إشارات الإعجاز
— 188 —

مقدمة

هذه الآية مع ما قبلها إشارة إلى القيامة والحشر، فمدار النظر في هذه المسألة أربع نقط:
إحداها: إمكانُ خراب العالم وموته.
والثانية: وقوعُه.
والثالثة: التعمير والإِحياء.
والرابعة: وقوعه.
— 189 —
أما إمكان موت الكائنات:
فاعلم أن الشيء الداخل تحت قانون التكامل ففيه نشوءٌ ونماء.. فله عمرٌ طبيعيّ.. فله أجَلٌ فطريّ؛ لا يخلص من حُكم الموت؛ بدليل استقراء أكثر أفراد الأنواع. فكما أن الإنسان عالَم صغير لا خلاص له من الخرابية؛ كذلك العالَم إنسانٌ كبير لامناص له من الموت البتة. وكما أن الشجر نسخةٌ من الكائنات يعقبها التخريبُ والانحلال؛ كذلك سلسلة الكائنات من شجرة الخلقة لا مناص لها من يد التخريب للتعمير. ولئن لم يَعرضْ عاصفة أو مرض خارجيّ بالإرادة الأزلية قبل العمر الفطريّ، ولم يخرّبها صانُعها قبلَه لَيَجئُ بالضرورة وعلى كل حال حتى بالحساب الفنّي يومٌ يتحقق فيه:
﴿ اِذا الشّمْسُ كُوِّرَتْ ٭ واذا النجوم انكدرت ﴾
(التكوير:١-٢) و
﴿ إذا السماء انشقت ﴾
(الانشقاق:١) فيتظاهر في الفضاء سكراتُ الإنسانِ الكبيرِ بخرخرة [٭]: خرخرة: صوت النائم، استعمله للمحتضر. (ش). عجيبة وصوت هائل.
أما وقوعه:
فبإجماع كل الأديان السماوية، وبشهادة كلِّ فطرة سليمة، وبإشارةِ تغيّرِ وتبدّلِ وتحوّلِ الكائنات. وإن شئت أن تتصور سكراتِ العالم وخرخرته فاعلم أن الكائنات قد ارتبطت بنظام عُلويّ دقيق، واستمسكت بروابطَ عجيبة، فإذا صار جسمٌ من الأجرام العلوية مظهرَ خطاب "كُن" أو "اخْرُج عَنْ مِحْوركَ" ترى العالمَ يشرع في السكَرات، وترى النجومَ تتصادم، وتتلاطم الأجرامُ فترعد وتصيح في الفضاء الغير المتناهي، ويضرب بعضٌ وجهَ بعض، وترمي بشَرر كأرضنا هذه بل أكبر. فكيف أنت بخرخرةِ موتٍ صوتُها محصَّلُ ملايين مَرامي مدافعَ رصاصتُها الصغرى أكبر من الأرض؟..
فبهذا الموت تتمخض الخِلقةُ وتتميز الكائناتُ فتمتاز جهنمُ بعشيرتها ومادتها، وتتجلى الجنةُ جامعةً لطائفتها مستمدةً من عناصرها.
- فإن قلت: لِمَ كانت الكائنات مغيَّرة موقّتة تخرُب ثم تصير يوم القيامة مؤبَّدة مُحكَمةً ثابتة؟
قيل لك: إن الحكمة والعناية الأزليتين لما اقتضتا التجربة والابتلاء، والنشوءَ والنماء في الاستعدادات، وظهورَ القابليات، وظهورَ الحقائق النسبية التي تصير في الآخرة حقائقَ
— 190 —
حقيقية، ووجودَ مراتبَ نسبيةٍ، وحِكم كثيرةٍ لا تدركها العقولُ؛ جعل الصانعُ جلّ جلالُه الطبائعَ مُختلطةً، والمضارّ ممزوجةً بالمنافع، والشرورَ متداخلةً بين الخير، والمقابحَ مجتمعة مع المحاسن، فخمّرتْ يدُ القدرة الأضدادَ تخميرًا، فصيّرت الكائناتِ تابعةً لقانون التبدل والتغيّر والتحوّل والتكامل. فلمّا انسدّ ميدانُ الامتحان وانقضى وقتُ الابتلاء وجاء وقتُ الحصاد؛ أراد الصانعُ جلّ جلالُه بعنايته تصفيةَ الأضداد المختلطةِ للتأبيد، وتمييزَ أسبابِ التغيّر، وتفريقَ موادّ الاختلاف؛ فتحصل جهنمُ بجسم مُحكَم مَظهرًا لخطابِ: وَامْتَازُوا وتجلى الجنةُ بجسم مؤبّدٍ مشيّد مع أساساتها.. بسرّ أن المناسبةَ شرطُ الانتظام، والنظامَ سببُ الدوام. ثم إنه تعالى أعطى بقدرته الكاملة لساكني هاتين الدارَين الأبديتين وجودًا مشيّدًا لا سبيل للانحلال والتغيّر إليه، على أن التغيّر هنا المنجَر إلى الانقراض إنما هو بتفاوت النسبة بين التركيب وما يتحلل، وأما هناك فلِاستقرار النسبة يجوز التغيّرُ بلا انجرار إلى الانحلال.
وأما النقطة الثالثة والرابعة: أعني إمكان التعمير والحشر ووقوعه:
فاعلم أن التوحيد والنبّوة لمّا لم يصح إثباتهما بالدليل النقليّ فقط للزوم الدور [٭]: حيث إن صحة الدلائل النقلية (القرآن والحديث) مرتبطة بصحة النبوة وصدقها، فإذا ما أثبتت النبوة أيضًا بالدلائل النقلية، يلزم المحال وهو الدور والتسلسل، لذا أشار القرآن إلى الدلائل العقلية عليهما. (ت: ٦٣) أشار القرآنُ إلى الدلائل العقلية عليهما. أما الحشر فيجوز إثباته بالعقل والنقل:
أما العقليّ فراجعْ إلى ما بيّنا بقدر الطاقة في تفسيرِ وبالآخرة هم يوقنون حاصلُه: أن النظام والرحمة والنعمة إنما تكون نظامًا ورحمةً ونعمة إن جاء الحشرُ..
وأما النقليّ فقول كل الأنبياء مع حُكم القرآن المعجِز بوقوعه. وأما النقليّ مع الرمز للعقليّ فراجع هذا الموضع من تفسير فخر الدين الرازي [٭]: انظر: مفاتيح الغيب للإمام الرازي ١/٣٩٨ فقد ذكر فيه مواضع الآيات الدالة على الحشر. فإنه عدّد الآيات المثبتة للحشر.
والحاصل: أنه ما من متأمل في نظائرِ وأشباهِ وأمثالِ الحشر في كثيرٍ من الأنواع إلّا ويتحدّس من تفاريق الأمارات إلى وجود الحشر الجسماني والسعادة الأبدية.
أما نظمُ جملها بعض مع بعض، فاعلم أن السلك الذي نُظّم فيه جواهرُ جُمل هذه الآية وسلسلتُها هي:
أن السعادة الأبدية قسمان:
— 191 —
الأول الأَوْلى: رضاء اللّٰه تعالى وتلطيفه وتجلّيه وقُربيته.
والثاني: السعادة الجسمانية وهي بالمسكن والمأكل والمنكَح ومتمّمُها ومكمّلُها جميعًا هو الدوام والخلود.
ثم إن أقسام الأول مستغنيةٌ عن التفصيل أو غيرُ قابلة. [٭]: غير قابلة للتفصيل.
وأما أقسام الثاني: فالمسكن: ألطفُه ما يجري الماء بين نباتاته؛ ألا ترى أن مُلهِمَ الشعر ومُفيضَ العشق في القلوب إنما هو خشخشة [٭]: خشخشة :صوت السلاح أو الحلي عند اصطكاكه. الماء وخريرُه، وكشكشة [٭]: كشكشة: صوت جلد الحية حين المرور، استعمله المؤلف لصوت مرور الماء كالحية (ش). الأنهار وصفيرُها تحت القصور وبين البساتين.
والمأكل: الرزق. ولأنه قوت يكون كمالُ لذّته فيما حصل به الألفة والأُنسية، ولأنه تفكّه يكون كمالُ لذتِه في التجدد من جهة؛ إذ بحُكم المألوفية يُعرَف درجةُ علوّ النعمة وتفوقُها على نظيرها. وكذا من مكمّلات اللذة أن يعرف أنه جزاء عمله.. ومنها أن يكون منبعُه ومخزنُه حاضرًا نصبَ العين لتحصل لذةُ الاطمئنان.
وأما المنكَح: فاعلم أن من أشدّ حاجات الإنسان وجودَ قلبٍ مقابلًا لقلبه لمداولة المحبة ومبادلة العشق والمؤانسةِ والتشارك في اللذة، بل التعاونِ في أمثال الحيرة والتفكر. ألا ترى أن من رأى ما يتحيّر فيه أو يتفكر في أمر عجيب يدعو -ولو ذهنًا- من يُعينُه في تحمّل الحيرة. ثم إن ألطفَ القلوب وأشفقَها وأحرَّها قلبُ القِسم الثاني. ثم إن متمِّم الامتزاج الروحيّ ومكمِّلَ الاستيناس القلبيّ، ومصفِّيَ الاختلاط الصوريّ كون القسم الثاني مبرَّأةٌ ومطهّرَة من الأخلاق السيئة والعوارض المنفِّرة.
- فإن قلت: إنَّ الأكل لبقاء الشخص؛ إذ به يحصل تعمير ما يتحلل، وإن النكاح لبقاء النوع مع أن الأشخاص في الآخرة مؤبَّدون لا يقع فيهم التحويل والانحلال، وكذا لا تناسل في الآخرة؟
— 192 —
قيل لك: إنَّ فوائد الأكل والنكاح ليست منحصرةً في البقاء والتناسل بل فيهما لذةٌ عظيمة في هذا العالم الأَلَميّ. وكيف لا يكون فيهما في عالم السعادة واللذة لذّاتٌ عالية منیزّهة؟
- فإن قلت: إن اللذة هنا دفعُ الألم؟
قيل لك: إنَّ دفعَ الألم سببٌ من أسباب اللذة.. وأيضًا قياسُ العالم الأبديّ على هذا العالم قياسٌ مع الفارق، بل إن النسبة بين حديقة "خُورْخُورْ" [٭]: حديقة خورخور: مكان يقع تحت قلعة مدينة "وان" وفيها مدرسة المؤلفِ. هذه وتلك الجنة العالية هي النسبة بين لذائذ الآخرة ونظائرِها في هذا العالم. فكما تفُوق تلك الجنةُ على الحديقة بدرجات غير محصورة؛ كذلك هذه.. وإلى هذا التفاوت العظيم أشار ابن عباس رضي اللّٰه تعالى عنهما بقوله: "ليس في الجنة إلّا أسماؤها" [٭]: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" أو ألفاظ مقاربة والمعنى واحد. انظر تفسير ابن كثير ١/٦٣؛ تفسير القرطبي ١/٢٤٠؛ الطبري ١/١٣٥؛ فتاوى ابن تيمية ٣/٢٨؛ المطالب العالية لابن حجر برقم ٤٦٩٢؛ فتح القدير للشوكاني ١/٥٥. أي ثمراتِ الدنيا.
أما الخلودُ ودوامُ اللذة، فاعلم أن اللذة إنما تكون لذةً حقيقيةً إن لم ينغّصها الزوالُ؛ إذ كما أنّ دفعَ الألم لذةٌ أو سببٌ لها، كذلك زوالُ اللذة ألمٌ بل تصوّرُ زوالِ اللذةِ ألمٌ أيضًا. حتى إن مجموع أشعار العشاق المجازيين إنما هي أنينٌ ونياحٌ من هذا الألم. وإن ديوانَ كلِّ عاشق غيرِ حقيقي إنما هو بكاء وعويل من هذا الألم الناشئ من تصوّرِ زوالِ المحبوب.. نعم، إنَّ كثيرًا من اللذائذ الموقّتة إذا زالت أثمرت آلامًا مستمرة كلما تَذكّرها [٭]: تذكرها الإنسان. يفور مِن فيه: "أيواه!" وا أسفا! المترجمَينِ عن هذا الألم الروحانيّ. وإن كثيرًا من الآلام إذا انقضت أَوْلَدت لذّاتٍ مستمرة كلما تذكرها الشخص وهو قد نجا، يتكلم بی"الحمد للّٰه" الملوِّحِ لنعمة معنوية.
أجل، إنَّ الإنسان مخلوقٌ للأبد، فإنما تحصُل له اللذةُ الحقيقيةُ في الأمور الأبدية كالمعرفة الإلهية والمحبة والكمال والعلم وأمثالِها.
والحاصل: أنَّ اللذة والنعمة إنما تكونان لذةً ونعمة إن كانتا خالدتين.
وإذا رأيت هذا السلك فانظم فيه جمَل الآية.
أما جملة:
﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾
فاعلم أنه تعالى لما كلّف
— 193 —
الناسَ، وأثبت النبوّة، وكلف النبيّ بالتبليغ أمرَه بالتبشير تأمينًا لامتثال التكليف الذي فيه مشقةٌ وتركٌ للّذائذ الدنيوية. فكما أنه مأمور بالإنذار؛ كذلك مأمور بالتبشير برضاء اللّٰه تعالى وتلطيفه وقُربيته وبالسعادة الأبدية.
وأما جملةَ
﴿ ان لهم جنات تجري ﴾
فاعلم كما مرَّ أن أَوّل حاجات الإنسان الضرورية -لأنه جسم- المكانُ والمسكن؛ وأنّ أحسنَ المكان هو المشتمل على النباتات والأشجار، وأن ألطفه هو الذي يتسلل بين خضراواته الماءُ، وأن أكمَله هو الذي تجري بين أشجاره وتحت قصوره الأنهار بكثرة. فلهذا قال:
تجري من تحتها الأنهار.. ثم إن أشد الحاجات كما سمعت آنفًا بعدَ المكان وأكمل اللذائذ الجسمانية هو الأكل والشرب اللذين [٭]: الظاهر؛ اللذان. يشير إليهما الجنة والنهر.. ثم إن أكملَ الرزق هو أن يكون مألوفًا ومأنوسًا ليُعرف درجةُ تفوقه على نظيره.. وألذّ الفاكهة أن تكون متجددة.. وإن أصفى اللذة هو أن يكون المقتطَف معلومًا وقريبًا.. وإن ألذَّها أن يُعرف أنها ثمرةُ عمله. فلهذا قال:
﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ﴾
أي في الدنيا أو قبل هذا الآن.
