— 144 —
اللمعة السادسة عشرة
بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ ﴾
السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته!
إخوتي الأعزاء الصدّيقين العالم صبري، الحافظ علي، مسعود، المصطفون، خسرو، رأفت، بكر بك، رشدي، لطفيون، الحافظ أحمد، الشيخ مصطفى وآخرون.
لقد أحسست إحساسًا قلبيًا أن أُبيّن لكم باختصار أربعَ مسائل صغيرة ولكنها مهمة، تلك التي أصبحت موضعَ تساؤل.. أُبيّنها لكم للعلم والاطلاع.
السؤال الأول المثير: أخبر أحدُ إخواننا وهو "السيد عبد اللّٰه چابرا زادة" كما أَخبر أُناس آخرون أيضًا: أَنَّ أَهلَ الكشف قد قالوا بحدوث بشاراتٍ وفتوح لأهل السنة والجماعة وتكشَف عنهم الغمةُ في رمضان الماضي، ولكن لم يظهر شيء من هذا القبيل.
فسألوني: كيف يُخبر أمثال هؤلاء من أهل الولاية والكشف عما هو خلاف الواقع؟
وخلاصة ما أجبتهم مباشرةً ، وهو من سوانح القلب، هي:
أنه ورد في الحديث الشريف ما معناه: أن البلاء ينزل وتقابله الصدقة فتردّه. [٭]: انظر "حول دفع قليل من الصدقة كثيرًا من البلاء" العجلوني، كشف الخفاء ٢/٣٠
يتبين من هذا الحديث الشريف: أن المقدَّرات عندما تأتي من الغيب للوقوع، تأتي مرتبطةً ببعض الشروط، فتتأخر عن الوقوعِ بتأخر الشروط. فتتأخر أيضًا المقدَّرات التي
— 145 —
اطلع عليها الأولياءُ من أصحاب الكشف؛ إذ ليست مقدّراتٍ مطلقةً، بل مقيدةً ببعض الشروط، فلعدم حدوثِ تلك الشروط لا تقع تلك الحادثةُ؛ إذ تلك الحادثة كالأجل المعلّق، قد كتبت في لوح المحو والإثبات، الذي هو نوعٌ من أنواع سجل اللوح الأزلي. فالكشف قلّما يرقى إلى اللوح الأزلي، بل لا يستطيع معظمُ الكشوف الرقي إلى هناك. فبناءً على هذا:
إنَّ الأَخبار التي أُخبر عنها في شهر رمضان الفائت وعيد الأضحى وفي أوقات أخرى، وبناءً على الاستنباط أو بنوع من الكشفيات، لم تجد شروطَها المعلّقة بها، لذا لم تأت إلى ميدان الواقع. فالمخبرون عنها لا يُكذَّبون، لأن تلك الحوادث كانت مقدَّرة، إلّا أنها لا تقع إلّا بمجيء شروطها، وإذ لم تأت الشروطُ فلا تقع الحادثة.
نعم، إنَّ الدعاء الخالص الذي يرفعه معظمُ أهل السنة والجماعة في رمضان المبارك دفعًا للبدع، كان شرطًا وسببًا مهمًا له، ولكن دخولَ البدع في الجوامع في الشهر المبارك مع الأسف حجبت الاستجابةَ والقبول، فلم تفرّج الكربةُ ولم تُكشَف الغمّة؛ إذ كما تدفع الصدقةُ البلاءَ -بدلالة الحديث الشريف- فالدعاءُ الخالص من الأكثرين يجذب الفرجَ العام الشامل. ولكن لأن القوةَ الجاذبة لم تأتِ إلى الوجود، فلم يوهب الفرج والفتح.
السؤال الثاني المثير: بينما كان ينبغي القيامُ بمحاولة، والشروعُ بتدبير، إزاء وضع سياسي مهيّج، في غضون هذين الشهرين، إذ كانت تؤدي تلك المحاولة -باحتمال قوي- إلى ما يفرّحني ويدخل البهجةَ في قلوب الكثيرين من إخوتي المقرّبين؛ لم أَعبأْ بذلك الوضع، بل قمتُ خلافًا له أَحمل فكرًا في صالح أهل الدنيا الذين يضايقونني! فظلّ البعضُ في حيرة مضاعفة من أَمري، إذ قالوا: إن السياسة التي يتبعوها هؤلاء المبتدعون وثُلّةٌ من الرؤساء المنافقين، كيف تجدها حتى لا تهاجمها؟
وخلاصة جوابي: هي أنَّ أَعظم خطر على المسلمين في هذا الزمان هو فسادُ القلوب وتزعزعُ الإيمان بضلال قادم من الفلسفة والعلوم. وإن العلاج الوحيد لإصلاح القلب وإنقاذ الإيمان إنما هو النورُ وإراءة النور. فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها وأُحرز النصرُ، تدنَّى أولئك الكفارُ إلى دَرَكِ المنافقين. والمنافق -كما هو معلوم- أَشدُّ خطرًا من الكافر وأَفسدُ منه. فصولجان
— 146 —
السياسة إذن لا يُصلِح القلبَ في مثل هذا الوقت، حيث يُنزل الكفرَ إلى أعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقًا.
ثم إن شخصًا عاجزًا مثلي، لا يمكنه أن يستعمل النورَ والهراوةَ معًا في هذا الوقت، لذا فأنا مضطر إلى الاعتصام بالنور بما أَملِكُ من قوة، فيلزم عدمَ الالتفات إلى هراوة السياسة أيًا كان نوعها. أما ما يقتضيه الجهادُ المادي، فتلك الوظيفة ليست مناطةً بنا حاليًا. نعم، إنَّ الهراوة هي لوقف تجاوز الكافر أو المرتد عند حدّه، ولكن لا نملك سوى يدين، بل لو كانت لنا مائةٌ من الأيدي ما كانت تكفي إلّا للنور فلا يدَ لنا تمسك بهراوة السياسة.
