— 80 —
النكتة الثامنة
تبين الآية الكريمة
لیقد جَاءكُم رسُیولٌ من أنفُسِكُم..
كمالَ شفقة الرسول الكريم (ص) ومنتهى رأفته نحو أمته. أما التي تعقبها
﴿ فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي اللّٰه.. ﴾
فهي تقول:
"أيها الناس! أيها المسلمون! اعلموا كم هو انعدامٌ للوجدان وفقدان للعقل إعراضُكم عن سنن هذا النبي الرؤوف الرحيم، وعما بَلَّغ من أحكام، لحدّ إنكاركم شفقتَه البديهية، واتهام رأفته المشاهَدة، وهو الذي أرشدكم برأفته الواسعة وبذل كل ما أوتى لأجل مصالحكم، مداويًا جراحاتكم المعنوية ببلسم سننه الطاهرة والأحكام التي أتى بها.
وأنت أيها الرسول الحبيب الرؤوف الرحيم، إن لم يعرف هؤلاء شفقتَك العظيمة هذه، لبلاهتهم، ولم يقدروا رأفتك الواسعة هذه، فأداروا لك ظهورَهم، ولم يعيروا لك سمعًا.. فلا تُبالِ ولا تهتم فإن رب العرش العظيم الذي له جنود السماوات والأرض والذي تهيمن ربوبيتُه من على العرش الأعظم المحيط بكل شيء، لهو كافٍ لك.. وسيجمع حولك المطيعين حقًا، ويجعلهم يصغون إليك ويرضون بأحكامك".
نعم، إنه ليست في الشريعة المحمدية والسنة الأحمدية مسألة إلّا وفيها حِكَمٌ عديدة، فأنا هذا الفقير إلى اللّٰه أدَّعي بهذا، رغم كل عجزي وقصوري. وأنا على استعداد لإثبات هذه الدعوى. فما كتبتُه لحدّ الآن من أكثر من سبعين رسالة من "رسائل النور" إنما هو بمثابة سبعين شاهدًا صادقًا على مدى الحكمة والحقيقة التي تنطوي عليها السنة الأحمدية والشريعة المحمدية، فلو قُدر وكتب هذا الموضوع فلا يكفي سبعون رسالة ولا سبعة آلاف رسالة لإيفاء تلك الحِكم حقها.
ثم إني قد شاهدت شخصيًا، وتذوقتُه بنفسي، بل لي ألف تجربة وتجربة: أن دساتير المسائل الشرعية والسنة النبوية أفضلُ دواء وأنفعُه للأمراض الروحية والعقلية والقلبية، ولاسيما الاجتماعية منها. فأنا أعلن بمشاهدتي وإحساسي هذا، وقد أشعرت الآخرين بشيء منها في الرسائل بأنه: لا يمكن أن تسد مسدّ تلك المسائل أية حلول فلسفية ولا أية مسألة حكيمة. فالذين يرتابون في ادعائي هذا عليهم مراجعة أجزاء "رسائل النور".
— 81 —
فليقدر إذن مدى الربح العظيم في السعي لاتباع سُنة هذه الذات المباركة والجدّ في طلبها على قدر الاستطاعة، ومدى السعادة للحياة الأبدية ومدى النفع في الحياة الدنيا.
النكتة التاسعة
قد لا يتيسرُ اتباعُ كلِّ نوع من أنواع السنة الشريفة اتباعًا فعليًا كاملًا إلّا لأخص الخواص، ولكن يمكن لكل واحد الاتباع عن طريق النية والقصد والرغبة في الالتزام والقبول. ومن المعلوم أنه ينبغي الاتِّباع بأقسام الفرض والواجب. أما السنن المستحبَّة في العبادة فتركُها وإهمالُها وإن لم يكن فيه إثم إلّا أنه ضياع لثواب عظيم، وفي تغييرها خطأ كبير. أما السنن النبوية في العادات والمعاملات فإنها تصيّر العادةَ عبادةً رغم أن تاركها لا يُلام، إلّا أن استفادته تقل وتتضاءل من نور الآداب الحياتية لحبيب اللّٰه (ص).
