— 358 —
الرمز الثالث
إن الأشياء لا تمضي إلى العدم، ولا تصيرُ إلى الفناء، بل تمضي من دائرة القُدرة إلى دائرة العِلم، وتدخل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وتتوجّه من عالَم التغيّر والفناء إلى عالم النور والبقاء. وإن الجمال والكمال في الأشياء يعودان إلى الأسماء الإلهية وإلى نقوشها وجلواتها من زاوية نظر الحقيقة.
وحيث إن تلك الأسماء باقيةٌ وتجلياتها دائمة، فلاشك أن نقوشها تتجدد وتتجمّل وتتبدل، فلا تذهب إلى العدم والفناء، بل تتبدل تعيّناتها الاعتبارية. أما حقائقُها وماهياتُها وهوياتها المثالية التي هي مدارُ الحسن والجمال ومظهرُ الفيض والكمال فهي باقيةٌ فالحُسن والجمال في الأشياء التي لا تملك روحًا يعودان إلى الأسماء الإلهية مباشرة فالشرف لها والمدح والثناء لها. إذ الحُسن حسنُها والمحبة توجّه إليها. ولا يورث تبدل تلك المرايا ضررًا للأسماء.
وإن كانت الأشياء من ذوي الأرواح ولكن لم تكن من ذوي العقول، فإن فراقها وزوالها ليس فناءً ولا عدمًا بل ينجو الشيءُ الحي من وجود جسماني ومن اضطرابات وظائف الحياة، مودعًا ثمرات وظائفه التي كسبها إلى روحه الباقية. فأرواحُ هذه الأشياء تستند أيضًا إلى أسماء إلهية حسنى. فتدوم وتستمر، وتمضي إلى سعادة ملائمة لها.
أما إن كان أولئك الأحياءُ من ذوي العقول، فإنهم أصلًا يمضون إلى سعادة أبدية وإلى عالم البقاء المؤسس على كمالات مادية ومعنوية.
لذا فإن فراقهم وزوالَهم ليس موتًا وعدمًا ولا زوالًا وفراقًا حقًا، بل هو وِصالٌ مع الكمالات وهو سياحة مُمتعة إلى عوالم نورانية للصانع الحكيم، عوالم أجملَ من الدنيا وأزهى منها كعالم البرزخ وعالم المثال وعالم الأرواح وإلى ممالكه الأخرى من منازله سبحانه وتعالى.
حاصل الكلام: إنَّ اللّٰه موجودٌ وباقٍ، وإن صفاته سرمديةٌ وأسماءه دائمة، إذن لابد أن تجليات تلك الأسماء ونقوشها تتجدد في بقاءٍ معنوي فليس تخريبًا ولا فناءً ولا إعدامًا وزوالًا. إذ من المعلوم أن الإنسان ذو علاقة -من حيث الإنسانية- مع أكثر الموجودات،
— 359 —
فيتلذذ بسعادتها ويتألم بمصائبها، ولاسيما مع ذوي الحياة، وبخاصة مع الإنسان وبالأخص مع من يحبّهم ويعجب بهم ويحترمهم من أهل الكمال، فهو أشدُّ تألمًا بآلامهم وأكثرُ سعادة بسعادتهم حتى يضحّي بسعادته في سبيل إسعادهم كتضحية الوالدة الشفيقة بسعادتها وراحتها من أجل ولدها.
فكل مؤمن يستطيع أن يكون بنور القرآن والإيمان سعيدًا بسعادة جميع الموجودات وبقائها ونجاتها من العدم وصيرورتها مكاتيبَ ربانية ويغنم نورًا عظيمًا بعِظَم الدنيا. فكلٌّ يستفيد من هذا النور حسب درجته.
أما إن كان من أهل الضلال، فإنه يتألم علاوة على آلامه بهلاك الموجودات وبفنائها وبإعدامها الظاهري وبآلام ذوي الأرواح منها. أي أن كفره يملأ دنياه بالعدم ويفرغها على رأسه، فيمضي إلى جهنم (معنوية) قبل أن يساق إلى جهنم (في الآخرة).
الرمز الرابع
مثلما ذُكر في مواضع عدة: أن للسلطان دوائرَ مختلفة ناشئةً من عناوينه المتنوعة، فله اسمُ السلطان، الخليفة، الحاكم، القائد، وأمثالُها من العناوين والصفات. وللّٰه المثل الاعلى فإن للأسماء الحسنى تجلياتٍ متنوعة لا تُحد، فتنوُّع المخلوقات ناشئٌ عن تنوع تلك التجليات، وحيث إن صاحبَ كلِّ جمال وكل كمال يرغب في مشاهدة جماله وكماله وإشهادِهما. فإن تلك الأسماء المختلفة -لكونها دائميةً وسرمدية- تقتضي ظهورًا دائميًا سرمديًا أي تقتضي رؤيةَ نقوشها. أي تقتضي رؤيةَ وإراءةَ جلوةِ جمالِها وانعكاس كمالها في مرايا نقوشها. أي تقتضي تجديدَ كتابِ الكون الكبير، آنًا فآنًا. أي كتابتُها كتابةً مجددة ذات مغزى. أي تقتضي كتابةَ ألوفٍ من الرسائل المتنوعة في صحيفة واحدة، وإظهار كلِّ رسالة لنظر شهودِ الذات المقدسة والمسمّى الأقدس مع عرضِها على مطالعة أنظار ذوي الشعور واستقرائهم. تأمل في هذا الشعر الذي يشير إلى هذه الحقيقة:
— 360 —
صحائفُ كتاب العالم.. هذه الأنواع غير المعدودة
حروفُه وكلماته.. هذه الأفراد غير المحدودة
لقد سُطّر في لوح الحقيقة المحفوظ:
إن كلَّ موجود في العالم لفظٌ بليغ مجسّم
تَأَمَّلْ سُطُورَ الْكَائِنَاتِ فَإنَّهَا مِنَ الْمَلإ الاَعْلَى إلَيْكَ رَسَائِلُ
[٭]: لرجل نحوى مشهور يُعرف بركن الدين بن القَوْبَع (ت ٧٣٨ هی) - (قول على قول ١١/١٥٧ للكرمى).
