اللمعات العربية
— 74 —

النكتة الثالثة

عندما كان يسعى هذا السعيدُ الفقير إلى اللّٰه، للخروج من حالة "سعيد القديم" ارتجَّ عقلي وقلبي وتدحرجا ضمن الحقائق إزاء إعصار معنوي رهيب، فقد شعرتُ كأنهما يتدحرجان هبوطًا تارة من الثريا إلى الثرى وتارة صعدًا من الثرى إلى الثريا، وذلك لانعدام المرشد، ولغرور النفس الأمارة.
فشاهدتُ حينئذ أن مسائل السنة النبوية الشريفة بل حتى أبسطَ آدابها، كل منها في حكم مؤشر البوصلة الذي يبين اتجاهَ الحركة في السفن. وكلٌّ منها في حكم مفتاح مصباح يضيء ما لا يُحصر من الطرق المظلمة المضرة.
وبينما كنت أرى نفسي في تلك السياحة الروحية أرزحُ تحت ضغط مضايقاتٍ كثيرة وتحت أعباءِ أثقالٍ هائلة، إذا بي أشعر بخفة كلما تتبعتُ مسائلَ السنة الشريفة المتعلقة بتلك الحالات، وكأنها كانت تحمل عني جميعَ الأثقال وترفع عن كاهلي تلك الأعباء. فكنت أنجو باستسلام تام للسنة من هموم التردد والوساوس مثل: "هل في هذا العمل مصلحة؟ تُرى هل هو حق؟". وكنت أرى متى ما كففتُ يدي عن السنة تشتد موجاتُ المضايقات وتكثر، والطرقُ المجهولة تتوعّر وتغمض، والأحمالُ تثقل.. وأنا عاجزٌ في غايةِ العجز ونظري قصير، والطريقُ مظلمةٌ. بينما كنت أشعر متى ما اعتصمتُ بالسنة، وتمسكتُ بها، تتنور الطريقُ من أمامي، وتظهر كأنها طريقٌ آمنة سالمة والأثقالُ تخف والعقبات تزول.
نعم، هكذا أحسست في تلك الفترة فصدّقتُ حُكمَ الإمام الرباني بالمشاهدة.
النكتة الرابعة
غمرتني -في فترة ما- حالةٌ روحية نبعت من التأمل في "رابطة الموت" ومن الإيمان بقضية "الموت حق"، ومن طول التفكر بزوال العالم وفنائه. فرأيت نفسي في عالَم عجيب، إذ نظرتُ فإذا أنا جنازةٌ واقفة على رأس ثلاثِ جنائزَ مهمة وعظيمة:
الأولى: الجنازةُ المعنوية لمجموع الأحياء التي لها ارتباطٌ بحياتي الشخصية، والتي ماتتْ ومضت ودفنت في قبر الماضي.. وما أنا إلّا كشاهدِ قبرِها موضوعٌ على جثتها.
— 75 —
الثانية: جنازةٌ عظيمة تطوي مجموع أنواع الأحياء المتعلقة بحياة البشرية قاطبة، والتي ماتت ودُفنت في قبر الماضي الذي يسع الكرة الأرضية.. وما أنا إلّا نقطة تمحى عاجلًا ونملة صغيرة تموت سريعًا على وجه هذا العصر الذي هو شاهد قبر تلك الجنازة.
الثالثة: الجنازةُ الضخمة التي تطوي هذا الكون عند قيام الساعة، وحيث إن موته عندئذ أمر محقَّق لا مناص منه، فقد أصبح في نظري في حكم الواقع الآن، فأخذت الحيرةُ جوانب نفسي، وبُهتُّ من هول سَكرات تلك الجنازة المهولة، وبدت وفاتي - التي هي الأخرى آتيةٌ لا محال- كأنها تحدث الآن، فأدارت جميعُ الموجودات وجميعُ المحبوبات ظهرها لي ومضت، وتركتني وحيدًا فريدًا، مثلما جاءت في الآية الكريمة: فإن تَولّوا ...
. وأحسست كأن روحي تُساق إلى المستقبل الممتد نحو الأبد الذي اتخذ صورةَ بحر عظيم لا ساحل له.. وكان لابد من إلقاء النفس في خضمّ ذلك البحر العظيم طوعًا أو كرهًا.
وبينما أنا في هذا الذهول الروحي، والحزن الشديد يعصِر قلبي، إذا بمَدد يأتيني من القرآن الكريم والإيمان. فمدّتني الآية الكريمة:
﴿ فإن تَولّوا فَقُلْ حَسْبي اللّٰه لا اله الّا هو عَليهِ تَوكّلْتُ وهوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ ﴾
حتى غدت هذه الآيةُ بمثابة سفينة أمان في مُنتهى السلام والاطمئنان. فدخلت الروحُ آمنةً مطمئنة في حمى هذه الآية الكريمة.. وفهمتُ في حينها أن هناك معنًى غير المعنى الصريح لهذه الآية الكريمة، وهو المعنى الإشاري. فلقد وجدتُ فيه سلوانًا لروحي، حيث وهب لي الاطمئنان والسكينة.