أما البدع فهي: إحداثُ أمور في الأحكام العبادية، وهي مردودةٌ حيث إنها تنافي الآية الكريمة:
﴿ اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم... ﴾
غير أن تلك الأمور المستحدَثة إن كانت من قبيل الأوراد والأذكار والمشارب -كالتي في الطرق الصوفية- فهي ليست ببدعة ما دامت أصولُها مستقاةً من الكتاب والسنة. إذ إن تلك الأصولَ والأسسَ المقررة رغم أنها بأشكال مختلفة وأنماط متباينة إلّا أنها مشروطةٌ بعدم مخالفتها للسنة النبوية وبعدم تغييرها لها. وعلى الرغم من ذلك فقد أدخل قسمٌ من أهل العلم بعضًا من هذه الأمور ضمن البدع، إلّا أنهم أطلقوا عليها "البدعة الحسنة". ولكن الإمام الرباني يقول: "كنت أرى في سيري عبر السلوك الروحاني أن الكلمات المروية عن الرسول الأعظم (ص) منوَّرةٌ متألقة بشعاع السنة المطهرة، في حين كنت أرى الأوراد العظيمة والحالات الباهرة غير المروية عنه ليس عليها ذلك النور والتألق. فما كان يبلغ أسطع ما في هذا القسم -الأخير- إلى أقل القليل لما في السنة.. ففهمت من هذا: أن شعاع السنة المطهرة لهو الإكسيرُ النافذ، فالسنة المطهرة كافية ووافية لمن يبتغي النور، فلا داعي للبحث عن نور في خارجها..."
فهذا الحكم الصادر من هذا الرائد البطل من أبطال الحقيقة والشريعة ليظهر لنا أن السنة السنية هي الحجر الأساس لسعادة الدارين ومنبع الكمال والخير.
— 82 —
اللّٰهم ارزقنا اتباع السنة السنية.
﴿ ربّنا آمَنّا بما أنزلْتَ واتبَعنا الرسُولَ فاكتُبنا مَع الشّاهدين ﴾
(آل عمران: ٥٣)
النكتة العاشرة
قال تعالى:
﴿ قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون اللّٰه فاتّبعوني يُحْببكُم اللّٰه ﴾
في هذه الآية الكريمة إيجاز معجز، حيث إن معانيَ كثيرة قد اندرجت في هذه الجمل الثلاث:
تقول الآية الكريمة: "إن كنتم تؤمنون باللّٰه، فإنكم تحبونه، فما دمتم تحبونه فستعملون وفق ما يحبه، وما ذاك إلَّا تشبهكم بمن يحبه.. وتشبهكم بمحبوبه ليس إلّا في اتباعه، فمتى ما اتبعتموه يحبكم اللّٰه، ومن المعلوم أنكم تحبون اللّٰه كي يحبكم اللّٰه".
وهكذا فهذه الجمل ما هي إلّا بعض المعاني المختصرة المجملة للآية، لذا يصح القول: إن أسمى مقصد للإنسان وأعلاه هو أن يكون أهلا لمحبة اللّٰه.. فنصُّ هذه الآية يبيّن لنا أن طريق ذلك المقصد الأسنى إنما هو في اتباع "حبيب اللّٰه" والاقتداء بسنته المطهرة. فإذا ما أثبتنا في هذا المقام ثلاث نقاط فستتبين الحقيقة المذكورة بوضوح.
النقطة الأولى: لقد جُبل هذا الإنسانُ على محبة غير متناهية لخالق الكون، وذلك لأن الفطرة البشرية تكنّ حبًّا للجمال، وودًّا للكمال، وافتتانًا بالإحسان، وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال والإحسان حتى تصل إلى أقصى درجات العشق ومنتهاه.
نعم، إنَّ في القلب الصغير لهذا الإنسان الصغير يستقر عشق بكبر الكون. إذ إن نقلَ محتويات ما في مكتبة كبيرة من كتب، وخزنَها في القوة الحافظة للقلب -وهي بحجم حبة عدس- يبين أن قلب الإنسان يمكنه أن يضم الكونَ ويستطيع أن يحمل حُبًا بقدر الكون.
فما دامت الفطرة البشرية تملك استعدادًا غير محدود للمحبة تجاه الإحسان والجمال والكمال.. وأن لخالق الكون جمالًا مقدسًا غير متناه، ثبوتُه متحققٌ بداهة بآثاره الظاهرة في الكائنات.. وأن له كمالًا قدسيًا لا حدود له، ثبوته محقق ضرورة بنقوش صنعته الظاهرة في
— 83 —
هذه الموجودات.. وأن له إحسانًا غير محدود ثابت الوجود يقينًا، يمكن لمسُه ومشاهدته ضمن إنعامه وآلائه الظاهرة في جميع أنواع الأحياء.. فلابد أنه سبحانه يطلب محبةً لا حدَّ لها من الإنسان الذي هو أجمعُ ذوي الشعور صفةً، وأكثرُهم حاجة، وأعظمُهم تفكرًا، وأشدهم شوقًا إليه.
