اللمعات العربية
— 47 —

اللمعة التاسعة

لا يسع كل واحد أن يرى نقائص "وحدة الوجود" الدقيقة ولا هو بحاجة إليها، لذا لا حاجة له لقراءة هذه اللمعة.
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخي العزيز الوفي المخلص الخالص!
إنَّ سبب عدم إرسالي رسالةً مستقلة إلى أخينا "عبد المجيد" هو أن رسائلي التي أبعثها إليكم تفي بالغرض، فإن "عبد المجيد" أخ قديرٌ وطالب مجدٌّ بعد "خلوصي"، وأنا أذكره باسمه في دعائي كلَّ صباح ومساء مع "خلوصي" وأحيانا قبله. هذا وإن "صبري" ثم "حقي أفندي" يستفيدان من رسائلي المُوجهة إليكم، فلا أرى داعيًا لأبعثَ إليهما رسائلَ مستقلة. فلقد أنعم اللّٰه عليك وجعلك أخًا كبيرًا مباركًا لهما، فراسل عبد المجيد بدلًا مني، وطَمئِنه لئلا يقلق، فأنا أفكر فيه بعد خلوصي. .
سؤالكم الأول وهو سؤال خاص يعود إلى إمضاء أحد أجدادكم باسم "السيد محمد" (أي من آل البيت).
— 48 —
أخي!
إنني لا أملك الإجابة عن هذا السؤال جوابًا مبنيًا على العلم والتحقيق والكشف، ولكن كنت أقول لأصحابي: إن خلوصي لا يشبه الأتراك الحاليين، ولا الأكراد، فإني أرى فيه خاصيةً أخرى، وكانوا يصدّقونني. فكنا نقول: إن ظهور عراقة وأصالة في خلوصي دليل على نيله عطاء الحق، بمضمون القاعدة:
"دَادِ حَقْ رَا قَابِلِيَّتْ شَرْط نِييسْت"
[٭]: أي إن الفضل الإلهي لا يشترط القابلية في ذات الشخص.
واعلم قطعًا أن للرسول الأكرم (ص) نوعين من الآل:
الأول: آله النَسَبي.
والآخر: آله من حيث شخصه المعنوي النوراني، أي من حيث الرسالة.
فأنت داخل قطعًا في هذا الآل الثاني، فضلًا عن دخولك في الآل الأول حسب قناعتي بلا دليل. فإن إمضاء جدّك باسم "السيد" ليس عبثًا ولا جزافًا.
خلاصة سؤالكم الثاني: أخي العزيز!
إن "محي الدين بن عربي" قد قال: "إن مخلوقية الروح عبارةٌ عن انكشافها". إنك يا أخي بسؤالك هذا تضطرني إلى أن أناقشَ وأنا الضعيف العاجز خارقةَ الحقيقة وداهيةَ علم الأسرار "محي الدين بن عربي". ولكن لما كنتُ سأخوض في البحث معتمدًا على نصوص القرآن الكريم فسوف أستطيع أن أحلّقَ أعلى من ذلك الصقر وأسمى منه وإن كنتُ ذبابة!
أخي: اعلم أن "محي الدين بن عربي" لا يَخدع ولكن ينخدع، فهو مُهتدٍ، ولكنه لا يكون هاديًا لغيره في كل ما كَتبه. فما رآه صدقٌ وصوابٌ ولكن ليس هو الحقيقة.
ولقد وضّحت "الكلمة التاسعة والعشرون" في مبحث الروح، الحقيقةَ التي يدور عليها سؤالُكم.
— 49 —
نعم، إنَّ الروح من حيث الماهية قانونٌ أمري. ولكن أُلبسَت وجودًا خارجيًا، فهي ناموسٌ ذو حياة، وقانونٌ ذو وجود خارجي.
فالشيخ محي الدين قد نظر إلى الروح من حيث ماهيتُها فحسب، ويرى الأشياءَ خيالًا حسب مشرب "وحدة الوجود".
