اللمعات العربية
— 148 —

خاتمة

تسلمت اليوم رسالة من "السيد رأفت"، ولمناسبة سؤاله عن اللحية النبوية الشريفة أقول: إنه ثابت في الحديث الشريف: أن عدد الشعرات التي سقطت من لحيته الشريفة (ص) محدودٌ، وهو عدد قليل، يتراوح بين ثلاثين إلى أربعين، أو لا يتجاوز الخمسين والستين من الشعرات، ولكن وجودَ الشعرات في ألوف الأماكن، استوقفني ودفعني إلى التأمل والتفكر في حينه، فورد إلى خاطري في ذلك الوقت:
إنَّ شعرات اللحية الشريفة الموجودة الآن -في كل مكان- ليست هي شعراتِ اللحية الشريفة وحدَها، بل ربما شعراتٌ من رأسه المبارك (ص)، إذ الصحابة الكرام الذين ما كانوا ليضيّعوا شيئًا منه (ص) قد حافظوا على تلك الشعرات المنورة المباركة -كلما حَلَقَ- والتي تبقى دائمًا، فتلك الشعرات تربو على الألوف وهذا يمكن أن يكون مكافئًا للموجود الحاضر.
وورد أيضًا إلى خاطري: تُرى هل الشَّعرُ الموجود في كل جامعٍ بسندٍ صحيح هو ثابتٌ أيضًا أنه من شعره (ص) حتى تكون زيارتُنا له مقبولة؟
فسنح ببالي فجأة: أن زيارة تلك الشعرات إنما هي وسيلةٌ، وهي سبب لقراءة الصلوات على الرسول الكريم (ص)، وهي مَدارُ محبته وتوقيره. فلا يُنظَر إلى ذات الوسيلة، وإنما إلى جهة كونها وسيلة، لذا فإن لم تكن هي شعرةً حقيقية من شعراته (ص) فهي تؤدي وظيفةَ تلك الوسيلة ما دامت تحسب -في الظاهر- هكذا، وتلقاها الناس شعرةً من شعراته (ص). فتكون تلك الشعرة وسيلةً لتوقيره (ص) ومحبته وأداء الصلوات عليه، فلا يلزم السند القطعي لتشخيص ذات الشعر وتعيينه بل يكفي ألّا يكون هناك دليل قاطع بخلافه، لأن ما يتلقاه الناس وما قبلته الأمة ورضيت به يكون في حكم نوعٍ من الحجة. وحتى لو اعترض بعضُ أهل التقوى على مثل هذه الأمور سواءً من جهة التقوى أو الأخذ بالأحوط أو العمل بالعزيمة فإنما يعترضون بصورة خصوصية، ولو قيل إنها بدعة، فإنها داخلة ضمن البدعة الحسنة، لأنها وسيلة للصلوات على الرسول الكريم (ص).
ويقول "السيد رأفت" في رسالته: "إن هذه المسألة قد أصبحت مثارَ المناقشة بين الإخوان". فأوصي إخواني: أَلّا يناقشوا فيما يمكن أن ينجم عنه الانشقاقُ والافتراق، وإنما عليهم أن يتعلموا بحث الأمور من دون نزاع، وعلى نمط تداول في الأفكار.
— 149 —
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
إخوتي الأعزاء من "سَنِرْكَنْت" [٭]: قصبة قريبة لبارلا منفى الأستاذ النورسي. السادة: إبراهيم، شكري، الحافظ بكر، الحافظ حسين، الحافظ رجب.
إن المسائل الثلاث التي أرسلتموها بيد الحافظ توفيق، يعترض عليها الملحدون منذ أمد بعيد:
أولاها: إن المعنى الظاهري لقوله تعالى:
﴿ حتى اذا بَلَغَ مَغْربَ الشَمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَينٍ حَمئةٍ ﴾
(الكهف: ٨٦). هو: أنه رأى غروب الشمس في ماءِ عينٍ ذي طين وحرارة.