وأما وأتوا به متشابها فاعلم أن في الحديث: أن صورتَها واحدة والطعم مختلف. [٭]: أخرجه ابن جرير عن يحيى بن كثير (ب) وأصل الحديث في الطبري (١/٣٨٧): عن يحيى بن كثير، قال: "يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتِينا به من قبل. فيقول الملك: كُلْ، فاللونُ واحد والطعمُ مختلف" وانظر: ابن كثير ١/١١٤، والدر المنثور ١/٣٨. فتشير الآية إلى لذةِ التجدّد في الفاكهة.. وأن كمال اللذة أن يكون الشخصُ مخدومًا يؤتى إليه.
وأما جملةُ ولهم فيها أزواج مطهرة فاعلم كما رأيت في السلك أن الإنسان محتاجٌ لرفيقة وقرينة يسكن إليها وينظر بعينها وتنظر بعينه ويستفيد من المحبة التي هي ألطفُ لمعات الرحمة. ألا ترى أن الأُنسية التامة هنا بهنّ؟
وأما جملة وهم فيها خالدون فاعلم أن الإنسان إذا صادف نعمةً أو أصاب لذة فأول ما يتبادر لذهنه: أتدومُ أم تُنَغَّص بزوال؟ فلهذا أشار إلى تكميل النعمة بخلود الجنة ودوامهم وأزواجهم فيها ودوام اللذائذ واستمرار الاستفادة بقوله: وهم فيها خالدون
— 194 —
أما نظم هيئاتِ جملةٍ جملةٍ:
فجملة:
﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾
الواو فيها -بسرّ المناسبة بين المتعاطفَين- إشارة إلى "أنذر" الذي يتقطّر من أنف السابقة.. وأما بشر فرمز إلى أن الجنة بفضله تعالى لا واجب عليه.. وكذا إلى أن لابد أن لا يكون العملُ لأجل الجنة.. وأما صورةُ الأمر في بشر فإيماء إلى "بلّغ مبشرًا" فإنه مكلَّف بالتبليغ..
وأما الذين آمنوا بدل "المؤمنين" الأقصرِ، فتلويحٌ إلى الذين الذي مرّ في رأس السورة ليكون تفصيلُه هناك مبيِّنا لما أجمل هنا.
وأما إيراد آمنوا وعملوا على صيغة الماضي هنا، مع إيراد يؤمنون و ينفقون هناك بصيغة المضارع فللإشارة إلى أن مقامَ المدح والتشويق على الخدمة شأنُه المضارع. وأما مقامُ المكافأة والجزاء فالمناسب الماضي، إذ الأجرة بعد الخدمة..
وأما واو وعملوا فإشارة -بسرّ المغايرة- إلى أن العمل ليس داخلًا في الإيمان كما قالت المعتزلة. وإلى أن الإيمان بغير عمل لا يكفي. ولفظُ العمل رمز إلى أن ما يُبشَّر به كالأجرة..
أما الصالحات فمُبهَمة ومُجمَلة. قال "شيخ محمد عبده المصريّ"(٭): الإطلاق هنا حوالة على الاشتهار وتعارفِ الصالحات بين الناس. أقول: وكذا أُطلقت اعتمادًا على رأس السورة.
وأما جملة
﴿ ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾
فاعلم أن هيئاتها -مِن تحقيق أن ، وتخصيصِ "اللام"، وتقديمِ لهم ، وجمعِ "الجنة"، وتنكيرِها، وذكر الجريان، وذِكرِ من مع "تَحْتِ"، وتخصيصِ "نهر" [٭]: وجمعه وتعريفه. (ش). وتعريفِه- تتعاون وتتجاوب على إمداد الغرض الأساسيّ؛ الذي هو السرور ولذةُ المكافأة، كالأرض النّشِفة الرطبة؛ ترشح بجوانبها الحوض المركزيّ... لأن أن إشارةٌ إلى أن البشارة بما هو في هذه الدرجة من العظمة يتردد فيها العقلُ فتحتاج إلى التأكيد.. وأيضًا من شأن مقام
— 195 —
السرور طردُ الأوهام؛ إذ طَرَيان أدنى وَهْم يكسر الخيالَ ويطير السرورَ.. وكذا إيماءٌ إلى أن هذا ليس وعدًا صِرفًا بل حقيقةٌ من الحقائق.
ولام لهم إشارة إلى الاختصاص والتملّك والاستحقاق الفضليّ لتكميل اللذة وزيادة السرور. وإلّا فكثيرًا ما يضيِّف مَلِكٌ مسكينًا.
وتقديمُ لهم إشارة إلى اختصاصهم بين الناس بالجنة، إذ ملاحظة حالِ أهل النار سببٌ لظهور قيمة لذة الجنة.
وجمع جنات إشارة إلى تعدّد الجنان وتنوّعِ مراتبها على نسبة تنوع مراتب الأعمال.. وكذا رمز إلى أن كلَّ جزء من الجنة جنةٌ.. وكذا إيماء إلى أن ما يصيب حصةَ كلٍّ -لِوُسْعَته- كأنه كالجنة بتمامها لا كأنه يساق بجماعتهم إلى موضع..
وتنكير جنات يتلو على ذهن السامع: "فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه قال: قال رسول اللّٰه (ص): قال اللّٰه عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة اعين) (السجدة:١٧). رواه البخاري ومسلم برقم ٢٨٢٤ ولم يذكر الآية، والترمذي ٣١٩٥ (تحقيق أحمد شاكر) وزاد نسبته في صحيح الجامع الصغير ٤١٨٣ لأحمد والنسائي وابن ماجه. وكذا يُحيل على أذهان السامعين حتى يتصورها كلٌّ على الطرز الذي يستحسنُه.. وكذا كأن التنوين بدل:
﴿ وفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الاَنْفُسُ ﴾
(الزخرف:٧١).
وأما تجري فاعلم أن أحسنَ الرياض ما فيها ماء، ثم أحسنُها ما يسيل ماؤها، ثم أحسنُها ما استمر السيلان. فبِلفظ تجري أشار إلى تصوير دوام الجريان..
وأما من تحتها فاعلم أن أحسنَ الماء الجاري في الخضراوات أن ينبعَ صافيًا من تلك الروضة، ويمر مُتَخَرْخِرًا تحت قصورها، ويسيل منتشرًا بين أشجارها فأشار بی من تحتها إلى هذه الثلاثة..
وأما الأنهار فاعلم أن أحسن الماء الجاري في الجنان أن يكون كثيرًا، ثم أحسنُه أن تتلاحق الأمثالُ من جداوله. فإنَّ بتناظر الأمثال يتزايد الحُسن على قيمة الأجزاء. ثم أحسنُه أن يكون الماء عذبًا فراتًا لذيذًا كما قال: ماءٍ غَيْر آسِنٍ (محمد:١٥) فبلفظ "نهر" وجمعِه وتعريفِه أشار إلى هذه.
— 196 —
أما جملة
﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ﴾
فاعلم أن هيئاتها تتضمن كثيرةً من الجُمل الضمنية؛ فاستينافُها جوابٌ لسؤال مقدَّر، وذلك السؤال ممزوج من ثمانية أسئلة متسلسلة؛ إذ لمّا بُشّروا بمسكن هكذا عالٍ، يتبادر لذهن السامع: أفيه رزقٌ أم لا؟ وإذا كان فيه رزق فمن أين يجيء ويحصل؟ وإذا حصل من تلك الجنة، فمن أي شيء منها؟ وإذا كان من ثمرتِها، فهل هي تشبه ثمارَ الدنيا؟ وإذا شابهتها، فهل يشبه بعضها بعضًا؟ وإذا تشابهت، فهل تختلف طعومُها؟ وإذا اختلفت وقد قُطعت، فهل تنقص أم يُمتلأ موضعُها؟ وإذا تبدلت بأخرى، فهل يدوم الأكل منها؟ وإذا دام فما حال الآكلين، أفلا يستبشرون؟ وإذا استبشروا فماذا يقولون؟
وإذ تفطنتَ لهذه الأسئلة، فانظر كيف أجاب القرآنُ عن هذه الأسئلة المتسلسلة بهيئات هذه الجملة.
أما لفظ كلما فإشارة إلى الدوام والتحقيق. وماضوية رزقوا إشارة إلى تحقيق الوقوع.. وكذا إيماء إلى إخطار نظيره من رزق الدنيا إلى ذهنهم. وإيراده على بناء المفعول إشارةٌ إلى عدم المشقة وأنهم مخدومون يؤتى إليهم.
وإيثار منها من ثمرة على "من ثمراتها" للتنصيص على جوابين عن سؤالين من الأسئلة المذكورة.
وتنكيرُ ثمرة المفيدُ للتعميم إشارة إلى أنه أيةَ ثمرة كانت فهي رزق.
وتنكير رزقًا إشارة إلى أنه ليس من الرزق الذي تعلمونه لدفع الجوع.
ولفظ قالوا -أي يتقاولون بعضهُم- لبعض إيماءٌ إلى الاستبشار والاستغراب اللازمَين للحُكم.
أما جملة هذا الذي رزقنا من قبل فاعلم أن هذا الإطلاق يتضمن أربعة معان:
أحدها: أن هذا ما رُزِقنا من العمل الصالح في الدنيا فبشدة الارتباط بين العمل والجزاء كأن العملَ تجسّم في الآخرة ثوابًا. ومن هنا الاستبشار.
— 197 —
والثاني: أن هذا ما رُزِقنا من الأطعمة في الدنيا مع هذا التفاوت العظيم بين طعمَيهما. ومن هنا الاستغراب.
والثالث: أن هذا مثلُ ما أكلنا قبلَ هذا الآن مع اتحاد الصورة واختلاف المعنى لجمع لذّتَي الألفة والتجدد. ومن هنا الابتهاج.
والرابع: أن هذه التي على أغصان الشجرة هي التي أكلناها إذ ينبُت بدَلها دفعةً فكأنها إياها. ومن هنا يُعرف أنها لا تنقص.
وأما جملة وأتوا به متشابها فاعلم أنها فذلكة وتذييل واعتراضية لتصديق الحُكم السابق وتعليله.. وبناء المفعول في وأتوا إشارة إلى أنّ لهم خَدَمَة.. وفي متشابها ما عرفتَ من الإشارة إلى جمع اللذتين.
وأما جملة ولهم فيها أزواج مطهرة فاعلم أن "الواو" بسر المناسبة العطفية إشارة إلى أنهم كما يحتاجون إلى المسكن لأجسامهم يفتقرون إلى السكَن لأرواحهم..
ولهم إشارة إلى الاختصاص والتملك، ورمزٌ إلى التخصيص والحصر، وإيماء إلى أن لهم غير النساء الدنيوية حُورًا عينًا خُلِقن لأجلهم.
و فيها إشارة إلى أن تلك الأزواج لائقةٌ بتلك الجنة، فعلى نسبة علوّ درجاتها يفوق حُسنُهن.. وكذا فيها إيماءٌ خفي إلى أن الجنة تزيّنت وتبرّجت بهن [٭]: أين تحليل لفظ (أزواج)؟ لعله سقط من أيدي النسّاخ. أفيمكن أن أقول:
وعنوان (أزواج) إشارة إلى أنهن على حسن الخلق وطيب الطبيعة الذي هو رأس الألفة وأساس الازدواج.. وأيضًا فيه رمز لطيف إلى أنهن على وفق قاماتهم. وجمع (أزواج) إيماء إلى أن لكلٍّ أزواجًا كثيرة -كما بينه الحديث- لا واحدة أو اثنتين. وتنكيرها إشارة إلى أنهن لحسنهن وطهرهن حَريِّات باسم الأزواج. وكذا إحالة على ذوق السامع واشتهائه نظيرَ ما مرّ في (جنات) وكذا كأن التنوين بدل (عُربًا اترابًا). (ش).
و مطهرة إشارة إلى أن مطهِّرًا طهّرهُنّ، فما ظنّك بمن طهّرهُن ونزّههن يد القدرة؟.. وكذا إيماء بالتعدية أن نساء الدنيا يُطَهَّرن ويُصفَّين فيَصرن حسانًا كالحور العين المتطهرات في أنفسهن.
وأما جملة وهم فيها خالدون فإشارة إلى أنهم، وكذا أزواجُهم، وكذا لذائذُ الجنة، وكذا الجنةُ كافةً؛ أبدية.
— 198 —
﴿ اِنَّ اللّٰه لا يَسْتَحْيي اَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَاَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ اَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهمْ وَاَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذَا اَرَادَ اللّٰه بِهذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ اِلَّا الْفَاسِقِينَ ٢٦ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰه مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما اَمَرَ اللّٰه بِهِ اَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاْرْضِ اُولئِك هُمُ الْخاسِرُونَ ٢٧ ﴾
اعلم أن في هذه الآية أيضًا الوجوهَ الثلاثة النظمية، وأن مآل المجموع ينظر إلى سوابقه وإلى لواحقه وإلى مجموع القرآن.
وأما نظمُها بالنظر إلى لواحقها فاعلم أن القرآن لمّا مثّل بالذباب والعنكبوت وبحث عن النمل والنحل انتهز الفرصةَ -للاعتراض- اليهودُ وأهلُ النفاق والشركِ فتحمّقوا وقالوا: أَيتنیزّل اللّٰه تعالى مع عظمته إلى البحث عن هذه الأمور الخسيسة التي يستحي من بحثها أهلُ الكمال؟ فضرب القرآنُ بهذه الآية ضربًا على أفواههم.
