— 363 —
المقدمة
المبحث الأول
ستُكتب في هذه الإشارات الخمس الآتية تمثيلاتٌ، بمثابة مراصدَ ومناظير صغيرة وخافتة، لرصد حقيقة شؤون الربوبية، فهذه التمثيلات لا تستوعب قطعًا حقيقة شئون الربوبية، ولا يمكن أن تحيط بها، ولا أن تكون مقياسًا لها، إلّا أنها تمكّن المرءَ من أن ينظر إلى تلك الشؤون البديعة من خلالها. ثم إن التعابير التي لا تناسب شؤون الذات الجليلة في التمثيلات الآتية وفي الرموز السابقة إنما هي من قصور التمثيل نفسه. فمثلًا: إن المعاني المعروفة لدينا للّذة والسرور والرضى والامتنان لا يمكن أن تعبِّر عن الشؤون المقدّسة للّٰه سبحانه، ولكنها مجرد عناوينِ ملاحظة ليس إلّا، ومراصدُ تفكر فحسب.
ثم إن هذه التمثيلات تثبت حقيقة قانون رباني عظيم حول شؤون الربوبية بإظهارها جزءًا وطرَفًا من ذلك القانون في مثال صغير.
فمثلًا؛ لقد ذُكر أنَّ الزهرة ترحل من الوجود، إلّا أنها تترك آلافًا من أنواع الوجود، ثم ترحل. وبهذا المثال يُبيَّن قانونٌ عظيم للربوبية، حيث يجري هذا القانون في الربيع كله كما يجري في جميع موجودات الدنيا.
نعم، إنَّ الخالق الرحيم، بأي قانونٍ يبدّل لباسَ طائر وريشَه، ويجدّده، يبدّل ذلك الصانع الحكيم بالقانون نفسه لباسَ الكرة الأرضية كل سنة، ويبدل بالقانون نفسه صورة الكون قاطبة عند قيام الساعة ويغيرها.. وكذا بأي قانون يحرّك سبحانه الذرة كالمريد المولوي يدور حول نفسه وحول حلقة الذكر فإنه يحرك بالقانون نفسه الكرةَ الأرضية كانجذاب المريد
— 364 —
المولوي بالذكر، بل يحرك العوالم بالقانون نفسه، ويسيّر المنظومة الشمسية به.. وكذا بأي قانون يجدّد سبحانه ذرات خلايا جسمك ويحللها ويعمّرها، فإنه يجدّد بالقانون نفسه، في كل سنة، في كل موسم بستانَك مرات ومرات ويجدد بالقانون نفسه سطح الأرض في كل ربيع ويبسط بساطًا جديدًا.. وكذا، بأي قانونٍ حكيمٍ يحيي الصانعُ القدير ذبابةً، فإنه سبحانه يحيي بالقانون نفسه شجرة الدلب الضخمة هنا -وهي أمامنا- في كل ربيع، ويحيي الأرض بالقانون نفسه في الربيع، ويحيي المخلوقات قاطبة بالقانون نفسه يوم الحشر الأعظم.
ويشير القرآن الحكيم إلى هذا بقوله تعالى:
﴿ ما خَلقُكم ولابَعثُكم الّا كنفسٍ واحدة ﴾
(لقمان: ٢٨).. وهكذا فقس.
فهناك قوانين ربوبية كثيرة جدًّا أمثال هذه تجري من الذرة إلى مجموع العالَم. فتأمل في عظمة هذه القوانين التي تتضمنها فعاليةُ الربوبية وتدبَّر في سعتها وشاهِد سرّ الوحدة فيها. واعلم أنّ كل قانونٍ برهانُ توحيد بذاته.
نعم، إن كل قانون من هذه القوانين الكثيرة والعظيمة جدًّا، لكونه قانونًا واحدًا ومحيطًا بالوجود في الوقت نفسه فإنه يثبت وحدانيةَ الصانع الجليل وعلمَه وإرادته إثباتًا قاطعًا فضلًا عن أنه تجلٍ من تجليات العلم والإرادة.
وهكذا فالتمثيلات الواردة في أغلب مباحث "الكلمات" تبيّن طرفًا وجزءًا من مثل هذه القوانين في مثال جزئي، فهي إذن تشير إلى وجود ذلك القانون نفسه في المدعي. فمادام التمثيل يبيّن تحقق القانون فهو إذن يثبت المدعي كالبرهان المنطقي. بمعنى أن معظم التمثيلات الموجودة في "الكلمات" كلٌّ منها في حكم برهان يقيني، وحجة قاطعة.