ثانيتها: أين يقع سدُّ ذي القرنين؟
ثالثتها: نزول سيدنا عيسى عليه السلام وقتله الدجالَ في آخر الزمان.
إنَّ أجوبة هذه الأسئلة طويلة، إلّا أننا نشير إليها باختصار فنقول:
إنَّ آيات القرآن الكريم مبنيةٌ على أساليب اللغة العربية، وبوجهٍ يفهمه عمومُ الناس بظاهر النظر، لذا كثيرًا ما بُيّنت المسائل بالتشبيه والتمثيل.
فقوله تعالى:
﴿ تغرب في عين حمئةٍ ﴾
يعني: أنَّ ذا القرنين قد شاهد الشمس تغرب في ما يشبه عينًا موحلةً وحامية، عند ساحل البحر المحيط الغربي، أو شاهد غروبَها في عين جبلٍ بركاني ذي لهيب ودخان.
أي إنه شاهد في ظاهر النظر غروبَها في سواحل البحر المحيط الغربي، وفي جزء منه الذي تراءى له من بعيد كأنه بِركةٌ أو حوضُ عينٍ واسعة، فشاهد غروبها الظاهري خلف الأبخرة الكثيفة المتصاعدة من مياه المستنقعات الواقعة عند سواحل البحر المحيط الغربي، لشدة حرارة شمس الصيف.. أو شاهد اختفاء الشمس -التي هي عين السماء-
[٭]: والعين: عين الشمس، وعين الشمس: شعاعها الذي لا تثبت عليه العين. وقيل: العين الشمس نفسها، يقال: طلعت العين، وغابت العين. (لسان العرب لابن منظور).
في عين ملتهبة انفلقت حديثًا على قمة جبلٍ بركاني تقذف بحممها مازجةً الترابَ والصخور والمعادن السائلة.
— 150 —
نعم، إن تعابير القرآن الكريم البليغة المعجزة ترشد بهذه الجملة إلى مسائل كثيرة:
فأولًا إن سياحة ذي القرنين كانت إلى جهة الغرب.. وفي وقت عزّ الحرّ.. ونحو المستنقعات.. وموافقتها أوان غروب الشمس.. وحين انفلاق جبل بركاني.. كلُّ هذا تشير به الآية الكريمة إلى مسائلَ مليئةٍ بالعِبر منها استيلاء ذي القرنين على إفريقيا استيلاءً تامًا.
ومن المعلوم أن الحركة المشهودة للشمس إنما هي حركةٌ ظاهرية، وهي دليلٌ على حركة الأرض الخفية -غير المحسوس بها- وهي تُخبر عن تلك الحركة. وليس المراد حقيقةَ الغروب. [٭]: جاء في تفسير البيضاوي: ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال (وجدها تغرب) ولم يقل: كانت تغرب.
ثم إن كلمة عين إنما هي للتشبيه، إذ البحر العظيم يُرى من بعيد كحوض صغير، فتشبيه البحر المشاهد من خلف الضباب والأبخرة المتولدة من المستنقعات والبِرَك بلفح الحرارة بی عين حمئةٍ أي عين تنبع من طين، وكذا استعمال كلمة عين التي تعني في اللغة العربية: الينبوع والشمس والبصر، ينطوي على سرّ بلاغي دقيق وعلاقة وثيقة.
(٭): إن التعبير بی"عين" في قوله تعالى (عين حمئة) يذكّر برمزٍ إلى معنى لطيف وسر دقيق من أسرار البلاغة، وهو: أن وجه السماء بعد مشاهدته بعين الشمس جمال رحمته تعالى على وجه الأرض، وأنّ وجه الأرض عقب رؤيته بعين البحر عظمته تعالى في السماء، تُطبق العينان إحداهما في الأخرى، فتطبق العيون على وجه الأرض.. فالآية الكريمة تذكر بكلمة واحدة وبإعجاز جميل هذا المعنى اللطيف مشيرة إلى ما ينهى وظيفة العيون. (المؤلف).