ولما كان الشيخ قد انتهج مسلكًا مستقلًا وكان صاحبَ مشرب مهم وله كشفيات ومشاهدات خارقة فإنه يلجأ باضطرار إلى تأويلاتٍ ضعيفة وتكلّف وتمحّل ليطبّق بعضَ الآيات الكريمة حسب مَشربه ومشهوداته، مما يخدشُ صراحة الآية الكريمة ويجرحُها.
ولقد بيّنا في رسائل أخرى المنهجَ القرآني ومنهجَ أهل السنة السنية القويم.
فالشيخ ابن عربي له مقام خاص لذاته، وهو من المقبولين، إلّا أنه بكشفياته التي لا ضوابطَ لها خرقَ الحدود وتجاوزها وخالَف جمهور المحققين العلماء في كثير من المسائل.
ولأجل هذا تكاد تقتصر طريقتُه الخاصةُ به لفترة قصيرة جدًّا في "صدر الدين القونوي" ويندر أن يُستفاد من آثاره استفادةً ذاتَ استقامة، مع كونه شيخًا عظيمًا عاليَ القدر وقطبًا خارقًا فريدَ زمانه. بل لا يحث كثيرٌ من العلماء المحققين والأصفياءُ على قراءة آثاره القيّمة، بل قسمٌ منهم يمنعون قراءتها.
إنَّ بيان الفرق الأساس بين مشرب الشيخ محي الدين بن عربي وأهلِ التحقيق من العلماء، وبيان منابعهما ومصادرهما يحتاج إلى دراسةٍ عميقة وبحثٍ دقيق ونظرٍ واسع رفيع.
نعم، إن الفرقَ دقيقٌ جدًّا وعميق جدًّا إلى درجة كبيرة، والمصدر رفيع وسام إلى حدٍّ كبير، بحيث لم يؤاخَذ الشيخ ابن عربي على خطئه، وإنما ظل مقبولًا لدى العلماء. إذ لو كان الفرق والمصدر مشهودَين واضحين علمًا وفكرًا وكشفًا لكان سقوطًا مريعًا للشيخ وخطأً جسيمًا له.
ولكن لما كان الفرقُ عميقًا جدًّا، فإننا نحاول أن نبين خطأَ الشيخ في تلك المسألة فحسب ونوضح ذلك الفرق وتلك المنابع في مثال باختصار شديد:
— 50 —
فمثلا: الشمس تشاهَد في مرآة. فهذه المرآةُ هي ظرفُ الشمس، وموصوفُها. بمعنى أن الشمس توجد فيها من جهة، ومن جهة أخرى تزيّن المرآةَ حتى تكون صفتَها اللامعة وصبغتَها الساطعة. فإن كانت تلك المرآة، مرآةَ آلةِ تصوير فإنها ستنقل صورةَ الشمس على ورقة حساسة بصورة ثابتة. ففي هذه الحالة فالشمسُ المشهودة في المرآة وماهيتُها المرتسمة على الورقة وصفاتُها، وتزيينُها المرآة -حتى غدت كأنها صفتها- هي غيرُ الشمس الحقيقية. فهي ليست شمسًا، بل هي دخولُ تجلي الشمس في وجود آخر. أما وجودُ الشمس المشهودة في المرآة فهو وإن لم يكن عينَ وجودِ الشمس الموجودة في الخارج إلّا أنه قد ظُن أنه عينُ وجودِها لارتباطه بها وإشارته إليها.
فبناءً على هذا المثال فإن القول بأنه: "ليس في المرآة غيرُ الشمس الحقيقية" يمكن أن يكون صوابًا باعتبار كون المرآة ظرفًا وأن المقصود من الشمس التي فيها وجودُها الخارجي. ولكن إذا قيل: إنَّ صورة الشمس المنبسطة على المرآة -التي أخذت حكمَ صفة المرآة- والصورةَ التي انتقلت إلى الورقة الحساسة هي الشمسُ، فهذا خطأ، أي إن عبارة "ليس في المرآة غير الشمس" تكون عبارة خطأ، ذلك لأن هناك صورةَ الشمس التي تظهر على المرآة وهناك الصورة المرتسمة خلفَها على الورق الحساس، فكل منها لها وجودٌ خاص بها. فمع أن ذينك الوجودَين هما من تجلي الشمس إلّا أنهما ليسا الشمسَ نفسها.
