— 235 —
مقدمة
اعلم أن هذه معجزة آدم تُحُدِّيت بها الملائكةُ، بل معجزةُ نوع البشر في دعوى الخلافة. إن في القصَصَ لعِبرًا.
ثم إني نظرًا إلى
﴿ ولا رطب ولايابس الا في كتاب مبين ﴾
(الأنعام:٥٩) ومستندًا إلى أن التنیزيل كما يفيدك بدلالاته ونصوصه كذلك يعلّمك بإشارته ورموزه، لَأفهمُ من إشاراتِ (٭): فإن كنت في ريب فيما استخرجه من لطائف نظم التنزيل، فأقول:
قد استشرنا ابن الفارض تفاؤلًا فأجاب بی:
كأن الكرام الكاتبين تنزّلوا على قلبه وحيًا بما في صحيفة (حبيب) أستاذيةِ إعجازِ القرآن في قَصَص الأنبياء ومعجزاتهم
التشويقَ والتشجيعَ للبشر على التوسل للوصول إلى أشباهها؛ كأن القرآن بتلك القصص يضع إصبعه على الخطوط الأساسية ونظائرِ نتائج نهايات مساعي البشر للترقي في الاستقبال الذي يُبنى على مؤسسات الماضي الذي هو مرآة المستقبل، وكأن القرآن يمسح ظهرَ البشر بيد التشويق والتشجيع قائلا له: اسعَ واجتهد في الوسائل التي توصلك إلى بعض تلك الخوارق!
أفلا ترى أن الساعة والسفينة أولُ ما أهدتْهما للبشر يدُ المعجزة. [٭]: المقام الثاني من "الكلمة العشرين" فيه تفصيل كاف لهذا البحث.
وإن شئت فانظر إلى
﴿ وعلّم آدم الاسماء كلها ﴾
، وإلى
﴿ ولقد اتينا داودَ منّا فضلا يا جبالُ أوّبي معه والطير وألنّا له الحديد ﴾
(سبأ:١٠)، وإلى
﴿ ولسليمن الريح غُدوّها شهر ورواحها شهر وأسَلْنا له عَينَ القطر ﴾
(سبأ:١٢) "أي النحاس"، وإلى
﴿ اضرب بعصاكَ الحجَرَ فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عينا ﴾
(البقرة:٦٠)، وإلى
﴿ وتبرئُ الاكمهَ والأبرصَ بإذني ﴾
— 236 —
(المائدة:١١٠)! ثم تأمل فيما مخّضه تلاحقُ أفكارِ البشر واستنبَطه من ألوفِ فنونٍ، ناطقٌ كلٌّ منها بخواصِّ وصفاتِ وأسماء نوعٍ من أنواع الكائنات، حتى صار البشر مظهرَ
﴿ وعلّم آدم الاسماء كلها ﴾
.. ثم فيما استخرجه فكرُ البشر من عجائب الصنعة من السكّة الحديدية والآلة البرقية وغيرهما بواسطة تليين الحديد وإذابةِ النحاس حتى صار مظهرَ
﴿ وألنّا له الحديدَ ﴾
الذي هو أُمّ صنائعه..
وفيما أفرخه أذهانُ البشر من الطيّارات التي تسير في يوم شهرًا حتى كاد أن يصير مظهرَ
﴿ غُدُوها شهرٌ ورَواحُها شهر ﴾
.. وفيما ترقَّى إليه سعيُ البشر من اختراع الآلات والعصِيِّ التي تضرب في الأرض الرملة اليابسة فتفور منها عينٌ نضّاخة وتصير الرملة روضةً حتى أوشك أن يصير مظهرَ
﴿ اضرب بعصاك الحجر.. ﴾
وفيما أنتجه تجارب البشر من خوارق الطب التي طفق أن تبرئ الأكمه والأبرص والمزمن بإذن اللّٰه.. ترَ [٭]: جواب "فانظر". مناسیییبة تامة تصحح لك أن تقول: تلك مقائسها، وذكرُها يشییير إليها ويشجع عليها.