فكما بدا الغروب لنظر ذي القرنين من بُعد هكذا. فإن الخطاب القرآني النازل من العرش الأعظم المهيمن على الأجرام السماوية، حريٌّ بهذا الخطاب السماوي ومنسجم مع عظمته ورفعته قوله بأن الشمس المسخّرة سراجًا في مضيف رحماني، تختفي في "عين" ربانية وهي البحر المحيط الغربي، معبرًا بأسلوبه المعجز أن البحر "عين" حامية. نعم هكذا يبدو البحر للعيون السماوية.
حاصل الكلام: إن التعبير بی عين حمئةٍ للبحر المحيط الغربي إنما هي بالنسبة لذي القرنين الذي رأى من بُعد ذلك البحر العظيم كأنه عينُ ماء. أما النظر القرآني الذي هو قريب إلى كل شيء، فلا ينظر نظر ذي القرنين من بعيد الذي يداخله خداعُ البصر، بل لأنه نزل من السماء مطلعًا عليها، ولأنه يرى الأرض ميدانًا أو قصرًا وأحيانًا مهدًا أو صحيفة، فإن تعبيره بی عين للبحر العظيم وهو المحيط الأطلسي الغربي المغطى بالضباب والأبخرة إنما يبين علوّه ورفعتَه وسموّه وعظمته.
— 151 —
سؤالكم الثاني: أين يقع سدُّ ذي القرنين؟ ومَن يأجوج و مأجوج؟
الجواب: لقد كتبتُ سابقًا رسالة حول هذه المسألة، فألزمت الحُجة ملاحدة ذلك الوقت. إلّا أنني الآن لا أَملك تلك الرسالة، فضلًا عن أن حافظتي لا تمدني بشيء فقد أصابها شيء من العطل. علاوة على أن هذه المسألة قد تطرق إليها "الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين" لهذا نشير إشارة في غاية الاختصار إلى نكتتين أو ثلاث فحسب تعود إلى هذه المسألة وهي:
أنه بناءً على ما بيّنه أهلُ العلم المحققون، وابتداءِ أسماءِ عدد من ملوك اليمن بكلمة "ذي" -كی"ذي يَزَنْ"- وما يشير إليه عنوان "ذي القرنين" فإن ذا القرنين هذا ليس هو الإسكندر الرومي (المقدوني) وإنما هو أحد ملوك اليمن [٭]: انظر: أبو السعود، تفسير أبو السعود ٥/٢٣٩-٢٤٠؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٥؛ الألوسي، روح المعاني ١٦/٢٧. الذي عاصرَ سيدَنا إبراهيم عليه السلام [٭]: انظر الفقيهي، أخبار مكة ٣/٢٢١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١١/٤٧؛ ابن كثير، تفسير القرآن ١/١٨٠، ٣/١٠١؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٢. وتلقى الدرسَ من سيدنا الخضر عليه السلام. [٭]: انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١١/٤٧. بينما جاء "الإسكندر الرومي" قبل الميلاد بحوالي ثلاثمائة سنة ودرس على يد "أرسطو". [٭]: انظر: ابن حجر، فتح الباري ٦/٣٨٢-٣٨٣؛ الشوكاني، الفتح القدير ٣/٣٠٧؛ الحموي، معجم البلدان ١/١٨٤، وحول قول الرسول (ص) في ذي القرنين "ولستُ أدري أكان نبيًا أم لا" انظر: الحاكم، المستدرك ٢/١٧، ٤٨٨. بالأضافة لذلك تنقل لنا المصادر أن "ذا القرنين" لم يكن نبيًا ولا ملكًا، بل كان رجلًا عظيمًا صاحب عبادة وتقوى يدعو الناس إلى اللّٰه تعالى. انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٤٦؛ عبد الرزاق، تفسير الصنعاني ٢/٤١٠.