وكذا فإن ذهنَ الإنسان وخيالَه شبيهان بمثال المرآة هذا. وذلك:
إِنَّ المعلومات الموجودة في مرآة فكرِ الإنسان لها وجهان أيضا: فهي بوجهٍ علمٌ، وبوجهٍ آخر معلومٌ. فإذا اعتبرنا الذهنَ ظرفًا لذلك المعلوم، أصبح ذلك الموجودُ المعلومُ معلومًا ذهنيًا. فوجودُه شيء آخر. وإن اعتبرنا الذهنَ موصوفًا بذلك الشيء الذي حلَّ فيه أصبح صفةً للذهن، وذلك الشيء يكون عندئذٍ علمًا، وله وجودٌ خارجي. وحتى لو كان لذلك المعلوم وجودٌ وجوهرٌ فسيكون وجودًا خارجيًا عرضيًا.
فبناءً على هذين التمثيلين.
الكونُ مرآة، وماهيةُ كل موجود مرآة أيضًا. هذه المرايا معرّضة إلى الإيجاد الإلهي بالقدرة الأزلية.
— 51 —
فكل موجود -من جهة- يُصبح مرآةً لاسم من أسماء اللّٰه يبين نقشًا من نقوشه.
فالذين هم على مشرب الشيخ ابن عربي قد كشفوا العالَم من حيث المرآتية والظرفية والموجود المثالي في المرآة -من زاوية النفي- ومن حيث منعكس صورة ذلك الشيء في المرآة هو عينه. وقالوا: "لا موجود إلّا هو"، دون أن يفكروا بالمراتب الأخرى، فأخطأوا حتى بلغ بهم الأمر أن ينكروا القاعدة الأساسية المعروفة: "حقائق الأشياء ثابتة".
أما أهل الحقيقة فإنهم يرون بسر الوراثة النبوية وبصراحة القرآن الكريم وآياته البينات:
أنَّ النقوش التي توجد في مرايا الموجودات بقدرة اللّٰه وإرادته إنما هي من آثاره سبحانه وتعالى. فكلُّ موجود إنما هو منه تعالى وهو الذي يوجِدُه، وليس كلُّ موجود هو، حتى يقال: "لا موجود إلّا هو". إذ للأشياء وجودٌ، وهو وجودٌ ثابتٌ إلى حدّ ما، وإن كان هذا الوجودُ وجودًا ضعيفًا كأنه وهمي وخيالي بالنسبة إلى وجوده تعالى، إلّا أنه موجود بإيجاد القدير الأزلي وإرادته وقدرته.
إنَّ للشمس المشهودةِ في المرآة وجودًا مثاليًا عدا وجودها الخارجي الحقيقي.
ولها وجودٌ خارجي عرَضي آخر يلوّن المرآة بزينته إذ تنبسط عليها صورتُها.
ولها وجود خارجي عرضي أيضا، وهو وجودٌ ثابتٌ إلى حدّ ما وهو الصورة المنتقشة على الورقة الحساسة خلف المرآة.
فكما أن للشمس وجوداتٍ هكذا في المثال كذلك الأمر في مرآة الكون ومرايا ماهية الأشياء. فإن نقوشَ المصنوعات الظاهرة بتجليات الأسماء الإلهية الحسنى الحاصلة بإرادة اللّٰه واختياره وقدرته، لها وجودٌ حادثٌ غيرُ وجود الواجب الوجود. وقد مُنح بالقدرة الإلهية ثباتاً لهذا الوجود ولكن لو انقطع الارتباط فنيت الأشياءُ وانعدمت مباشرة. فكلُّ شيء محتاجٌ لبقائه في كل آن إلى إبقاء خالِقه له، فإن حقائق الأشياء وإن كانت ثابتة ولكن ثابتةٌ بإثباته سبحانه لها وتثبيته إياها.