وأما نظمُها بالقياس إلى سوابقها، فاعلم أن القرآن لما أثبت النبوّةَ بالإعجاز والإعجاز بالتحدِّي والتحدِّي بسكوتهم، وكذلك أثبت في رأس السورة أن القرآن مشتملٌ على صفات عالية ومزايا كاملة لا تجتمع في كلام... سكتوا في نقطة التحدي حتى لم ينبض لهم عرقُ عصبية. لكن اعترضوا وغالطوا في نقطة كماله وقالوا: إن التمثيل في أمثالِ
﴿ كمثل الذي استوقد نارًا ﴾
و
كصِّيب من السماء
من الأمور العادية سببٌ لنیزالة درجة الكلام فيشبه المحاورةَ العاديةَ بين الناس؛ فالقرآن ألقَمهم حجرًا وأفحمهم بهذه الآية.
وإيضاحه: أن لهم شبهات واهية منشؤها أوهامٌ متسلسلة مبناها مغالطات:
إحداها: القياس مع الفارق، ومنشؤه أنهم ينظرون إلى كل شيء بمرآة مألوفهم؛ فحينما يرَون الإنسان ذهنُه جزئي وفكرُه جزئي ولسانه جزئي وسمعه جزئي؛ لا يتعلق كلٌّ بأمرين معا بالذات،
ويعرفون أن مقياس الهمّة موضوعُ المَشْغَلة والاهتمام، ويرون أن القيمةَ
— 199 —
والعظمة بنسبة الهمّة حتى إنهم لا يُسنِدون أمرًا حقيرًا نزيلًا إلى شخص عالٍ جليل؛ ظنًا منهم أنه لا يتنیزّل للاشتغال بمثلِه ولا يسع ذلك الأمر الحقير همّتَه العظيمة...
ينظرون بهذا النظر المشبط إلى الواجب تعالى، ويقولون: كيف يتنیزّل بعظمته وجلاله للتكلّم مع البشر بمثل محاورة الإنسان وللبحث عن هذه الأمور الجزئية لاسيما هذه الأشياء المحقَّرة؟ أفلا يعقِل هؤلاء السفهاءُ أن إرادةَ اللّٰه تعالى وعلمَه وقدرتَه كليةٌ عموميةٌ شاملة محيطة، وليس مقياسُ عظمته تعالى إلّا مجموعَ آثاره، وما ميزانُ تجلّيه إلّا كافةَ كلماته التي لو كان البحرُ مدادًا لها ما نفدَت.
مثلًا - وللّٰه الْمَثَلُ الاعْلى -: إذا ألقت الشمسُ -بعد فرض كونها مختارةً عاقلةً- ضياءها على ذرّة ملوّثة، أَيقال لها: كيف تنزّلتْ -بعظمتها- للاشتغال والاهتمام بمثل هذه الذرة؟
نعم، إن اللّٰه تعالى كما خلَق العالَم وأتقنه صُنعًا واهتم به؛ كذلك خلَق الجوهرَ الفردَ وأتقن صُنعه. ففي نظر القدرةِ الجواهرُ الفردةُ كالنجوم السيارة، لأن قدرتَه تعالى وعلمَه وإرادتَه وكلامَه لازمةٌ للذّات، وذاتية، فليست متجددةً ولا قابلةً للزيادة والنقصان ولا متغيرةً حتى يتداخل فيها المراتبُ؛ إذ العجزُ ضدٌّ لها لا يمكن تداخلُه بينها. فلا فرق بين الذرة والشمس. إذ الممكنُ بتساوي طرفَيه كالميزان ذي الكفتين، لا فرقَ في صرف القوة التي ترفعُ كفةً وتضع أخرى بين أن يكون في الكفتين شمسان أو ذرتان، وهكذا نسبةُ المقدورات بالنسبة إلى القدرة الذاتية اللازمة. وأما بالنسبة إلى قوة الممكنات العارضَة المتغيرةِ المتداخلِ بينها العجزُ فلا موازنةَ.
والحاصل: أنَّ الذرات والأمور الخسيسة لمّا كانت مخلوقةً له تعالى كانت معلومةً له بالضرورة، فلا مُشاحَّة بالبداهة أن يبحث عنها. وعلى هذا السر قال:
﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ﴾
(الملك:١٤) فكيف لا يبحث عنها ولا يتكلم بها مَنْ عَلِم وهو العزيز الحكيم.
وثانية المغالطات: هي أنهم يزعمون أنهم يرون في أسلوب القرآن خلفَ المتكلم تمثالَ إنسانٍ، بدليل البحث عن هذه الأشياء الحقيرة والأمور العادية كأسلوب محاورة البشر. أفلا يتذكر هؤلاء المتجاهلون أنّ الكلام كما ينظر إلى متكلِّمه بجهة؛ كذلك ينظر إلى المخاطَب به بجهات، على ما تقتضيه البلاغة للتطبيق على مقتضى حال المخاطب. فلما كان المخاطَب بشرًا وكان البحثُ عن أحواله والمقصدُ تفهيمه، لبِس القرآنُ أسلوبَ البشر الممزوج
— 200 —
بحسيّاته المسمى بی"التنیزّلات الإلهية إلى عقول البشر" للتأنيس.. ألَا تراك إذا حاورتَ مع صبيّ تتصبّى له؟
- فإن قلت: إنَّ حقارة الأشياء وخساستها تنافي عظمةَ القدرة ونزاهةَ الكلام؟
قيل لك: إنَّ الحقارةَ والخساسة والقُبح وأمثالَها إنما هي بالنظر إلى مُلك الأشياء وجهتِها الناظرة إلينا وبالنظر إلى نظرنا السطحي، وقد وُضعَت الأسبابُ الظاهرية للتوسط في هذه الجهة لتنیزيه العظمةِ، وأما بالنظر إلى ملكوتية الأشياء فكلُّها شفّافةٌ عالية، وهذه الجهة هي محلُّ تعلّق القدرة، لا يخرج من التعلّق شيءٌ؛ فكما اقتضت العظمةُ وضعَ الأسباب في الظاهر، كذلك تستلزم الوحدةُ والعزة شمولَ القدرة لكلٍّ وإحاطةَ الكلام به؛ على أن القرآنَ المكتوبَ على ذرّة بالجواهر الفردة ليس بأقلَّ جزالةً من القرآن المكتوب على صحيفة السماء بمِداد النجوم، وأن خِلقةَ الذباب ليست بأدنى صنعًا من خِلقة الفيل. فالكلام كالقدرة.
- فإن قلت: إلى أيّ شيء تعود الحقارةُ الظاهرية في هذه التمثيلات؟
قيل لك: إنما تعود إلى الممثَّل له دون الممثِّل، فكلما كانت مطابقتُه للممثَّل له أحسنَ، كانت درجةُ الكلام أعلى ونظام البلاغة أرفع. ألا ترى أن السلطان إذا أعطى راعيه ما يليق به من اللباس وألقى إلى الكلب ما يشتهيه من العظم.. الخ، لا يقال إنه فعلَ بدعةً، بل يقال إنه أحسن بوضع كل شيء في موضعه. فإذن كلما كان الممثَّل له حقيرًا كان مثالُه حقيرًا، وإن كان عظيمًا فعظيمًا. ولما كانت الأصنام أدنى الأمور سلَّط اللّٰه الذبابَ على رؤوسها. ولما كانت عبادتُها أهونَ الأشياء جعل اللّٰه تعالى نسجَ العنكبوت عنوانها.
وثالثة المغالطات: أنهم يقولون ما الحاجة إلى أمثال هذه التمثيلات المومِئَة إلى العجز عن إظهار الحقيقة؟.
الجواب: لما كان المقصد من إنزال التنیزيل إرشادَ الجمهور، والجمهورُ عوامُّ، والعوام لا يرون الحقائق المحضة والمجرداتِ الصرفة عراةً عن متخيلاتهم، ألبَس اللّٰه تعالى بلُطفه وإحسانه الحقائقَ لباسَ مألوفاتهم لتحسن ألفتهم كما عرفتَ في سرّ المتشابهات.
أما نظم الجمَلِ بعضٍ مع بعضٍ، فاعلم أن
﴿ ان اللّٰه لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ﴾
— 201 —
ردٌّ وطردٌ لاعتراضات متسلسلة. كأنهم يقولون: أيّةُ حكمةٍ في مكالمة اللّٰه تعالى مع البشر، وعتابِه عليهم، والتشكِّي منهم؛ فإنها علامةُ أن للإنسان أيضًا تصرفًا آخرَ في العالم؛ لاسيما كالمحاورة الجارية بين الناس فإنها علامةُ أنه كلامُ البشر.. ولاسيما يتراءى من خلف الكلام تمثالُ إنسان..
ولاسيما بتصويراتٍ وتمثيلات فإنها علامةُ العجز عن إظهار الحقيقة.. ولاسيما إذا كانت التمثيلات عادية فإنها علامةُ انحصار ذهن المتكلم.. ولا سيما بأمور حقيرة فإنها علامة خفّة المتكلم.. ولاسيما إذا كانت مما لا اضطرار إليه وكان تركُه أَولى.. ولاسيما إذا كان بعض تلك الأمور مما يستحي أهلُ العزّة عن البحث عنه.. ولاسيما إذا كان الباحث ذا العظمة والجلال..
فأجاب القرآن هدمًا لهذه السلسلة من المبدأ إلى المنتهى بضربةٍ واحدة فقال:
﴿ ان اللّٰه لا يستحيي ... ﴾
الخ؛ لأن جهة الملكوتية لا تنافي العظمةَ والجلالَ فلا يتركها ولا يهملها؛ إذ الألوهيةُ تقتضي كذلك.
فإذن يمثَّل بالأمور المحقَّرة للمعاني المحقّرة؛ إذ حكمتُه مع سر البلاغة هكذا تقتضي.. فإذن يذكر التمثيلات العادية بناء على أنها الموافقة للتربية والإرشاد.. فإذن يصوّر الحقائق بتمثيلات بناءً على ما تقتضيه العنايةُ مع التنیزّلات الإلهية.. فإذن يختار أسلوب محاورة البشر بعض مع بعض بناءً على ما تقتضيه الربوبية مع التربية.. فإذن يتكلم مع الناس بناءً على ما تقتضيه الحكمة مع النظام.
والحاصل: أن اللّٰه تعالى لمّا أودع في الإنسان جزءًا اختياريًا وجعله مصدرًا لعالم الأفعال، أرسل كلامَه لينظم ذلك العالم.
وأن نظم جملةِ
﴿ فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم ﴾
هو أنه لما ذكر في الأولى المدعى، أشار بهذه إلى طريق دليله. وكذا رمَزَ وأومأ إلى وجه دفع الأوهام، أي مَن نظرَ بنور الإيمان ومن جانب اللّٰه تعالى ومن جهة قدرته -جاعلًا حكمتَه وعنايتَه وربوبيتَه نصبَ العين- عَلِم أنه حق وبلاغة. وأما من نظر من جانب حضيض نفسِه، ومن جهة الممكنات، فلا جرم ستهوي به الأوهامُ.. ومثَلُهما كمثل شخصين مُصْعِدًا منحدِرًا [٭]: قال ابن عقيل في شرح الألفية في مثل هذا وهو "لقيت زيدا مصعدا منحدرا": يكون مصعدا حالا من زيد و منحدرا حالا من التاء (أي القائل). رأَيَا جداولَ ماء؛ أما أحدُهما فيصعد ويرى رأس العين ويذوق فيعلم أن الماء كلَّه عذب؛ فكلما
— 202 —
يصادف قطعة ماء من تفرعات الجداول يتفطن -ولو بأمارة ضعيفة- أنه عذب، فلا تقدِر الأوهامُ -ولو قويةً- على تغليطه. وأما الآخر فيَتَسَفَّل وينظر من جانب التفرعات ولا يرى منبع العين فيحتاج لمعرفة عذوبة كلِّ قطعةِ ماء إلى دليل قطعي. فأدنى وهمٍ يُورّطه في الشبهة. أو كمثال شخصين بينهما مرآة ينظر أحدهما إلى الوجه الشفّاف، والآخر إلى الوجه الملوّن.
والحاصل: أنه لابد في النظر إلى صنعه تعالى أن يُنظر إليه من جانبه تعالى، مع ملاحظة عنايته وربوبيته. وليس هذا النظر إلّا بنور الإيمان، ولا تكون الأوهامُ حينئذ -ولو قوية- إلّا أوهَن من بيت العنكبوت. ولو نظر إليه من جهة الممكنات بنظر المشتري وبفكره الجزئي لقويت في عينه الأوهامُ الضعيفة فيتستر عنه الحقيقةُ كما يمنع جناحُ بعوضةٍ رؤيةَ العين لجبل الجوديّ.
وأن نظم جملةِ
﴿ وأما الذين كفروا.. ﴾
الخ هو: أنه لمّا أرى طريقَ فهم حكمة أسلوب التمثيلات -وهي النظر بنور الإيمان من جانب الواجب الوجود- بيّنَ هنا الطريقَ المقابل الذي هو منشأ الأوهام والتعللات، بأن ينظر من طَرَف نفسه بظلمةِ الكفر التي تصوِّر كلَّ شيء مظلمًا مع مرض القلب الذي يَثقُل به أخفُّ وَهْمٍ، ثم يضلّ طريقَ الحق ثم يتردد ثم يستفهم ثم يُنكِر. فالقرآن بالإيجاز والكناية أورد -إشارة إلى استفهامهم الإنكاري- قولَه:
﴿ ماذا أراد اللّٰه بهذا مثلا ﴾
بدلَ "لا يعلمون" مع أنه المطابق للسابق ظاهرًا.