المبحث الثاني
لقد ذُكر في "الحقيقة العاشرة من الكلمة العاشرة": أن لكلِّ ثمرة ولكل زهرة غاياتٍ وحِكَمًا بقدر ثمرات الشجرة وأزاهيرها. وتلك الحكم على ثلاثة أقسام:
قسم منها متوجّه إلى الصانع الجليل؛ يبين نقوش أسمائه.
وقسم آخر يتوجه إلى ذوي الشعور، فالموجودات في نظرهم رسائلُ قيّمة وكلمات بليغة ذات مغزى.
— 365 —
وقسم آخر يتوجه إلى الشيء نفسه، وإلى حياته وإلى بقائه، وله حِكمٌ حسب منافع الإنسان، إن كان مفيدًا للإنسان.
فعندما كنت أتأمل وجود هذه الغايات الكثيرة لكل موجود. وردتْ هذه الفقرات باللغة العربية إلى خاطري، دوّنتُها على صورة ملاحظات على أسس تلك الإشارات الخمس الآتية:
(وَهٰذِهِ الْمَوْجُودَاتُ الْجَلِيَّةُ مَظَاهِرُ سَيَّالَةٌ وَمَرَايَا جَوَّالَةٌ لِتَجَدُّدِ تَجَلِّيَاتِ أَنْوَارِ إيجَادِه سُبْحَانَهُ، بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الْإِعْتِبَارِيَّةِ:
أَوَّلًا: مَعَ اسْتِحْفَاظِ الْمَعَانِي الْجَميلَةِ وَالْهُوِيَّاتِ الْمِثَالِيَّةِ،
وَثَانِيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الْحَقَائِقِ الْغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ،
وَثَالِثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ،
وَرَابِعًا: مَعَ إِعْلاَنِ التَّسْبيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ،
وَخَامِسًا: لِظُهُورِ الشُّؤُونَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ).
ففي هذه الفقرات الخمس أسس الإشارات الآتية التي سنبحثها:
نعم، إنَّ لكل موجود، ولاسيما من ذوي الحياة، خمسَ طبقات مختلفة من الحِكَم والغايات المختلفة.
فكما أن شجرة مثمرةً، تثمر أغصانُها التي يعلو بعضُها على بعض، كذلك كل كائن حي له غايات وحِكَم مختلفة في خمس طبقات.
أيها الإنسان الفاني! إنْ كنت تريد تحويل حقيقتِك التي هي كنواة جزئية إلى شجرة باقية مُثمرة، وتحصل على الطبقات العشر من الثمرات المشار إليها في خمس إشارات وعشرة أنواع من الغايات. اغتنم الإيمان الحقيقي وإلّا تُحرَم من جميع تلك الغايات والثمرات فضلًا عن أنك تَضمُر وتَفسُد داخل تلك النواة الصغيرة.
— 366 —
الإشارة الأولى: (أَوَّلًا: بِتَبَدُّلِ التَّعَيُّنَاتِ الْإِعْتِبَارِيَّةِ مَعَ اسْتِحْفَاظِ الْمَعَانِي الْجَميلَةِ وَالْهُوِيَّاتِ الْمِثَالِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن كل موجود، بعد ذهابه من الوجود، يذهب إلى العدم والفناء ظاهرًا. ولكن تبقى المعاني التي كان قد أفادها وعبّر عنها وتُحفظ، وتبقى كذلك هويتُه المثالية وصورتُه وماهيتُه في عالم المثال، وفي الألواح المحفوظة التي هي نماذج عالم المثال، وفي القوى الحافظة (الذاكرة) التي هي نماذجُ الألواح المحفوظة.
بمعنى أن الموجود يفقد وجودًا ظاهريًا صوريًا، ويكسب مئاتٍ من الوجود المعنوي والعلمي.
مثلًا: تعطى للحروف المطبعية ترتيبًا معينًا ووضعًا خاصًا كي تطبع بها صحيفة معينة، فصورة تلك الصحيفة الواحدة وهويتُها تعطى إلى صحائف مطبوعة متعددة، وتنشر معاني ما فيها إلى عقول كثيرة، وبعد ذلك تتبدل أوضاع تلك الحروف وتُغيّر، لانتفاء الحاجة إليها، وللحاجة إلى تنضيد صحائف أخرى بتلك الحروف.