نعم، إن المعنى الصريح للآية الكريمة يقول للرسول الكريم (ص): "إذا تولى أهل الضلالة عن سماع القرآن، وأعرضوا عن شريعتك وسنتك، فلا تحزن ولا تغتم، وقل حسبي اللّٰه، فهو وحدَه كافٍ لي، وأنا أتوكل عليه؛ إذ هو الكفيل بأن يقيّضَ مَن يتبعني بدلًا منكم، فعرشُه العظيم يحيط بكل شيء، فلا العاصون يمكنهم أن يهربوا منه، ولا المستعينون به يظلون بغير مَددٍ وعونٍ منه".
فكما أن المعنى الصريح لهذه الآية الكريمة يقول بهذا، فالمعنى الإشاري للآية الكريمة يقول: "أيها الإنسان، ويا من يتولى قيادةَ الإنسان وإرشادَه؛ لئن ودّعتك الموجوداتُ كلُّها وانعدمت ومضتْ في طريق الفناء.. وإن فارقَتك الأحياءُ وجرت إلى طريق الموت.. وإن
— 76 —
تركك الناسُ وسكنوا المقابر.. وإن أعرض أهلُ الغفلة والضلالة ولم يصغوا إليك وتردَّوا في الظلمات.. فلا تُبال بهم، ولا تَغتم، وقل: حسبي اللّٰه، فهو الكافي، فإذ هو موجودٌ فكل شيء موجود.. وعلى هذا، فإن أولئك الراحلين لم يذهبوا إلى العدم، وإنما ينطلقون إلى مملكة أخرى لرب العرش العظيم، وسيرسل بدلًا منهم ما لا يعد ولا يحصى من جنوده المجندين.. وإن أولئك الذين سكنوا المقابر لم يفنَوا أبدًا، وإنما ينتقلون إلى عالم آخر، وسيبعثُ بدلًا منهم موظفين آخرين يعمرون الدنيا، ويشغلون ما خلا من وظائفها.. وهو القادر على أن يُرسل من يُطيعه ويسلك الطريق المستقيم بدلًا ممن وقعوا في الضلالة من الذاهبين..
فما دام الأمر هكذا، فهو الكفيلُ، وهو الوكيل، وهو البديل عن كل شيء، ولن تعوّض جميعُ الأشياء عنه، ولن تكون بديلًا عن توجّه واحد من توجهات لطفه ورحمته لعباده..
وهكذا بهذا المعنى الإشاري انقلبت صور الجنازات الثلاث التى أدهشتني إلى شكل آخر من أشكال الأُنس والجمال وهو: أنَّ الكائنات تتهادى جيئةً وذهابًا في مسيرة كبرى، إنهاءً لخدمات مستمرة، وإشغالًا لواجبات مجدَّدة دائمة، عبر رحلة ذات حكمة، وجولة ذات عبرة، وسياحة ذات مهام، في ظِل إدارة الحكيم الرحيم العادل القدير ذي الجلال، وضمن ربوبيته الجليلة وحكمته البالغة ورحمته الواسعة.
النكتة الخامسة
قال تعالى:
﴿ قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون اللّٰه فاتّبعوني يُحْببكُم اللّٰه ﴾
(آل عمران: ٣١) تعلن هذه الآية العظيمة إعلانًا قاطعًا عن مدى أهمية اتباع السنة النبوية ومدى ضرورتها.
نعم، إن هذه الآية الكريمة أقوى قياسٍ وأثبتُه من قسم القياس الاستثنائي، ضمن القياسات المنطقية، إذ يرد فيه على وجه المثال: "إذا طلعت الشمسُ فسيكون النهار". ويرد مثالًا للنتيجة الإيجابية: "طلعت الشمس فالنهار إذن موجود". ويرد مثالًا للنتيجة السلبية: "لا نهار فالشمس إذن لم تطلع". فهاتان النتيجتان -الإيجابية والسلبية- ثابتتان وقاطعتان في المنطق.
وكذلك الأمر في الآية الكريمة، فتقول: إنْ كان لديكم محبةُ اللّٰه، فلابد من الاتباع لی"حبيب اللّٰه". وإن لم يكن هناك اتباع، فليس لديكم إذن محبةُ اللّٰه. إذ لو كانت هناك محبةٌ حقًا فإنها تولد حتمًا اتباع السنة الشريفة لی"حبيب اللّٰه".