وأن نظم جملةِ
﴿ يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ﴾
هو: أنها جوابٌ عن صورة استفهامهم؛ فلغاية الإيجاز نُزّلَ الغايةُ والعاقبةُ منیزلةَ العلّة الغائية، كأنهم يسألون ويقولون: لأي شيء كان هكذا؟ ولِمَ لم يكن إعجازُه بدهيا؟ ولِمَ لم يكن كونُه كلامَ اللّٰه ضروريًا؟ ولِمَ صار معرضَ الأوهام بسبب هذه الأمثال؟ فأجاب القرآنُ بقوله:
﴿ يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ﴾
أي لأجل أنّ مَن تفكّر فيه بنور الإيمان ازداد نورًا، ومن تفكر بظلمة الكفر والتنقيد ازداد ظلمةً.. وهذا لأجل أنه نظريّ ليس بدهيًا.. وهذا لأجل تفريق الأرواح الصافية العُلوية عن الأرواح الكدِرة السفلية.. وهذا لأجل تمييز الاستعدادات العالية بالنشوء والنماء عن الاستعدادات الخبيثة.. وهذا لأجل تمييز الفطرة الصحيحة بالتكمّل والمجاهدة والاجتهاد عن الفطرة المتفسخة الفاسدة.. وهذا لأجل أن امتحان البشر يستلزمه..
— 203 —
وهذا لأجل أن الابتلاء يقتضيه.. وهذا لأجل أن سرَّ التكليف لتكميل البشر وسعادته يستلزمه. فأوجزَ التنیزيلُ في الجواب.
- إن قلت: قد قلتَ إنَّ التكليف لتأمين سعادة البشر مع أنه يكون سببًا لوقوع الأكثر في الشقاوة، ولولاه لما صار التفاوتُ بهذه الدرجة؟.
قيل لك: إنَّ اللّٰه تعالى كما كلّف الجزءَ الاختياريَّ بكسبه تشكيلَ عالَم الأفعال الاختيارية؛ كذلك جعل التكليف سببَ إسقاء وإنبات البذور الغير المحصورة المودعة في روح البشر. ولولاه لبقيَت الحبوباتُ يابسة. وإذا تأملتَ في أحوال النوع بنظر نافذٍ رأيت كلَّ ترقيات الروح المعنوية، وكلَّ تكملات الوجدان الإلهية، وتكملاتِ العقل، وترقياتِ الفكر المُثمرة بدرجة تحيّر فيها العقولُ إنما وُجِدت كافةً بالتكليف.. وإنما استيقظت ببعثةِ الأنبياء..وإنما تلقّحت بالشرائع.. وإنما أُلهمَت من الأديان. ولولاها لبقي الإنسانُ حيوانًا ولانعدمت هذه الكمالاتُ الوجدانية وتلك المحاسن الأخلاقية. أما القسم القليل فقبِلوا التكليف اختيارًا ففازوا بالسعادة الشخصية وصاروا سببًا للسعادة النوعية. وأما القسم الكثير كميةً فهم وإن كفروا بقلوبهم وفيما هم فيه مختارون، لكن لمّا لم يكن كلُّ حالِ كلِّ كافرٍ كافرًا وكلُّ صفتِه كافرةً يابسة، كانوا بسبب إيقاظ البعثة للحسِّيات الوجدانية، وتنبيهِ النبوةِ للسجايا الأخلاقية، وبتسامع الشرائعِ، وتعارفِ آثارِها بحيث قد قَبلوا أنواعًا من التكليف اضطرارًا.
- فإن قلت: سعادة القليل مع شقاوة الكثير كيف تكون مَظهرًا لسعادة النوع حتى تكون الشريعةُ رحمةً، مع أن سعادة النوع إنما تكون بالكلِّ أو الأكثر؟
قيل لك: إذا كان لك مائةُ بيضة ووضعتَها تحت طير، فافرخَتْ عشرين وأفسدت ثمانين؛ أفلا تقول قد تكمّل هذا النوع؟ إذ حياةُ عشرين تساوي ألوفَ بيضةٍ. أو كان لك مائةُ نواةِ تمرٍ فأسقيتها بالماء فصار عشرون منها نخلات باسقات وتفسخ ثمانون، أفلا تقول: الماءُ سعادةٌ لهذا النوع؟ أو كان لك معدن فسلطتَ عليه النارَ فأصفَت خُمسَه ذهبًا وصيَّرتِ الباقي فحمًا ورمادًا، أفلا تكون النارُ سببَ كماله وسعادته؟ وقس على هذا! فإذن نشوءُ الحسيّات العالية ونموّ الأخلاق إنما هو بالمجاهدة، وتكمُّلُ الأشياء إنما هو بمقابلة الأضداد ومزاحمتها. ألا ترى أن حكومة إذا جاهَدت ينمو فيها الجسارةُ وإذا تركت انطفأت.. تأمل!
— 204 —
وأن نظم جملةِ
﴿ وما يضل به الّا الفاسقين ﴾
هو:
أنه لمّا أبهمَ في يضل به كثيرًا انتبه ذهنُ السامع وخاف فاستفسر قائلًا: مَن هم الضالون؟ وما السبب؟ وكيف تجيء الظُلمةُ من نور القرآن؟.. فأجاب بأنهم الفاسقون، وأن الإضلال جزاءٌ لفسقهم، وبالفسق ينقلب النورُ في حق الفاسق نارًا والضياءُ ظلمةً. ألا ترى أن ضياء الشمس يعفّن ما استقذرت مادتُه.
وأن وجه التوصيف بقوله:
﴿ الذين ينقضون عهد اللّٰه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل ويفسدون في الأرض ﴾
هو أنه شرحٌ وكشفٌ للفسق. إذ الفسق عدولٌ عن الحق، وتجاوزٌ عن الحد، وخروجٌ من القشر الحصين. وأن الفسق إنما هو بالإفراط أو التفريط في القوى الثلاث التي هي: القوّة العقلية، والغضبية، والشهوية.. وأن الإفراط والتفريط سببان للعصيان في مقابلة الدلائل التي كالعهود الإلهية في الفطرة.. وكذا وسيلتان لمرض الحياة النفسية وأُشير إلى هذا بالصفة الأولى..
وكذلك محرِّكان للعصيان في مقابلة الحياة الاجتماعية وتمزيق الروابط والقوانين الاجتماعية وأُشير إلى هذا بالصفة الثانية.. وأيضًا هما سببان للفساد والاختلال المنجر إلى فساد نظام الأرض وأُشير إلى هذا بالصفة الثالثة. نعم، إن الفاسق بتجاوز القوةِ العقلية عن حدّ الاعتدال يكسر رابطةَ العقائد ويمزّق القشر الحصين أي الحياة الأبدية.. وبتجاوز القوةِ الغضبية يمزّق قشرَ الحياة الاجتماعية.. وبتجاوز القوةِ البهيمية واتباع الهوى يزيل عن قلبه الشفقةَ الجنسية فيفسُد ويورّط الناسَ فيما تورط فيه، فيكون سببًا لضرر النوع وفساد نظام الأرض.
وأن نظم جملةِ أولئك هم الخاسرون هو: أنه لمّا ذكر جنايات الفاسق ورهّب بها أكّد التهديد بنتيجتها وجزائها ليؤثر الترهيبُ. فقال: هم الذين خسروا ببيع الآخرة بالدنيا واستبدال الهدى بالهوى. [٭]: لعله: استبدال الهوى بالهدى.
ولنشرع في نظم هيئات جملةٍ جملةٍ، فاعلم أن الآيات وجمَلَها وهيئاتِها كأميال الساعة التي تعدّ الثواني والدقائقَ والساعاتِ، فكلما يُثبت هذا شيئًا يؤيّده ذاك بدرجته ويمدّه ذلك بنسبته، وكذا إذا أراد هذا شيئًا عاوَنه ذاك وساعده الآخر بحيث يُخطِر الحالُ ما قيل:
— 205 —
عِبَارَاتُنا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ وَكُلٌ إلى ذَاكَ الْجَمالِ يُشِيرُ
ولهذا السر قد بلغت سلاسةُ القرآن وعلوُّ طبقته ودقةُ نقشه إلى مرتبة الإعجاز.
أما هيئاتُ جملةِ
﴿ ان اللّٰه لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ﴾
فاعلم؛
أن ان للتحقيق وردِّ التردد والإنكار فهي إشارة إلى الترددات المتسلسلة المذكورة..
وأن لفظة اللّٰه لتنبيه الذهن على الخطأ في القياس المذكور.
وأن إيثار لا يستحيي على "لا يترك" مع أن الحياء -وهو انقباض النفس- محالٌ في حقّه تعالى ونفيُ المحال لا فائدة فيه، إشارةٌ إلى أن الأسباب من الحكمة والبلاغة وغيرهما تقتضي حسنَ التمثيل، فلا علّة للترك إلّا الحياء، والحياءُ عليه تعالى محالٌ، فلا سبب للترك أصلًا فألزمَهم أشدَّ إلزام وألطفَه.. وكذا رمزَ بمشاكلة الصُّحبة إلى كلمتهم الحمقاء من قولهم: "أما يستحي ربُّ محمد من التمثيل بهذه المحقَّرات"..
وأن إيثار أن يضرب على "من المثل الحقير" مع أنه الأنسب، إشارةٌ إلى أسلوب لطيف وهو أن التمثيل كضرب الخاتم للتصديق والإثبات، أو كضرب السكة للقيمة والاعتبار. وفي الإشارة رمز إلى حسن التمثيل طردًا للأوهام، وكذا إشارة إلى أن التمثيل منهاجٌ مشهور مستحسَن، لأن ضروب الأمثال من القواعد المعروفة.
وأن إيثار أن يضرب على "ضَرْب" مع أنه الأوجز للإيماء إلى أن منشأ الاعتراض ليس إلّا الخساسة؛ لأن أن يضرب لعدم استقلاله كأنه لطيفٌ يُمِرّ القصدَ إلى المفعول.. وأما "ضَرْب" فلاستقلاله كأنه كثيف يستوقف القصدَ.
وأن مثلا إيماء إلى خاصية التمثيل من تصوير المعقول بالمحسوس، والموهومِ بالمحقق، والغائب بالشاهد. ومنه إيماء إلى ردِّ الوَهم.. وتنكير مثلا رمز إلى أن مدار النظر هو ذاتُ التمثيل، وأما الصفات فمحمولةٌ على طبيعة المقام وحال الممثَّل له.
وأن التعميم في ما إشارة إلى تعميم القاعدة لئلا يختص الجواب بما اعترضوا به فالممثَّل له أيّةَ صورة اقتضى استحسنتها البلاغةُ.
— 206 —
وأن تخصيص بعوضة إشارةٌ إلى كثرة استعمال البلغاء للتمثيل بها، كقولهم: "أضعفُ من البعوضة" [٭]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣٠؛ مجمع الأمثال للميداني ١/١٨٨. و"أشدُّ عنادًا من البعوضة" و"كلفتني مخَّ البعوضة" [٭]: من أمثال العرب: كلفتني مخ البعوضة؛ أي كلفتني ما لا أطيق ولا يوجد ولا يكون؛ ولم يذكر ذلك أحد من الشعراء إلا ابن أحمر، حيث قال:
كلفتني مخ البعوض فقد أقصرت لا نجح ولا عذر. (ثمار القلوب، للثعالبي ص١٥٢). و"أعزُّ من مخ البعوضة"
[٭]: جمهرة الأمثال للعسكري ٢/٣٣. و"قالت البعوضة للنخلة استمسكي أنا أطير" [٭]: الرسائل للجاحظ ص١٤٧. و"الدنيا لا توزن عند اللّٰه جناح بعوضة" [٭]: نص الحديث الشريف": لو كانت الدنيا تعدِل عند اللّٰه جناح بعوضةٍ ما شَرب الكافرُ منها جُرعة ماء". (البخاري، تفسير سورة الكهف ٦؛ مسلم، المنافقون ١٨، الزهد). وقس.. وفي الإشارة رمز إلى ضعف وَهمهم.. وأن المعنيّ بی ما فوقها ما دونها في الصغر وما فوقها في قيمة البلاغة أو في الصغر أيضًا، فالتعبير بی ما فوقها إشارة إلى أن الصغير أغربُ بلاغةً وأعجب خِلقةً.
واعلم أن الهيئات كخيوط الحرير؛ باجتماعها يظهر النقشُ الحسَن.
وأما هيئات جملةِ
﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّٰه بهذا مثلا ﴾
فاعلم أن "الفاء" للتفريع، والتفريع إشارة إلى دليل ضمني ينتج هذه الجملةَ ذات الشقين: أي لا يترك التمثيل لأن البلاغة تقتضيه؛ فمن أنصف يعرف أنه بليغ وحق وكلام اللّٰه تعالى. ومن نظر بالعناد لا يعلم الحكمة، فيتردد، فيسأل، فينكر، فيستحقر... فأنتج: إن المؤمن -لأنه منصف- يصدِّق أنه كلام اللّٰه، والكافر -لأنه معاند- يقول: ما الفائدة فيه؟
وأن أما فلأنها شرطية لزومية في الوضع إشارة إلى أن الخبر لازم للمبتدأ وضروريّ له، يعني من شأن المبتدأ هذا الخبر.
وأن إيراد الذين آمنوا بدل "المؤمنين" إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحقّيته إيمان. [٭]: الظاهر أن ههنا حذفًا من نسيان النساخ - كما أنه نسي تحليل (ماذا أراد اللّٰه بهذا مثلا) برمته -مع الأسف- يُعلَم من عدم ارتباط الكلام، ومِن فقْدِ كلمةِ (فيعلمون) ومن عديله (الذين كفروا) مع الإحالة هناك على ما هنا. فأقول بدلًا عن المؤلف على نسق ما يأتي، فإن حلّ محله فبها وإلّا فعليّ:
: إن إيراد (الذين آمنوا) بدل "المؤمنين" الأوجزِ إيماءٌ إلى أن إنصافهم يجيء من الإيمان، ويذهب إلى الإيمان.. وأن إيثار (فيعلمون) على "فيقولون" الأنسبِ بما يأتي إشارة إلى التنصيص على أن الإيمان هو سبب العلم بحقيته، وأن العلم بحقيته إيمان (ش).