وهكذا، فإن قلم القَدر الإلهي يعطي هذه الموجودات الأرضية، ولاسيما النباتية منها، ترتيبًا معينًا ووضعًا معينًا، والقدرة الإلهية توجِدها في صحيفة موسم الربيع، فتعبّر عن معانيها الجميلة. وحيث إن صورَها وهوياتها تنقل إلى سجل عالم الغيب، كعالم المثال، فإن الحكمة تقتضي أن يتبدل ذلك الوضع، كي تُكتب صحيفة جديدة للربيع المقبل لتعبّر عن معانيها كذلك.
الإشارة الثانية: (وَثَانِيًا: مَعَ إِنْتَاجِ الْحَقَائِقِ الْغَيْبِيَّةِ وَالنُّسُوجِ اللَّوْحِيَّةِ). هذه الفقرة تشير إلى أن كل شيء، سواءً أكان جزئيًّا أم كليًّا، بعد ذهابه من الوجود (ولاسيما إن كان ذا حياة) ينتج حقائقَ غيبية كثيرة فضلًا عن أنه يدع صورًا بعدد أطوار حياته في الألواح المثالية، التي هي في سجلات عالم المثال، فيُكتَبُ تاريخُ حياته ذو المغزى من تلك الصور والذي يسمى بالمقدّرات الحياتية، ويكون في الوقت نفسه موضع مطالعة الروحانيات، بعد ذهابه من الوجود.
— 367 —
مثال ذلك: إن زهرة ما تذبُل ثم ترحل من الوجود، إلّا أنها تترك مئات من البُذيرات في الوجود وتدع ماهيتَها في تلك البذيرات، فضلًا عن أنها تترك ألوفًا من صورها في ألواح محفوظة صغيرة، وفي القوى الحافظة التي هي نماذج مصغرة للألواح المحفوظة، فتستقرئ ذوي الشعور التسبيحات الربانية ونقوش الأسماء الحسنى التي أدتها في أطوار حياتها. ومن بعد ذلك ترحل عن الوجود.
وهكذا فإن موسم الربيع المزدان بالمصنوعات الجميلة على سطح الأرض الشبيه بمَزهرة عظيمة، إنما هو زهرة ناضرة تزول في الظاهر، وتذهب إلى العدم. بيد أنه -أي الربيع- يترك الحقائق الغيبية التي أفادها بعدد بذوره، ويترك الهويات المثالية التي نشرها بعدد الأزاهير، ويدع الحِكم الربانية التي أظهرها بعدد الموجودات.
فيترك الربيع كلَّ أنواع الوجود هذه، ثم يغيب عن أنظارنا، زد على ذلك فإنه يُفرغ المكان لأقرانه من جموع الربيع التي ستأتي إلى الوجود لتؤدي وظائفها.
بمعنى أن ذلك الربيع يَنیزع عنه وجودًا ظاهريًا ويلبس ألفًا من الوجود معنًى.
الإشارة الثالثة: (وَثَالِثًا: مَعَ نَشْرِ الثَّمَرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالْمَنَاظِرِ السَّرْمَدِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن الدنيا مزرعة ومعمل ينتج المحاصيل التي تناسب سوق الآخرة.
إذ كما أن أعمال الجن والإنس تُرسل إلى سوق الآخرة، كذلك تؤدي بقيةُ الموجودات في الدنيا أعمالًا كثيرة أيضًا في سبيل الآخرة وتنشئ محاصيل وفيرة لها، بل تجري كرة الأرض لأجل تلك الأعمال، بل يصح القول:
إنَّ هذه السفينة الربانية تقطع مسافة أربعة وعشرين ألف سنة في سنة واحدة، لتدور حول ميدان الحشر. كما أثبتنا في "كلمات" كثيرة.
مثلا: لاشك أن أهل الجنة يرغبون أن يتذاكروا خواطرَهم في الدنيا، ويتحاوروا فيما بينهم حول ذكرياتها، وربما يتلهفون لرؤية ألواح (مشاهد) تلك الذكريات والحوادث ومناظرها، إذ يستمتعون كثيرًا بمشاهدة تلك الحوادث وتلك الألواح كمن يستمتع بمشاهدة المناظر على شاشة السينما.