الرمز الخامس
عبارة عن نكتتين
النكتة الأولى: إنَّ اللّٰه موجودٌ، فكل شيء موجود إذن، وحيث إن هناك انتسابًا للواجب الوجود، فكل الأشياء إذن موجودة لكل شيء، لأن كل موجود بانتسابه إلى واجب الوجود يرتبط بجميع الموجودات، بسرّ الوحدة بمعنى أن كل موجود يَعرف انتسابه إلى واجب الوجود أو يُعرَف انتسابه إليه تعالى، فهو ذو علاقة مع جميع الموجودات المنتسبة إلى واجب الوجود، وذلك بسر الوحدة. أي أن كل شيء من نقطة الانتساب ينال أنوارَ وجودٍ غير محدودة بحدود، فلا فراقَ ولا زوال إذن في تلك النقطة.. لذا يكون العيشُ في آن سيال واحد مبعثَ أنوارِ وجودٍ غير محدود. بينما إن لم يكن ذلك الانتساب، ولم يُعرف، فإن كل شيء ينال ما لا يحد من أنواع الفراق وصنوف الزوال وأنماط العدم، لأن الشيء في تلك الحالة له فراق وافتراق وزوال تجاه كل موجود يمكن أن يرتبط به. أي يَحملُ على وجوده الشخصي أنواعًا لا تحد من العدم وصنوفًا لا تحصى من الفراق، فلو ظل في الوجود مليونًا من السنين دون انتساب لما عَدلَ قطعًا آنًا من العيش مع الانتساب الذي كان فيه.
ولهذا قال أهل الحقيقة: إنَّ آنًا سيالًا من وجود منوّر يفضُل على مليون سنة من وجود أبتر. أي إنَّ آنًا من وجود منتسب إلى الواجب الوجود مُرجّح على مليون سنة من وجود لا
— 361 —
انتساب فيه. ولأجل هذا قال أهل التحقيق: إن أنوار الوجود هي معرفةُ واجب الوجود. أي إن الكائنات في تلك الحالة وهي تَنعم بأنوار الوجود، تكون مملوءةً بالملائكة والروحانيات وذوي الشعور. وبخلاف ذلك، أي إن لم تكن هناك معرفةُ واجب الوجود، فإن ظلماتِ العدم وآلامَ الفراق وأوجاعَ الزوال تحيط بكل موجود، فالدنيا تكون موحشةً خاوية في نظر ذلك الشخص.
نعم، كما أنَّ لكل ثمرة من ثمار شجرة، علاقةً مع كل الثمرات التي على تلك الشجرة وتكوّن نوعًا من رابطة الأخوة والصداقة والعلاقات المتينة فيما بينها.. فلها إذن وجوداتٌ عرَضية بعدد تلك الثمرات.
ولكن متى ما قُطفَت تلك الثمرة من الشجرة، فإن فراقًا وزوالًا يحصلان تجاه كل ثمرة من الثمرات. وتصبح الثمراتُ بالنسبة للمقطوفة في حُكم المعدوم، فيعمّها الظلامُ، ظلام عدم خارجي.
وكذلك فإن كل شيء له الأشياء كلها، من نقطة الانتساب إلى قدرة الأحد الصمد. وإن لم يكن هناك انتسابٌ فإن أنواعًا من العدم الخارجي بعدد الأشياء كلها تصيب كلَّ شيء.
فانظر من خلال هذا الرمز إلى عظمة أنوار الإيمان، وشاهِد الظلمةَ المخيفة المحيطة بالوجود في الضلال.
فالإيمان إذن هو عنوان الحقيقة السامية التي بُيّنت في هذا الرمز، ولا يمكن الاستفادة من تلك الحقيقة إلّا بالإيمان، إذ كما أن كل شيء معدوم للأعمى والأصم والأبكم والمجنون، كذلك كل شيء معدوم مظلم بانعدام الإيمان.
النكتة الثانية: إن للدنيا وللأشياء ثلاثةَ وجوه:
الوجه الأول: ينظر إلى الأسماء الإلهية الحسنى، فهو مرآةٌ لها، ولا يمكن أن يعرِض الزوالُ والفراق على هذا الوجه، بل فيه التجدّد.
— 362 —
الوجه الثاني: ينظر إلى الآخرة، ويرنو إلى عالم البقاء، وهو في حُكم مزرعتها. ففي هذا الوجه تنضج ثمراتٌ باقيات. فهذا الوجه يخدم البقاء، لأنه يحوّل الفانيات إلى حُكم الباقيات، وفيه جلوات الحياة والبقاء لا الموت والزوال.
الوجه الثالث: ينظر إلى الفانين، أي ينظر إلينا نحن، فهو وجهٌ يعشقه الفانون وأهلُ الهوى، وهو موضعُ تجارة أهل الشعور، وميدانُ امتحان الموظفين المأمورين. وهكذا ففي حقيقة هذا الوجه الثالث جلواتُ اللقاء والحياة تكون مرهمًا على جراحات آلام الفناء والزوال والموت والعدم في هذا الوجه للدنيا.
حاصل الكلام: إنَّ هذه الموجودات السيالة، وهذه المخلوقات السيارة، ما هي إلّا مرايا متحركة، ومظاهر متبدّلة لتجديد أنوار إيجاد الواجب الوجود .