— 207 —
وأن أنه الحق بدلَ "أنه البليغ" الأنسبِ بالمقام إشارة إلى آخِر نتيجة اعتراضهم، إذ غرضُهم نفيُ كونه كلام اللّٰه.
وأنّ حصْرَ أنه الحق إشارة إلى أن هذا هو المستحسن الذي لا يُستقبَح بخلاف ما يزعمون؛ إذ السلامةُ من العيب لا تُثبت الكمالَ.
وأن من ربهم إشارة إلى أن هدف غرضهم إنكار النیزول. وأن أما في وأما الذين كفروا للتأكيد والتحقيق والتفصيل.
وأن إيراد الذين كفروا بدل "الكافرين" الأوجزِ إيماءٌ -كما مرَّ- إلى أن إنكارهم يجيء من الكفر ويذهب إلى الكفر.
وأن إيثار فيقولون على "فلا يعلمون" -مع أنه الظاهر كما مرَّ- فلاختيار طريق الكناية للإيجاز أي مَن كفر لا يعرف الحقيقةَ فينجرّ إلى التردد.. فينجر إلى الإنكار.. فينجر إلى الاستحقار بصورة الاستفهام.
وأيضًا في يقولون رمز إلى أنهم كما كانوا ضالّين، كذلك كانوا مُضلّين بأقوالهم.
وأما هيئات جملةِ يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا، فاعلم أن الترتيب يقتضي تقديمَ الثانية لكن لما كان الغرضُ ردّ اعتراض المتردِّد المستفهِم المستنكِر المستقبِح، كان يضل أهمَّ. أما العدولُ عن "الضلالة والهداية" المناسِبتين للسؤال إلى صورة الفعل المضارع فإشارة إلى أن كفرهم يتكاثف ظلمةً على ظلمةٍ بنسبة تزايد النیزول تجددًا؛ كما أن المؤمن يتزايد إيمانُه بدرجات النیزول نورًا على نور.. وكذا في الفعل -بناء على كونه جوابًا- رمزٌ إلى بيان حال الفريقين وبيان السبب.
وأما كثيرًا ففي الأُولى كميةً وعددًا، وفي الثانية قيمةً وكيفيةً. نعم، إن كرامَ الناس كثيرون وإن قلّوا. فالتعبير بالكثير في الثانية رمز إلى سرّ كون القرآن رحمة للبشر. [٭]: إذ من لطف القرآن وشمول رحمته للناس إظهار فضائل المهتدين القليلين كثيرةً، وبيان أن صاحب فضيلة وهداية أولى من ألفٍ من المحرومين منها، لذا فالكرام كثيرون وإن قلّوا. (ت:١٩٦). تأمل.
— 208 —
وأما جملةُ
﴿ وما يضل به الّا الفاسقين ﴾
: فاعلم أنه لما ذكر الكثير في الأولى دفع الوسوسة والخوف والتردد وتهمة النقص في القرآن ببيانِ أن الضالين مَن هم؟ وأن منشأ الضلالة فسقُهم، وأن سببَها كسبُهم، وأن القصورَ منهم لا من القرآن، وأن خلق الضلالة جزاءٌ لفعلهم..
ثم اعلم أن كل واحدة من هذه الجمل كما أنها كشّافةٌ لسابقتها؛ كذلك مفسَّرةٌ بلاحقتها كأنها دليل للسابقة نتيجة للاحقة.
وإيضاحه: أن فيها سلسلتين.
إحداها هكذا: إنه لا يستحيي.. لأنه لا يترك.. لأنه بليغ.. لأنه حق.. لأنه كلام اللّٰه.. لأن المؤمن يعلمه.
والثانية هكذا: إنه لا يستحيي كما يقول المنكِرُ.. لأنهم يقولون: يلزم تركه.. لأنهم لا يعلمون حكمتَه.. لأنهم يقولون: ما الفائدة فيه.. لأنهم ينكرونه.. لأنهم يستحقرونه.. لأنهم يقعون في الضلالة بسماعه.. لأنهم يضلّهم القرآن.. لأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن قشرهم.. لأنهم نقضوا عهد اللّٰه.. لأنهم مزّقوا ما اتصل بأمر التكوين والتشريع.. لأنهم يفسدون النظام الإلهيّ في الأرض. فإذن هم الخاسرون في الدنيا باضطراب الوجدان، وبقلق القلب، وبتوحش الروح، وفي الآخرة بالعذاب الأبديّ وبغضب اللّٰه... فتأمل في سلاسة السلسلتين!
وأما هيئات جملةِ
﴿ الذين ينقضون عهد اللّٰه من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل ويفسدون في الأرض ﴾
: فاعلم أن توصيف الفاسقين المشكِكين في إعجازه ونظمه بهذه الأوصاف في هذا المقام، إنما هو لمناسبةٍ لطيفةٍ عاليةٍ. كأن القرآن يقول: ليس ببعيد من الفساق -الذين لم يروا إعجاز القدرة في نظام الكائنات التي هي القرآن الأكبر- أن يترددوا ويجهلوا إعجاز نظم القرآن؛ إذ كما يرون نظام الكائنات تصادفيًا، والتحولاتِ المثمرةَ عبثًا اتفاقيةً فتستر عنهم -لفساد روحهم- حِكَمُه؛ كذلك بفطرتهم السقيمة وتهوّسهم الفاسد رأوا النظْمَ المعجِز مشوَّشًا ومقدماتِه عقيمةً وثمراتِه مُرّةً.
— 209 —
أما جملةُ
﴿ ينقضون عهد اللّٰه ﴾
فی-لأن النقض لغةً تفريق خيوط الحبل وتمزيقُها- إشارةٌ إلى أسلوب عال، كأن عهده تعالى حبل نوراني فُتِلَ بالحكمة والعناية والمشيئة فامتد من الأزل إلى أن اتصل بالأبد، فتجلّى في الكائنات بصورة النظام العمومي، وأَرسلتْ تلك السلسلةُ سلاسلَها إلى الأنواع وامتدّ أَعْجُبُها [٭]: أعجُبها: جمع عَجْب، والعَجْبُ بالفتح: أصل الذَنَبِ. (الصحاح في اللغة). إلى نوع البشر فأورثَت وأثمَرت في روح البشر بذورَ استعداداتٍ وقابلياتٍ تُسقَى وتتزاهر بالجزء الاختياريّ المعدَّل بالأمر التشريعيّ، أي الدلائل النقلية. فوفاءُ العهد: صرف الاستعدادات فيما وُضعَت له؛ ونقضُ العهد خلافُه وتفريقُه، كالإيمان ببعض الأنبياء وتكذيب بعض، وقبولِ بعض الأحكام وردِّ بعض، واستحسانِ بعض الآيات واستنكار بعض. فإنه يخل بالنظام والنظم والانتظام.
وأما جملة:
﴿ ويقطعون ما أمر اللّٰه به أن يوصل ﴾
: فاعلم أن هذا الأمر عام للأمر التشريعيِّ والأمر التكوينيِّ المندمج في القوانين الفطرية والعادات الإلهية. فالقطعُ لِما أُمر بوصله شرعًا كقطع صلة الرحم، وقطع قلوب المؤمنين بعضٍ عن بعض. وعلى هذا القياس. وتكوينًا كقطع العمل عن العلم، وقطعِ العلم عن الذكاء، وقطع الذكاء عن الاستعداد، وقطعِ معرفة اللّٰه عن العقل، وقطعِ السعي عن القوة، وقطعِ الجهاد عن الجسارة وهكذا.. إذ إعطاءُ القوةِ أمرٌ معنوي تكويني بالسعي، وإعطاءُ الذكاء أمر معنويّ بالعلم.. إلى آخره.
وأما جملة:
﴿ ويفسدون في الأرض ﴾
: فاعلم أن من فسدَ وتورّط في الوحَل يطلب أن يكون له رفقاءُ متورطون ليتخفف عنه دهشةُ الحال بسرِ "إذا عمّت البلية طابت"، وكذا إذا وقع في قلب أحدٍ اختلالٌ، يتخرّب في قلبه الكمالاتُ وتتساقط الحسياتُ العالية، فيتولد فيه ميلُ التخريب فينتج له لذة في التخريب فيتحرى لذتَه في الإفساد والاختلال.
- فإن قلت: كيف يؤثر إفسادُ فاسق في عموم الأرض المشار إليه بلفظ "في الأرض"؟
قيل لك: الذي فيه نظام ففيه موازنة، حتى إن النظام مبنيٌ على الموازنة، فتداخل شيء حقير بين دواليب ماكينة تتأثر به، وإن لم يُحَس. والميزان الذي في كفتيه جبلان يتأثر بوضع جوزة على كفة.
— 210 —
وأما جملة:
﴿ أولئك هم الخاسرون: ﴾
فاعلم أن حق العبارة "هم خاسرون في عدم الهداية به" فلفظ أولئك ولفظ هم والتعريفُ والإطلاقُ لنكت:
أما أولئك فلأن وضعَه لإِحضار محسوسٍ، فالإِحضار المستفاد منه إشارة إلى أن السامع إذا سمع حالَهم الخبيثة، من شأنه أن يحصل له حدّةٌ عليهم ونفرةٌ منهم. فلتطمين نفرته وتشفّي حدّتِه يطلب أن يُستحضَروا إلى خياله ليشاهدهم وقت اتصافهم بالعاقبة الوخيمة.. والمحسوسيةُ إشارة إلى أن أوصافَهم الرذيلة تكثّرت بدرجة تُجسّمُهم محسوسين نصبَ نظر النفرة. فمن الإِشارة إيماء إلى علة الحكم بالخسارة.. والبُعدية إشارة إلى أنهم قد بعدوا عن طريق الحق بدرجة لا يرجعون، فيستحقون الذم والتشنيع بخلاف من كان في معرض الندامة ومسافة الرجوع.
و هم إشارة إلى أن الخسارة منحصرةٌ عليهم حتى إن خسارات المؤمنين لبعض اللذائذ الدنيوية ليست خسارة. وكذا خسارات أهل الدنيا في تجاراتهم ليست خسارة بالنسبة إلى خساراتهم.
و"الألف واللام" إشارة إلى تصوير الحقيقة أي مَن أراد أن يرى حقيقة الخاسرين فلينظر إليهم.. وكذا إيماء إلى أن مسلكَهم محضُ خسارة لا كالخسارات الأُخر التي فيها وجوهٌ من النفع لكن الضرَّ أكثر. فالتعريف إما للكمال أو للبداهة أو لتصوير الحقيقة.
وإطلاق الخسارة إشارة -بإعانة المقام الخطابيّ- إلى عموم أنواع الخسارات، أي خسروا في وفاء العهد بالنقض، وفي صلة الرحم بالقطيعة، وفي الإصلاح بالإفساد، وفي الإيمان بالكفر، وبالشقاوة خسروا السعادة الأبدية.
— 211 —
﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّٰه وَكُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ ﴾
اعلم أن لهذه الآية أيضًا الوجوهَ الثلاثة النظمية:
أما نظمُ مآلها بسابقها، فاعلم أن اللّٰه تعالى لما دعا الناس إلى عبادته والاعتقادِ به، وذكر أصولَ العقائد والأحكام مشيرًا إلى دلائلها إجمالًا؛ عاد في هذه الآية مع لواحقها الثلاث إلى سرد الدلائل عليها بتعداد النِعم المتضمنة للدلائل.
ثم إنَّ أعظمَ النِعم "الحياة" المشار إليها بهذه الآية، ثم "البقاءُ" أي كمال الحياة بتنظيم السماوات والأرض المشار إليه بالآية الثانية، ثم تفضيلُ البشر وتكريمُه على الكائنات بالآية الثالثة، ثم تعليمُه العلم بالرابعة.. فهذه النعم نظرًا إلى "صورة النعمة" دليل العناية والغاية، وكذا دليل العبادة؛ إذ شُكر المُنعِم واجبٌ وكفران النعم حرام في العقول. ونظرًا إلى "الحقيقة" دليل اختراعيّ على وجود المبدأ والمعاد.. وكذا إن هذه الآية كما تنظر إلى سابقتها كذلك تنظر إلى الأسبق من بحث الكافرين والمنافقين فأشار بهذا الاستفهام الإنكاريّ التعجبيّ إلى تقريعهم وتشنيعهم وتهديدهم وترهيبهم.
وأما نظم الجمل، فاعلم أن هنا التفاتا من الغَيبة إلى الخطاب؛ إذ حكى عنهم أوّلا ثم خاطبَهم، لنكتة معلومة في البلاغة وهي أنه إذا ذُكر مساوئ شخص شيئا فشيئا تزيد الحدّة عليه، إلى أن يلجئ المتكلم -لو كان إنسانا- إلى المشافهة والمخاطبة معه.. وكذا إذا ذكرت محاسن أحدٍ درجةً درجةً يتقوى ميلُ المكالمة معه إلى أن يُلجئ المتكلم إلى التوجه إليه والخطابِ معه. فلنیزول القرآن على أسلوب العرب التفَتَ فقال: كيف تكفرون مخاطِبًا لهم.
ثم اعلم أنه لما كان المقصد هنا سردَ البراهين على الأصول السابقة من الإيمان والعبادة، وردِّ الكفر ومنعِ كفران النعمة، ثم إن أوضحَ الدلائل هو الدليل المستفاد من سلسلة أحوال البشر، وإن أكمل النِعم هي النعمُ المتدلّية في أنابيب تلك السلسلة والمندمجة في عقدها.. قال:
— 212 —
﴿ وَكُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
إشارةً إلى تلك السلسلة العجيبة المترتبة ذات العُقد الخمس التي تدلّت من أنابيبها عناقيد النِّعم. فلنمهّد خمس مسائل لحلّ تلك العُقد:
المسألة الأولى: في
وكنتم أمواتا
اعلم أن الإنسان باعتبار جسده بينما كان ذرّاتٍ جامدةً منتشرةً في العالم، إذ تراها دخلت بقانون مخصوص ونظام معيّن تحت انتظام.. ثم بينما تراها متسترة ساكتة في عالم العناصر، إذ تراها انتقلت متسلّلة بدستور معيّن وانتظام يومئ إلى قصد وحكمة إلى عالم المواليد.. [٭]: عالم المعادن والنباتات والحيوانات. ثم بينما تراها متفرقةً ساكنة في ذلك العالم، إذ تراها تحزّبت بطرز عجيب وصارت نطفةً.. ثم بانقلابات متسلسلة علقةً.. فمضغةً.. فلحمًا وعظامًا وهلمَّ جرّا.. فكلٌّ من هذه الأطوار وإن كان مكمَّلًا بالنسبة إلى سابقه إلَّا أنه ميّت وموات. [٭]: بالنسبة إلى لاحقه.