— 368 —
فما دام الأمر هكذا فالجنة التي هي دار اللذة ومنیزل السعادة توجد فيها لا محالة المناظرُ السرمدية لمحاورات الأحداث الدنيوية ومناظرُ أحداثها. كما تشير إلى ذلك الآيیة الكريمة: على سررٍ متقابلين (الحجر: ٤٧)
وهكذا، فإن فناء هذه الموجودات الجميلة، بعد ظهورها في آن واحد، وتعاقب بعضها بعضًا يبيّن كأنما هي آلات معمل لتشكيل المناظر السرمدية.
مثال: إن أهل المدنية يلتقطون صورَ الأوضاع الغريبة والجميلة ويهدونها إلى أبناء المستقبل تذكارًا لهم، كما هو على شاشة السينما. فيمنحون نوعًا من البقاء لأوضاع فانية، ويدرجون الزمان الماضي ويظهرونه في الزمان الحالي وفي المستقبل.
كذلك هذه الموجودات الربيعية والدنيوية عامة، بعد قضاء حياة قصيرة، كما يدوّن صانعُها الحكيمُ غاياتِها التي تخص عالمَ البقاء في ذلك العالم، كذلك يسجّل الوظائف الحياتية والمعجزات السبحانية التي أدّوها في أطوار حياتها، في مناظر سرمدية، وذلك بمقتضى اسم اللّٰه الحكيم والرحيم والودود.
الإشارة الرابعة: (وَرَابِعًا: مَعَ إعْلاَنِ التَّسْبِيحَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَإِظْهَارِ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَسْمَائِيَّةِ). هذه الفقرة تفيد: أن الموجودات تؤدي أنواعًا من التسبيحات الربانية في أطوار حياتها، وتظهر ما تستلزمه الأسماء الإلهية وتقتضيها من حالات.
مثلا: يقتضي اسم الرحيم الإشفاق، ويقتضي اسم الرزاق إعطاء الرزق، ويستلزم اسم اللطيف التلطيف.. وهكذا. فكل اسم من الأسماء الإلهية له مقتضى. وكل ذي حياة يبين مقتضى تلك الأسماء، بحياته ووجوده، وهو في الوقت نفسه يسبّح للّٰه الحكيم بعدد أجهزته.
مثلًا: إذا أكل الإنسان فواكه طيبة، فإنها تتجزأ وتتلاشى في معدته وتهضم وتمحى ظاهرًا، إلّا أنها تعطى كل خلية من خلايا جسمه، لذة وذوقًا ضمن فعالية، فضلًا عن الفم والمعدة، ويكون مدار حِكَم كثيرة جدًّا كإنماء الحياة في أقطار الجسم وإدامتها، والطعام نفسه يرقى من الوجود النباتي إلى مرتبة حياة الإنسان.
— 369 —
كذلك عندما تختفي الموجودات وراء ستار الزوال تظل بدلًا عنها تسبيحات باقية كثيرة جدًّا لكل موجود من الموجودات وتودع نقوش كثير من الأسماء الإلهية ومقتضياتها في يد تلك الأسماء، أي تودعها إلى وجودٍ باق. وهكذا تمضي وترحل. تُرى لو بقيت ألوف من أنواع الوجود -التي نالت نوعًا من البقاء- بديلًا عن ذهاب وجود مؤقت فانٍ، أيمكن أن يُقال: يا حسرةً على ذلك الوجود المؤقت! أو أنه مضى إلى عبث! أو لِمَ رحل هذا المخلوق اللطيف؟! أفيمكن أن يُشتكى على هذه الصورة؟.
بل إن الرحمة والحكمة والمحبة في حق ذلك المخلوق تقتضي هكذا، بل هو هكذا. وإلّا يلزم ترك ألوف المنافع للحيلولة دون حدوث ضرر واحد. وعندئذٍ تحدث ألوف الأضرار!.
بمعنى أن الأسماء الحسنى: الرحيم، الحكيم، الودود تستلزم مضي الموجودات وراء أستار الزوال والفراق وتقتضيهما ولا تعارضهما.
الإشارة الخامسة: (وَخَامِسًا: لِظُهُورِ الشُّؤُونَاتِ السُّبْحَانِيَّةِ وَالْمَشَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ) تفيد هذه الفقرة: إن الموجودات -ولاسيما الأحياء منها- بعد ارتحالها من وجودها الظاهري تترك كثيرًا من الأمور الباقية ثم تمضي إلى شأنها.
