المكتوبات العربية
— 373 —

الذيل الأول

﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبّي لوْلا دُعَآؤُكْم ﴾
(الفرقان: ٧٧)
النكتة الأولى
اعلم أنَّ الدعاء سر عظيم للعبادة، بل هو مخ العبادة وروحُها، [٭]: انظر: الترمذي، الدعاء ١، تفسير سورة البقرة ١٦، غافر ١؛ أبو داود، الوتر ٢٣؛ ابن ماجه، الدعاء ١. والدعاء -مثلما ذكرناه في مواضع أخرى كثيرة- على أنواع ثلاثة.
النوع الأول من الدعاء: هو دعاءٌ بلسان الاستعداد والقابلية الموْدعة في الشيء. فالحبوب والنُويَّات جميعُها تسأل فاطرَها الحكيم بلسان استعدادها وقابلياتها المودعة فيها قائلة: اللهم يا خالقنا هيئ لنا نموًا نتمكن به من إبراز بدائع أسمائك الحسنى، فنعرِضها أمام الأنظار.. فحوِّل اللهم حقيقتَنا الصغيرة إلى حقيقة عظيمة.. تلك هي حقيقةُ الشجرة والسنبل.
وثمة دعاء من هذا النوع -أي بلسان الاستعداد- هو اجتماع الأسباب. فاجتماع الأسباب دعاءٌ لإيجاد المسبب، أي أن الأسباب تتخذ وضعًا معيّنًا وحالة خاصة بحيث تكون كلسان حال يطلب المسبَّب من القدير ذي الجلال، فالبذور مثلًا تسأل بارئها القدير أن تكون شجرةً، وذلك بلسان استعدادها فيتخذ كلٌّ من الماء والحرارة والتراب والضوء حالة معينة حول البذرة حتى تكون تلك الحالة كأنها لسانٌ ينطق بالدعاء قائلًا: اللهم يا خالقنا اجعل هذه البذرة شجرة.
نعم، إنَّ الشجرة التي هي معجزةُ قدرة إلهية خارقة لا يمكن بحال من الأحوال أن يُفوَّض أمرُها ويُسند خلقُها إلى تلك المواد البسيطة الجامدة الفاقدة للشعور، بل محال إحالتها إلى تلك الأسباب.. فاجتماع الأسباب إذن إنما هو نوعٌ من الدعاء.
— 374 —
النوع الثاني من الدعاء: هو الدعاء الذي يُسأل بلسان حاجة الفطرة، فالكائنات الحية جميعُها تطلب مطاليبها وتسأل حاجاتِها -الخارجة عن طوقها واختيارها- من خالقها الرحيم وتُستجاب لها مطاليبُها وحاجاتُها في أنسب وقت ومن حيث لا تَحتسب، إذ إن أيديها قاصرةٌ عن أن تصل إلى ما تريد أو دفع حاجة لها، فإرسال كل ما تطلبه إذن مما هو خارجٌ عن طوقها واختيارها وفي أنسب وقت ومن حيث لا تُحتسب إنما هو من قِبَل حكيم رحيم. وإغداقُ هذا الإحسان والإنعام ما هو إلّا استجابةٌ لدعاء فطري.
نحصل من هذا: أنَّ هذا النوع من الدعاء الفطري تنطلق به ألسنةُ حاجةِ الفطرة لجميع الكائنات فتسأل الخالق القدير مطاليبَها، والتي هي من قبيل الأسباب تسأل القدير العليم المسببات.
النوع الثالث من الدعاء: هو الدعاء الذي يسأله ذوو الشعور لتلبية حاجاتهم. وهذا الدعاء نوعان أيضًا:
فالقسم الأول: مستجاب على الأغلب إنْ كان قد بلغ درجةَ الاضطرار، أو كان ذا علاقة قوية مع حاجة الفطرة ومتوافقًا معها، أو كان قريبًا من لسان الاستعداد والقابلية، أو كان خالصًا صافيًا نابعًا من صميم القلب.
إن ما أحرزه الإنسان من رقيٍّ، وما نال من كشوفات ما هو إلّا نتيجة هذا النوع من الدعاء، إذ ما يطلقون عليه من خوارق الحضارة والأمور التي يحسبونها مدار افتخار اكتشافاتهم ما هو إلّا ثمرةُ هذا الدعاء المعنوي الذي سألته البشريةُ بلسان استعداد خالص فاستُجيب لها. فما من دعاء يُسأل بلسان الاستعداد وبلسان حاجة الفطرة إلّا استُجيب إن لم يكن هناك مانع، وكان ضمن شرائطه المعينة.
أما القسم الثاني: فهو الدعاء المعروف لدينا. وهذا أيضًا فرعان:
أحدهما:
فعلي والآخر: قولي.
فمثلا: حرثُ الأرض نوعٌ من دعاء فعلي، يطلب الإنسان الرزقَ من رزّاقه الحكيم،
— 375 —
يطلبه منه، لا من التراب، فالتراب بابٌ لخزينة رحمته الواسعة ليس إلّا، يطرقه الإنسان بالمحراث.