— 77 —
أجل، من يؤمنْ باللّٰه يُطِعْهُ. ولا ريب أن أقصرَ طريق إليه وأكثرَها قبولًا لديه، وأقومها استقامةً -ضمن طرق الطاعة المؤدية إليه- لهي الطريق التي سلكها وبينها حبيبُ اللّٰه (ص).
نعم، إن الكريم ذا الجمال الذي ملأ هذا الكون بنعَمه وآلائه إلى هذا المدى، بديهي -بل ضروري- أن يطلب الشكر من ذوي المشاعر تجاه تلك النِعم.
وإن الحكيم ذا الجلال الذي زيّن هذا الكونَ بمعجزات صنعته إلى هذا الحد، سيجعل بالبداهة من هو المختارُ الممتاز من أرباب الشعور مخاطَبا له، وترجمانا لأوامره، ومبلّغًا لعباده، وإمامًا لهم.
وإن الجميل ذا الكمال الذي جعل هذا الكون مُظهرًا بما لا يعد ولا يحصى لتجليات جماله وكماله سَيهبُ بالبداهة لمن هو أجمعُ نموذج لبدائع صنعته، وأكملُ مَن يُظهر ما يحبُّه ويريد إظهاره من جمالٍ وكمال وأسماء حسنى.. سَيهبُ له أكملَ حالة للعبودية جاعلًا منه أسوة حسنة للآخرين ويحثهم لاتباعه، ليُظهرَ عندهم ما يماثل تلك الحالة اللطيفة الجميلة.
الخلاصة: أن محبة اللّٰه تستلزم اتباعَ السنة المطهرة وتنتجُه. فطوبى لمن كان حظُّه وافرًا من ذلك الاتباع. وويل لمن لا يقدر السنة الشريفة حق قدرها فيخوض في البدع.
النكتة السادسة
قال الرسول (ص): (كُل بِدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، [٭]: مسلم، الجمعة ٤٣؛ أبو داوود، السنة ٥؛ النسائي، العيدين ٢٢؛ ابن ماجه، المقدمة ٦، ٧؛ الدارمي، المقدمة ١٦، ٢٣؛ المسند ٣/٣١٠، ٣٧١، ٤/١٢٦، ١٢٧. أي بعد أن كملتْ قواعدُ الشريعة الغراء ودساتيرُ السنة المطهرة، وأخذت تمامَ كمالها، بدلالة الآية الكريمة
﴿ اليومَ أكملتُ لكُم دينَكُم ﴾
(المائدة: ٣) فإن عدم استحسان تلك الدساتير بِمُحدَثات الأمور، أو إيجاد البدع التي تشعر كأن تلك القواعد ناقصة -حاش للّٰه- ضلالٌ ليس له مستقر إلّا النار.
إن للسنة المطهرة مراتب: قسمٌ منها "واجب" لا يمكن تركُه، وهو مبينٌ في الشريعة الغراء مفصلًا، وهو من المُحكمات أي لا يمكن بأية جهة كانت أن تتبدل.
— 78 —
وقسم منها هو من قبيل "النوافل"، وهذا بدوره قسمان:
قسم منه هو السنن التي تخص العبادات، وهي مبيّنةٌ أيضًا في كتب الشريعة. وتغييرُ هذه السنن بدعةٌ.
أما القسم الآخر فهو الذي يُطلق عليه "الآداب" وهي المذكورة في كتب السير الشريفة، ومخالفتُها لا تسمى بدعةً، إلّا أنها من نوع مخالفة الآداب النبوية، وعدم الاستفاضة من نورها، وعدم التأدب بالأدب الحقيقي. فهذا القسم هو اتباعُ أفعالِ الرسول (ص) المعلومة بالتواتر في العُرف والعادات والمعاملات الفطرية، ككثيرٍ من السنن التي تبين قواعدَ أدب المخاطبة وتظهر حالات الأكل والشرب والنوم أو التي تتعلق بالمعاشرة. فمَنْ يتحرَّ أمثالَ هذه السنن التي تطلق عليها "الآداب" ويتبعها فإنه يحول عاداته إلى عبادات، ويستفيض من نور ذلك الأدب النبوي، لأن مراعاةَ أبسطِ الآداب وأصغرِها تذكّر بالرسول الأعظم (ص) مما يسكب النورَ في القلب.
إنَّ أهم ما في السنة المطهرة هي تلك السنن التي هي من نوع علاماتِ الإسلام والمتعلقة بالشعائر، إذ الشعائر هي عبادةٌ من نوع الحقوق العامة التي تخصُّ المجتمع؛ فكما أن قيام فرد بها يؤدي إلى استفادة المجتمع كله، فإن تركها يجعل الجماعةَ كلها مسؤولة. فمثل هذه الشعائر يُعلن عنها وهي أرفعُ من أن تنالها أيدي الرياء وأهم من الفرائضِ الشخصية ولو كانت من نوع النوافل.
