— 112 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ الرَّحْمَنُ ٭ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ٭ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ٭ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
(هذه قطعةٌ من صدر تفسير إشارات الإعجاز تُنقَل بحرفيتها من أصلها العربي)
نَحمَدُ ذاتَ ذي الجلال في تجلِّيه الأكبر باسم "الرحمٰن"، الذي خلق الإنسان وعلَّمه القرآن، ونُثني عليه بعدد تجلِّيات الرحمة؛ ونُصلِّي ونُسلِّم صلاةً وسلامًا دائمَينِ بلا حدٍّ، على سيِّد البشر محمَّد (ص)، الذي أرسَلَه رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه بعدد ثمرات رسالة هذا الرسول الأكرم..
نَحمَدُه حمدًا لا نهاية له أن جعل معجزَتَه الكبرى الجامعةَ یی القرآنَ العظيم یی برموزها وإشاراتها لحقائق الكائنات، مُرشدًا دائمًا باقيًا للنوع البشريِّ على مرِّ العصور، ووهبه البقاءَ حتى يوم القيامة، وجعل الرسول الأكرم (ص) أستاذًا عليه.
أما بعد، فاعلم..
أولًا: أن مَقصَدنا من كتابة هذه الإشارات والرموز هو: تفسير بعض رموزِ نظم القرآن، لأن ما يتجلَّى من نظم القرآن هو أدقُّ أنواع الإعجاز السبعة، غير أنه قوي، وهو لفظيّ إلا أنه ذو حقيقة.
أجل، إن الإعجاز الزاهر يَنبُع من نَقْش النظم.
ثانيًا: إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية أربعة حقائق: "التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة"، لأن بني آدم على هيئة قافلة عجيبة وركبٍ كبير، صافِّين والطوائفَ الأخرى بعضَهم خلف بعضٍ، راحلين عبرَ عصور الزمان الماضي وأوديته وبلدانه ومَعارِضه، مسافرين في صحراء الوجود والحياة، عابرين شواهقَ جبال المستقبل وبساتينَه، متوجِّهين إلى جنّاته.
— 113 —
وبمظهرية النوع البشريِّ لخلافة الأرض، وبصلاحية تصرُّفهم بكلِّ ذي حياة، وبمقتضى علاقة عمومِ الأشياء على وجه الأرض بهم.. أثار هذا الأمر مشاعرَ الكائنات فتوجَّهت نحو النوع البشري، وباتت مهتمّةً به.
ومع أنَّ بني آدم طائفةٌ واحدة، إلا أنهم باختلاطهم مع مئات آلاف الطوائف، بات الكونُ مثلَ الأرض ينظر إليهم باعتبارهم ثمرةَ خلقة العالم.
وكأن حكومة خلقة الكون أرسلَت فنَّ الحكمة التي هي بحكم شرطيِّ تلك الحكومة إلى قافلة الضيوف تلك محقِّقًا ومُستنطِقًا يسألُهم: يا بني آدم، من أين أتيتم؟ وإلى أين ماضون؟ وماذا أنتم فاعلون؟ إنكم تتدخَّلون بكل شيء، وتَخلِطون أحيانًا الأمور! مَن سلطانكم وخطيبُكم ورئيسكم ووجيهُكم كي يجيبَ على أسئلتي هذه؟
وفي أثناء تلك المحاورات قام من بين قافلة بني آدم أمثلُهم، نبيٌّ من أُولي العزم، محمدٌ الهاشمي (ص)، الذي وقف أمام فنِّ الحكمة، ونادى بلسان القرآن: "أيتُها الحكمة المستجوِبة، إننا معاشرَ الموجودات قد خرجنا من ظُلُمات العدم إلى ضياء الوجود بقدرة سلطان الأزلِ، وبلَغنا نُورَ الوجود، وشَرَعت كلُّ طائفة مِنّا في وظيفة.
أما نحن یی معاشرَ بني آدم یی فقد بُعِثنا إلى محشر الكائنات هذا مُقلَّدين رُتبةَ الأمانة الكبرى، وحائزين وظيفةَ خِلافة الأرض، ومُمتَّعين بامتياز حمل الأمانة عن إخواننا من سائر الموجودات؛ ومتأهِّبين للسفر في أيِّ لحظة، ومنهمكين بتداركِ طريق الحشر ونيلِ السعادة الأبدية؛ ونعمل على رعاية بذور استعداداتنا وتنمية سُنبُلها الذي هو رأسُ مالنا، من خلال ترقيتها بالإيمان والقرآن.
إنني رئيسُ تلك القافلة وخطيبُها، وهذا المنشور "الفرمان" الذي بين يديَّ يقوم الهواء الماديُّ والمعنوي بمضاعفة كلِّ كلمة منه إلى مليارات الكلمات وإسماعِها لجميع أفراد الكون في الوقت ذاته كأنها لسانٌ واحد؛ وذلك المنشورُ هو كلام السلطان الأزليِّ والأبدي؛ وإذا أردت الدليلَ على أنه أوامرُه وحديثُه فانظر إلى السِّكّة السُّلطانية والطُّرّة السَّرمدية التي خُتم بها، وانطلق لتتحدَّث عن مُشاهداتك.