وقد بينا في الرمز الثاني:
إن في شؤون الربوبية محبةً مطلقة وشفقة مطلقة وافتخارًا مطلقًا -إن جاز التعبير- ورضى مقدسًا مطلقًا وسرورًا مقدسًا مطلقًا -إن جاز التعبير- ولذة مقدسة مطلقة وفرحًا منیزّهًا مطلقًا بما يليق بذاته الجليلة المقدسة ويوافق تعاليه وتنیزّهه وتقدُّسه سبحانه، إذ تُشاهد آثار تلك الشؤون المنیزّهة، لأن ما تقتضيه تلك الشؤون هو سَوق الموجودات بسرعة في فعالية محيّرة، ضمن تبديل وتغيير وزوال وفناء، فتُرسل -الموجودات- باستمرار من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. فالمخلوقات ضمن تجليات تلك الشؤون الربانية في سير وسياحة دائمَين، في حركة وجولان مستمرين. فهي بهذه السياحة والحركة الدائمتين تملأ آذان أهل الغفلة بنعيات الفراق والزوال، وتشنّف أسماع أهل الإيمان بنغمات الذكر والتسبيح.
وبناءً على هذا السرّ، فما من موجود يرحل عن الوجود إلّا ويترك في الوجود من المعاني والكيفيات والحالات ما يكون مدارًا باقيًا لظهور شؤون باقية لواجب الوجود سبحانه.
— 370 —
ثم إن ما قضاه ذلك الموجود من أطوار وأحوال، يتركه عندما يرحل وجودًا مفصلًا -يمثل وجوده الخارجي- في دوائر الوجود العلمي من أمثال الإمام المبين والكتاب المبين واللوح المحفوظ، تلك الدوائر التي هي عناوين العلم الأزلي.
فكلُّ فانٍ إذن يترك وجودًا ويكسب لنفسه ولغيره ألوفًا من أنواع الوجود.
مثلًا: تُلقى مواد اعتيادية إلى ماكنة مصنع عظيم، فتحترق تلك المواد وتمحى ظاهرًا، ولكن تترسب مواد كيمياوية ثمينة وأدوية مهمة في أنابيق ذلك المصنع، فضلًا عن قيام قوة بخارها بتحريك دواليب ذلك المعمل مما يؤدي إلى نسج الأقمشة من جهة وطبع الكتب من جهة أخرى وإنتاج السكر من جهة أخرى مثلًا.
بمعنى، أن في احتراق تلك المواد الاعتيادية وفنائها الظاهري تجد ألوفُ الأشياء الوجود.
بمعنى، يذهب وجود اعتيادي ويفنى، ولكن يورث أنواعًا من وجود رفيع.
فهل يقال في مثل هذه الحالة: يا خسارة على تلك المواد الاعتيادية؟ أفيُشكى هكذا؟ أيُقال: لِمَ لم يرأف صاحبُ المصنع بحال تلك المواد وحرقها ومحاها؟
﴿ وللّٰه المثل الاعلى ﴾
إنَّ الخالق الحكيم والرحيم والودود، يُشغل مصنع الكائنات جاعلًا من كل وجود فانٍ نواةً لأنواع من الوجود الباقي، ومدارًا لإظهار مقاصده الربانية مظهرًا به شؤونه السبحانية متخذًا إياه مدادًا لقلم قدره، ومكوكًا لنسج قدرته، وذلك بمقتضى الرحمة والحكمة والودودية. فيدفع سبحانه بفعالية قدرته الكائنات لتؤدي مهامها وفعالياتها لأجل كثير مما لا نعرفه من عنايات غالية ومقاصد عالية. فتسوق تلك الفعالية الموجودات كلها حتى تجعل الذرات تجول جولانًا، والموجودات تسير سيرانًا، والحيوانات تسيل سيلانًا، والسيارات تدور دورانًا. فتجعل الكون يتكلم وينطق ويتلو آيات خالقه بصمت ويستكتبها.
ومن حيث الربوبية قد جعل سبحانه المخلوقات الأرضية عروشًا له؛ إذ جعل الهواءَ نوعًا من عرش لأمره وإرادته، وعنصرَ النور عرشًا آخر لعلمه وحكمته، والماءَ عرشًا آخر لإحسانه ورحمته، والترابَ نوعًا من عرش لحفظه وإحيائه. ويسيّر ثلاثة من تلك العروش فوق المخلوقات الأرضية.