وكذا انظر إلى قوله تعالى:
﴿ يا نارُ كوني بردًا وسلاما ﴾
(الأنبياء:٦٩)
وإلى
﴿ لولا ان رَا برهانَ ربه ﴾
(يوسف:٢٤) أي صورةَ يعقوب عاضًا على إصبعه في روايةٍ، وإلى
﴿ اني لأَجِد ريحَ يوسف ﴾
(يوسف:٩٤) وإلى
﴿ ياجبالُ أوّبي معه ﴾
وإلى
﴿ عُلِّمنا منطق الطير ﴾
(النمل:١٦) وإلى
﴿ أنا اتيك به قبل ان يرتدّ اليك طرفُك ﴾
(النمل:٤٠) وأمثالِها، ثم تأمل فيما كشفه البشر من مرتبة النار التي لا تحرق ومن الوسائط التي تمنع الإِحراق، وفيما اخترعه من الوسائل التي تجلب الصور والأصوات من مسافات بعيدة وتُحضرها إليك قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك، وفيما أبدعه فكرُ البشر من الآلات الناطقة بما تتكلم، وفي استخدامه لأنواع الطيور والحمامات، وقس عليها، لترى بين هذين القسمين ملاءمةً يحق بها أن يقال: في هذه رموز إلى تلك.
وكذا تأمل في خاصية المعجزة الكبرى التي هي خاصية الناطقية؛ التي هي خاصية الإنسانية، وهي الأدب والبلاغة. ثم تدبّر في أن أعلى ما يربِّي روحَ البشر، وألطف ما يصفِّي وجدانَه، وأحسن ما يزيِّن فكره، وأبسط ما يوسِع قلبه إنما هو نوع من الأدبيات. ولأمرٍ مّا ترى
— 237 —
هذا النوع أبسط الفنون وأوسعَها مجالًا وأنفذها وأشدها تأثيرًا وألصقها بقلوب البشر حتى كأنه سلطانها. فتأمل!
ثم إن لهذه الآية أيضًا الوجوه الثلاثة النظمية:
أما نظم مآلها بسابقتها فمن وجوه أربعة:
الأول: أن التنیزيل لما ذكر في الآية الأولى في بيان حكمة خلقة الإنسان ما هو أوّلُ الأجوبة وأَولاها وأعمُّها للكل وأيسرُها وأسهلُها إقناعًا وأجملُها إجمالًا وأوجزُها، بيّن بهذه الآية جوابًا تفصيليًا يطمئن به العوام والخواص.
والثاني: أنه لمّا صرّح في تلك بمسألة الخلافة للبشر، برهن بهذه على تلك الدعوى بمعجزة ذلك النوع في مقابلة الملائكة.
والثالث: أنه لما أشار بتلك إلى ترجح البشر على الملَك رمز بهذه إلى لِمّيّة الرجحان.
والرابع: أنه لما لوّح بها إلى مظهرية هذا النوع للخلافة الكبرى في الأرض لمّح بهذه احتجاجًا عليها إلى أن الإنسان هو النسخة الجامعة والمظهر الأتمّ لكل التجليات لتنوع استعداداته وتكثّر طرق استفاداته وعلمه فيحيط بالكائنات بحواسه الخمس الظاهرة والباطنة لاسيما بوجدانه الذي لا قعر له. أفلا تراه يعلم أمثال حلاوة العسل بوجهين بل بوجوه خلاف المَلَك فتأمل!
أما نظم الجمل بعضها مع بعض ففطريّ في غاية السلاسة: فالأولى: تحقيق لمضمونِ
﴿ اني أعلم ما لا تعلمون ﴾
وتفصيلٌ لمَا أجمل فيها وتفسير لما أبهم.. وكذا إن خلافة اللّٰه تعالى في أرضه لإجراء أحكامه وتطبيق قوانينه تتوقف على علم تام.. وكذا إن انصباب الكلام في الآية الأولى ينجرّ إلى: "فخلقه وسوّاه ونفخ فيه من روحه وربّاه ثم علّم الأسماء وأعده للخلافة.. ثم لمّا اصطفاه على الملائكة وميّزه بعلم الأسماء في مسألة الرجحان واستحقاق الخلافة اقتضى مقامُ التحدِّي عرْضَ الأشياء عليهم وطلبَ المعارضة منهم.. ثم لمّا أحسّوا بالعجز من أنفسهم أَقرّوا بحكمته تعالى واطمأنوا". ولهذا قال:
﴿ ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين ﴾
— 238 —
قالوا
أي متبرئين مما دسّه في استفسارهم أَنانيةُ إبليس
﴿ سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم ﴾
[٭]: لقد جاءت إلى لساني -دون اختيارٍ مني- هذه الآية الكريمة في ختام معظم "الكلمات" و"المكتوبات" من "رسائل النور"، والآن فقط أدركت أن تفسيري هذا قد اختُتم أيضًا بهذه الآية الكريمة. فجميع "الكلمات" إذن ما هي إلّا تفسير حقيقي لهذه الآية الكريمة، وجدول رقراق ينساب من بحرها ثم يصب فيه في خاتمة المطاف، حتى لكأن كل "كلمة" من "الكلمات" تنبع من هذه الآية الكريمة. فأنا إذن لم أستكمل منذ ذلك الوقت تفسير هذه الآية كي أَشرع في الجزء الثاني من التفسير. سعيد النورسي (ت:٢٤٤)
ثم لمّا ظهر عجزُهم لعدم جامعية استعدادهم اقتضى المقامُ بيانَ اقتدارِ آدم حتى يتم التحدِّي فقال:
﴿ يا آدم أنبئهم باسمائهم ﴾
.. ثم لما امتثل وظهر سرُّ الحكمة فيه اقتضى المقامُ استحضارَ الجواب الإجمالي السابق وجعلَه كالنتيجة لهذا التفصيل فقال:
﴿ ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾
واعلم أنه قد تَشفّ وتُحسّ صورةُ المقاولة عن تولّد أنانية إبليس فيما بين الملائكة وتُشعر بتداخل اعتراضِ طائفةٍ بين استفسارهم.
