المكتوبات العربية
— 354 —

الرمز الأول

لقد ذكرنا في خواتيم "الكلمة السادسة والعشرين": إنَّ صنّاعًا ماهرًا، يكلّف رجلًا فقيرًا لقاء أجرةٍ يستحقُّها، ليقومَ له بدور النموذج "الموديل" ليَخيط لباسًا راقيًا، فاخرًا في أجمل زينة وأكثرِها بهاءً، إظهارًا لمهارته وصنعته. لذا يفصّل على ذلك الرجلِ اللباسَ ويقُصّه ويقصِّره ويطوِّله، ويُقعِد الرجلَ وينهضُه، ويجعله في أوضاع مختلفة.. فهل يحق لهذا الرجل الفقير أن يقول للصنّاع: لِمَ تبدّل هذا اللباس الذي يجمّلني؟ ولِمَ تغيّره؟ فتُقعدني تارة وتُنهضني أخرى فتفسد راحتي؟!
وكذلك الصانع الجليل (وله المثل الأعلى) قد اتخذ ماهيةَ كلِّ نوع من الموجودات مقياسًا ونموذجًا "موديلًا" فألبس كلَّ شيء لباسًا مرصّعًا بالحواس، ونقش عليه نقوشًا بقلم قضائه وقَدَره، وأظهر جلوات أسمائه الحسنى، إبرازًا لكمال صنعته بنقوش أسمائه. فضلًا عن أنه سبحانه يمنح كل موجود أيضًا كمالًا ولذة وفيضًا بمثابة أجرةٍ ملائمة له.
فهل يحق لشيء أن يخاطب ذلك الصانع الجليل الذي هو مالكُ الملك يتصرّف في ملكه كيف يشاء ويقول: "إنك تتعبني وتفسد عليّ راحتي"؟ حاش للّٰه وكلا!
إنه ليس للموجودات حق بأية جهة كانت إزاء واجب الوجود، وليس لها أن تدّعي بأي حقٍ مهما كان، بل حقُّها القيام بالشكر الدائم والحمد الدائم، أداءً لحق مراتب الوجود التي منحها إياها. لأن جميع مراتب الوجود الممنوحة للموجود إنما هي وقوعات تحتاج إلى علّة. بينما مراتبُ الوجود التي لم تُمنح هي إمكاناتٌ، والإمكاناتُ عدمٌ، وهي لا تتناهى، والعدم لا يحتاج إلى علة، فما لا نهاية له لا علة له.
— 355 —
مثلًا: لا يحق للمعادن أن تشكو قائلةً: لِمَ لم نصبح نباتاتٍ؟ بل حقُّها أن تشكر فاطرَها الجليل على ما أُنعم عليها من نعمة الوجود كمعادن.
وكذا النبات ليس له حق الشكوى، فليس له أن يقول: لِمَ لم أصبح حيوانًا؟ بل حقُّه الشكر للّٰه الذي وهب له الوجود والحياة معًا. وكذا الحيوان ليس له حق الشكوى ويقول: لِمَ لم أكن إنسانًا؟ بل عليه حق الشكر لما أنعم اللّٰه عليه من الوجود، والحياة وجوهر الروح الراقي.. وهكذا فقِس.
أيها الإنسان الشاكي! إنك لم تبقَ معدومًا، بل لبستَ نعمة الوجود. وذُقت طعمَ الحياة. ولم تبق جمادًا ولم تصبح حيوانًا، فقد وجدت نعمة الإسلام، ولم تبق في غياهب الضلال، وتنعّمت بنعمة الصحة والأمان.. وهكذا..
أيها الغارق في الكفران! أفَبَعد هذا تدعّي حقًا لك على ربك، إنك لم تشكر ربَّك بعدُ على ما أنعم عليك من مراتب الوجود التي هي نِعمٌ خالصة. بل تشكو منه جلّ وعلا لما لم ينعم عليك من نِعم غالية من أنواع الإمكانات وأنواع العدم ومما لا تقدر عليه ولا تستحقه، فتشكو بحرص باطل وتكفر بنعَمِه سبحانه.
تُرى لو أن رجلًا أُصعد على قمة منارة عالية ذات درجات وتسلَّم في كل درجة منها هدية ثمينة ثم وجد نفسَه في قمة المنارة، في مكان رفيع، أيحقُّ له أن لا يشكر صاحب تلك النعم ويبكي ويتأفف ويتحسر قائلًا: لِمَ لم أقدر على صعود ما هو أعلى من هذه المنارة..
ترى كم يكون عملُه هذا باطلًا لو تصرّف هكذا وكم يسقط في هاوية كفران النعمة! وكم هو في ضلالة مقيتة!. حتى البُلهاء يدركون هذا.
أيها الإنسان الحريص غير القانع! ويا أيها المسرف غير المقتصد! ويا أيها الشاكي بغير حق! أيها الغافل!
اعلم يقينًا: أن القناعة شكران رابح، بينما الحرص كفران خاسر، والاقتصاد توقيرٌ للنعمة جميل ونافع، بينما الإسراف استخفاف بالنعمة مضرّ ومشين.
— 356 —
فإن كنت راشدًا، عوّد نفسك على القناعة وحاول بلوغ الرضى. فإن لم تستطيع التحمل على المصيبة فقل: يا صبور! وتجمّل بالصبر. وأرض بحقك ولا تشكُ. واعلم ممن وإلى مَن تشكو! إلزَم الصمت. وإذا أردت الشكوى لا محالة فاشكُ نفسَك إلى اللّٰه، فإن القصور منها.
