— 125 —
أسكي شهر ٢٩/١١/١٩٥١
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أُهنِّئكم من صميم روحي على خدمتكم القرآنية والإيمانية التي تؤدُّون.
وفي رسالتنا هذه إليكم مسألةٌ دقيقة تتطلَّبُ مَشُورتَكم وإبداءَ رأيِكم فيما إذا كانت مناسبة، فإن لم تكن كذلك فأصلحوها.
ثانيًا: لقد أُثبت في رسائل النور أن القدر الإلٰهي يُجري عدالتَه في ثنايا المظالم ذاتِها، وذلك أن الناس ربما تعرَّضوا للظلم لسببٍ مّا وبغيرِ وجهِ حقٍّ، ويُزجُّ بأحدهم
— 126 —
في غياهب السجن، إلا أن القَدَر الإلٰهيَّ يُجري عدالتَه في السَّجن ذاته لاستحقاقٍ آخَر، فيُجازيه بهذا السجن لقاءَ تُهمةٍ حقيقية.
ولبيان هذه الحقيقة أعرضُ عليكم الآن أحدَ أمثلتها العجيبة التي جرت معي، وهي أني منذ ثمانٍ وعشرين عامًا أعاني العذاب والعقابَ الجائرَ، إذ أُعرَّض للمُساءلة والإدانة في عدةِ محاكم وولايات، ويُزجُّ بي في السِّجن، والتُّهمة المتوهَّمة التي لم يعثروا على أية أمارةٍ عليها هي حسَبَ قولهم: "يرغب سعيدٌ أن يجعل الدِّينَ أداةً للسياسة، بل إنه يقوم بذلك"، مع أنهم لم يتمكَّنوا یی في الواقع یی من إثبات هذه التهمة، ولا إقامةِ دليلٍ على دعواهم من بين ثلاثين مجموعةً من مجموعاتي الكبيرة، طوالَ ثلاثين عامًا من حياتي الجديدة التي قاسيتُ فيها الويلات والمصائب.
وما لم تعثر محكمةٌ واحدة في مثل هذه القضايا على أيِّ دليلِ إدانة، ولم تتمكَّن من وضعي ضمنَ دائرة الاتِّهام، فإن إصرار محاكمَ أخرى على إثارةِ القضية عينِها لَهو تصرُّفٌ مخالف للقانون والعقل والعدالة؛ ولا أستبعد أن يكون الدافعُ وراءَ توجيه هذه التهمة إلي ممَّن يجعلون السياسة أداةً بيد الإلحاد هو التغطيةَ على فعالِهم.
وفضلًا عن ذلك، فإن حياتي العلميةَ القديمة المرتبطة بخدمة الدِّين على مدار ستين عامًا، لَهي حجةٌ قطعيةٌ وبرهانٌ يقينيٌّ على أني سلكتُ بالسياسة والدنيا وبجميع التيارات الاجتماعية التي عايشتُها، مَسلَكَ تسخيرِها أدواتٍ تابعةً لهذا الدين، وخادمةً له.
بل لقد ادَّعيتُ في المحاكم وأثبتُّ بأدلةٍ قطعيةٍ أنني لا أستبدل بحقيقةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ مُلْكَ الدنيا بأسرِها، ناهيك عن جعل الدِّين أداةً للسياسة! وقد عدُّوا هذا السببَ حقيقةً رغمَ مُخالفته لها من عشرين وجهًا، بل هو أقربُ إلى الجنون وأشبهُ بالخُرافة.
وقد اهتديتُ في هذه الأيام إلى معرفة السبب الحقيقي وراءَ تعرُّضي للظلم من بعض موظَّفي القضاء وبعض السياسيِّين من ذوي المناصبِ الرفيعة، وهو أنني جعلت من خدمتي القرآنية في هذا الزمان أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادِّية والمعنوية، والعائدةِ إلى شخصي.. كان هذا هو الخطرَ الأعظم والجِناية الأخطر والتُّهمة المعنوية التي ارتكبتُها على مدارِ خدمتي الإيمانية التي أدَّيتُها في زمن الأنانيّة.
— 127 —
وإنِّي لَأَحمَدُ الله تعالى وأشكرُه بلا حدٍّ أنْ قامَتْ موانِعُ معنويةٌ قويةٌ وقطعيّةٌ لا يَدَ لي فيها، تحجُزُني طَوالَ هذه السنين عن اتِّخاذ خدمتي الإيمانية أداةً لترقِّياتي وكمالاتي المادية والمعنوية، أو وسيلةً للنجاة من العذاب والجحيم، أو حتى وسيلةً لنيل السعادة الأبدية، أو سوى ذلك من المقاصد.
كانت هذه المعاني تُثيرُ عَجَبي وحَيرتي، إذ إنَّ توجُّهَ الإنسانِ لنيل المقامات المعنوية التي تستطيبُها النفس، وسعيَه بالأعمال الصالحة للفوز بالسعادة الأُخروية، حقٌّ مشروعٌ لكلِّ أحد، وليس دونه ضررٌ على أحد، فلماذا أُمنَع رُوحيًّا من هذه الأحوال يا تُرى؟!