أما نظم هيئات جملة جملة:
فجملةُ وعلّم آدم الاسماء كلها أي صوَّره بفطرة تضمنت مبادئ أنواع الكمالات، وخلَقَه باستعدادٍ زرَع فيه أنواعَ المعالي، وجهّزه بالحواس العشر وبوجدان تتمثل فيه الموجودات، وأعدّه بهذه الثلاث لتعلُّم حقائق الأشياء بأنواعها، ثم علّمه الأسماء كلها. الواو فيها إشارة إلى الجمل المطوية تحت إيجازه كما مرَّ. و عَلَّم فيه إشارة إلى تنويه العلم ورفعة درجته وأنه هو المحور للخلافة.. وكذا رمز إلى أن الأسماء توقيفية. ويؤيده وجود المناسبة المرجحة للوضع -في الأغلب- بين الأسماء والمسمّيات.. وكذا إيماء إلى أن المعجزة فعلُ اللّٰه بلا واسطة خلافا للفلاسفة الذين يقولون: "إن الخوارق أفعال للأرواح الخارقة".
و آدم أي الشخص الأرضي الذي أراد اللّٰه تعالى خلافته وسمّاه آدم فالتصريح بالعلم لتنويهه وتشهيره وإحضاره بصورته.
و الأسماء سمات الأشياء من الصفات والخواص والأسماء، أو اللغات التي
— 239 —
اقتسمها بنو آدم. وفيه إيماء بدليلِ عرضهم إلى أن الاسم عينُ المسمّى [٭]: أي إذا أريد بالاسم ذات الشيء. (ب). كما عليه أهل السنة.
و كلها تنصيص على منشأ التميز ومدار الإعجاز. وجملةُ
﴿ ثم عرضهم على الملئكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين ﴾
فی ثم إشارة بسر التراخي واقتضاء المقام إلى "وقال: هو أكرم منكم وأحق بالخلافة".
وأما عرضهم أي أظهر أنواع الأشياء مبسوطة للبيع لأنظارهم كعرض المتاع على المشتري، وعرضِ الصفوف على الأمير. ففيه إشارة إلى أن الموجودات مالٌ للمُدْرِك يشتريها بالعلم، ويأخذها بالاسم، ويتملكها بتمثل الصورة.
وأما هُمْ الدالُّ على الذكور العقلاء فسِرُّ ما فيه من التغليبين والمجاز ما يرمز إليه لفظ العَرض. [٭]: حيث هناك تغليب الذكور على الإناث، وتغليب العقلاء على غيرهم. أما المجاز فهو في رجوع "هم" إلى أنواع الجمادات. (ت:٢٤٣). إذ يتخيل -مِن إرساله صور طوائفِ الموجودات مارةً صفًا صفًا على الأنظار- كونُها قبائل من العقلاء يجيئون إليهم.
وأما على فإيماء إلى أن ما يُعرض عليهم هي الصور المرتسمة في اللوح الأعلى.
تمت بوفاء
[٭]: كتبت هذه الجملة بخط المؤلف في النسخة المطبوعة سنة ١٩١٨.