إن التاريخ الذي دوّنه الإنسانُ يضبط الحوادث إلى حدّ ما قبل ثلاثة آلاف عام. لذا فإن نظر هذا التاريخ الناقص القاصر لا يستطيع أن يحكمَ بصواب على حوادث ما قبل زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فإما يذكرها مشوبةً بالخرافات، أو ينكرها أو يوردها باختصار شديد.
أما سبب اشتهار "ذي القرنين" اليماني هذا في التفاسير بالإسكندر، فيعود إلى: [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١٦/١٧، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١١/٤٥، ٤٧؛ الشوكاني، فتح القدير ٣/٣٠٧؛ الآلوسي، روح المعاني ١٦/٢٦. أن أحدَ أسماء ذي القرنين هو الإسكندر، فهو الإسكندر الكبير، والإسكندر القديم. أو نظرًا لأن القرآن الكريم لدى ذكره لحادثة جزئية يذكرها لكونها طرفًا لحوادث كلية، فإن الإسكندر
— 152 —
الكبير الذي هو ذو القرنين؛ مثلما أسس سدّ الصين الشهير بإرشاداته النبوية بين الأقوام الظالمة والمظلومة وليصدّ عنهم غاراتهم فإن قوادًا عظامًا عديدين كالإسكندر الرومي وملوكًا أقوياء اقتدوا بذي القرنين -في الجهة المادية- وأن قسمًا من الأنبياء والأقطاب الأولياء -وهم ملوك معنويون للإنسانية- ساروا على أثره في الجهة المعنوية والإرشاد.. فهؤلاء أسسوا السدود بين الجبال (٭): هناك سدود اصطناعية على وجه الأرض تحولت بمرور الزمن إلى هيئة جبال حتى لا تعرف أنها كانت سدودًا. (المؤلف). التي هي من الوسائل المهمة لإنقاذ المظلومين من شر الظالمين. ثم بَنوا القلاع في قمم الجبال، فشيّدوا تلك الموانع إما بقوتهم المادية الذاتية أو بإرشاداتهم وتوجيهاتهم وتدابيرهم. حتى بَنوا الأسوار حول المدن والحصون في أواسطها، إلى أن بلغ الأمر إلى استعمال وسيلة أخيرة هي المدافع الثقيلة والمدرعات الشبيهة بالقلاع السيارة.
فذلك السد الذي بناه ذو القرنين وهو أشهر سدٍّ في العالم ويبلغ طوله مسيرة أيام إنما بناه ليصد به هجمات أقوامٍ شريرة أطلق عليهم القرآن الكريم اسمَ يأجوج ومأجوج ويعبّر عنهم التاريخ بقبائل المانجور والمغول الذين دمّروا الحضارة البشرية مراتٍ ومرات. وظهروا من وراء جبال همالايا فأهلكوا العباد وخرّبوا البلاد شرقًا وغربًا. فصار ذلك السد المبني بين جبلين قريبَين من سلسلة همالايا مانعًا أمام هجمات هؤلاء الأقوام الهمجية، وحائلًا دون غاراتهم العديدة على المظلومين في الصين والهند.. ومثلما أسس ذو القرنين هذا السد فقد بُنيت سدودٌ كثيرة أخرى بهمة ملوك إيران القدماء في جبال القفقاس في منطقة المضيق صدًا للنهب والسلب والغارات التي امتهنتها أقوامُ التتار. وهناك سدود كثيرة من هذا النوع.
فالقرآن الكريم لأنه يخاطب البشرية كافةً، فإنه يذكر ظاهرًا حادثة جزئية ويذكّر بها أحداثًا مشابهة لها.
فمن زاوية النظر هذه تختلف الروايات وأقوال المفسرين حول السد ويأجوج ومأجوج.