وهكذا فإن قولَ الشيخ ابن عربي: "إن الروح ليست مخلوقة وإنما هي حقيقةٌ آتية من عالم الأمر وصفة الإرادة" مخالفٌ لظاهر نصوص كثيرة، كما قد التبس عليه الأمر في ضوء التحقيقات المذكورة آنفًا وانخدع إذ لم يشاهِد الموجودات الضعيفة.
— 52 —
فلا يمكن أن تكون مظاهرُ "الخلاق والرزاق" من الأسماء الإلهية الحسنى مظاهرَ وهمية خيالية. فما دامت تلك الأسماءُ ذات حقيقة، فإن مظاهرَها أيضًا لها حقائق خارجية.
سؤالكم الثالث: تطلبون فيه درسًا يكون مفتاحًا لعلم "الجفر".
الجواب: إننا يا أخي لسنا في هذه الخدمة القرآنية بإرادتنا ولا بتدبيرنا للأمور. بل إن اختيارًا -وهو خير لنا- فوق اختيارنا وخارج إرادتنا يهيمن على أعمالنا.
اعلم أن علم الجفر يُشغل الإنسانَ عن وظيفته الحقيقية ويصرفه عنها، لما فيه من ذوق ووَلَع. حتى كانت تُحلُّ لي أسرارٌ تخص القرآن بذلك المفتاح لمرات عدة، ولكن ما إن أتوجّه إليه بشوق وذوق حتى توصَد الأبواب دوني. فوجدت في هذا الأمر حكمتين:
الأولى: احتمال الوقوع في موضع ينافي الأدبَ اللائق بالقاعدة الأساسية "لا يعلم الغيبَ إلّا اللّٰه".
الثانية: إنَّ العمل على إرشاد الأمة إلى حقائق الإيمان والقرآن بوساطة البراهين الدامغة، له من الفضائل والمزايا ما يفوق مائةَ درجة على العمل بإرشادهم بالعلوم الخفية كعلم الجفر. حيث إن الحجج القاطعة والدلائل الثابتة لا تدع مجالًا للمداخلة في تلك الوظيفة السامية. بينما علمُ الجفر وأمثالُه من العلوم الخفية غير المنضبطَة بقواعد محكمة، قد يساء استعماله بولوج الماكرين فيه. علمًا أنه متى ما احتاج الأمرُ إليه لخدمة الحقائق، فإن اللّٰه سبحانه يفتح علينا نبذةً منه حسب الحاجة.
واعلم أن أيسرَ مفتاح من بين مفاتيح علم الجفر، وأنقاها، بل أجملها وأحسنها هو أنواع التوافقات الناشئة من اسم "البديع" والتي أظهرت شعاعًا من نورها في توافق لفظ الجلالة في القرآن الكريم وزيّنت الآثار التي نقوم بنشرها. علمًا أنه وُضّح شيءٌ منها في عدة مواضع من "رسالة الكرامة الغوثية". نذكر منها:
إن التوافق إذا ما أظهر شيئًا في عدة جهات، فهو إشارةٌ بدرجة الدلالة، علمًا أنه قد يكون توافق واحد أحيانًا مع بعض القرائن بمثابة دليل ويحلّ محلَّه.
— 53 —
وعلى كل حال، يكفي هذا القدر من الإجابة عن سؤالك في الوقت الحاضر. ومتى ما كانت الحاجة جادة إليه ستُبلّغون به.
سؤالكم الرابع: أي سؤال إمام الجامع "عمر أفندي" وليس سؤالكم، وهو:
أن طبيبًا شقيًّا يدّعي أنه كان لعيسى عليه السلام والدٌ، وزعم أنه يستشهد لنفسه بآية كريمة بتأويل جنوني.