- فإن قلت: الموت عدمُ الحياة وزوالُها ولا حياة فيها حتى تزول؟
قيل لك: اختار المجاز لإعداد الذهن لقبول العقدة الثالثة والرابعة.
المسألة الثانية: في فأحياكم
اعلم أن أعجبَ معجزات القدرة وأدقَّها الحياةُ.. وكذا هي أعظمُ كلِّ النعم وأظهر كل البراهين على المبدأ والمعاد.
أما وجه أدقّيتها وغموضها فهو أن أدنى أنواع الحياة حياةُ النبات، وأن أوّل درجاتها تنبّهُ العقدة الحياتية في الحبَّة. وهذا التنبّه -مع شدة ظهوره وعمومه والألفة به من زمان آدم إلى الآن- قد بقي مستورًا عن نظر حكمة البشر.
وأما وجه كونها أعظم النعم، فهو أن الجسم الذي لا حياة فيه ليس له مناسبةٌ إلّا مع مكانه المشخص وما به يختلط، فيكون يتيمًا منفردًا ولو كان جبلًا. لكن إذا رأيت جسما ولو صغيرا كالنحل مثلا وقع فيه الحياةُ، حصل له دفعةً مناسباتٌ مع عموم الكائنات وتجارةٌ مع الأنواع، حتى يحقُّ له أن يقول: "مكاني الكائناتُ وهي كمِلكي". إذ إذا انتقل إلى الحياة
— 213 —
الحيوانية تراه يجول بحواسه ويتصرّف بها في أطراف الكائنات، فيحصل بينَه وبين أنواعها اختصاصٌ ومبادلة ومحبة.. ولاسيما إذا ترفّع إلى طبقة الإنسانية تراه بنور العقل يجول في عوالم. فكما يتصرّف في العالم الجسماني يجول في العالم الروحاني، ويطوف في العالم المثالي. وكما يسافر هو إلى تلك العوالم؛ كذلك تسافر هي إليه بالتمثل في مرآة روحه، حتى يستحق أن يقول: "إنَّ العالم مخلوقٌ لأجلي بفضل اللّٰه تعالى".. فتتنوع حياتُه وتنبسط إلى الحياة المادية والمعنوية والجسمانية والروحانية التي يشتمل كلٌّ منها على طبقات. فحقّ أن يقال: كما أن الضياء سببٌ لظهور الألوان والأجسام؛ كذا إن الحياة كشافةٌ لكافة الموجودات وسببٌ لظهورها، وإن الحياة هي التي تُصيِّر ذرّةً كعالم. وإن الحياة هي الوسيلة لإِحسان مجموع العالم لذي حياة برأسه مع عدم المزاحمة والانقسام إلّا في أقل قليل بين البشر.
وأما وجه كونها أظهر الدلائل على الصانع وكذا على الحشر، فاعلم أن انتقال بعضِ ذراتٍ جامدةٍ وانقلابَها دفعةً إلى هيئةٍ ووضعيةٍ تُخالِفُ الوضعية الأولى -بلا توسط سبب معقول- برهان أيُّ برهان. حتى إن الحياة لكونها أشرفَ الحقائق وأنزهَها، لا خسّةَ فيها بوجهٍ ولا رَيْن عليها، لا في جهة المُلك ولا في جهة الملكوت، فكلا وجهَيها لطيفان، حتى إن حياة أخسِّ حيوانٍ جزئيّ أيضًا عاليةٌ. ولهذا السر لم يتوسط بينها وبين يد القدرة سببٌ ظاهريّ؛ إذ مباشرتُها لا تنافي عزةَ القدرة، مع أن وضعَ الأسباب الظاهرية -كما مرَّ- لِمحافظة عزة القدرة في مباشرة الأمور الخسيسة في ظاهر النظر.
وأما وجه كونها أظهرَ الدلائل على المبدأ والمعاد فقد سمعتَ آنفًا، فلنلخص لك وهو: أن مَنْ نظر في هذه الحياة وتدرّج بنظره إلى الأطوار المترتبة إلى أبسط صوَر الجسم يرى أجزاءً منتثرة في عالم الذرات. ثم يبصرها قد تلبّس في عالم العناصر صورًا أُخرى. ثم يصادفها في عالم المواليد في وضعية أخرى.. ثم يلاقيها في نطفة ثم في علَقة ثم في مضغة. ثم يراها -دفعةً، بانقلاب عجيب- قد لَبست صورةً، ويرى في هذه الانقلابات حركاتٍ منتظمة على دساتير معينة يتراءى منها: أن كل ذرة كانت معيّنة في أول الأطوار كأنها موظفة للذهاب إلى الموضع المناسب من جسد الحي، فيتفطن الذهن أنها بقصدٍ تُساقُ، وبحكمة تُرسَلُ، وكانت الحياة الثانية في نظره أهونَ وأسهل وأمكَن بدرجاتٍ، فيقنَع بها قلبُه بالطريق الأَولى.
فهذه الجملة كالدليل للاحقتها، والكلُّ معًا برهانٌ على الإنكار المستفاد من كيف
— 214 —
المسألة الثالثة:
ثم يميتكم
اعلم أن آيةَ خلق الموت والحياة (الملك:٢) تدل على أن الموت ليس إعدامًا وعدمًا صِرفًا، بل تصرُّفٌ، وتبديلُ موضعٍ، وإطلاقٌ للروح من المحبس. [٭]: المكتوب الأول يوضح هذا الأمر توضيحا كافيا. وكذا إنّ ما وجد في نوع البشر إلى الآن من أماراتٍ غير معدودة، ونَجَمَ مِن إشارات غير محدودة، ألقت إلى الأذهان قناعةً وحدسًا بأن الإنسان بعد الموت يبقى بجهةٍ، وأن الباقيَ منه هو الروح. فوجودُ هذه الخاصة الذاتية في فردٍ يكون دليلًا على وجودها في تمام النوع للذاتية. ومن هنا تكون الموجبةُ الشخصية مستلزمةً للموجبة الكلية، فحينئذ يكون الموت معجزةَ القدرة كالحياة، لا أنه عدمٌ علتُه عَدَمُ شرائط الحياة.
- فإن قلت: كيف يكون الموت نعمةً حتى نُظم في سلك النِعَم؟
قيل لك:
أما أوّلًا: فلأنه مقدمةٌ للسعادة الأبدية، ولمقدمة الشيء حُكمُ الشيء حُسنًا وقبحًا؛ إذ ما يتوقف عليه الواجب واجبٌ، وما ينجرّ إلى الحرام حرام.
وثانيًا: فلأن الموت عند أهل التحقيق من المتصوِّفين نجاةٌ للشخص بخروجه عن نظير المَحْبس المشحون بالحيوانات المضرّة إلى صحراءَ واسعةٍ.
وثالثًا: فلأنه باعتبار نوع البشر نعمة عظمى؛ إذ لولاها لوقع النوع في سفالات مدهشة.
ورابعًا: فلأنه باعتبار بعض الأشخاص نعمة مطلوبة؛ إذ بسبب العجز والضعف لا يتحمل تكاليفَ الحياة وضغطَ البليات وعدمَ شفقة العناصر. فالموت بابُ فوزِه.
المسألة الرابعة: في ثم يحييكم اعلم أن بإشارة آيةِ اَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَاَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (غافر:١١) وكذا برمز تعقيب هذه بی
ثم إليه ترجعون مع النظر إلى إيجاز القرآن، إيماءً إلى حياة القبر كما تدل على حياة الحشر.
— 215 —
- فإن قلت: إذا أُحرق إنسانٌ وأُعطي رمادُه للهواء كيف يتصور فيه الحياة القبرية؟
قيل لك: إنَّ البنية ليست شرطا للحياة عند أهل السنة والجماعة، فيمكن تعلق الروح ببعض الذرات.
- فإن قلت: كيف يُتصور عذابُ القبر مع أنه لو وُضعت بيضةٌ على صدر جنازة بأيام، لا يحس فيها أدنى حركة فكيف الحياة والعذاب؟
قيل لك: إنَّ العالم المثاليّ قد بُرهن عليه في موقعه، حتى إن وجوده قطعي عند المحققين الإلهيين. وخاصةُ ذلك العالم تحويلُ المعاني أجسامًا والأعراضِ جواهرَ والمتغيراتِ ثابتةً. والعيون الناظرة من عالم الشهادة إليه، الرؤيا الصادقة،ُ والكشفُ الصادق، والأجسامُ الشفافة، فإنها تلوِّح بوجوده. ثم إن عالم البرزخ أثبتُ حقيقةً من عالم المثال الذي هو تمثاله. وظِل هذا العالم عالمُ الرؤيا، وظل هذا عالمُ الخيال، ونظير هذا الأجسامُ الشفافة كالمرآة. فإذ تفهّمتَ هذا؛ فانظر في عالم الرؤيا وتأمل في شخص نامَ عندك وهو ساكن وساكت، مع أنه في عالمه يقاتل ويضارب فيصير مجروحًا، أو تلدغه الحيةُ فيتألم، ولو أمكن لك أن تدخل في رؤياه وتقول له: "يا هذا! لا تعجز ولا تغضب فإن هذا ليس حقيقة" وحلفتَ له ألف يمين لَمَا يصدّقك. ويقولُ لك: "هذا ألمي يوجعني وهذا جرحي! أمَا ترى هذا وبيده السيف، وأمَا ترى الحية تهجم عليّ"؛ إذ تجسّم معنًى وجعُ الكتف أو نزلة الرأس
[٭]: مرض الزكام.
في صورة سيف جارح، إذ النتيجة واحدة. أو تصوَّر معنى الخيانة الموجعة لقلبه في لباس الحية؛ إذ الألمُ واحد. فيا هذا! إذ ترى ذاك في ظِل عالَم المثال أفلا تصدّقه في عالم البرزخ الذي هو أثبتُ حقيقةً بدرجاتٍ وأبعدُ منا؟
أمّا يحييكم بالنظر إلى الحياة الأخروية، فاعلم أن تلك الحياة نتيجة لكل العالم. ولولاها لم تكن الحقيقةُ ثابتة ولانقلبت الحقائقُ -كالنعمة- نقمةً. وقس! ولقد لخصنا دلائلها في تفسيرِ وبالآخرة هم يوقنون
المسألة الخامسة: في ثم إليه ترجعون آخرِ العُقد من تلك السلسلة.
— 216 —
اعلم أن الخالق -جلّت قدرتُه- مزج الأضدادَ في عالم الكون والفساد لِحِكَم دقيقة، ووضعَ أسبابًا ظاهرية ووسائط، إظهارا لعزته، فترتبت سلسلةُ العِلل والمعلولات. ثم لمّا تصفّت الكائنات وتميّزت وتحزّبت في الحشر، ارتفعت الأسبابُ وأُسقطت الوسائط، فارتفع الحجابُ وكُشف الغطاء، فيرى كلُّ شيء صانعَه ويعرف مالكه الحقيقي.
تذييل لخلاصة نظم الجمل:
اعلم أنه تعالى لمّا أنكر كفرَهم الواقع بطريق الاستفهام الاستخباريّ في كيف ودعا الناس إلى التعجب منه؛ برهن عليه بما بعد الواو الحالية؛ أي بإراءة أربعة انقلابات عظيمة كلُّها، وكلّ منها شاهد على وجوب الإيمان. ثم إن كل انقلاب منها مشتمل على أطوار ومراتب، ومقدمة ومُعِدّة للانقلاب الذي يليه. فمن الطور الأول من الانقلاب الأول إلى الطور الآخر من الانقلاب الآخر يتجدد أصلُ جسد الحي دائما، فيُلقِي قشرًا ويَلبس الأكملَ، ثم يخلعه ويلبس صورة أعلى، ثم يلقيها أيضًا فيلبس صورة أحسن، وهلم جرا... فهو دائمًا في استبدالِ صورةٍ بأخرى كاملةٍ إلى أن يصل إلى أعلى الأعالي فيستقرَّ بتقرر السعادة الأبدية، وكلُّها بنظام معيّن وقانون منتظم. فأشار إلى أول الانقلابات بقوله: وكنتم أمواتا وهذا مشتمل على أطوار،ٍ آخرُ الأطوار ينتج مآلَ فأحياكم الدالِ على الانقلاب الثاني الذي هو أعجب حقائق العالم المشتمل على أطوارٍ آخرُها تنتهي بانقلابِ ثم يميتكم المشتملِ أيضا على أطواره البرزخية التي تتم بانقلابِ ثم يحييكم المشتملِ على أطواره القبرية ثم الحشرية المختومة بقوله: ثم إليه ترجعون. فمَن أمعن في هذه الانقلابات كيف يتجاسر على الإنكار؟
ولنشرع في نظم هيئاتِ جملةٍ جملةٍ:
أما الجملة الأولى أعني:
﴿ كيف تكفرون باللّٰه وكنتم أمواتا ﴾
فالاستفهام فيها لتوجيه ذهنهم إلى قباحتهم ليروا بأنفسهم فينصفوا فيقرّوا.
و كيف إشارة إلى الاستدلال على عدم الكفر [٭]: أي بطلانه بإنكار الحال. من إضافة المصدر إلى الفاعل. والباء متعلق بالاستدلال.علما بأن "كيف" للسؤال عن الحال. بإنكار الحال اللازم.