ثم إن القرآن الحكيم قد ينتقل من حادثة إلى أخرى بعيدةٍ عنها وذلك من حيث المناسبات الكلامية وعلاقاتها. فالذي لا يعرف هذه العلاقات يظن أن زمانَي الحادثتين قريبان. وهكذا فإخبار القرآن عن قيام الساعة عقب خرابِ السد، ليس هو لقُرب الزمان، وإنما لأجل نكتتين من حيث المناسبات الكلامية، أي كما أن هذا السد سيُدمّر فستدمّر الدنيا كذلك.
— 153 —
ثم إن الجبال التي هي سدود فطرية إلهية راسخة وقوية لا تُنسف إلّا بقيام الساعة، فهذا السید أيضًا قیوي كالجبال لا يدكّ إلّا بقيام الساعة، وسيبقى الكثيرُ منه ويدوم حتى لو عملت فيه عوامل التغيير على مدى الزمان من خراب وهدم.
نعم، إن سد الصين الذي هو فرد من كلية سد ذي القرنين ما زال باقيًا مشاهَدًا على الرغم من مرور ألوف السنين، وإنه يُقرأ كسطرٍ طويل كُتب بيد الإنسان على صحيفة الأرض، يُقرأ سطرًا مجسمًا متحجرًا ذا مغزى من التاريخ القديم.
سؤالكم الثالث: وهو حول قتل عيسى عليه السلام للدجال. ففي "المكتوب الأول والخامس عشر" جوابٌ شافٍ لكم وهما في غاية الاختصار.

* * *

بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أخَويّ الوفيين الصدّيقين المضحيين العزيزين: العالم صبري، والحافظ علي.
إن سؤالَكما المهم حول المغيبات الخمسة الموجودة في ختام سورة لقمان، يحتاج إلى جواب في غاية الأهمية، إلّا أنني -مع الأسف- أُعاني من حالة روحية وأَحوال مادية.. تحول بيني وبين الجواب الشافي. ومع هذا سأُشير إشارةً فحسب، في غاية الإجمال إلى بِضعِ نقاط يتعلق بها سؤالكما:
إنَّ فحوى سؤالكما هذا هو أن الملحدين يعترضون على كون وقت نزول الغيث ونوعية الجنين في الرحم من المغيّبات الخمس فينتقدون قائلين: إن وقتَ نزوله يُكشَف عنه في المراصد الجوية، فإذن يعلمه كذلك غيرُ اللّٰه، وإن جنس الجنين في رحم الأم يمكن معرفته، ذكرًا كان أم أنثى بأشعة رونتكن. بمعنى أنه يمكن الاطلاع على المغيّبات الخمس!
— 154 —
الجواب: لما كان وقتُ نزول الغيث غيرَ مرتبط بقاعدة مطّردة، فإنه يرتبط مباشرة بالمشيئة الإلهية الخاصة، ويتبع الإرادة الإلهية الخاصة، فينزل من خزينة رحمته تعالى دون وساطة. وإنَّ سرَّ حكمته هو الآتي:
إنَّ أَهمَّ حقيقةٍ في الكون وأثمنَ ماهيةٍ فيه هي الوجود، الحياة، النور، الرحمة. وإن هذه الأربعة متوجهةٌ مباشرة ودون وسائط وحجُب إلى القدرة الإلٰهية والمشيئة الربانية الخاصة، بينما تحجب الأسبابُ الظاهرة في المصنوعات الإلهية الأخرى تصرّفَ القدرة الإلهية، وتستر القوانينُ المطردة والقواعد الثابتة -إلى حدٍ ما- الإرادةَ الإلهية ومشيئتَها، إلّا أن تلك الحُجب والأستار لم توضَع أمام الوجود والحياة والنور والرحمة؛ لعدم جريان حكمةِ وجودها في تلك الأمور.