— 240 —
باسمه سبحانه
كلمة لستة من طلاب النور
لقد درسنا على أستاذنا الفاضل قسمًا من تفسيره الموسوم "إشارات الإعجاز" الذي ألّفه قبل أربعين سنة أثناء الحرب العالمية الأولى، حينما كان يؤدي فريضة الجهاد في الخط الأمامي لساحة القتال وأحيانًا كان على صهوة جواده.
ونحن مع قصر فهمنا بدقائق اللغة العربية وأسرار البلاغة، فقد أدركنا عندما قرأنا هدا التفسير على يد أستاذنا الفاضل أنه تفسير بديع وخارق للعادة، فرأينا من الأنسب أن نذكر النقاط الأربع الآتية حول بيان هذا التفسير للإعجاز النظمي فحسب من وجوه الإعجاز للقرآن:
النقطة الأولى: إن معاني القرآن معانٍ شاملة كلية وعامة لا تقتصر على طائفة معينه أو على معنى جزئي، بل يقدم أطيب الأغذية طرًا وألذها طعمًا إلى ألوف الطبقات المتباينة من الجن والإنس، فيوفّي حاجة أفكارهم ويُشبع عقولهم ويغذى قلوبهم وينمّي أرواحهم، كل بما يليق به؛ وذلك لأنه وحي سماوي وخطاب صمداني يخاطب اللّٰه سبحانه جميعَ طبقات البشر المصطفّين خلف الأعصار، فيجيب عن أسئلةِ واستفساراتِ جميع الطوائف ويلبي حاجاتهم كلها؛ فلا غرو أنه كلام رب العالمين، صادر من أرفع مراتب الربوبية المطلقة.
النقطة الثانية: إن ألفاظ القرآن التي هي بمثابة الأصداف لنفائسِ لآلئِ المعاني الكلية الشاملة، والتي نزلت من صفة الكلام الأزلي وخاطبتْ جميعَ الأعصار وجميعَ البشرية، لا ريب أنها كلية جامعة. وقد لمسنا في هذا التفسير قسمًا من الإعجاز -القطعي الثبوت- في كل حرف من حروف ذلك الكتاب الحكيم والتي يثمر كل منها عشر حسنات أو مائةً أو ألفًا أو ألوفًا بل في الأوقات المباركة -كليلة القدر- ثلاثين ألف ثمرة من ثمرات الجنة.
— 241 —
النقطة الثالثة: إنَّ الحسن والجمال اللذين يلمعان في مجموع الشيء، لا يُتحريان في كل جزء من أجزائه، ولا يعدّ نقصًا ما لم يشاهَد ذلك الجمال في الجزء. ومع هذا فإن الإعجاز النظمي الذي نراه في جميع سور القرآن وفي آياته نراه بنمط آخر عندما ندقق ونحلل هيئاتِ وكيفياتِ كلماته وجمله. وهذا التفسير المؤلَّف بالعربية يبين منبعًا من المنابع السبعة لإعجاز الكتاب الحكيم، ألا وهو الجزالة الخارقة في ألفاظه مبينًا أدق فروعه وأخفى أسرارِه. فلا شك أنه لا يعد إسرافًا -بل هو حقيقة- اهتمام "إشارات الإعجاز" بكل حرف من حروف القرآن العظيم التي يثمر كل منها عشرًا من الحسنات بل يرتقى الثواب إلى ثلاثين ألفًا في بعض الأوقات.
النقطة الرابعة: إن معاني القرآن الحكيم لها جامعية واسعة وكلية شاملة، وذلك لصدوره من الكلام الأزلي وخطابِه جميعَ الطبقات البشرية في جميع الأعصار. لذا لا تنحصر تلك المعاني على مسألة واحدة كما هي في الإنسان، بل هي كالعين الباصرة تنظر إلى أوسع المدى. فيضم الكلامُ الأزلي ضمن نظره المحيط جميعَ الأزمان وجميع البشرية بطوائفها كافة.
فبناءً على ما أسلفناه نقول: إن جميع الوجوه التي أوردها المفسرون في كتبهم التي تفوق العد، وما استنبطوه من المعاني المشتمل عليها الكتاب الكريم صراحة أو إشارة أو رمزًا أو إيماءً أو تلويحًا أو تلميحًا مرادةٌ ومقصودة بالذات من الكتاب الكريم، شريطةَ أن لا تردّها العلومُ العربية وأن تستحسنها البلاغة وأن يقبلها علم أصول مقاصد الشريعة.
طاهري، زبير، صونغور، ضياء، جيلان، بايرام.