— 114 —
أجل، إن الذي أجاب إجاباتٍ صائبةً تامّة على الأسئلة الثلاثة أو الأربعة الأكثرِ صعوبةً وشُموليةً، والتي سُئِلَها عمومُ الموجودات، ليس سوى القرآنِ المُعجِزِ البيانِ، إذ أعلن عنها في مقدِّمته بمنشورِ: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ
فما دُمتَ قد أدركتَ حقيقةَ ما تقدَّم، فيلزمُك بهذا أن تُدركَ أن عناصر القرآن الأساسية هي تلك الحقائقُ الأربعة : "التوحيد، والنبوّة، والحشر، والعدالة".
وكما تتراءى هذه المقاصدُ أربعةَ أركانٍ في مجموع القرآن، كذلك تتجلَّى في معظم السُّوَر، إذ تغدو كلُّ سورة قرآنًا صغيرًا، وقد تُلمَحُ إشاراتُ تلك المقاصد الأربعة في كثيرٍ من جُمَله، بل ربما ظهرت رموزُها في الكلمة الواحدة، لأن أجزاء القرآن وكلماتِه وآياتِه تصبح جميعًا في حُكم مرآةٍ أمام مجموعِه، ويتراءى الكلُّ في كلِّ جزءٍ منها.. وكأن القرآن يَمنَح آياتِه وجُمَلَه وكلماتِه نُورَ تلك المقاصد بشكل متسلسِل، فربما بَدَت قرآنًا صغيرًا في كلمة أو جملة، كالشمس في المرآة.
لأجل هذه النكتة الخاصّة بالقرآن یی أي: كون الجزء كالكلِّ یی يَظهَر المَقصَدُ نفسُه رغم أن القرآن فردٌ مشخَّص ومجسَّدٌ به، فيُعرَّف في علم المنطق بأنه كلِّيٌّ له أفرادٌ كثيرة، ما يعني أن في القرآن آلافَ المصاحف، حتى انتظم شخصًا كلِّيًّا، ويلزم أن يكون كذلك، فبما أنه درسٌ لطوائفَ مختلفةٍ لا تُحدُّ، لزم أن يكون في ذلك الدرس دروسٌ بعدد تلك الطوائف غيرِ المحدودة.
فإن قيل: أرني هذه المقاصدَ الأصليةَ الأربعة في جُملِ: "بسم الله" و"الحمدلله".
قلنا جوابًا: لمّا كانت "بسم الله" قد أُنزِلت تعليمًا لعباد الله، تضمَّنت یی بطبيعة الحال یی الأمرَ: "قُل"، ويُعبَّر عنها لغويًّا بی(المقدَّر)؛ فتكون "قل" المقدَّرةُ في "بسم الله" أصلَ وأساسَ جميعِ ألفاظ: "قل" المقدَّرةِ في القرآن؛ وبناءً على هذا فإن في "بسم الله" رمزًا إلى الألوهية، كما أن في كلمة "قُل" إشارةً إلى الرسالة.. وفي تقديم الباء في "بسم"، وتقديرِ "قُل" نهايتَها ما يُفيد معنى الحصر والانفراد، في إشارةٍ إلى محضِ التوحيد، أي: ابدأْ باسمه فقط، وتَلَقَّ منه المدد.
— 115 —
وفي اسم «الرحمٰن» إرشادٌ إلى نظام العدالة وجَلَواتِ الرحمة، إذ تزيَّنت جميعُ الموجودات المختلفة المختلطة وتجمَّلت بالانتظام، لتكون باستحقاقٍ مظهرًا لجلَوات الرحمة.
وفي «الرحيم» إشارةٌ إلى الحشر، لأن كلًّا من معاني العفو والرحمة والشفقة داخلةٌ في معناه؛ ولأن تلكم المعانيَ الحقيقية لا تظهر عامّةً في هذه الدنيا الفانية، فلا بدَّ من ظهورها تامّةً في ديارٍ أُخرى؛ وكذا حقائقُ الرحمة والشفقة لا يمكن أن تنسجمَ مع الفَناء، ممّا يُومِئُ إلى أن الشفقة التي في "الرحيم" قد انبسطت لتمتدَّ بنصيبٍ إلى الجنة.
وتأمَّلوا الآن قولَه تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ففي "الحمد لله" إشارةٌ ظاهرة إلى الأُلوهيّة، لأن جميع المحامد لله خاصةً، ومثلَما تُظهِر الألوهية، تُظهر كذلك التوحيد.
أجل، إن اللام في "لله" تُفيد لُغةً معنى الاختصاص والاستحقاق، و"ال" في "الحمد لله" تفيد یی في أحد معانيها یی الاستغراقَ، ما يعني أن جميع المحامد خاصةٌ بالله، وأنها تفيد التوحيد بشكل قطعيّ.
وفي لفظ: "ربِّ العالمين" إشارةٌ إلى العدالة والنُّبوّة أيضًا، لأن القيام بمُوازنةٍ وانتظامٍ مُكمَّلين لثمانيةَ عشَرَ ألفَ عالَمٍ، بدءًا من الذرّة والذَّرّات والذُّبابات، ووصولًا إلى السَّيارات والكواكب التي تفوقُ حجمَ الأرض ألفَ مرّة، وتربيتَها بشكل مُكمَّل، تُظهر عدالةً كبرى في غاية الكمال.