وحيث إن الرحمة والحياة أهم حقيقتين في الوجود، وإن الغيث منشأ الحياة ومدار الرحمة بل هو عينُ الرحمة، فلابد ألَّا تكون الوسائط حُجبًا أمامها، ولابد ألَّا تستر القاعدةُ المطّردة المشيئةَ الإلهية الخاصة بها، وذلك ليضطر كلُّ فرد في كل وقت، وفي كل أمر إلى الشكر وإظهار العبودية وإلى السؤال والتضرع والدعاء؛ إذ لو كانت تلك الأمور على وفق قاعدةٍ معينة لانسدَّ بابُ الشكر والرجاءُ منه تعالى استنادًا إلى القاعدة المطردة. فطلوعُ الشمس مع ما فيه من منافع معلومة، لأنه مرتبطٌ بقاعدة معينة، فلا يُسألُ اللّٰه سبحانه طلوعَها ولا يُشكر عليه شكرًا خاصًا ولا يُعدّ ذلك من أمور الغيب، لأن البشر يعرفون بالعلم الذي توصلوا إليه وبوساطة تلك القاعدة موعدَ شروق الشمس غدًا.
ولكن جزئيات الغيث ليست مرتبطة بقاعدة معينة، لذا يضطر الناسُ في كل وقت إلى التضرع والتوسل إلى رحمته تعالى. ولما كان علمُ البشر لا يستطيع أن يحدد وقت نزول الغيث، فقد تلقاه الناسُ نعمةً خاصة لا تصدر إلّا من خزينة الرحمة الإلهية، فيشكرون ربهم شكرًا حقيقيًا عليها. وهكذا فهذه الآية الكريمة تُدخل وقتَ نزول الغيث بين المغيبات الخمس من هذه الزاوية التي ذكرناها. أما الإحساس بالأجهزة في المراصد عن مقدمات وقت نزوله، ومن ثَمَّ تعيين وقته فهذا ليس علمًا بالغيب، بل هو علم بالاطلاع على بعض مقدمات نزوله حينما يقترب إلى عالم الشهادة بعد صدوره من الغيب، مثلما يُعلم بنوع من إحساس مسبَق أخفى
— 155 —
الأمور الغيبية حينما تحصل، أو بعد قربها من الحصول ولا يعدّ ذلك معرفةً بالغيب، وإنما هو معرفةٌ بذلك الموجود، أو بالمقرّب إلى الوجود.
حتى إنني أشعر أحيانًا بشعورٍ مرهف في أعصابي، بما سيأتي من الغيث قبل مجيئه بأربع وعشرين ساعة. بمعنى أن للغيث مقدماتٍ ومبادئ، فتلك المبادئ تبدي نفسَها على صورة رطوبة تُشعِر بما وراءها من الغيث، فيكون هذا الحال وسيلةً لوصول علم البشر كالقاعدة المطردة، إلى أمور قد صدرت عن الغيب وخرجت منه ولمّا تدخل بعدُ إلى عالم الشهادة.
أما معرفة نزول الغيث الذي لم يطأ قدمُه عالمَ الشهادة، ولم يخرج بعدُ من الرحمة الإلٰهية الخاصة والمشيئة الربانية الخاصة، فإنما هو خاص بعلم علام الغيوب.
بقيت المسألة الثانية التي هي: معرفةُ جنس الجنين في رحم الأم بأشعة رونتكن، هذه المعرفة لا تنافي قطعًا ما تفيده الآية الكريمة:
﴿ ويَعْلَمُ مَا في الأرحَام ﴾
(لقمان: ٣٤) من معنى الغيب. لأن المراد من العلم المذكور فيها لا ينحصر في ذكورة الجنين وأنوثته وإنما المرادُ منه معرفةُ الاستعدادات البديعة الخاصة بذلك الطفل والتي هي مبادئ المقدّرات الحياتية، وهي مدار ما سيكسبُه في المستقبل من أوضاع. وحتى معرفةِ ختم الصمدية وسكتِها الرائعة البادية على سيماه.. كلُّها مرادةٌ في ذلك المعنى بحيث إن العلم بالطفل وبهذه الوجوه من الأمور خاصٌّ بعلم علام الغيوب وحده، فلو اتحدت مئاتُ الألوف من أفكار البشر النافذة كأشعة رونتكن لما كشفت أيضًا عن ملامح الطفل الحقيقية في وجهه وحدَه تلك الملامح التي تحمل من العلامات التي تفرّقه وتميّزه عن كل فرد من أفراد البشرية قاطبة، فكيف إذن يمكن كشفُ السيماء المعنوية في استعداداته وقابلياته التي هي خارقة بمئات الألوف من المرات عن ملامح الوجه!
