— 19 —
إفادة المرام
أقول: لما كان القرآنُ جامعًا لأشتاتِ العلوم وخطبةً لعامة الطبقات في كل الأعصار، لا يتحصّل له تفسيرٌ لائقٌ من فهم الفرد الذي قلّما يخلُص من التعصب لمسلكه ومَشربه؛ إذ فهمُه يخصُّه ليس له دعوة الغير إليه إلّا أن يُعدّيَه [٭]: عدّى الشيء: أجازه وأنفذه. قبولُ الجمهور. واستنباطُه -لا بالتشهي- له العملُ لنفسه فقط، ولا يكون حُجةً على الغير إلّا أن يُصدّقه نوعُ إجماع.
فكما لابد لتنظيم الأحكام واطّرادها ورفعِ الفوضى -الناشئة من حرية الفكر مع إهمال الإجماع- من وجود هيئة عالية من العلماء المحققين الذين -بمظهريتهم لأمنية العموم واعتمادِ الجمهور- يتقلّدون كفالةً ضمنية للأُمة، فيصيرون مظهرَ سرِّ حجِّيةِ الإجماع الذي لا تصير نتيجةُ الاجتهاد شرعًا ودستورًا إلّا بتصديقه وسِكّته؛ [٭]: سكة: شارة الدولة الموضوعة على مسكوكاتها. كذلك لابد لكشف معاني القرآن وجمعِ المحاسن المتفرقة في التفاسير وتثبيت حقائقه -المتجلية بكشف الفن [٭]: العلم الحديث. وتمخيض الزمان- من انتهاض هيئة عالية من العلماء المتخصصين، المختلفين في وجوه الاختصاص، ولهم مع دقةِ نظرٍ وُسْعةُ [٭]: وُسْعة واتساع وسعة بمعنى الطاقة والقدرة. فكرٍ لتفسيره.
نتيجة المرام إنه لابد أن يكون مفسرُ القرآن ذا دهاءٍ عال واجتهاد نافذ وولاية كاملة. وما هو الآن إلّا "الشخص المعنوي" المتولدُ من امتزاج الأرواح وتساندِها، وتلاحقِ الأفكار وتعاونها، وتظافرِ القلوب وإخلاصها وصَمِيمِيَّتِها، من بين تلك الهيئة. فبسرّ "للكل حُكمٌ ليس لكلٍّ" [٭]: انظر: كليات أبي البقاء ص ٢٩٦. كثيرًا ما يُرى آثارُ الاجتهاد وخاصةُ الولاية، ونورُه وضياؤها [٭]: نور الاجتهاد وضياء الولاية. من جماعةٍ خَلَتْ منها أفرادُها.
— 20 —
ثم إني بينما كنت منتظرًا ومتوجهًا لهذا المقصد بتظاهر هيئة كذلك -وقد كان هذا غايةَ خيالي من زمان مديد- إذ سنح لقلبي من قبيل "الحس قبل الوقوع" تقرّبُ زلزلة عظيمة، (٭): لقد أخبرنا مرارًا في أثناء الدرس وقوع زلزلة عظيمة (بمعنى الحرب العمومية فوقعت كما أخبرنا). حمزة. محمد شفيق. محمد مهري. (هؤلاء من تلاميذ المؤلف). فشرعتُ -مع عجزي وقصوري والإغلاق في كلامي- في تقييد ما سنَح لي من إشارات إعجاز القرآن في نظمه وبيان بعض حقائقه، ولم يتيسر لي مراجعة التفاسير. فإن وافقها فبِها ونِعْمَتْ، وإلّا فالعُهدةُ عليّ.
فوقعتْ هذه الطامةُ الكبرى.. ففي أثناء أداء فريضة الجهاد كلما انتهزتُ فرصةً في خط الحرب قيَّدتُ ما لاحَ لي في الأودية والجبال بعبارات متفاوتة باختلاف الحالات. فمع احتياجها إلى التصحيح والإصلاح لا يرضى قلبي بتغييرها وتبديلها؛ إذ ظهرتْ في حالةٍ من خلوص النية لا توجد الآن،
فأعرِضُها لأنظار أهل الكمال لا لأنه تفسير للتنیزيل، بل ليصير -لو ظفر بالقبول- نوعَ مأخذٍ [٭]: المصدر والمرجع. لبعض وجوه التفسير. وقد ساقني شوقي إلى ما هو فوق طوقي، فإن استحسنوه شجعوني على الدوام.
ومن اللّٰه التوفيق
سعيد النورسي