لاحقة أمير داغ
— 129 —
باسمه سبحانه
تحدَّث إلينا الأستاذ على شكل ملاحظات، وقمنا بدورنا بتدوينها، وقد اضطُررنا لبيان ماهيّة محكمتين في هذا العام:
أما المحكمة التي هنا:
فإنني قبل خمسين عامًا أوَّلتُ حديثًا حول السفيانيّ والقبعة الإفرنجية، فاعتبَرَت المحاكمُ هذا الأمر اعتداءً على أحد القادة، وقد صرَّحَت محكمةُ "أفيون" بأن هذا الاعتداء وذلك التأويل هما سببُ إنزالها العقوبةَ الشديدة بي؛ فلنفترض أنني كتبتُ هذا الكلامَ حديثًا، وأن ذلك القائد ما زال على قيد الحياة، فإن الإنكليز المتعصِّبين لدينهم والمتشدِّدين في نظام حكمهم، يخضع لحكمهم ملايينُ المسلمين الذين ما فتئوا منذ مئة عام يُنكرون عقائدَ الإنكليز ونُظُمَهم ويرفضونها، إلا أن قوانينهم لم تجعل هذا الأمر مدارَ اتِّهامٍ لهم..
— 130 —
كما تقوم الجرائد والصُّحُف اليومَ بتوجيه صفَعاتٍ للقادة السابقين في الحزب السابق، تَفُوق عشرين ضعفًا تلك التي وجَّهتُها لذلك القائد عبر تأويل الأحاديث، وهم يُؤَدُّون بمجموعهم دَوْرَ الثُّلث من ذلك القائد على أقلِّ تقدير، بل كان كلٌّ منهم قائدًا مثلَه؛ ورغم ذلك كلِّه ظلَّت تلك الصُّحف تنتشرُ بحُرِّية دون أن تُوَجَّه لأيٍّ منها أصابعُ الاتِّهام!!
والحال أني قبل خمسين عامًا رميتُ بحجرةِ حديثٍ، وبعد عشرين عامًا مَدَّ ذلك القائد رأسَه أمامه فانكسر، وقد مات ورحل وانقطعت صلتُه بالحكومة والدنيا؛ كما أن قادة الحزب السابق حينما كانوا أعضاءً في مجلس الشعب أو كانوا يَشغَلُون مناصبَ إدارية، وهم على صلة بالحكومة، كانت الصُّحُف تَنتَقِدُهم بأشدَّ ممّا كانت توجِّهه إليه رسائلُ النور بعشرة أضعاف بل بمئة ضعف، ومع ذلك ظلَّت هذه الصحف تنتشر بحرية تامّة.
أما ماهية قرار مصادرة الكتب: فلقد تحدَّثتُ عن تلك الصفعة الموجَّهة لذلك القائد في صحيفة أو صحيفتين فقط من كتاب واحدٍ من أصل مئة وثلاثة وثلاثين كتابًا من كتب رسائل النور، وبالتالي فإن مصادرة (١٣٠) كتابًا يُشبه معاقبة (١٣٠) رجلًا بجريرة رجل واحد، وهذا ظلم شنيع!
ومن جانب آخر: فإن ظلمًا عظيمًا وجنايةً شنيعةً يبلغُ مداها عَنانَ السماء، أن تُصادرَ رسائل النور في الوقت الذي تَعرِضُ فيه المكتباتُ كتُبَ اللادينيِّين والملاحدة والزنادقة والشيوعيِّين رغم عَدائهم للدِّين والوطن، ويتمُّ تداولُها بحُرِّيّة تامّة، وعلى وجه الخصوص كتاب الدكتور "دُوزي" الطافح بالتهجُّم على الإسلام من بدايته حتى نهايته!
ولقد تداوَلَت رسائلَ النورُ أيدي العلماء في شتَّى مراكز العالم الإسلامي المُهِمّة، وكذا علماء هذه البلاد منذ ثمانية وعشرين عامًا، فلم يصدُر اعتراضٌ عليها من أيِّ عالم أو فيلسوف، سوى ما اعترضت عليه المحاكم والطبقة السياسيّة من مسألة الحجاب، وكذا الإخبار بأن من علامات آخر الزمان أن يظهر رجل يعتمرُ القبعة الإفرنجية ويُجبر
— 131 —
الآخرين على اعتمارِها، ومع ذلك فقد صدر لاحقًا من محاكمَ عدّةٍ قرارُ البراءة بحقِّ رسائل النور بما في ذلك هاتان المسألتان.
إن مصادرة عشرين ألفَ صحيفةٍ یی أعني رسائل النور یی لأجل صحيفةٍ أو صحيفتين هو بمثابة اتِّهامِ عشرين ألفَ رجلٍ نتيجةَ اعتداء شخصٍ على شخصٍ آخر، وبوجه حقٍّ لا بظلم، بل أنكر آخرون عدَّها موضعَ تُهمة، ولم تعتبرها خمسُ محاكم جرمًا؛ غير أنَّ الاعتداء الأشدَّ من ذلك هو مصادرةُ رسائل النور واحتجازُها في "أفيون" أربعةَ أعوام، وهذا التصرُّف خطأٌ شنيع، وجناية كُبرى، ومَكِيدة مدبَّرة ضدَّ هذا الوطن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