السؤال الثالث المثير: إنَّ هجوم الأجانب كإنكلترا وإيطاليا على هذه الحكومة في الآونة الأخيرة يؤدي إلى إثارة الحمية الإسلامية وهي ركيزة حقيقية ومنبع قوة معنوية لحكومات خلت في هذا الوطن منذ أمد بعيد وستُصبح وسيلة لإحياء الشعائر الإسلامية -إلى حدٍّ ما- ولدفع شيء من البدع.. فلِمَ عارضتَ هذه الحرب بشدة وسأَلتَ اللّٰه أن تحل القضية بسلام وأمان. فقد أصبحتَ منحازًا لحكومة المبتدعين، وهذا بذاته وبنتائجه موالاة للبدع؟
الجواب: نحن نسأل اللّٰه الفرج والبشارة والسرور والفتح، ولكن ليس بسيف الكفار.. فسحقًا لسيوفهم ولتكن وبالًا عليهم. نحن لسنا بحاجة ولا نرجو الفائدةَ من سيوفهم، لأن أولئك الأجانب المتمردين هم الذين سلطوا المنافقين على أهل الإيمان، وهم الذين ربّوا الزنادقة في أحضانهم.
أما مصيبةُ الحرب وبلاؤها، فهي ضررٌ بالغ لخدمتنا القرآنية، لأنَّ معظمَ إخواننا العاملين المضحين الفضلاء لا تتجاوز أعمارُهم الخمس والأربعين سنة، فيضطرون إلى الذهاب للحرب تاركين الخدمة القرآنية المقدسة. ولو أنَّ لي مبلغًا من المال، لكنت أَدفعه -بكل رضاي- لأجل إنقاذ هؤلاء الإخوة الأكارم، حتى لو كان البدل النقدي ألف ليرة! إن انخراط مئاتٍ من إخواننا العاملين في الجندية، ومزاولتهم الجهاد المادي خسارةٌ فادحة لخدمتنا، أَشعر أنها تعدِل أكثرَ من مائة ألف ليرة. بل إن ذهاب "ذكائي" إلى الجندية خلال السنتين الماضيتين، أفقدنا أكثر من ألف ليرة من الفوائد المعنوية.
— 147 —
وعلى كل حال فإن القدير ذا الجلال الذي يطهّر وجهَ السماء الملبّد بالغيوم ويبرز الشمسَ الساطعة في وجه السماء اللامع خلال دقيقة واحدة، هو القادرُ أيضًا على أن يزيل هذه الغيوم السوداء المظلمة الفاقدة للرحمة، ويُظهر حقائقَ الشريعة كالشمس المنيرة بكل يُسر وسهولة وبغير خسارة.
إننا نرجو هذا من رحمته الواسعة، ونسأله سبحانه ألّا يكلِّفنا ذلك ثمنًا غاليًا. وأن يمنح رؤوسَ الرؤساء العقلَ ويهب لقلوبهم الإيمانَ. وهذا حسبنا، وحينها تتعدل الأمور بنفسها وتستقيم.
السؤال الرابع المثير:
يقولون: ما دام الذي في أيديكم نورًا، وليس هراوةً وصولجانًا، فالنور لا يُعارَض ولا يُهرَب منه، ولا ينجم من إظهاره ضررٌ. فلِمَ إذن توصون أصدقاءكم بأخذ الحذر وتمنعونهم من إبراز رسائلَ نيّرةٍ كثيرة للناس كافة؟.
مضمون جواب هذا السؤال باختصار هو: أن رؤوس كثير من الرؤساء مخمورة، لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، فيؤوّلونه إلى معنى خطأ، ويعترضون ويهاجمون. ولسدّ الطريق في وجه هجومهم ينبغي عدم إظهار النور لهم لحين إفاقتهم واسترجاع رشدهم. ثم إن هناك غيرَ منصفين كثيرين، ينكرون النور، أو يغمضون أعينَهم دونه، لأغراض شخصية خاصة، أو خوفًا أو طمعًا. ولأجل هذا أُوصى إخوتي أيضًا ليأخذوا حِذْرَهم ويحتاطوا للأمر، وعليهم ألّا يعطوا الحقائقَ أحدًا من غير أهلها، وألّا يقوموا بعمل يثير أوهامَ أهل الدنيا وشبهاتهم عليهم.
(٭): حادثة لطيفة يمكن أن تكون وسيلة لمسألة جادة:
جاءني أول أمس السيد محمد وهو صهر أحد أصدقائي، وقال مسرورًا ومبشرًا: لقد طبعوا في إسبارطة كتابًا من كتبك. وكثير من الناس يقرأونه. قلت: ذلك ليس طبعةً محظورةً، وإنما هو ما أخذ من النسخ، فلا تعترض عليه الدولة. وقلت له أيضًا: إياك أن تحدث بهذا الخبر صديقَيك المنافقَين، إذ هما يتحريان أمثال هذه الأمور ليجعلوها وسيلة للهجوم.
وهكذا فيا إخوتي! على الرغم من أن هذا الشخص صهر أحد أصدقائي، فيعدّ من أحبابي بهذه العلاقة، إلّا أنه بحكم مهنته: الحلاقة صديق للمعلم الفاقد للوجدان وللمدير المنافق. وقد أخبره بهذا الخبر أحد إخواننا هناك دون علم منه. وحسنًا فعل أن أخبرني لأول مرة فنبهته. وبدوري نبهت الإخوة أيضًا. وسدّ بذلك الفساد. ونشرت آلة الرونيو ألوف النسخ تحت هذا الستار. (المؤلف).