نعم، كما أن كل إنسان يملك استعدادا غير محدود من المحبة تجاه ذلك الخالق ذي الجلال، كذلك الخالق سبحانه هو أهلٌ ليكون محبوبًا، لأجل جماله وكماله وإحسانه أكثرَ من أي أحد كان، حتى إن ما في قلب الإنسان المؤمن من أنواع المحبة ودرجاتها للذين يرتبط بهم بعلاقات معينة، ولاسيما ما في قلبه من حب تجاه حياته وبقائه، وتجاه وجوده ودنياه، وتجاه نفسه والموجودات بأسرها، إنما هي ترشحات من تلك الاستعدادات للمحبة الإلهية. بل حتى أشكال الاحساسات العميقة - عند الإنسان- ما هي إلّا تحولات لذلك الاستعداد، وما هي إلّا رشحاته التي اتخذت أشكالا مختلفة.
ومن المعلوم أن الإنسان مثلما يتلذذ بسعادته الذاتية، فهو يتلذذ أيضًا بسعادة الذين يرتبط بهم بعلاقة ومحبة ومثلما يحب من ينقذُه من البلاء، فهو يحب من يُنجي محبيه من المصائب أيضًا.
وهكذا، فإذا ما فكر الإنسان وروحُه مفعمة بالامتنان للّٰه، في إحسان واحد فقط مما لا يعد ولا يحصى من الإحسانات العظيمة التي قد غمر بها اللّٰه سبحانه وتعالى الإنسانَ وشمله بها، فإنه سيفكر على النحو الآتي:
إن خالقي الذي أنقذني من ظلمات العدم الأبدية، ومنحني منحةَ الخلق والوجود، ووهب لي دنيا جميلة أستمتع بجمالها هنا على هذه الأرض، فإن عنايته أيضًا ستمتد إليّ حين يحين أجلي، فينقذني كذلك من ظلمات العدم الأبدي والفناء السرمدي، وسيهب لي -من فضل إحسانه- عالَمًا أبديًا باهرًا زاهرًا في عالم البقاء في الآخرة.. وسينعم عليّ سبحانه بحواس ومشاعر ظاهرة وباطنة لتستمتع وتتلذذ في تنقلها بين أنواع ملذات ذلك العالم الجميل الطاهر.
كما أنه سبحانه سيجعل جميع الأقارب، وجميع الأحبة من بني جنسي الذين أكنّ لهم حبًّا عميقًا وأرتبط معهم بعلاقة وثيقة، سيجعلهم أهلًا لهذه الآلاء والإحسانات غير المحدودة..
— 84 —
وهذا الإحسان -من جهة- يعود عليّ كذلك، إذ إنني أتلذذ بسعادة أولئك، وأسعد بها.. فما دام في كل فرد حبٌّ عميق وافتتان بالإحسان كما في المثل: "الإنسان عبد الإحسان" فلابد أن الإنسان أمام هذا الإحسان الأبدي غير المحدود سيقول: لو كان لي قلب بسعة الكون لاقتضى أن يُملأ حُبًا وعشقًا تجاه ذلك الإحسان الإلهي، وأنا مشتاق لملئه، ولكن رغم أنني لست على مستوى تلك المحبة فعلا، إلّا أنني أهلٌ لها بالاستعداد والإيمان، وبالنية والقبول، وبالتقدير والاشتياق، وبالالتزام والإرادة.
وهكذا ينبغي قياس ما يظهره الإنسانُ من المحبة تجاه "الجمال" وتجاه "الكمال" بمقياس ما أشرنا إليه مجملًا من المحبة تجاه "الإحسان".
أما الكافر الملحد، فإنه يحمل عداءً لا حدّ له فهو يستخف بالموجودات من حوله، ويستهين بها، ويمتهنها، ويناصبها العداء والكراهية.
