله.
وإذ إنه يحب ما يبيّن جماله وكماله، فإنه يحب محاسن مخلوقاته التي تشير إلى جمال أسمائه وكمالها.
ويشير القرآن الحكيم في آياته إلى هذه الأنواع الخمسة من المحبة.
وهكذا فالرسول الكريم (ص) الذي هو أكمل فرد في مصنوعات اللّٰه، وأبرز شخصية في مخلوقاته.. وهو الذي يقدّر ويعلن عن الصنعة الإلهية بذكرٍ جذاب وتسبيح وتهليل.. وهو الذي فتح بلسان القرآن خزائن جمال الأسماء الحسنى وكمالها.. وهو الذي يبيّن بيانًا ساطعًا -بلسان القرآن- الآيات الكونية الدالة على كمال صانعها.. وهو الذي أدّى وظيفة المرآة للربوبية الإلهية بعبوديته الكلية، حتى حظي بأتم تجليات الأسماء الحسنى كلها، بجامعية ماهيته.
فلأجل ما سبق يصح أن يقال:
أن الجميل ذا الجلال لمحبته جمالَه يحبّ محمدًا (ص) الذي هو أكمل مرآةٍ ذات شعور لذلك الجمال.
وأنه سبحانه لمحبته أسماءه يحب محمدًا (ص) الذي هو أجلى مرآة تعكس تلك الأسماء الحسنى. ويحب مَنْ يتشبهون بمحمد (ص) أيضًا، كل حسب درجته.
وأنه سبحانه لمحبته صنعته يحب محمدًا (ص) الذي أعلن عن تلك الصنعة في أرجاء الكون برمته حتى جعله في نشوة وشوق يرنّ به سمع السماوات ويثير به البرَّ والبحر شوقًا إليه.. ويحب أيضًا من يتبعونه.
وأنه سبحانه لمحبته مصنوعاته يحب محمدًا (ص)، إذ هو أفضل الناس طُرًّا الذين هم أكمل ذوي الشعور، الذين هم أكمل ذوي الحياة، الذين هم أكمل مصنوعاته سبحانه.
وأنه سبحانه لحبه أخلاق مخلوقاته يحب محمدًا (ص)، إذ هو في ذروة الأخلاق الحميدة، كما اتفق عليها الأولياء والأعداء، ويحب كذلك من يتشبهون به في الأخلاق، كل حسب درجته.
— 382 —
بمعنى أن محبة اللّٰه قد أحاطت بالكون كما أحاطت به رحمتُه، ولهذا فإن أعلى مقام في الوجوه الخمسة المذكورة ضمن المحبوبين الذين لا حصر لهم هو مقام خصّ بمحمد (ص)، ولأجله مُنح اسم "حبيب اللّٰه".
ولقد عبّر "سليمان أفندي" عن هذا المقام الرفيع، مقام المحبوبية، بقوله: "قد عشقتك" علمًا أن هذا التعبير، مرصاد للتفكر ليس إلّا، وإشارة إلى هذه الحقيقة من بعيد. ومع ذلك فإن هذا التعبير لكونه يوهم للخيال معنى لا يليق بشأن الربوبية الجليلة، فمن الأولى القول: "قد رضيتُ عنك".
النكتة الثالثة
إنَّ المحاورات الجارية في "قصيدة المعراج" عاجزةٌ عن التعبير عن تلك الحقائق المقدسة بالمعاني المعروفة لدينا، بل إن تلك المحاورات عناوينُ تأمل وملاحظة، ومراصد تفكر ليس إلّا، وإشارات إلى الحقائق السامية العميقة، وتنبيهات إلى قسم من حقائق الإيمان وكنايات عن بعض المعاني التي لا يمكن التعبير عنها.
وإلّا، فليست تلك محاورات وأحداث كالمحاورات الجارية في القصص كي تكون بالمعاني المعروفة لدينا. إذ نحن لا نستطيع أن نستلهم بخيالنا تلك الحقائق، من تلك المحاورات، بل يمكننا أن نستلهم منها بقلوبنا ذوقًا إيمانيًا مثيرًا، ونشوة روحانية نورانية، لأن اللّٰه سبحانه كما لا نظير ولا شبيه ولا مثيل له في ذاته وصفاته كذلك لا مثيل له في شؤون ربوبيته، وكما لا تشبه صفاتُه تعالى صفات مخلوقاته، كذلك لا تشبه محبتُه محبة مخلوقاته.
فهذه التعابير الواردة في "قصيدة المعراج" تعدّ من التعابير المتشابهة. ولهذا نقول:
إن للّٰه سبحانه شؤونًا -كمحبته تعالى- تلائم وجوب وجوده وقدسيته، وتناسب غناه الذاتي وكماله المطلق. أي أن القصيدة المذكورة تنبه إلى تلك الشؤون بأحداث المعراج.
ولقد أوضحت "الكلمة الحادية والثلاثون" الخاصة بالمعراج النبوي، حقائق المعراج ضمن أصول الإيمان. لذا نختصر هنا مكتفين بذاك.