لاحقة أمير داغ
— 232 —

جوابٌ على الأخبار الملفَّقة التي انتشرت حول تجوال أستاذنا في القرى والتأكيد على عدم وجود ما يدعو للقلق

عريضةٌ مقدَّمة إلى مديرية أمن ولاية "إسبارطة" التي حلَّ عليها أستاذُنا سعيدٌ النُّورْسِيّ ضيفًا منذ عامَينِ:
١ - لقد عَدَّ أستاذنا سعيدٌ النُّورْسِيُّ نفسَه ضيفًا على مديريّاتِ أمنِ وقضاء الوِلايات والبلدات التي نزلها في بلاد الأناضول منذ ثلاثين عامًا، وعُومل من قِبَل أفراد الأمن معاملةَ الصديق والحامي والحارس.
حين شرع أستاذُنا قبل ثلاثين عامًا في "إسبارطة" بتأليف "رسائل النور": التفسيرِ
— 233 —
الحقيقي السّاطع للقرآن، قدَّم بذلك للحقائق الإيمانية خدمةً جليلة ذاتَ تأثيرٍ، وإحدى الفوائد الدنيوية لهذه الخدمة المتوجِّهة تمامًا نحوَ الآخرة: أنها أقرَّت بدروسِ الإيمان رقيبًا في النفوس يحولُ دونَ ارتكاب المساوئ، وأضحت نتيجةَ ذلك وسيلةً للحفاظ على الأمن والاستقرار.
وعملًا بمقتضى الآية القرآنية: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وما تمثِّلُه من عدالةٍ حقيقيةٍ في عدم مؤاخَذة أحدٍ بجريرةِ غيره، ومنعِ التضحية بحقِّ بريءٍ واحدٍ على حساب مئة مجرم، وأمثالِها من الدساتير القرآنية، كان أستاذُنا وما زال يُعلِن في شتَّى بقاع الأرض: أن إلحاقَ الضرر بتسعين بريئًا لأجل عشَرةٍ بالمئة من الظالمين هو أمرٌ منافٍ تمامًا للعدالة الحقيقية والتشريع القرآنِيّ؛ ويعلِّق على مسألة تعرُّضِه للظلم الشديد بالقول: إنني لأجل الأُمّة الإسلامية أُضحِّي لا بحياتي الدنيوية فحَسْبُ، بل حتى بحياتي الأُخروية إن لزم الأمر.
وبالمفاهيم الإيمانية التي بثَّتْها دروسُ رسائل النور، وبالحقائق القرآنية التي تضمَّنتها دفاعاتُها المُفضية إلى براءتها لدى جميع المحاكم؛ أصبح أستاذنا مَعْلَمًا للهداية إلى سعادة الحياة الاجتماعية بشقَّيها الدنيويِّ والأُخرويّ، وأضحى عاملًا مُهِمًّا للحفاظ على الأمن والاستقرار.. وهذا أمرٌ ثابت بتصديق السّادة أهل الحَمِيَّة والغَيرة المُهتمِّين بسعادة الحياة الاجتماعية.
وخلال ثلاثين عامًا دُقِّقت مؤلَّفاتُ أستاذنا من قِبَل محاكم عِدّة، وصدرت بحقِّها قراراتُ البراءة، وهي الآن مُطلَقةُ الحُرِّية، وقد انتشَرَت بسرعةٍ هائلةٍ في أماكن عديدة من الأناضول ومراكز العالم الإسلاميِّ والبلاد الغربية، ونالت منهم الاستحسانَ والتقدير؛ وكان هذا مدعاةً للتتبُّع والتحرِّي الشديد في تفاصيل أحوال أُستاذِنا، ومع ذلك لم تسجَّل أيةُ واقعةٍ تضعُه في حيِّز الاتِّهام.
ولقد شكَّلت رسائلُ النور حصنًا قرآنيًّا وإيمانيًّا منيعًا تصدَّى لهجمات الشيوعية المُعادية للدِّين والأخلاق والأعراف، وصدَّ تيّارَها المدمِّر في زمنٍ هيمَنت فيه على الصين وشطر أوروبا، مخلِّفةً وراءها أضرارًا جسيمة، ودفعت الشعوبَ والدُّولَ لأخذِ
— 234 —
الحِيطة والحذر فيما بينها، بهدف مواجهة نظامها الكفريِّ المُفسِد الممزِّق؛ أضِف إلى هذا كله سعيَ التنظيمات الخارجية المُفسِدة الخفية في الوقت ذاته لإحداث اضطراباتٍ تَضُرُّ بهذا الوطن.. فبرزَت خدمةُ رسائل النور بمُهِمّةٍ خالصةٍ مؤثرة، أدَّت خلال ثلاثين عامًا لإصلاح حال مئات الآلاف من الشباب الذين قرؤوا هذه الرسائل المنتشرة بمئات آلاف النُّسخ، ولم تُسجِّل أيُّ جهةٍ أمنيةٍ ضدَّ أحدٍ من طلاب النور حادثةَ إخلالٍ بالأمن والاستقرار، وهذه حقيقةٌ يقينيةٌ يشهد عليها رجالُ الأمن المُنصِفون.