الرمز الثاني
لقد ذكرنا في ختام "المسألة الأخيرة للمكتوب الثامن عشر" أنه:
إنَّ حكمةً من حِكم تبديل الخالق الجليل للموجودات دومًا وتجديدِه لها باستمرار تبديلًا وتجديدًا محيّرًا مذهلًا بفعالية ربوبيته الجليلة هي أن الفعالية والحركة في المخلوقات نابعةٌ من شهية، من اشتياق، من لذة، من محبة، حتى يصح القول:
إن في كل فعالية نوعًا من اللذة، بل إن كل فعالية هي نوعٌ من اللذة، واللذة كذلك متوجهة إلى كمال بل هي نوعٌ من الكمال.
ولما كانت الفعالية تشير إلى كمال، إلى لذة، إلى جمال، وإن الواجب الوجود سبحانه الذي هو الكمال المطلق والكامل ذو الجلال، جامعٌ في ذاته وصفاته وأفعاله لجميع أنواع الكمالات، فلا شك أن لذلك الواجب الوجود سبحانه شفقةً مقدسة لا حدّ لها ومحبةً منیزّهة لا نهاية لها تليق بوجوب وجوده وقدسيته وتوافق تعاليه الذاتي وغناه المطلق وتناسب كماله المطلق وتنیزُّهه الذاتي ولا شك أن له شوقًا مقدّسًا لا حدّ له، نابعًا من تلك الشفقة المقدسة، ومن تلك المحبة المنیزَّهة، وأن له سرورًا مقدسًا لا حدّ له نابعًا من ذلك الشوق المقدس، وأن له لذةً مقدسة لا حدّ لها -إن جاز التعبير- ناشئةٌ من ذلك السرور المقدس. ولاشك أن له مع تلك اللذة المقدسة رضًى مقدسًا لا حدّ له وافتخارًا مقدّسًا لا نهاية له -إن جاز التعبير- ناشئَين من رضًى وامتنان مخلوقاته من انطلاق استعداداتها من القوة إلى الفعل، حينما تنطلق وتتكامل بفعالية قدرته ضمن رحمته الواسعة.. فذلك الرضى المقدس المطلق والافتخار المطلق يقتضيان هذه الفعالية المطلقة في صورتها المطلقة. وتلك الفعالية أيضًا تقتضي تبديلًا وتغييرًا وتحويلًا وتخريبًا لا حدّ لهما وذلك التغيير والتبديل غير المحدودَين يقتضيان الموت والعدم والزوال والفراق.
— 357 —
ولقد رأيت -في وقت ما- أن كل ما تبيِّنُه حكمةُ البشر (فلسفتُه وعلومُه) من فوائد تخص غايات المصنوعات، تافهةٌ لا قيمةَ لها، وعلمتُ حينها أن تلك الحكمة تُفضي إلى العبثية، ومن هنا فإن الفيلسوف الراسخ قدمُه في الفلسفة: إما أن يضل في ضلالة الطبيعة، أو يكون سوفسطائيًا، أو ينكر الإرادة والعلم الإلهي، أو يطلق على الخالق: "الموجب بالذات".
وفي ذلك الوقت بعثَت الرحمةُ الإلهية اسم اللّٰه "الحكيم" لإغاثتي، فأظهر لي الغايات الجليلة للمصنوعات، أي أنَّ كل مصنوعٍ مكتوبٌ رباني حكيم بحيث يطالعه جميعُ ذوي الشعور.
كفَتني هذه الغاية مدةَ سنة من الزمن، ثم انكشفت الخوارقُ البديعة في الصنعة، فلم تعُد تلك الغايةُ كافيةً وافية. وأُظهرتْ لي غايةٌ أخرى أعظمُ بكثير من الأولى.
أي إن أهم غاية للمصنوع هي النظرُ إلى صانعه الجليل، أي يعرِض المصنوعُ كمالات صنعةِ صانعه، ونقوشَ أسمائه الحسنى ومرصَّعات حكمته القيمة وهدايا رحمته الواسعة أمام نظره سبحانه ويكون مرآةً لجماله وكماله جل وعلا. هكذا فهمتُ هذه الغاية، وكفَتني مدةً مديدة.
ثم ظهرت معجزاتُ القدرة وشؤون الربوبية في التغيير والتبديل السريع جدًّا، ضمن فعالية محيّرة في إيجاد الأشياء وإتقانها، حتى بدت تلك الغايةُ غير وافيةً، وعلمتُ أن لابد من داعٍ عظيم ومقتضى جليل يعادل هذه الغاية العظمى، وعند ذلك أُظهرت لي المقتضياتُ الموجودة في الرمز الثاني والغايات المذكورة في الإشارات التي ستأتي.
وأُعلمت يقينًا: أن فعالية القدرة في الكون وسيرَ الأشياء وسيلانها، تحمِل من المعاني الغزيرة بحيث يُنطِق الصانعُ الحكيم أنواعَ الكائنات بتلك الفعالية، حتى كأن حركات السماوات والأرض وحركات موجوداتها هي كلماتُ ذلك النُطق وأن سيرَها ودورانَها تكلّم ونطق، بمعنى أنَّ الحركات والزوال النابعَين من الفعالية ما هي إلا كلماتٌ تسبيحية، وأن الفعالية الموجودة في الكون هي نطقٌ وإنطاقٌ صامتٌ للكون ولما فيه من أنواع.