فأُريتُ أنْ لا مطلبَ أسعى إليه بعد مرضاة الله تعالى سوى تأدية الخدمة الإيمانية بدافعٍ من الوظيفة العِلمية الفطرية؛ ذلك أن الحقائق الإيمانية یی وهي التي ما ينبغي أن تُتَّخَذ أداةً لشيء، أو تكون تابعةً لشيء، بل هي تسمو على كلِّ غايةٍ ومَقصَد یی لا بدَّ أن تُلَقَّنَ في هذا الزمان الرهيب بأسلوب مؤثِّر، وبعُبوديةٍ فِطريةٍ لِمَن يحتاج إلى مَعرِفتها، ولِمَن لم يَتحصَّل على مَعرِفتها.
ولا بدَّ لحقائق القرآن أن تُعلَّم لتُنقِذَ إيمان المرء في هذه الدنيا المتقلِّبة المضطربة، وتورِثَ المُعانِدَ اليقينَ القطعيّ، دون أيِّ غرض آخر؛ وحقيقٌ بمثل هذا المَسلَك أن يَقصِم ظهرَ الكفر المطلق، ويَقطَعَ دابِرَ الضلالة المتمرِّدة المعاندة، ويورِث كلَّ إنسانٍ اقتناعًا قاطعًا.
ولا يمكن لهذه القناعة القطعية أن تتحقَّق في هذا الزمان وهذه الظروف إلا بتَيَقُّنِ أن الدِّين لا يُتَّخَذُ أداةً لأيِّ غرضٍ شخصيٍّ، دنيويًّا كان أو أُخرويًّا، ماديًّا كان أو معنويًّا، وإلا فإن مَن يتصدَّى لمواجهة الشخصية المعنوية للكفر والإلحاد المتولِّدةِ من الفكر التنظيمي والتحزُّبي، لن يقدر على إزالة جميع شبُهات الناس وتبديد وساوسِهم وإن بلغ أعلى مرتبةٍ معنوية، لأن المعاند الذي يريد الدُّخول في الإيمان يمكن أن تُحدِّثَه نفسُه وأنانيتُه فتقول: "لقد خدَعَنا هذا الرجلُ بذكائه ومقامه المعنوي الرَّفيع"؛ فيبقى تُراوِدُه الوساوسُ والشكوك.
— 128 —
وأحمدُ الله وأشكرُه آلافَ المرّاتِ أن القدَر الإلٰهيَّ ما فتئ منذ ثمانٍ وعشرين سنةً ينبِّهني ويوجِّه إليَّ لَطَماتٍ بأيدٍ ظالمةٍ ممَّن اتَّهمني أصحابُها باتِّخاذ الدِّين أداةً للسياسة، فكان هذا منه عدالةً محضة، يُجنِّبني بها یی دون علمٍ مني یی أن أتَّخذ الدِّينَ أداةً لغرضٍ شخصي، ويُخاطبني بالقول: حَذارِ حَذارِ.. لا تجعل حقائقَ الإيمان أداةً لشخصك.. كي يُدركَ المحتاجون إلى الإيمان أن الحقيقة وحدَها هي التي تتكلَّم.. وحتى تَخنَس وتَسكُت أوهامُ النفس ودسائسُ الشيطان.
ومع أن الحقائق التي عرَضَتْها رسائلُ النور هي نفسُها الحقائق التي عرَضَها آلافُ العلماء الحقيقيُّون، ونشروها بأسلوبٍ أبلغَ في مئاتِ آلافِ الكتب، إلا أن هذه الكتب لم تستطع وقفَ الكفر المطلق في هذه البلاد؛ في حين أقرَّ حتى أعداءُ الأنوار أنها بوجهٍ مّا قد انتصرت على الكفر المطلق؛ وبناءً على السِّر المذكور: فإذا كانت رسائل النور قد حَظِيَت ببعض التوفيق في مقارعة الكفر المطلق في ظلِّ هذه الظروف العصيبة، فبقوّة ذلك السِّر، وأنا بدوري رضيتُ من أعماق روحي بجميعِ ما قاسيتُه طَوالَ الثماني والعشرين سنةً من الأذى والضَّنك، وأَحلَلتُهم من حقِّي.
وأقول للقدَر العادل: لقد كنتُ مستحِقًّا لِلَطماتك الرحيمة هذه، وإلا فلو كنتُ سلكتُ السبيلَ الآخَر كسائر الناس فلم أتخلَّ تمامًا عن جميع أذواقي المادِّية والمعنوية یی وهو سبيلٌ مشروعٌ يُبتغَى به وجهُ الله تعالى ولا يتأتَّى منه أيُّ ضرر یی لخَسِرتُ هذه القوّةَ المعنوية الكبيرة في خدمة الإيمان.
وأَحَدُ مظاهر هذه القوة أن أَحَد الأشخاص قرأ كتابًا لعالِمٍ جليلٍ يتحدَّث فيه عن الحقائق الإيمانية، فلمّا قرأ صحيفة واحدةً من رسائل النور أقرَّ بأنها أكثرُ إنقاذًا للإيمان، رغمَ أني إزاءَ ذلك العالِمِ كأحدِ طُلّابه.
الباقي هو الباقي
أخوكم المحتاج لدُعائكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