ولقد قلنا في المقدمة: إن الوجود والحياة والرحمة من أهم حقائق الكون ولها أعلى مقام ومرتبة فيه. لذا تتوجه تلك الحقيقةُ الحياتية الجامعة بجميع دقائقها ولطائفها إلى إرادة اللّٰه الخاصة ورحمته الخاصة ومشيئته الخاصة.
وأَحدُ أسرار ذلك هو أن الحياة بجميع أجهزتها وجهاتها منشأ للشكر، ومدارٌ للعبادة والتسبيح، ولذلك لم توضَع دونها القاعدة المطردة التي تحجب رؤيةَ الإرادة الإلهية الخاصة ولا الوسائط الظاهرية التي تستر رحمته الخاصة سبحانه.
— 156 —
إن للّٰه سبحانه وتعالى تجليين اثنين في سيماء الجنين المادي والمعنوي.
الأول: يدل على وحدته سبحانه وأحديته وصمديته، إذ الجنينُ يشهد على وحدانية خالقه وصانعه بتطابق أعضائه الأساس وتوافق أجهزته الإنسانية مع سائر البشر. فذلك الجنين ينادي بصراحة هذا اللسان قائلًا: إن الذي وهب لي هذه السيماء في الأعضاء هو ذلك الصانعُ الذي وهب لجميع البشر الذين يشبهونني في أساسات الأعضاء. وهو سبحانه صانعُ جميع ذوي الحياة.
فهذا اللسان الذي يدل به الجنين على الصانع الجليل ليس لسانًا غيبيًا، بل هو معلوم يمكن معرفته والوصول إليه، حيث إنه يتبع قاعدة مطردة ويسير على وفق نظام معين ويستند إلى نوعية الجنين، فهذا العلم لسانٌ ناطق وغصنٌ قد تدلى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.
الجهة الثانية: وهي أن الجنين ينادي بلسان سيماء استعداداته الخاصة وسيماء وجهه الشخصية فيدل على اختيار صانعه ومشيئته المطلقة وإرادته الخاصة ورحمته الخاصة. فهذا اللسان لسان غيبي آتٍ من هناك، فلا يستطيع أن يراه أحد قبل وجوده غيرُ العلم الأزلي، ولا يمكن أن يحيط به سواه. ولا يُعلم هذا اللسان بمجرد مشاهدة جهاز من ألف جهاز من سيماء جنينه.
الحاصل: أنَّ سيماء الاستعدادات في الجنين، وسيماء وجهه دليلُ الوحدانية وحجةُ الاختيار والإرادة الإلهية.
وستُكتب إن وفق اللّٰه تعالى بضع نكات حول المغيبات الخمس. إذ لا يسمح الوقت الحاضر ولا حالتي بأكثر من هذا. وأختم كلامي.
الباقي هو الباقي
سعيد النورسي
— 157 —
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أبدًا دائمًا
أخي العزيز الصدّيق المتلهف رأفت بك !
