— 237 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاء..
في أثناء رحلتنا بمركبٍ ذي محرِّك آليٍّ من "أغيردِر" إلى "بارلا"، هبَّت عواصفُ هوجاءُ كادت تُودي بي وبستةٍ كانوا معي، وكانت المُجرَيات تؤكِّد أنَّنا سنُستشهَد، وأن تلك البحيرة ستكون مقبرتَنا الواسعة؛ لكن أبشِّركم بأنَّ هذه الحادثة أَضحَت وسيلةَ رحمةٍ عظيمة، وأزالَت عنّا متاعبَ السفر، بمثل ما حصل مع المرض الشديد الذي انتابني ليلةَ القدر.
لقد مسَحَت أُمُّ المطر یی هذه البحيرة یی على رؤوسنا نحن تلامذةَ النور، وصافحت وجوهنا وأعيننا بقطرات الأمطار مُسرِعةً في لهفةٍ وشفقة، امتثالًا للأمر الربّاني المحفوف بالرحمة الإلٰهية، في إشارة منها إلى نجاة رسائل النور من المكائد العريضة التي يخطِّط لها أعداؤنا المتستِّرون، وإشعارًا بأنَّ ما نعانيه من محنةٍ رهيبة صار بحُكم صدقة متقبَّلة؛ نقول ذلك بناءً على تجاربَ متعدِّدةٍ حصلت، تؤكِّد على علاقة رسائل النور بالمطر، وفي زمنٍ اشتدَّت فيه الحاجةُ إلى المطر بعد طولِ انقطاع.
وقد لاحظنا في ذلك المشهد نوعَ غضبٍ ظاهر، متضمِّنًا ملاطفةً وشفقة معنويّة؛ وقبل بدء العاصفة والأمطار شعرتُ بحسٍّ مُسبَقٍ أنَّ مصيبةً مروِّعةً هائجة قادمةٌ، وأنها ستكون مفتاحًا لخزينة الرحمة، لهذا عكفت على قراءة "الجوشن" و"ورد الشاه النقشبندي" باستمرار، وفي خضمِّ تلك العاصفة تلقَّيتُ بكمال الرِّضى والشوق فكرةَ أن تكون هذه البحيرةُ المباركة قبرًا لي، فالموت في حادثةٍ كهذه بمثابة الشهادة، والشهيد بمرتبة الوليِّ، لهذا لم يكن الحزن يَنتابُني تجاهَ أصحابي السِّتّة، غير أني شعرتُ بقليل من الأسى على الطفل الذي كان في المركب.
تعطَّل محرِّك المركب، ولم يُجدِ الشِّراعُ نفعًا، إذ كانت الرياح تجري عكس ما يشتهي، والأمواج تتلاطمُ بشدّة، فكانت تضرب المركب وتُهاجمنا ظاهريًّا، غيرَ أنها
— 238 —
لم تمسَّ داخل المركب، لهذا قابلنا الحادثةَ بكمال الصبر والشكر، حتى نجَونا منها وخرجنا سالمين نردِّدُ: «الحمدُ لله على كلِّ حال».
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