— 371 —
فاعلم علمًا قاطعًا! أن الحقيقة السامية التي بُيّنَت في هذه الرموز الخمسة والإشارات الخمس إنما تشاهَد بنور القرآن ولا تُمتلك إلّا بقوة الإيمان، وإلّا ستعم ظلمات مرعبة بدلًا من تلك الحقيقة الباقية، وتمتلئ الدنيا لأهل الضلالة بألوان الفراق وأصناف الزوال وتطفح بأنواع العدم ويصبح الكون بالنسبة له جحيمًا معنويًّا لا يطاق، إذ يحيط بوجود آني بالنسبة له ما لا يحد من العدم كلَّ شيء، فالماضي والمستقبل جميعًا مملوءان بظلمات العدم. فلا يجد الضال إلّا نورًا كئيبًا حزينًا في حاله الحاضرة وهي زمان قصير جدًّا.
ولكن ما إن يأتي سرُّ القرآن ونور الإيمان إذا بنور وجودٍ يُشاهد من الأزل إلى الأبد فيتعلق به ويحقق به سعادته الأبدية.
خلاصة الكلام: نقول كما قال (نيازي المصري):
"لو كان النَفَسُ بحرًا زاخرًا
وتقطّع هذا الصدرُ إربًا إربًا
أناجى إلى أن يبحّ هذا الصوت"
وأقول:
يا حق يا موجود يا حي يا معبود
يا حكيم يا مقصود يا رحيم يا ودود
وأقول صارخًا:
لا إله إلّا اللّٰه الملك الحق المبين محمد رسول اللّٰه صادق الوعد الأمين.
واعتقد جازمًا وأثبت:
إِنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوتِ حَقٌّ وَالْجَنَّةَ حَقٌ وَالنَّارَ حَقٌّ وَإِنَّ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ حَقٌّ وَإِنَّ اللّٰه رَحيمٌ حَكيمٌ وَدُودٌ وَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَالْحِكْمَةَ وَالْمَحَبَّةَ مُحيطَةٌ بِجَميعِ الْأَشْيَاءِ وَشُؤُونَاتِهَا.
— 372 —
﴿ وقالوا الحمد للّٰه الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدينا اللّٰه لقد جاءت رُسُلُ ربنا بالحق ﴾
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
﴿ ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا او أخطأنا ﴾
اللّٰهمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةً تَكُونُ لَكَ رِضَاءً وَلِحَقِّه أَدَاءً وَعَلٰى أٰلِه وَصَحْبِه وَسَلِّمْ. أٰمينَ. وَالْحَمْدُ للّٰه رَبِّ الْعَالَمينَ
سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ حَديقَةَ أَرْضِه مَشْهَرَ صَنْعَتِه، مَحْشَرَ خِلْقَتِه، مَظْهَرَ قُدْرَتِه، مَدَارَ حِكْمَتِه، مَزْهَرَ رَحْمَتِه، مَزْرَعَ جَنَّتِه، مَمَرَّ الْمَخْلُوقَاتِ، مَسيلَ الْمَوْجُودَاتِ، مَكيلَ الْمَصْنُوعَاتِ.
فَمُزَيَّنُ الْحَيَوَانَاتِ مُنَقَّشُ الطُّيُورَاتِ، مُثَمَّرُ الشَّجَرَاتِ مُزَهَّرُ النَّبَاتَاتِ.
مُعْجِزَاتُ عِلْمِه، خَوَارِقُ صُنْعِه، هَدَايَا جُودِه، بَرَاهينُ لُطْفِه، دَلاَئِلُ الْوَحْدَةِ، لَطَائِفُ الْحِكْمَةِ، شَوَاهِدُ الرَّحْمَةِ.
تَبَسُّمُ الْأَزْهَارِ مِنْ زينَةِ الْأَثْمَارِ،
تَسَجُّعُ الْأَطْيَارِ فِى نَسْمَةِ الْأَسْحَارِ،
تَهَزُّجُ الْأَمْطَارِ عَلى خُدُودِ الْأَزْهَارِ،
تَزَيُّنُ الْأَزْهَارِ، تَبَرُّجُ الْأَثْمَارِ في هذِهِ الْجِنَانِ،
تَرَحُّمُ الْوَالِدَاتِ عَلَى الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ في كُلِّ الْحَيَوَانَاتِ وَاْلإِنْسَانِ.
تَعَرُّفُ وَدُودٍ،
تَوَدُّدُ رَحْمَانٍ،
تَرَحُّمُ حَنَّانٍ،
تَحَنُّنُ مَنَّانٍ لِلْجِنِّ وَاْلإِنْسَانِ وَالرُّوحِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَلَكِ وَالْجَانِّ.