وبقطع النظر عمّا لهذه الخدمة الإيمانية من فوائدَ معنويةٍ وأُخروية، فإن لها فوائدَ وعوائدَ على الدنيا والناس، وقد أَعلَن أستاذُنا يومًا هذا الأمرَ، وجاء الزمان مصدِّقًا كلامه حينَ قال: ثمّةَ سبيلان كفيلان بتوفير السعادة الدنيوية والأُخروية لهذا الوطن والشعب، هما:
الأول: مواجهةُ الاحتلال المعنويِّ لتيّار الكفر الرهيب الذي غزا بلادَنا من الشَّمال، وذلك عبر حقائق القرآن وأنوار الإيمان؛ وبما أن هذا التيّار الإلحاديَّ يسبِّبُ دمارًا معنويًّا، فتتعيَّنُ مواجهتُه بأسلوب معنويٍّ أيضًا؛ وإن لَمَعات الحقائق القرآنية یی رسائل النور یی تمتلكُ طاقةَ قنبلةٍ ذَرِّيةٍ معنويّةٍ لصدِّ تيار الضلالة، وترميم هذا الدمار.. وقد حقَّقَت ذلك بالفعل.
الثاني: إزالة عَداء العالم الإسلامي للشعب التركي الذي ظلَّ على مدى ألف عامٍ جيشَ الإسلام البطل وحاملَ لِوائه، وتجديدُ القناعة لديهم بأن الأتراك ما زالوا أبطالَ المسلمين مثلَما كانوا من قبل؛ وبذلك يكتسبُ هذا الشعبُ أخُوّةَ أربعِ مئةِ مليونِ أخٍ حقيقيٍّ، ويحقِّق لنفسه أعظمَ أسباب السعادة الدنيوية؛ ولقد حقَّقت رسائلُ النور هذا الإنجاز بصورةٍ عمليّة في هذا الوطن، بنشرها حقائقَ الإيمان.
وفي السابق قام أحدُ طلاب رسائل النور القاطنين في الحدود الشرقية للبلاد بصدِّ شائعات الرُّوس آنذاك في تلك الأنحاء، بما معه من الرسائل، وبما استخرجه منها من حُجَج وتوجيهات؛ فقدَّم طالبٌ واحد فقط بهذا العمل خدمةً جليلة للوطن والشعب وللأمن والاستقرار، تعدِلُ خدمةَ جيشٍ كامل.
— 235 —
وما هذه المنافع الدنيوية التي حقَّقتها وتحقِّقُها رسائلُ النور، إلا آثارٌ تعودُ على الحياة الاجتماعية بالفائدة، وإلا فليس لرسائل النور أيُّ مصلحةٍ دنيويةٍ سوى خدمة الإيمان في سياق مرضاة الله وحده والدار الآخرة.
٢- ثم هو معتزلٌ مُنزوٍ منذ ثلاثين عامًا، وتحت تأثيرِ المرض والسِّجن والتجريد وغيرها لم تَعُدْ لديه رغبةٌ بمجالسة أحدٍ من الناس إلا لضرورة، لذا تراه يكسِرُ خواطرَ أصحابه الذين يأتون لزيارته من خارج المدينة ويَرُدُّهم محزونين لعدم لقائه؛ ويقضي ليلَه وحيدًا حتى الصباح، ولا يسمح حتى للقائمين على خدمته بدخولِ غرفته إلا للضرورة القصوى؛ وهذا واقعٌ لا نملك حِيالَه إلا الإقرارَ والصمت.
وطبيعة الانزواء وعدم مقابلة الناس إلا لحاجة هي إحدى السجايا الفطرية التي يتمتع بها أستاذُنا قديمًا، فصار هذا الأمر دستورَ حياته؛ حتى إنَّه منذ ثلاثين عامًا لم يلتَقِ أخاه الشقيقَ الوحيدَ المتبقِّيَ على قيد الحياة، ولم يَدْعُه لزيارته ولقائه، مع أنَّه يقطن في مدينة مجاورة.
أما على صعيدِ الأمن: فلقد قدَّم أستاذُنا من خلال رسائل النور وعلى مدى ثلاثين عامًا خدمةً جليلةً للجهات الأمنية المعنيّة بأمره، والتي عقَدَت معه فيما بعدُ صلحًا وصداقةً، وذلك في مجال الحفاظ على الأمن والاستقرار؛ وأمّا المحاكم فقد تابَعَت أدقَّ تفاصيل حياته، ولم يعُد شيءٌ خافيًا على الجهات الأمنية، ومِن لازمِ ذلك أنَّ واجبَ المَسؤُولين المكلَّفين بالحفاظ على الحقوق العامة عدمُ تغيير قناعتهم هذه التي هي نتاج ثلاثين عامًا من المتابعة والمراقبة، لمجرد جملةٍ من الأكاذيب يطلِقُها بحقِّه بعضُ أعداء الدِّين المتستِّرين.
٣- إن أستاذنا جدُّ مريض، ولا يمكنه الخروج حتى لصلاة الجمعة، لكنه يحتاج للترويح عن النفس أحيانًا في فصل الصيف، فيخرج لبضع ساعات إلى ضواحي المدينة ليخلوَ بنفسه حيث لا يراه أحد، ويقوم بهذه الجولة الخاطفة بالعربة نظرًا لشيخوخته ومرضه الذي منعه السيرَ على قدميه، ولعدم احتمالِه إقبالَ الناس عليه في الطريق.
— 236 —
ثم هو يسافرُ بشكلٍ نادرٍ إلى "بارلا" التي أقام فيها عشَرةَ أعوامٍ قبل ثلاثين سنة، حيث يُقيم مدّةً في غرفةٍ له هنالك ثم يعود؛ ويتحاشى الذهاب إلى أيِّ قريةٍ أو ناحيةٍ آهلةٍ بالسكان، ويبتعد حتى عن الأماكن الذي يقطنها أصحابُه منذ ثلاثين عامًا، للأسباب السالفة ذاتها.
هذه هي حال حياة أستاذنا، وهذه هي حقيقة الحال والأوضاع.
القائمون على خدمته
طاهري، زبير