اللمعات العربية
— 56 —

ذيل السؤال الوارد حول ابن عربي

سؤال: إن "ابن عربي" يعدّ مسألة "وحدة الوجود" أرفع مرتبة إيمانية، حتى إن قسمًا من أولياء عظام من أهل العشق اتبعوه في مسلكه. بيد أنك تقول: إن هذا المسلك ليس هو من أرفع المراتب الإيمانية، ولا هو بمسلكٍ حقيقي، وإنما هو مشربُ أهل السُكر والاستغراق وأصحابِ الشوق والعشق.
فإن كان الأمر هكذا كما تقول، فبيّن لنا باختصار: ما أعلى مرتبةٍ من مراتب التوحيد التي بينتها وراثةُ النبوة وصراحةُ القرآن الكريم؟.
الجواب: إنَّ عاجزًا مسكينًا مثلي، لا قيمةَ له ولا أهمية، أنّى له أن يقتحمَ غمار هذه المراتب السامية الرفيعة ويجري فيها محاكماتٍ عقلية بعقله القاصر، إنما هو أمر فوق الحد بمائة مرة.. ولكني سأذكر ذكرًا مختصرًا جدًّا نكتتين فقط وردتا من فيض القرآن الكريم إلى القلب، فلعل فيهما فائدة ونفعًا.
النكتة الأولى: إنَّ هناك أسبابًا عدة للانجذاب نحو مشرب "وحدة الوجود". سأبين باختصار شديد سببين منها:
السبب الأول: إنهم لم يستطيعوا أن يستوعبوا في أذهانهم خلّاقية الربوبية في أعظم مراتبها، وكذا لم يستطيعوا أن يمكّنوا في قلوبهم تمكينًا تامًا أنه سبحانه بأحديته مالكٌ بالذات لزمام كل شيء في قبضة ربوبيته، وأن كلَّ شيء يُخلق بقدرته واختياره وإرادته سبحانه. فلأنهم لم يستطيعوا إدراك ذلك فقد رأوا أنفسهم مضطرين أمام القول: كلُّ شيء هو "تعالى"، أو: لاشيء موجودٌ، أو: أن الموجود خيال، أو: من التظاهر أو من الجلوات.
السبب الثاني: إنَّ صفة العشق لا تريد الفراق أصلًا، وتفرّ منه بشدة، وترتعد فرائصُ العاشق من الافتراق، ويرهب من التنائي رهبتَه من جهنم، وينفر من الزوال نفرةً شديدة، ويحب الوصال حبَّه لروحه ونفسه، ويرغب بشوق لا حدّ له -كشوقه للجنة- للقرب الإلهي، لذا يرى أن التشبث بتجلي الأقربية الإلهية في كل شيء، يجعل الفراقَ والتنائي كأنهما معدومان، فيظن اللقاءَ والوصال دائمين بقوله: "لا موجود إلّا هو".
— 57 —
ولأنهم يتصورون بسُكر العشق وبمقتضى شوق البقاء واللقاء والوصال، أن في وحدة الوجود مشربًا حاليًا في منتهى الذوق، لذا يجدون ملجأهم في مسألة "وحدة الوجود" لأجل التخلص من فراقاتٍ رهيبة.
أي إن منشأ السبب الأول هو عدم بلوغ العقل قسمًا من حقائق الإيمان الواسعة للغاية والسامية جدًّا، وعدم استطاعته الإحاطة بها، مع عدم انكشاف العقل انكشافا تامًا من حيث الإيمان.
أما منشأ السبب الثاني فهو انكشاف القلب انكشافًا فوق المعتاد، بتأثير العشق وانبساطه انبساطًا خارقًا للعادة.
أما مرتبة التوحيد العظمى التي يراها بصراحة القرآن الأولياءُ العظام أعنى الأصفياء الذين هم أهلُ الصحو وأهل وراثة النبوة، فإنها مرتبةٌ رفيعة عالية جدًّا، إذ تفيد المرتبة العظمى للربوبية والخلاقية الإلهية، وتبين أن جميع الأسماء الحسنى هي أسماء حقيقية، وهي تحافظ على الأسس من دون إخلالٍ بموازنة أحكام الربوبية، لأن أهلها يقولون:
إنَّ اللّٰه سبحانه بأحديته الذاتية وتنزّهه عن المكان قد أحاط -من دون وساطة- بكل شيء علمًا وشخّصه بعلمه ورجَّحه وخصَّصه بإرادته وأوجَده وأبقاه بقدرته. فإنه سبحانه يوجِد جميع الكون ويخلقه ويدبر أموره كإيجاده لشيءٍ واحد وإدارته إياه، فكما أنه يخلق الزهرة بسهولة فإنه يخلق الربيع العظيم بالسهولة نفسها. فلا يمنع شيء شيئًا قط، فلا تجزؤ في توجهه سبحانه. فهو موجودٌ بتصرفه وبقدرته وبعلمه في كل مكان، في كل آن. فلا انقسام ولا توزّع في تصرفه سبحانه.
ولقد وضحنا هذا الأمر وأثبتناه في "الكلمة السادسة عشرة"، وفي "المقصد الثاني من الموقف الثاني من الكلمة الثانية والثلاثين".
سأورد هنا مثالًا ينطوي على نقص كثير (ولا مشاحة في الأمثال) وذلك لفهم شيءٍ من الفرق بين المشربين:
لنفرض أنَّ هناك طاووسًا خارقًا لا مثيلَ له، وهو في غاية الكبر، ومنتهى الزينة وأنه يتمكن من الطيران من الشرق إلى الغرب في لمحة بصر، وله القدرةُ على بسط جناحيه الممتدين من الشمال
— 58 —
إلى الجنوب، وقبضهما في آن واحد، وعليه مئات ألوف النقوش البديعة حتى إن على كل ريش من جناحيه إبداعًا وإتقانًا في منتهى الجمال والروعة.