والخطاب في تكفرون إيماءٌ كما مرّ إلى شدة الغضب. ولم يقل "لا تؤمنون"
— 217 —
إشارةً إلى شدّة تمردهم؛ إذ يتركون الإيمان الذي عليه الدلائل ويقبلون الكفر الذي على بطلانه البراهينُ.
وواو الحالية في وكنتم تشير إلى مقدّر، إذ الجملتان ماضيتان والأُخريان مستقبلتان كلاهما لا يوافق قاعدة مقارنة الحال لعامل ذي الحال، فإذَن التقديرُ "والحال أنكم تعلمون". [٭]: إنكم تعلمون أنكم كنتم أمواتا. (ش).
- فإن قلت: إنهم وإن علموا بالموت والحياةِ الأُولى لكنهم لا يعلمون أنهما من اللّٰه، وكذلك لا يقرّون بالحياة الثانية ولا يصدّقون بالرجوع إليه تعالى؟
قيل لك: من البلاغة تنیزيل الجاهل منیزلة العالم عند ظهور دلائل إزالة الجهل، فلما كان التفكرُ في أطوار الموت الأول والحياة الأُولى ملجِئا إلى الإقرار بالصانع وكان العلمُ بها مقنعًا للذهن بوقوع الحياة الثانية.. كانوا كأنهم عالمون بهذه السلسلة.
والخطاب في وكنتم إشارة إلى أن لهم في عالم الذرات أيضا وجودا وتعينا، لا أن الذرات كيفما اتفقت صارت أجسادَهم المعينة بالتصادف.
وإيثار أمواتًا على "جماد" [٭]: على جمادات. (ش). أو "ذرات" إيماءٌ إلى مآلِ: لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (الإنسان:١).
وأما جملة:
فأحياكم
- فإن قلت: الفاء للتعقيب والاتصال مع تخلل تلك الأطوار وتوسّط مسافة طويلة إلى الحياة؟
قيل لك: الفاء للإشارة إلى منشأ دليل الصانع، وهو أن انقلابها من الجمادية إلى الحيوانية دفعةً من غير توسطِ سببٍ معقولٍ، يُلجئ الذهن إلى الإقرار بالصانع. وكذا إن الأطوار في حالة الموات ناقصة غير ثابتة شأنها التعقيب.
— 218 —
وإيثار أَحْيَاكُمْ على "صرتم أحياء" للتصريح، أي صرتم أحياء ولا يمكن ذلك بغير قدرة الصانع. فأنتج: إن اللّٰه تعالى هو الذي أحيا.
وأما جملةُ ثم يميتكم بدلَ "تموتون"، فإشارة كما مرَّ إلى أن الموت تصرف عظيم للقدرة بمقياس القَدَر؛ ألا ترى أن من استوفى عمرَه الطبيعيّ ثم انتهى إلى الأجل أقلُّ قليل، فيتيقظ الذهنُ إلى أن الموت ليس نتيجة طبيعية. فالموت انحلال الجسد لا فناءُ الروح بل إطلاقه.
وأما جملة ثم يحييكم فی ثم إشارة إلى توسط عالم البرزخ ذي العجائب. وأما جملة ثم إليه ترجعون فی ثم إشارة إلى توسط الغطاء العظيم. و ترجعون إشارة إلى كشف الغطاء وطردِ الأسباب وإسقاطِ الوسائط.
- فإن قلت: الرجوع إلى اللّٰه تعالى يقتضي أن يكون المجيء منه أوّلًا، ومن هنا توهّمَ بعضٌ الاتصالَ واشتبه بعضُ أهل التصوف.
قيل لك: إن في الدنيا وجودا وبقاءً وكذا في الآخرة وجودٌ وبقاء. فالوجود في الدنيا يصدر من يد القدرة بلا واسطة، وأما البقاء المحفوف بالتحليل والتركيبِ والتصرفِ والتحول في عالم الكون والفساد فيتداخل بينه العِلل وتتوسط الأسباب للحكمة المذكورة سابقًا. وأما في الآخرة فالوجود وكذا البقاءُ بلوازمه وتركيباته يظهر بالذات من يد القدرة ويَعرف كلُّ شيء مالكَه الحقيقي. فإذا تأملت في هذا علمت معنى الرجوع.
— 219 —
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّماءِ فَسَوّيییهُنَّ سَبْعَ سَموَاتٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٩ ﴾
اعلم أن لهذه الآية أيضًا الوجوه الثلاثة النظمية؛
أما نظم المجموع بالسابق فهو أن في الآية الأولى إنكارَ الكفر والكفرانِ بالدلائل الأنفسية، وهي أطوار البشر، وفي هذه الآية إشارة إلى الدلائل الآفاقية.. وكذا في الأولى إشارة إلى نعمة الوجود والحياة، وفي هذه الآية إلى نعمة البقاء.. وكذا في تلك دليل على الصانع ومقدمة للحشر، وفي هذه إشارة إلى تحقيق المعاد وإزالة الشبه. كأنهم يقولون: أين للإنسان هذه القيمة؟ وكيف له تلك الأهمية؟ وما موقعه عند اللّٰه حتى يقيم القيامة لأجله؟ فقال القرآن بإشارات هذه الآية: إن للإنسان قيمة عالية، بدليل أن السماوات والأرض مسخّرة لاستفادته، وكذا إن له أهمية عظيمة بدليل أن اللّٰه لم يخلق الإنسان للخلق، بل خلق الخلق له، وإن له عند خالقه لَموقعًا بدليل أن اللّٰه تعالى لم يوجد العالم لذاته، بل أوجده للبشر وأوجد البشر لعبادته. فأنتج أن الإنسان مستثنًى وممتازٌ لا كالحيوانات، فيليق أن يكون مَظهرًا لجوهرةِ ثم إليه ترجعون
وأما نظم جملةٍ جملةٍ،
فاعلم أن لفظَ جميعًا في الجملة الأولى، ولفظَ ثم في الثانية، ولفظَ سبع في الثالثة تقتضي تحقيقًا. فلنتكلم عليها في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى
إن قلت: إن هذه الآية تدل على أن جميع ما في الأرض لاستفادة البشر فكيف يُتصور استفادة "زيد" مثلا من كل جزء من أجزاء الأرض؟ و"حبيب وعلي" [٭]: هما من طلبة الأستاذ المؤلف في مدرسة خورخور كيف يستفيدان من حجر في قعر جبل في وسط جزيرة في البحر المحيط الكبير؟ وكيف يكون مالُ "زيد" لاستفادة
— 220 —
"عمرو"؟ مع أن الآية بإشارات أخواتها تشير أن لكل فردٍ الجميعَ لا التوزيع. وكذا كيف تكون الشمس والقمر وغيرهما مع تلك العظمة لی"زيد وعمرو" والعلة الغائية فيها الفائدة الجزئية لهما؟ وكيف تكون المضرات لاستفادة البشر مع أنه لا مجازفة في القرآن ولا تليق المبالغة ببلاغته الحقيقية؟
قيل لك: تأمل في ست نقاط يتطايرْ عنك الأوهام:
الأولى: أن خاصية الحياة كما مرَّ تصيّر الجزءَ كلًا والجزئي كليًا والمنفردَ جماعة والمقيّدَ مطلقًا والفردَ عالَمًا، فيصير الأنواع كقوم ذي الحياة والدنيا بيته، ويكون له مناسبة مع كل شيء.
والثانية: أن في العالم -كما علمت- نظاما ثابتا، واتساقا مُحكَما، ودساتير عالية، وقوانين أساسية مستمرة، فيكون العالَم كساعة أو ماكينة منتظمة. فكما أن كل دولاب منها بل كلَّ سنٍّ من كل دولاب بل كل جزء من كل سنٍّ له دخلٌ -ولو جزئيًا- في نظام الماكينة، وكذا له تأثير في فائدة الماكينة ونتيجتِها بواسطة نظامها؛ كذلك لوجوده دَخلٌ في فائدة أهل الحياة الذين سيّدُهم ورئيسُهم البشرُ.
والثالثة: أنه -كما قرع سمعَك فيما مضى- لا مزاحمةَ في وجوه الاستفادة، فكما أن الشمس بتمامها لیزيد وأن ضياءها روضةٌ وميدان لنظره؛ كذلك بتمامها مُلك لیعمرو وجنة له. فیزيد مثلًا لو كان في العالَم وحده كيف تكون استفادته؛ كذلك إذا كان مع كل الناس لا ينقُص منها شيء إلَّا فيما يعود إلى الغارَيْن. [٭]: الغاران: فمُ الإنسان وفرجُه، وقيل: هما البطن والفرج؛ ومنه قيل: المرء يسعى لِغارَيْه؛ وقال: أَلم تر أنَّ الدهْرَ يومٌ وليلة، وأنَّ الفتَى يَسْعَىْ لِغارَيْه دائبا؟ (لسان العرب).
والرابعة: أن الكائنات ليس لها وجه رقيق فقط، بل فيها وجوه عمومية مختلفة، طَبَقًا على طبق. ولفوائدها جهات كثيرة عمومية متداخلة، وطرق الاستفادة متعددة متنوعة؛ مثلًا: إذا كان لك روضة، تستفيد منها بجهة ويستفيد الناس بجهة أخرى، كالاستلذاذ بالقوة الباصرة. ولا جرم أن استفادة الإنسان تحصل بحواسه الخمس الظاهرة وبحواسه الباطنة وبجسمه وبروحه وكذا بعقله وقلبه وكذا في دنياه وفي آخرته وكذا من جهة العِبرة وقس عليها.. فلا مانع من استفادته بوجه من هذه الوجوه من كل ما في الأرض بل العالم.
— 221 —
والخامسة: أنه:
إن قلت: هذه الآيات مع آيات أُخر تشير إلى أن هذه الدنيا العظيمة مخلوقة لأجل البشر وجُعل استفادته علّة غائية لها. والحال أن زُحلَ الأكبرَ من الأرض ليست فائدتها بالنسبة إلى البشر إلّا نوعَ زينة وضياء ضعيف فكيف يكون علة غائية؟
قيل لك: إن المستفيد يفنى في جهة استفادته وينحصر ذهنُه في طريقها وينسى ما عداها وينظر إلى كل شيء لنفسه ويحصر العلة الغائية على ما يتعلق به. فإذن لا مجازفة في الكلام الموجَّه إلى ذلك الشخص في مقام الامتنان بأن يقال: إن زَحَل -الذي أبدعه خالقُه لألوفِ حِكَمٍ، وفي كل حكمة ألوفُ جهاتٍ، وفي كل جهة ألوفُ مستفيدٍ- العلةُ الغائية في إبداعه جهة استفادة ذلك الشخص.
والسادسة: -وقد نبهتُ عليه- أن الإنسان وإن كان صغيرًا فهو كبير، فنفعُه الجزئيّ كليّ، فلا عبثية.
المسألة الثانية في ثم
اعلم أن هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل السماء، وأن آيةَ
والأرضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحيییهَا
(النازعات:٣٠) تدل على أن خلق السماء قبل الأرض، وأن آية:
﴿ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْناهُمَا ﴾
(الأنبياء:٣٠) تدل على أنهما خُلقتا معا وانشقتا من مادة.
واعلم ثانيا: أن نقليات الشرع تدل على أن اللّٰه تعالى خَلَق أوّلًا جوهرةً -أي مادة- ثم تجلى عليها فجعل قسما منها بخارا وقسما مائعا. ثم تكاثف المائع بتجلِّيه فأزبَد. ثم خَلق الأرضَ أو سبع كُرات من الأرضين من ذلك الزبد، فحصل لكل أرض منها سماء من الهواء النسيميّ. ثم بسَط المادة البخارية فسوّى منها سماوات زَرَع فيها النجومَ فانعقدت السماوات مشتملة على نويات النجوم. وإن فَرَضيات الحكمة الجديدة ونظرياتها تحكم بأن المنظومة الشمسية أي مع سمائها التي تسْبَح فيها كانت جوهرا بسيطا ثم انقلب إلى نوعِ بخار، ثم تحصّل من البخار مائعٌ ناريّ، ثم تصلّب -بالتبرد- منه قسمٌ، ثم ترامى ذلك المائع الناري بالتحرك شراراتٍ وقطعاتٍ انفصلت فتكاثفت فصارت سيّاراتٍ، منها أرضنا هذه.
— 222 —
فإذا سمعت هذا يجوز لك التطبيق بين هذين المسلكين، لأنه يمكن أن تكون آيةُ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْناهُمَا إشارةً إلى أن الأرض مع المنظومة الشمسية كانت كعجين عَجَنَتْه يدُ القدرة من جوهر بسيط أعني "مادّة الأثِير" التي هي كالماء السيّال بالنسبة إلى الموجودات فتنفذ جاريةً بينها. وآية وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (هود:٧) إشارة إلى هذه المادة التي هي كالماء. و"الأثير" بعد خلقه، هو المركز لأوّل تجلِّي الصانع بالإيجاد، أي فخَلق "الأثيرَ"، ثم صيّره جواهرَ فردةً، ثم جعل البعض كثيفًا، ثم خلق من الكثيف سبع كرات مسكونة، منها أرضنا. ثم إن الأرض بالنظر إلى كثافتها وتصلبها قبل الكل، وتعجيلها في لبس القشر وصيرورتِها من زمان مديدٍ مَنشأَ الحياة مع بقاء كثير من الأجرام السماوية إلى الآن مائعةً نارية.. تكون خلقتُها وتشكلُها من هذه الجهة قبل خلق السماوات. ولما كان تكمُّلُ منافعِها ودَحْوُها (أي بسطها وتمهيدها لتعيّش نوع البشر) بعد تسوية السماوات وتنظيمها تكون السماوات أسبقَ من هذه الجهة مع الاجتماع في المبدأ. فالآيات الثلاث تنظر إلى النقاط الثلاث.