النكتة السابعة
إنَّ السنة النبوية المطهرة في حقيقة أمرها لهي أدبٌ عظيم، فليس فيها مسألة إلّا وتنطوي على أدب ونور عظيم. وصدق رسول اللّٰه (ص) حين قال: (أدّبني ربي فأحسن تأديبي). [٭]: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٢٨؛ السلمي، أداب الصحبة ص ١٢٤؛ ابن الجوزي، صفة الصفوة ١/٢٠١؛ المناوي، الفيض القدير ١/٢٢٥؛ العجلوني، كشف الخفاء ١/٢٧. نعم، فمن يمعن النظر في السيرة النبوية ويحيط علمًا بالسنة المطهرة، يدرك يقينًا أنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد جمع أصولَ الآداب وقواعدها في حبيبه(ص). فالذي يهجر سُنته المطهرة ويجافيها فقد هجر منابعَ الأدب وأصوله، فيحرم نفسه من خير عظيم، ويظل محرومًا من لطف الرب الكريم، ويقع في سوء أدب وبيل. ويكون مصداق القاعدة:
— 79 —
بِى اَدَبْ مَحْرُومْ بَاشَدْ اَزْ لُطْفِ رَبْ.
[٭]: أز خدا جوييم توفيق أدب بي أدب محروم ماند أز لطف رب- مثنوي رومي ج١ ص٣ طبعة بومبي.
سؤال: كيف نتأدب مع علّام الغيوب، البصير العليم، الذي لا يخفى عليه شيء، حيث إن هناك حالاتٍ تدعو الإنسان إلى الخجل، ولا يمكن إخفاؤها عنه سبحانه، ولا التستر منه، بينما سترُ مثل هذه الحالات المستكرهة أحدُ أنواع الأدب؟.
الجواب: أولا: كما أن الصانع ذا الجلال يظهر صنعته إظهارًا جميلًا في نظر مخلوقاته، ويأخذ الأمور المستكرَهة تحت أستار وحُجب، ويزيّن نِعَمه ويجمّلها حتى تشتاقها الأبصار. كذلك يطلب سبحانه من مخلوقاته وعباده أن يَظهروا أمام ذوي الشعور بأجمل صورهم وأكثرها حُسنًا؛ إذ إن ظهورَهم للمخلوقات في حالات مزرية قبيحة، وأوضاع مستهجنة، يكون منافيًا للأدب الجميل، ونوعًا من العصيان تجاه قدسية أسمائه أمثال: "الجميل، المزيّن، اللطيف، الحكيم". وهكذا فالأدب الذي في السنة النبوية الطاهرة إنما هو تأدب بالأدب المحض الذي هو ضمن الأسماء الحسنى للصانع الجليل.
ثانيًا: إنَّ الطبيب له أن ينظر إلى أشد الأماكن حُرمةً لمن يُحرم عليه، من زاوية نظر الطب والعلاج. بل يكشف له -في حالات الضرورة- تلك الأماكن ولا يُعد ذلك خلافًا للأدب، وإنما يعتبر ذلك من مُقتضيات أدب الطب. إلّا أن ذلك الطبيب نفسه لا يجوز له أن ينظر إلى تلك الأماكن المحرمة من حيث كونه رجلًا أو واعظًا أو عالمًا، فلا يسمح الأدبُ قطعًا بإظهارها له بتلك العناوين والصفات. بل يُعدّ ذلك انعدامًا للحياء.
وللّٰه المثل الاعلى فإن للصانع الجليل أسماء حسنى كثيرة، ولكل اسم تجليه، فمثلا:
كما يقتضي اسمُ "الغفار" وجودَ الذنوب، واسمُ "الستار" وجود التقصيرات، فإن اسم "الجميل" لا يرضى برؤية القبح. وأن الأسماء الجمالية والكمالية، أمثال: "اللطيف، الكريم، الحكيم، الرحيم"، تقتضى أن تكون الموجوداتُ في أحسن الصور، وفي أفضل الأوضاع الممكنة. فتلك الأسماء الجمالية والكمالية تقتضى إظهار جمالها؛ بالأوضاع الجميلة للموجودات وتأدّبها بالآداب الحسنة، أمام أنظار الملائكة والعالم الروحاني والجن والإنس.
وهكذا فالآداب التي تتضمنها السنةُ المطهرة إشارةٌ إلى هذه الآداب السامية، ولفتةٌ إلى دساتيرها ونماذجها.