النقطة الثانية: إنَّ محبة اللّٰه تستلزم اتباع السنة الطاهرة لمحمد (ص)، لأن حبَّ اللّٰه هو العمل بمرضياته، وأن مرضاته تتجلى بأفضل صورها في ذات محمد (ص). والتشبه بذاته المباركة في الحركات والأفعال يأتي من جهتين:
إحداهما: جهة حب اللّٰه سبحانه وإطاعة أوامره، والحركة ضمن دائرة مرضاته، هذه الجهة تقتضي ذلك الاتباع، حيث إن أكملَ إمام وأمثل قدوة في هذا الأمر هو محمد (ص).
وثانيتهما: جهة ذاته المباركة (ص) التي هي أسمى وسيلة للإحسان الإلهي غير المحدود للبشرية، فهي إذن أهلٌ لمحبة غير محدودة لأجل اللّٰه وفي سبيله.
والإنسان يرغب فطرةً في التشبه بالمحبوب ما أمكن، لذا فالذين يسعَون في سبيل حب "حبيب اللّٰه" عليهم أن يبذلوا جهدهم للتشبه به باتباع سُنته الشريفة.
النقطة الثالثة: كما أن للّٰه سبحانه وتعالى رحمةً غير متناهية، فله سبحانه كذلك محبةٌ غير متناهية. وكما أنه يُحبب نفسَه -بصورة غير محدودة- بمحاسن الكائنات جميعًا وبجمالها وزينتها إلى مخلوقاته، فإنه كذلك يحب مخلوقاته، ولاسيما أصحاب الشعور منهم الذين يقابلون تحببه لهم بالحب والتعظيم. لذا فإن أسمى مقصد الإنسان في مرضاة ربه، وأجلّ سعيه هو أن
— 85 —
يكون موضعَ نظر محبة اللّٰه الذي خلق الجنة بلطائفها ومحاسنها ولذائذها ونعَمها بتجل من تجليات رحمته.
وبما أن أحدًا لا يمكنه أن يكون أهلًا لمحبته سبحانه إلّا باتباع السنة الأحمدية كما نص عليه كلامه العزيز، إذن فاتباع السنة المحمدية هو أعظمُ مقصد إنساني وأهمُّ وظيفة بشرية.
النكتة الحادية عشرة
وهي ثلاث مسائل
المسألة الأولى: إن لسنة الرسول الأعظم (ص) ثلاثة منابع، هي:
أقوالُه، وأفعاله، وأحواله. وهذه الأقسام الثلاثة هي كذلك ثلاثة أقسام:
الفرائض، النوافل، عاداته (ص).
ففي قسم الفرائض والواجب، لامناص من الاتباع، والمؤمن مجبَر على هذا الاتباع بحكم إيمانه. والجميع بلا استثناء مكلّفون بأداء الفرض والواجب، ويترتب على إهماله أو تركه عذاب وعقاب.
وأما في قسم النوافل، فأهلُ الإيمان هم مكلَّفون به أيضًا حسب الأمر الاستحبابي، ولكن ليس في ترك النوافل عذابٌ ولا عقاب. غير أن القيام بها واتباعها فيه أجر عظيم. وتغيير النوافل وتبديلها بدعة وضلالة وخطأ كبير.
وأما عاداته (ص) وحركاته وسكناته السامية فمن الأفضل والمستحسن جدًّا تقليدُها واتباعها حكمةً ومصلحة سواءً في الحياة الشخصية أو النوعية أو الاجتماعية، لأن هناك في كل حركة من حركاته الاعتيادية منافعَ حياتية كثيرة جدًّا فضلًا عن أنها بالمتابعة تصير تلك الآداب والعادات بحكم العبادة.
نعم، مادام -عليه الصلاة والسلام- متصفًا بأسمى مراتب محاسن الأخلاق، باتفاق الأولياء والأعداء. وأنه (ص) هو المصطفى المختار من بين بني البشر، وهو أشهر شخصية فيهم باتفاق الجميع.. وما دام هو أكملَ إنسان، بل أكملَ قدوة ومرشد بدلالة آلاف المعجزات،
— 86 —
وبشهادة العالم الإسلامي الذي كوّنَه، وبكمالاته الشخصية وبتصديق حقائق ما بلّغه من القرآن الحكيم.. وما دام ملايينُ من أهل الكمال قد سمَوا في مراتب الكمالات، وترقّوا فيها بثمرات اتباعه فوصلوا إلى سعادة الدارين... فلابد أن سنة هذا النبي الكريم (ص) وحركاتِه هي أفضلُ نموذج للاقتداء وأكملُ مُرشد للاتباع والسلوك وأحكمُ دستور، وأعظم قانون، يتخذه المسلم أساسًا في تنظيم حياته.