(٭): إن الذي ترأس ربع البشرية، وانتقل -بجهة- من نوع البشر إلى نوع الملائكة، وترك الأرض متخذًا السماء له موطنًا.. إن هذا الفرد الإنساني الخارق، وهذه أوضاعه الخارقة يقتضي أن تكون له صورة خارقة من قانون التناسل. بينما لا ينسجم ضمه بتأويل داخل قانون التناسل بوجه مشكوك مجهول غير فطري، بل بأدنى وجه وطراز من وجوه قانون التناسل، كما لا اضطرار إلى ذلك أصلًا.
ثم إن صراحة القرآن الكريم لا تتحمل التأويل. ويا عجبًا أتُهدم قوانين ثابتة رصينة لم تُخرق في أية جهة كانت، وظلت خارقة عن قانون التناسل؛ كقانون الجنس الملائكي وقانون صراحة القرآن، في سبيل ترميم قانون التناسل المتخرق الممزق بمائة جهة وجهة؟ (المؤلف).
إن ذلك العاجز قد سعى سابقًا لإحداث خطٍ بحروف مقطّعة، بل سعى سعيًا حثيثًا في الأمر. فعلمتُ حينذاك أن ذلك الرجل قد استشعر من أطوار الزنادقة وتصرفاتهم أنهم سيحاولون رفع الحروف الإسلامية وإزالتها. وكأنه أراد أن يصدّ ذلك التيار الجارف، ولكن دون جدوى.
وقد شعر الآن في هذه المسألة، وفي مسألته الثانية، بهجوم الزنادقة العنيف على الأسس الإسلامية. وأظن أنه يحاول فتحَ طريق للمصالحة والسلام، بمثل هذه التأويلات السخيفة التي لا معنى لها.
إنه لا والدَ لعيسى عليه السلام، كما تبينُه يقينًا الآية الكريمة:
﴿ ان مثل عيسى عند اللّٰه كمثل آدم ﴾
(آل عمران: ٥٩) وأمثالها من النصوص القاطعة. لذا لا يؤبَه بكلام مَن يحاول تغيير هذه الحقيقة الرصينة الراسخة، بل لا يُقام لقوله وزنٌ ولا يستحق الاهتمام به أصلًا، حيث يَعدّ مخالفةَ قانونٍ في التناسل غير ممكنٍ فيتشبث بتأويلات واهية.
لاشك أنه لا قانون دون شذوذٍ منه، ودون نوادر له، ودون أفرادٍ خارجةٍ عنه، وليست هناك قاعدة كلية لم تُخصّص بأفراد خارقة.
وإنه لا يمكن ألّا يشذَّ فرد - أيا كان - من قانون، ولا يخرج منه، منذ زمن آدم عليه السلام.
— 54 —
فأولًا: إنَّ هذا القانون، قانون التناسل قد خُرق باعتبار المبدأ، بمبادئ مائتي ألف نوع من أنواع الحيوانات وختم بها. أي أن آباء تلك الحيوانات الأولين، وهم بمثابة أوادم لها، قد خرقوا قانونَ التناسل. أي أن مائتي ألف أب من أولئك الآباء لم يأتوا إلى الوجود من أب وأم. بل أُعطي لهم وجودٌ خارج ذلك القانون.
ثم إننا نشاهد بأبصارنا في كل ربيع، أن القسمَ الأعظم من مائة ألف نوع من الكائنات الحية ومما لا يُعد ولا تحصى من أفرادها، تُخلق خارج ذلك القانون، قانون التناسل، تُخلق على وجوه الأوراق وعلى المواد المتعفنة.
تُرى إن قانونًا يُخرق بشواذ، بهذه الكثرة الكاثرة، في مبدئه، بل في كل سنة. ثم يأتي أحدُهم ولا يتمكن أن يسعَ عقلُه شذوذَ فرد واحد لذلك القانون خلال ألف وتسعمائة سنة، فيتشبث بتأويلات تافهة تجاه النصوص القرآنية القاطعة.. أقول تُرى كم يكون مرتكبًا حماقة وبلاهة! قس ذلك بنفسك. علمًا أن الأشياء التي يطلق عليها أولئك الشقاة اسم "القوانين الطبيعية" إنما هي قوانينُ عادة اللّٰه التي هي تجلٍ كلّي للأمر الإلهي والإرادة الإلهية، بحيث يغيّر سبحانه وتعالى عاداتِه تلك لبعض الحِكَم؛ مُظهرًا هيمنةَ إرادته واختياره على كل شيء وعلى كل قانون. فيخرق العادةَ في بعض الأفراد الخارقين، وقولُه تعالى:
﴿ ان مثل عيسى عند اللّٰه كمثل آدم ﴾
يبيّن هذه الحقيقة.