ولنفرض الآن أن هناك شخصين يتفرجان على هذا الطاووس العجيب، ويريدان التحليق بجناحي العقل والقلب إلى المراتب العالية الرفيعة لهذا الطير وبلوغ زينته الخارقة.
فطفق الأول يتأمل في وضع هذا الطاووس وهيكلِه ونقوشِ خوارق القدرة في كل ريشة منه، فيغمره العشقُ والشوق والمحبة تجاه هذا الطير فيترك شيئًا من التفكير العميق إلى جانب مستمسكًا بالعشق، ولكنه يرى أن تلك النقوش المحبوبة تتحول وتتبدل يومًا بعد يوم، وأن تلك المحبوبات التي يوليها الحب والشغف تغيب وتزول كل يوم. فكان ينبغي له أن يقول: إن هذه النقوش المتقنة إنما هي لنقّاشٍ مالك للخلاقية الكلية مع أحديته الذاتية، وله الربوبية المطلقة مع وحدانيته الحقيقية. إلّا أنه لم يتمكن من أن يستوعب هذا ويدركه، فبدأ يُسلّي نفسه ويقول بدلًا من ذلك الاعتقاد:
"إنَّ روح هذا الطاووس روحٌ سامية عالية بحيث إن صانعَه فيه، أو قد أصبح هو نفسَه، وأن تلك الروحَ العالية متحدةٌ مع جسد الطاووس، ولأن جسده ممتزج مع صورته الظاهرة، فإن كمالَ تلك الروح وعلوَّ ذلك الجسد هما اللذان يُظهران هذه الجلوات على هذه الصورة البديعة، حتى يظهر في كل دقيقة نقشًا جديدًا وحسنًا مجددًا، فليس هذا إيجادًا باختيار حقيقي، بل هو جلوة وتظاهر".
أما الشخص الآخر فيقول: "إنَّ هذه النقوشَ الموزونة المنظمة المتقنة تقتضي يقينًا إرادةً واختيارًا وقصدًا ومشيئة، فلا يمكن أن تكون جلوةٌ بلا إرادة ولا تظاهرٌ بلا اختيار".
نعم، إن ماهية الطاووس جميلة ورائعة، ولكن ماهيتَه ليست فاعلةً قطعًا وإنما هي منفعلة، ولا يمكن أن تتحد مع فاعلها مطلقًا. وإن روحَه عاليةٌ سامية ولكن ليست موجِدةً ولا متصرفة، وإنما هي مظهرٌ ومدار ليس إلّا. لأنه يشاهَد في كل ريش منه إتقانٌ قد تم بحكمة مطلقة بالبداهة، ونقش زينة نقشها بالقدرة المطلقة.
وهذا لا يمكن أن يكون دون إرادة واختيار قطعًا.
فهذه المصنوعات البديعة التي تبين كمال الحكمة في كمال القدرة، وكمال الربوبية والرحمة في كمال الاختيار، لا يمكن أن تكون هذه المصنوعات نتيجة جلوة أو ما شابهها.
— 59 —
إنَّ الكاتب الذي كتب سطور هذا السجل المذهّب لا يمكن أن يكون في السجل نفسه، ولا يمكن أن يتحد معه. وليس لذلك السجل إلّا تماسٌّ بطرف قلم ذلك الكاتب. لذا فإن زينةَ جمال ذلك الطاووس المثالي الذي هو يمثل الكائنات، ليس إلّا رسالةً من قلم خالق ذلك الطاووس.
فالآن تأمل في طاووس الكائنات واقرأ تلك الرسالة، وقل لكاتبها: ما شاء اللّٰه.. تبارك اللّٰه.. سبحان اللّٰه...
فالذي يظن الرسالة كاتبَها أو يتخيل الكاتبَ في الرسالة نفسها، أو يتوهم الرسالةَ خيالًا لاشك أنه قد ستر عقلَه بستار العشق ولم يبصر الصورة الحقيقية للحقيقة.
إنَّ أهم جهة من أنواع العشق التي تسبب الانسلاك إلى مشرب وحدة الوجود هي عشق الدنيا، إذ حينما يتحول عشقُ الدنيا الذي هو عشق مجازي إلى عشق حقيقي ينقلب إلى "وحدة الوجود".
إن شخصًا إذا أحب إنسانًا محبة مجازية، ما إن يشاهد فناءه لا يستطيع أن يمكّن هذا الزوال في قلبه، تراه يمنح معشوقَه عشقًا حقيقيًا، فيتشبث بحقيقة عشقه ليُسلّي بها نفسَه، وذلك بإضفاء البقاء على محبوبه بعشق حقيقي فيقول: إنه مرآة جمال المعبود والمحبوب الحقيقي.
كذلك الأمر فيمن أحبّ الدنيا العظيمة وجعل الكونَ برمته معشوقه، فحينما تتحول هذه المحبة المجازية إلى محبة حقيقية بسياط الزوال والفراق التي تنزل بالمحبوب، يلتجئ ذلك العاشق إلى "وحدة الوجود" إنقاذًا لمحبوبه العظيم من الزوال والفراق.
فإن كان ذا إيمان رفيع راسخ يكون له هذا المشرب مرتبة ذات قيمة نورانية مقبولة كما هي لدى "ابن عربي" وأمثاله، وإلَّا فلربما يسقط في ورطات وينغمس في الماديات ويغرق في الأسباب.
أما "وحدة الشهود" فلا ضرر فيها، وهي مشرب عال لأهل الصحو أيضًا.
اللّٰهم أرِنا الحقَّ حقًا وارزُقنا اتّباعَه.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