أما إشارتُها إلى النُّبوّة: فما دامت القُوّة الفطرية في النوع البشري غيرَ مقيَّدة بحدود كحال سائر الحيوانات، وقد بدرت منهم التجاوزات.. وما دام الإنسانُ على صلةٍ بجميع الكون من الجهتين المادِّية والمعنوية؛ لذا فإن النُّبوّة ضرورية من جهة قيام الإنسان بحَملِ الأمانة الكبرى في سبيل رُقيِّ الحِكمة العالية البشرية المتجلِّية في خِلقة الكائنات، ورقيِّ استعداداته التي هي بحُكم البذور، وخضوعه للنظام والانتظام
— 116 —
كي يحتلَّ مكانته بين "العالمين" من رَبِّ الْعَالَمِينَ، ويكونَ خليفةَ الأرض، ويُثبتَ أَرْجحيَّتَه على الملائكة.
وفي جملة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ تصريحٌ بالحشر، لأن يَوْمِ الدِّينِ يعني يوم الإدانة، ويوم الجزاء، ويوم المعنويات.
وكما تُفيد أن الدنيا يومُ الأعمال والتحرُّكات المادِّيّات، كذلك تُفيد أنَّ يومًا سيأتي تُنشَر فيه نتائجُ تلك التحرُّكات، وتُسلَّمُ مكافأةُ تلك الخِدمات، وتُؤدَّى ثمَراتُ تلك المعنويات، بل تُعرَضُ فيه الآثار الدائمة والباقية لتلك الفانيات الزائلات، وصحائفُ أعمالها جميعًا المُلتَقطةُ بواسطة آلة تصوير وسينما عالَمِ المِثال.
وعلى غرار جملتي "بسم الله" و"الحمد لله"، يُمكنُنا أن نشاهد في مواضعَ كثيرة من القرآن جُمَلًا تحتوي على العناصر الأربعة الأساسية تلك..
فمثلًا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ صَدَفٌ يتضمَّن هذه الجواهر الأربعة، وإنك إن أمعنت النظر ستجد ذلك.
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ أي: مثلَما شرَّفك صاحبُ الجلال بالنُّبوّة وإرساء العدالة المادِّية والمعنوية، كذلك أحسن إليك بكوثر الجنة.
أيُّها السّائل، نختصر هذه الحقيقة الواسعة، فاجعل هذه الأمثلةَ الثلاثة معيارًا تَنسُجُ على منواله، واشرع بنفسك في نسج تلك المناسبات والإشارات بحَسَبه.
ونبدأ نحن بی"بسم الله"، ونُومئ إيماءً موجَزًا من جهة النَّظم، محيلين الإيضاحَ والتفصيل إلى "رسائل النور" و"الكلمة الأولى" و"لَمْعة البسملة".. وإلى سائر حُجج رسائل النُّور التي تدور حول "بسم الله".
"بسم الله" كالشمس، فكما تُنوِّر غيرها تُظهِر نفسَها كذلك، وتحتاجُها الأرواحُ في كلِّ نفَسٍ وفي كلِّ لحظة حاجَتَها إلى الهواء والماء، لذا فإنَّ روحَ كلِّ فردٍ تَستشعِرُ
— 117 —
حقيقتَها؛ ولا ضيرَ إن لم يدرك ذلك القلبُ والخيالُ، ولهذا هي مستغنيةٌ عن البيان والتعريف، فأحدُ أجزائها وحروفها أوَّلًا حرفُ الباء، وأحد معانيه اللُّغوية: الاستعانة.
كما أنَّ أحدَ معانيه العُرفية التبَیرُّك، لذا تعلَّق عائدُ هذه الباء بأفعال "أستعين" و"أتيمَّن" الصادرة من معناها ذاته؛ أو أن "قل" المستتر تحت حجاب "بسم الله" يتوجَّه إلى فعلِ "أقرأ"، أي: يا ربِّ، إنني سأقرأ بمعونة اسمِك وبركتِه، فكما أن كلَّ شيء يتمُّ بقدرتك وإيجادك وتوفيقك، فإنني أبدأ باسمك وحدَه فقط.
مما يعني أن تقدير لفظ: "أقرأ" بعد "بسم الله" يفيد كلًّا من الإخلاص والتوحيد.
أما كلمة "اسم" فاعلموا أنَّ أسماء ذات الواجب الوجود البالغة ألفَ اسم، يُطلَق على قسم منها "الأسماء الذاتية"، إذ تُظهِر الذاتَ المقدَّسة من جميع الجهات، وهي اسمه وعنوانه، مثل: "الله، الأحد، الصمد، واجب الوجود.." وغير ذلك كثير.
ويُطلَق على قسم منها: "الأسماء الفعلية"، ولها أنواع كثيرة، من مثل: "الغفّار، الرزّاق، المُحيي، المُميت، المُنعم، المُحسِن".
٭٭٭