سنطوي تفاصيلَ الأقسام الأخرى ونذكر بضعةَ أسرار للدعاء "القولي" وذلك في بضع نكات آتية:
النكتة الثانية
اعلم أن تأثير الدعاء عظيم، ولا سيما إذا دام واكتسب الكلّية. فهذا الدعاء يُثمر على الأغلب ويُستجاب دائمًا. حتى يصح أن يقال: إن سبب خلق العالم إنما هو دعاء، حيث إن الدعاء العظيم للرسول الأعظم (ص) وهو يتقدم العالم الإسلامي الذي يدعو الدعاء نفسه، وهم يتقدمون البشرية جمعاء التي تسأل الدعاء نفسه.. ذلك الدعاء هو: السعادة الأبدية، وهو سبب من أسباب خلق العالم. أي أن رب العالمين قد علم بعلمِه الأزلي أن ذلك الرسول الكريم (ص) سيسأله السعادةَ الأبدية والحظوة بتجلٍ من تجليات أسمائه الحسنى، سيسأله باسم البشرية قاطبة بل باسم الموجودات.. فاستجاب سبحانه وتعالى لذلك الدعاء العظيم فخلق هذا العالم.
فما دام الدعاء قد اكتسب هذه الأهمية العظيمة والسعة الشاملة فهل يمكن ألّا يستجاب؟ وهل يمكن لدعاء يلهج به مئاتُ الملايين من البشر -في الأقل- ومنذ ألف وثلاث مائة سنة، يدعونه متفقين، في كل حين، بل يدعو معهم كل الطيبين من الجن والملك والروحانيات ممن لا يحصون ولا يعدون.. هل يمكن ألّا يستجابَ هذا الدعاء الذي يدعونه للرسول الكريم (ص) لينال الرحمة الإلهية العظيمة والسعادة الخالدة.
فما دام قد اكتسب هذا الدعاءُ الكليةَ والسعةَ والدوام إلى هذا الحد حتى بلغ درجة لسان الاستعداد وحاجة الفطرة، فلابد أن ذلك الرسول الكريم محمد بن عبد اللّٰه (ص) قد اعتلى -نتيجة الدعاء- مرتبةً رفيعة عالية بحيث لو اجتمعت العقولُ جميعًا للإحاطة بحقيقة تلك المرتبة لعجزت عجزًا تامًا.
فبُشراك أيها المسلم! إن لك شفيعًا كريمًا في يوم الحشر الأعظم، هو هذا الرسول الحبيب (ص)... فاسعَ لنيل شفاعته باتباع سنته المطهرة.
— 376 —
فإن قلت: ما حاجة الرسول الكريم (ص) وهو حبيب رب العالمين إلى هذه الكثرة من الدعاء والصلوات عليه؟
الجواب: إنه (ص) ذو علاقة قوية مع سعادة أمته قاطبة، فله حصتُه مما ينالُه كل فرد من أفراد أمته من أنواع السعادة، وهو يحزن أيضًا ويتألم لكل مصيبة تُصيبهم.
فعلى الرغم من أن مراتب الكمال والسعادة بحقّه لا حدَّ لها، فإن الذي يرغب رغبة شديدة في أن ينال أفرادُ أمته الذين لا يحدّون أنواعًا لا تُحد من السعادة وفي أزمان لا تُحد، ويتألم بأنواع لا حدّ لها من شقائهم ومصائبهم، لابد أنه محتاج وحريٌّ به صلواتٌ لا حدّ لها وأدعية لا حدّ لها ورحمة لا حدّ لها.
فإن قلت: يُدعى أحيانًا بدعاء خالص لأمور تقع قطعًا، كالدعاء في صلاة الكسوف والخسوف، وقد يدعى أحيانًا لأمور لا يمكن وقوعها..
الجواب: لقد أوضحنا في "كلمات أخرى": أنَّ الدعاء نوعٌ من العبادة، حيث يعلن الإنسان عجزَه وفقره بالدعاء. أما المقاصد الظاهرية فهي أوقاتُ تلك الأدعية والعبادة الدعائية، وهي ليست نتائج الأدعية وفوائدها الحقيقية، لأن فائدة العبادة وثمرتَها متوجهةٌ إلى الآخرة، أي يجنيها الداعي في الآخرة، لذا لو لم تحصل المقاصدُ الدنيوية التي يتضمنها الدعاء فلا يجوز القول: إن الدعاء لم يُستجب، وإنما يصح القول: إنه لم ينقضِ بعدُ وقتُ الدعاء.
فهل يمكن يا ترى ألّا يُستجاب دعاء للسعادة الخالدة، يسألها جميعُ أهل الإيمان في جميع الأزمنة، يسألونه بإلحاح وخلوص نية وباستمرار. فهل يمكن ألّا يَقبل الرحيمُ المطلق والكريم المطلق -التي تشهد الكائناتُ بسِعَة رحمته وشمول كرمه- هذا الدعاء، وهل يمكن ألّا تتحقق تلك السعادة الأبدية!؟ كلّا ثم كلّا..