فالسعيد المحظوظ هو من له أوفرُ نصيب من هذا الاتباع للسنة الشريفة.
ومن لم يتبع السنة فهو في خسران مبين إن كان متكاسلًا عنها.. وفي جناية كبرى إن كان غير مكترث بها.. وفي ضلالة عظيمة إن كان منتقدًا لها بما يومئ التكذيب بها. [٭]: انظر: البخاري، الاعتصام ٢، الاحكام ١، الجهاد ١٠٩؛ مسلم، الإمارة ٣٣؛ النسائي، البيعة ٢٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٦١.
المسألة الثانية: لقد وصف اللّٰه سبحانه وتعالى الرسول (ص) في القرآن الحكيم بقوله:
﴿ وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم ﴾
(القلم: ٤).
ووصفه الصحب الكرام كما وصفته الصحابية الجليلة الصديقة عائشة رضي اللّٰه عنها قائلة: (كان خُلُقهُ القرآن). [٭]: مسلم، صلاة المسافرين ١٣٩؛ ابن ماجه، الاحكام ١٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٩١، ١٦٣، ٢١٦. أي "إن محمدًا (ص) هو المثال النموذج لما بينه القرآن الكريم من محاسن الأخلاق، وهو أفضل من تمثلت فيه تلك المحاسنُ، بل إنه خُلق فطرةً على تلك المحاسن". ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون كلٌّ من أفعال هذا النبي العظيم(ص) وأقوالُه وأحواله، وكلٌّ من حركاته نموذج اقتداء للبشرية، فما أتعسَ أولئك المؤمنين من أمته الذين غفلوا عن سنته (ص) ممن لا يبالون بها أو يريدون تغييرها فما أتعسهم وما أشقاهم!
المسألة الثالثة: لما كان الرسول (ص) قد خُلق في أفضل وضع وأعدلِه وفي أكمل صورةٍ وأتمّها، فحركاتُه وسكناته قد سارت على وفق الاعتدال والاستقامة، وسيرتُه الشريفة تبين هذا بيانًا قاطعًا وبوضوح تام، بأنه قد مضى وفق الاعتدال والاستقامة في كل حركة من حركاته متجنبًا الإفراط والتفريط.
— 87 —
نعم لما كان الرسول (ص) قد امتثل امتثالًا كاملًا قوله تعالى:
﴿ فاستقم كما اُمرت ﴾
(هود: ١١٢) فالاستقامةُ تظهر في جميع أفعاله وأقواله وأحواله ظهورًا لا لبسَ فيه.
فمثلًا: إن قواه العقلية قد سارت دائمًا ضمن الحكمة التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، مبرأةً عما يفسدُها ويكبتُها من إفراط وتفريط أي الغباء والخب.
وإن قواه الغضبية قد سارت دائمًا ضمن الشجاعة السامية التي هي محور الاستقامة والحد الوسط، منزهةً عما يفسدها من إفراط وتفريط أي الجبن والتهور.
وإن قوته الشهوية قد اتخذت محورَ الاستقامة دائما وهي العفة واستقامت عليها بأسمى درجات العصمة، فصفت من فساد تلك القوة من إفراط وتفريط أي الخمود والفجور.
وهكذا فإنه (ص) قد اختار حدّ الاستقامة في جميع سننه الشريفة الطاهرة وفي جميع أحواله الفطرية وفي جميع أحكامه الشرعية، وتجنّب كليًا من الظلم والظلمات أي الإفراط والتفريط، والإسراف والتبذير، حتى إنه قد اتخذ الاقتصادَ له دليلًا متجنبًا الإسراف نهائيًا، في كلامه وفي أكله وفي شربه.
وقد أُلّفت في تفصيل هذه الحقائق آلافُ المجلدات، إلّا أننا اكتفينا بهذه القطرة من البحر، إذ "العارف تكفيه الإشارة".
اللّٰهم صَلِّ على جامع مكارم الأخلاق ومظهر سر
﴿ وإنّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظيم ﴾
الذي قال: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد".
وقَالُوا الحمدُ للّٰه الذي هَديیینا لهیذا وما كُنا لنهیتَدي لولا أنْ هديیینا اللّٰه لقد جَاءتْ رُسُل ربنا بالحق
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