السؤال الثاني لعمر أفندي فيما يخص ذلك الطبيب.
لقد تصرف ذلك الطبيب في تلك المسألة تصرفَ معتوه، وارتكب حماقة بلهاء بحيث لا يستحق إلقاء السمع له، ولا الاهتمام به فضلًا عن الإجابة عن سؤاله. إذ يريد هذا البائس أن يوجِد الوسط بين الكفر والإيمان.
فأنا أقول جوابًا عن استفسار "عمر أفندي"، وليس جوابًا للكلام التافه لذلك الطبيب.
إن العلّة في الأوامر والنواهي الشرعية هي الأمر الإلهي ونهيه. أما المصالح والحِكم فهي مرجِّحات يمكن أن تكون أسبابًا لمتعلقات الأمر الإلهي ونهيِه من زاوية اسم اللّٰه الحكيم..
فمثلًا: يقصر المسافرُ الصلاة. وهذا القصر له علة وحكمة، فالعلةُ هي السفر والحكمةُ
— 55 —
هي المشقة. فإذا وجد السفر تُقصر الصلاة وإن لم تكن مشقة. ولكن لو وُجدت مائة مشقة في البيت فلا تُقصر الصلاة دون سفر. إذ وجود المشقة أحيانًا في عامة السفر كافية لتكون حكمةً لقصر الصلاة وكافية أيضًا لتجعل السفر علّة للقصر.
فبناءً على هذه القاعدة الشرعية لا تتغير الأحكامُ الشرعية بحسب الحِكم، بل بحسب العلل الحقيقية.
فإن لحم الخنزير -كما ذكره ذلك الطبيب- فيه ضرر، حسب قاعدة "من أكل لحم الخنزير يتصف بصفاته"
(٭): إنه مع سبق بلاد الإفرنج في رقيها الخارق وتقدمها في المدنية وفي العلوم الحديثة وفي العلوم الإنسانية فإن ضلالهم ضلال الخنازير في ظلمات الفلسفة المادية ومتاهات الطبيعة منافٍ كليًا لذلك الرقي والتقدم والعلوم. أسائل ألا يكون في ذلك دخل لأكل لحم الخنزير؟
وان الدليل على أن مزاج الإنسان يتأثر بما يتغذى به هو المثل المشهور: "من دام على أكل اللحم أربعين يومًا أصيب بقساوة القلب".(المؤلف).
ففيه ما لا يعلمه ذلك الطبيب من أضرار وأمراض. فذلك الحيوان لا يشبه سائر الحيوانات الأهلية النافعة التي لا ضرر لها. بل أكلُ لحمه يورث أضرارًا أكثر من نفعه. علاوة على الشحم القوي الموجود في لحمه له أضرار طبية كثيرة في غير بلاد الإفرنج الباردة. بل تحققَ أنَّ له أضرارًا كثيرة معنوية وحقيقية.
فلمثل هذه الحِكَم، أصبح لتحريمه حكمة ولتعلّق النهي الإلهي به، ولا يلزم أن تكون الحكمةُ في كل فرد وفي كل وقت. ولا تتبدل العلةُ بتبدل تلك الحكمة. وإن لم تتبدل العلةُ لا يتبدل الحُكم. فليُعلم حسب هذه القاعدة مدى ما يتفوه به ذلك الطبيب البائس من كلام بعيد عن روح الشريعة.
لذا لا يُعبأ بكلامه باسم الشريعة. فإن للخالق سبحانه حيواناتٍ كثيرين في صورة فلاسفة لا يعقلون!.