إنك تسأل في رسالتك عن اللطائف العشر، وحيث إنني لستُ في حالة تدريس الطريقة الصوفية. ولعلماء الطريقة النقشبندية مؤلفاتٌ تخصّ اللطائف العشر وإن وظيفتنا في الوقت الحاضر هي استخراجُ الأسرار القرآنية واستنباطُها، لا نقلُ المسائل الموجودة في بطون الكتب! فلا تمتعض من عدم استطاعتي تقديم التفاصيل. إِلَّا أنني أقول:
إن الإمام الرباني قد عبَّر عن اللطائف العشر بالقلب والروح والسرّ والخفي والأخفى. وذكر أن لكل عنصر من العناصر الأربعة في الإنسان لطيفةً إنسانيةً ملائمة ومنسجمة معه. وذكر إجمالًا عن رقي كلِّ لطيفة من تلك اللطائف، وأحوالها في كل مرتبة أثناء السير والسلوك. وبالنسبة لي أرى أن لطائفَ كثيرة مندرجةٌ في ماهية الإنسان الجامعة وفي استعداده للحياة إلّا أن عشرًا منها قد اشتهرت حتى إن الحكماءَ والعلماء الظاهريين أيضًا قد جعلوا تلك اللطائف العشر أساسًا لحِكمتهم في صورة أخرى، حيث قالوا: إن الحواسّ الخمس الظاهرة والباطنة نوافذ ونماذج للطائف العشر. حتى إن ما اشتهر لدى العوام والخواص من لطائف الإنسان العشر منسجمةٌ مع اللطائف العشر لدى أرباب الطرق الصوفية. فمثلًا: الوجدانُ والأعصابُ والحسّ والعقل والهوى والقوة الشهوية والقوة الغضبية، إذا أُلحقت هذه اللطائف بالقلب والروح والسر، تُظهر اللطائفَ العشر في صورة أخرى. وهناك لطائف أخرى كثيرة غير هذه اللطائف، أمثال: السائقة، الشائقة، الحس قبل الوقوع.
فلو كتبتُ حقيقة هذه المسألة لطالت كثيرًا، لذا أضطر إلى قطع التفاصيل نظرًا لضيق وقتي.
أما سؤالك الثاني الذي يتعلق ببحث المعنى الاسمي والمعنى الحرفي، فمثلما أشارت كتبُ النحو عامة إليه في بداياتها، فقد وضحته توضيحًا كافيًا بالأمثلة كتب علم الحقيقة كالكلمات والمكتوبات ويعدّ من الإسراف الإسهاب في الإيضاح لمن يملك ذكاءً ودقة ملاحظة مثلك.
— 158 —
فإنك إذا نظرت إلى المرآة من حيث إنها زجاجةٌ، ترى مادتَها الزجاجية، وتكون الصورةُ المتمثلة فيها شيئًا ثانويًا، بينما إن كان القصدُ من النظر إلى المرآة رؤية الصورة المتمثلة فيها، فالصورة تتوضّح أمامك حتى تدفعك إلى القول
﴿ فتبارك اللّٰه احسن الخالقين ﴾
(المؤمنون:١٤) بينما تبقى زجاجةُ المرآة أمرًا ثانويًا.
النظرة الأولى تمثل (المعنى الاسمي) أي زجاجة المرآة معنًى مقصود، وصورةُ الشخص المتمثلة فيها (معنى حرفي) غير مقصود.
أما النظرة الثانية فصورةُ الشخص هي المقصودة، فهي إذن معنى (اسمي) أما الزجاج فمعنى (حرفي).
وهكذا ورد في كتب النحو تعريف الاسم أنه: ما دلّ على معنى في نفسه. أما الحرف فهو: ما دلّ على معنى في غيره.
فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات جميعَها حروفًا، أي أنها تعبّر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبّر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية على الموجودات.
أما نظرة الفلسفة الميتة فهي تنظر على الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزلّ قدمها إلى مستنقع الطبيعة.
وعلى كل حال فلا متّسع لي من الوقت كي أتكلم كثيرًا، حتى إنني لا أستطيع أن أكتب القسم الأخير المهم من الفهرس الذي هو سهل يسير.
بلّغ سلامي إلى رفقائك في الدرس وبخاصة خسرو، بكر، رشدي، لطفي، الشيخ مصطفى، الحافظ أحمد، سزائي، المحمدون والعلماء، وإني لأدعو للأطفال الأبرياء المباركين في بيتكم المبارك.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النورسي