الجواب الثاني: إن المقصد من القرآن ليس درس تاريخ الخِلقة، بل نزل لتدريس معرفة الصانع. ففيه مقامان؛ ففي مقام بيان النعمة واللطف والمرحمة وظهورِ الدليل تكون الأرض أقدمَ، وفي مقام دلائل العظمة والعزة والقدرة تكون السماوات أسبق.. ثم إن ثم كما تكون للتراخي الذاتيّ تجيء للتراخي الرُّتْبي، فی ثم استوى أي ثم اعلموا وتفكروا أنه استوى. [٭]: أي للتراخي التفكري. بمعنى أن خلق السماوات مع أنه أسبق إلّا أن التفكر فيه يأتى بالمرتبة الثانية. ومع أن خلق الأرض بعد السماوات إلّا أن التفكر فيه أسبق، أي يلزم التفكر في خلق الأرض قبل السماوات. (ت: ٢١٦).
المسألة الثالثة في سبع
اعلم أن الحكمة العتيقة قائلةٌ بأن السماوات تسعة، وتصوَّرَها أهلُها بصورة عجيبة، واستولى فكرُهم على نوع البشر في أعصار، حتى اضطر كثير من المفسرين إلى إمالة ظواهر الآيات إلى مذهبهم. وأما الحكمة الجديدة فقائلة بأن النجوم معلَّقة في الفضاء والخلو، كأنها منكِرة لوجود السماء. فكما أفرطت إحداهما فرّطت الأخرى. وأما الشّريعة فحاكمةٌ بأن
— 223 —
الصانع جلّ جلاله خلق سبع سماوات وجعل النجوم فيها كالسِّماك تسبح. والحديث يدل على أن "السماء موج مكفوف". [٭]: جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/٣٧٠) والترمذي برقم (٣٢٩٨) وفي تحفة الأحوذي برقم (٣٣٥٢) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وعزاه صاحب التحفة لأحمد وابن أبي حاتم والبزار وفي مجمع الزوائد (٨/١٣٢): جزء من حديث رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو جعفر الرازي، وثّقه أبو حاتم وغيره وضعّفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وانظر فيه كذلك (٧/١٢١) وتفسير ابن كثير -الحديد.
وتحقيق هذا المذهب الحق في ست مقدمات.
الأولى: إنه قد ثبت فنًّا وحكمةً أن الفضاء الوسيع مملوء من الأثير.
والثانية: إن رابطة قوانين الأجرام العلوية وناشر قوى أمثال الضياء والحرارة وناقلها مادة موجودة في الفضاء مالئة له.
والثالثة: إنَّ مادة الأثير-مع بقائها أثيرًا- لها كسائر المواد تشكلات مختلفة، وتنوعات متغايرة كتشكل البخار والماء والجَمَد.
والرابعة: إنه لو أُمعن النظر في الأجرام العلوية يُرى في طبقاتها تخالُف. ألا ترى أن نهر السماء المسمى بی"كَهْكَشان" [٭]: درب التبانة. المرئيّ في صورة لطخة سحابية إنما هو ملايينَ نجومٍ أخذت في الانعقاد. فصورةُ الأثير التي تنعقد تلك النجوم فيها تخالف طبقة الثوابت البتة، وهي أيضًا تخالف طبقات المنظومة الشمسية بالحدس الصادق... وهكذا إلى سبع منظومات.
والخامسة: إنه قد ثبت حدسًا واستقراءً أنه إذا وقع التشكيل والتنظيم والتسوية في مادة، تتولد منها طبقات مختلفة كالمعدن يتولد منه الرماد والفحم والألماس.. وكالنار تتميز جمرًا ولهبًا ودخانًا، وكمزج مولّد الماء مع مولّد الحموضة [٭]: الهيدروجين والأوكسجين. يتشكل منه ماء وجمد وبخار.
والسادسة: إن هذه الأمارات تدل على تعدد السماوات. والشارع الصادق قال هي سبعة، فهي سبعة على أن السبع والسبعين والسبعمائة في أساليب العرب لمعنى الكثرة.
والحاصل: إن الصانع جل جلاله خلق من "مادة الأثير" سبع سماوات فسوّاها ونظّمها بنظام عجيب دقيق وزرع فيها النجوم وخالف بين طبقاتها.
— 224 —
اعلم أنك إذا تفكرت في وُسْعة خطابات القرآن ومعانيه ومراعاته لأفهام عامة الطبقات من أدنى العوام إلى أخص الخواص، ترى أمرًا عجيبًا. مثلًا: من الناس مَن يفهم من سبع سموات طبقاتِ الهواء النسيمية.. ومنهم مَن يفهم منه الكرات النسيمية المحيطة بأرضنا هذه وأخواتها ذوات ذوي الحياة.. ومنهم مَن يفهم منه السيّارات السبع المرئية للجمهور.. ومنهم مَن يفهم منه طبقات سبعة أثيرية في المنظومة الشمسية.. ومنهم مَن يفهم منه سبع منظومات شموسية أولاها منظومة شمسنا هذه.. ومنهم من يفهم منه انقسام الأثير في التشكل إلى طبقات سبعة كما مر آنفًا.. ومنهم مَن يرى جميع ما يُرى مما زُيّن بمصابيح الشموس والنجوم الثوابت سماء واحدة، هي السماء الدنيا وفوقها ست سماوات أُخر لا ترى.. ومنهم مَن لا يرى انحصار سبعِ سَمَاوَاتٍ في عالم الشهادة فقط، بل يتصورها في طبقات الخِلقة في العوالم الدنيوية والأُخروية والغيبية.. فكلٌّ يستفيض بقدر استعداده من فيض القرآن ويأخذ حصته من مائدته فيشتمل على كل هذه المفاهيم.
واعلم أن الجملة الأولى أعني
﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ﴾
نظمها بخمسة أوجه:
الأول: أن الآية الأولى إشارة إلى نعمة الحياة والوجود، وهذه تشير إلى نعمة البقاء وأسبابه.
والثاني: أنه لمّا أثبتت الأولى للبشر أعلى المراتب أعني الرجوع إليه تعالى، تنبه ذهنُ السامع للسؤال بی"أين لهذا الإنسان الذليل استعدادٌ لهذه المرتبة العالية إلّا أن يكون بفضله تعالى وجذبه؟". فكأن هذه الجملة تقول -مجيبةً عن ذلك السؤال-: إن للإنسان عند خالقه الذي سخّر له جميع الدنيا لموقعًا عظيمًا.
والثالث: أنه لما أشارت الأولى إلى وجود الحشر والقيامة للبشر، ذهب السامع إلى سؤالِ: ما أهمية البشر حتى تقوم القيامة لأجله ويخرب العالم لسعادته؟ فكأن هذه الجملة تجيبه بی"أن من هُيّئَ جميع ما في الأرض لاستفادته وسُخّر له الأنواع، له أهمية عظيمة تشير إلى أنه هو النتيجة للخلقة".
والرابع: أن الأولى أشارت بی إليه ترجعون إلى رفع الوسائط وانحصار
— 225 —
المرجعية فيه تعالى، والحال أن للبشر في الدنيا مراجعَ كثيرة، فهذه الجملة تقول أيضًا: إن الأسباب والوسائط تشفّ عن يد القدرة، وإن المرجع الحقيقي في الدنيا إنما هو اللّٰه تعالى وإنما توسطت الأسبابُ لحِكَم، فإنه تعالى هو الذي خلق للإنسان كل ما يحتاج إليه.
والخامس: أن الأولى لما أشارت إلى السعادة الأبدية، أشارت هذه إلى سابقةِ فضلٍ يستلزم تلك السعادةَ ذلك الفضلُ. أي من أُحسن إليه جميع ما في الأرض لحقيقٌ بأن يُعطى له السعادة الأبدية.
وجملةُ ثم استوى الى السماء نظمُها بأربعة أوجه.
الأول: أن السماء رفيقة الأرض لا يَتصورُ الأرضَ أحدٌ إلّا ويخطر في ذهنه السماء.
والثاني: أن تنظيم السماء هو المكمِّل لوجه استفادة البشر مما في الأرض.
والثالث: أن الجملة الأُولى أشارت إلى دلائل الإحسان والفضل، وهذه تشير إلى دلائل العظمة والقدرة.
والرابع: أن هذه الجملة تشير إلى أن فائدة البشر لا تنحصر على الأرض؛ بل السماء أيضًا مسخرة لاستفادته.
ونظم جملةِ فسوّيهن سبع سموات بثلاثة أوجه:
الأول: أن ربطها بالأُولى كربطِ فيكون مع كن
والثاني: أنه كربط تعلّق القدرة بتعلق الإرادة.
والثالث: أنه كربط النتيجة بالمقدمة.
ونظم جملة: وهو بكل شيء عليم بوجهين:
أحدهما: أنها دليل لِمّيّ على التنظيم السابق كما أن التنظيم السابق دليل إنّيّ عليها؛ إذ الاتساق والانتظام يدلان على وجود العلم الكامل كما أن العلم يفيد الانتظام.
والآخر: أن الجملة الأولى تدل على القدرة الكاملة وهذه على العلم الشامل.
— 226 —
أما نظم هيئاتِ جملةٍ جملةٍ؛ ففي الجملة الأولى الاستيناف، وتعريف الجزئين، وتعريف الخبر، ولامُ لكم ، وتقديم لكم ، ولفظ في ، ولفظ جميعًا
أما الاستيناف فإشارة إلى أسئلة مقدّرة وأجوبة قد نبهتُ عليها في الأوجه الخمسة لنظم الجملة الأولى..
وأما تعريف الجزئين [٭]: "هو": مبتدأ، و"الذي" مع صلته: خبر. (ت: ٢٢١). فإشارة إلى التوحيد والحصر الذي هو دليل على الحصر في تقديم إليه في ثم إليه ترجعون
وأما تعريف الخبر فإشارة إلى ظهور الحكم. [٭]: حيث إن الأصل في الخبر أن يكون نكرة، إلّا أن مجيئه معرفةً إشارة إلى ظهور الحكم، وهو: أن اللّٰه خالق الأرض بما فيها. وهو أمر معلوم ظاهر. (ت: ٢٢١).
وأما لام النفع في لكم فإشارة إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة، وإنما تَعرِضُ الحرمةُ للعصمة؛ كیمالِ الغير. أو للحرمة؛ كلحم الآدميّ. أو للضرر؛ كالسم. أو للاستقذار؛ كبلغم الغير. أو للنجاسة؛ كالميتة.. وكذا رمز إلى وجود النفع في كل شيء، وأن للبشر -ولو بجهة من الجهات- استفادةً ولو بنوع من الأنواع ولو في أحقر الأشياء ولا أقل من نظر العبرة، وكذا إيماء إلى أنه كَم من خزائنَ للرحمة مكنوزةٍ في جوف الأرض تنتظر أبناء المستقبل.
وأما تقديم لكم فإشارة إلى أن جهة استفادة البشر أقدم الغايات وأولاها وأولها.
وأما مَا المفيدة للعموم فللحث على تحرِّي النفع في كل شيء..
وأما في الأرض بدلَ "على الأرض" مثلًا، فإشارة إلى وجود أكثر المنافع في بطن الأرض، وكذا تشجيع على تحرِّي ما في جوفها.. ويدل تدرج البشر في الاستفادة من معادن الأرض وموادها على أنه يمكن أن يكون في ضمنها مواد وعناصر تخفِّف عن كاهل أبناء الاستقبال ضغطَ تكاليف الحياة من الغذاء وغيره.
وأما جميعًا فلردّ الأوهام في عبثية بعض الأشياء.
وأما ثم في الجملة الثانية فإشارة إلى سلسلة من أفعاله تعالى وشؤونه بعد خلق الأرض إلى تنظيم السماء.. وكذا رمز إلى تراخي رتبة التنظيم في نفع البشر عن خلقة الأرض.. وكذا إيماء إلى تأخره عنها.
— 227 —
وأما استوى ففيه إيجاز، أي أراد أن يسوّي.. وكذا فيه مجاز أي كمن يسدد قصده إلى شيء لا ينثني يمنةً ويسرةً.
و الى السماء أي إلى مادتها وجهتها.
وأما فاء فسوّيهن فبالنظر إلى جهة التفريع، نظيرَ ترتُّبِ فيكون على كن ، وتعلقِ القدرة على تعلق الإرادة، والقضاءِ على القدر. وأما بالقياس إلى جهة التعقيب فإيماء إلى تقديرِ: "ونوّعها ونظّمها ودبّر الأمر بينها فسوّيهن" الخ.
وأما "سَوَّى" أي خلقها منتظمة مستوية متساوية في أنْ أعطى كلًّا ما يناسب استعداده ويساوي قابليته. وأما هُنَّ فإيماء إلى تنوع مواد السماوات.
وأما سبع فيتضمن الكثرة والمناسبة مع الصفات السبع ومع الأدوار السبعة في تشكلات الأرض.
و سموات أي اللاتي هن رياض لأزاهير الدراري وبحار لسِماك السّيارات ومزرعة لحبّات النجوم.
أما جملةُ وهو بكل شيء عليم فواو العطف المقتضية للمناسبة إشارة إلى " وهو على كل شيء قدير (هود:٤) فهو الخالق لهذه الأجرام العظيمة، وهو بكل شيء عليم فهو النَظّام المتقن للصنعة فيها".
وباء الإلصاق إشارة إلى عدم انفكاك العلم عن المعلوم.
وأما "كل" فهو العام الذي لم يخص منه البعض. وقد خص قاعدة: "وما من عام إلّا وقد خُصَّ منه البعض" [٭]: لتوضيح القاعدة أكثر انظر : التقرير والتحبير ١/ ٤٣٦ ابن أمير حاج. وإلّا لكانت هذه القاعدة بحيث إذا صَدَقت كذّبت نفسها نظيرَ "الجذر الأصم الكلاميّ"
ولفظ شيء يعم الشائيّ والمشيءَ وما ليس بهذا ولا بذاك كالممتنع.
و عليم أي ذات ثبت له لازمًا منه العلم.
— 228 —
﴿ وَاذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلئِكَةِ اِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا اَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ اِنِّي اَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ ٣٠ ﴾