لاحقة أمير داغ
— 208 —

مصارحةٌ مع شرطة أميرداغ

لي سؤالٌ عن سببِ معاملةٍ عجيبةٍ مُحيِّرةٍ ألقاها إزاءَ مطالبتي بحقٍّ من حقوقي الإنسانية.
فأولًا: لقد ظللتُ محتفظًا بشكواي لم أقدِّمها طَوالَ سنة، ثم أرسلناها مؤخَّرًا إلى الشرطة، لتُوصِلَها بواسطةِ شخصيةٍ مهمةٍ إلى المسؤولين بأنقرة.
ثم قلتُ: إن مدير أمن "أفيون" رجلٌ منصف؛ فأرسلتُ إليه نسخةً من الشكوى سُلِّمتْ له باليد، وبينما كنتُ أنتظر منه تجاوبًا فيما يتعلَّق براحتي، إذا به على العكس من ذلك يكتب إلى مَن يُضيِّقون عليَّ قائلًا: هذا الخطُّ الجميلُ ليس خطَّه، فحقِّقوا في أمر مَن كَتَب!!
فماذا يُقال في تَعْنِيْتي وإقلاقِ راحتي، وتجاهلِ تلك الشكوى القويةِ المُحقَّة، والاهتمامِ غيرِ المبرَّر بخطٍّ لا ضرر منه ولا أهمية له؟ أليس أشبه بازدراءِ ألفِ دينارٍ ذهبيٍّ والحفاوةِ ببضعةِ فلوس؟!
لقد دقَّقتْ ثلاثُ محاكم في آلافِ نُسَخِ رسائلِ النور بأجزائها المئة والثلاثين مكتوبةٍ بخطوطٍ مختلفة، وشَهِدَ المحكمةَ معي فريقٌ مهمٌّ من نُسَّاخها، فلم يكن في
— 209 —
الأمر مقدارُ ذرةٍ من المسؤولية، أفيُقال بعد هذا كلِّه: حَقِّقوا في أمرِ مَن يكتب له!! فأيُّ قانونٍ في هذا أم أيةُ مصلحة؟! وأيِّ داعٍ لإحضار الخادم المسكين إلى المخفر بهذه الذريعة، ثم تخويفِه وترهيبِه، ثم الطلبِ منه أن يُخبِرني بما جرى؟! فها أنَذا أخبركم بأن لي یی لو أردتُ یی آلافَ الرجال يكتبون ما أكتب، وهم في كل ناحيةٍ يكتبون ما يعود بالمنفعة على الوطن والشعب.
ثانيًا: أطلب منكم باسم الإنسانية ألَّا تُحوِّلوا وجهي إلى الدنيا حتى حلول العيد.. أنا لا أفكِّر بكم فانسَوني.. كُفُّوا عن مسكينٍ سَخِط على الدنيا مثلي.. لا تُجبِروه في هذه الشهور المباركة على الانشغال بشؤون الدنيا التافهة فيُضرَّ بالآخرة.
٭٭٭
أثارتِ اهتمامي الهزةُ الأرضية ذاتُ المغزى التي وقعتْ مؤخَّرًا، وقلتُ في قلبي: إنْ كانت وقعتْ بنفس الشدة في سائر الأماكن فهذا يعني أن ثمة اعتداءً على طلاب النور، وإلا فعلاقتُها برسالتي فحسب؛ فسألتُ فقالوا: وقعت هزةٌ خفيفةٌ في أنقرة، ووقعتْ كذلك في "أفيون" و"أسكي شَهِر" و"أميرداغ"، وكانت التي وقعت في هذه القصبة أشدَّها.
إلا أن ما يثير الاستغراب حقًّا أن الهزة وقعتْ شديدةً أربع مرات، لكنها لم تُخلِّف أيَّ ضرر!!
وإحدى حِكَمِ ذلك أنه صدر أمرٌ قطعيٌّ أنْ أَحضِروا "سعيدًا" إلى مركز الحكومة بالقوة، فجاء العناصر وعريفٌ واحد، وكنتُ قد أغلقتُ بابي وأقفلتُه، فقالوا: نَستقيل ولا نكسِر بابَه، وعادوا من حيث أتَوا؛ إذًا فهذه الهزة الخصوصية هي كالهزة التي في مدافعتي، لها علاقةٌ برسائل النور، ولهذا وقعتْ خصوصيةً هذه المرة، ولم تُخلِّف أضرارًا رغم شدتها؛ ولو أنهم كسروا بابَ المدرسة النورية الصغيرة هنا، لكانت الصفعة قوية، ولمَا كانت لمجرَّد الإنذار.
— 210 —
صحيحٌ أن هذا التعرُّض كان جزئيًّا خفيفًا، لكنْ لا أكتمكم أنه أثار حفيظتي كما لم يُثرْها أيُّ تعرُّضٍ من قبل، غير أني تحمَّلتُ تحمُّلًا عجيبًا لأجل النور وطلابِ النور؛ فإن ذلك الشقيَّ وجَّه إليَّ شتيمةً مِن على كرسيِّ وظيفته في مركز الحكومة، وقال لخادمي: اِذهب وبلِّغه هذا الكلام!! وراح يتحدى جاعلًا من نفوذ الحكومة مِلْكًا شخصيًّا لشخصه الأرعن، فاستفزَّ بشدةٍ أعصابي الموروثةَ من "سعيدٍ القديم"، إلا أن ضرورةَ الهدوءِ والاتزانِ وضبطِ النفس والصبرِ والتحملِ هدَّأتْني.
ثالثًا: بخصوص ما كَتَبه "أحمدُ النجار" البطلُ الجادُّ الذي سَدَّ مَسَدَّ المرحوم "مصطفى چاويش النجار" ذي الصدق والوفاء الخارق، فإن اهتمامه بمنزلٍ برزخيٍّ ومَزارٍ أُخرويٍّ لي بجبل "دَوْراز" في "صاوة" وكتابتَه إليَّ بذلك قد سرَّني كثيرًا وأبكاني بحزن.
٭٭٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
نهنئكم مجدَّدًا بشهر رمضان المبارك، كما نهنئ الأخوَين البطلَين، والصَّبِيَّةَ المباركةَ ابنةَ "سليمان رشدي" التي غَدَتْ بجهةٍ ما ثامنَ الصِّغار السبعة في "المعجزات الأحمدية".. نهنئهم جميعًا من صميم قلوبنا على اشتغالهم بنَسْخ "معجزات ذي الفَقار" آليًّا، وعلى تَفانيهم في نَسخ كتابات "خسرو" و"طاهري" الجميلة الدقيقة، فلقد عملوا بجِدٍّ فائق، وأسدَوا للأنوار خدماتٍ قيمةً مثمرة، فنقول لهم باسم رسائل النور: ما شاء الله.. وفَّقكم الله وبارك بكم.
(حاشية): توافُقٌ لطيف: بينما كان المطر قد انقطع هنا منذ شهر فلم تنزل منه قطرة، وبينما كانت قلوبنا تبكي للفتور الذي أصاب النوريين جرَّاءَ التعرُّض المعلوم، إذْ وصلتْني قبل يومين بشارةُ "خسرو" بجهاز النَّسْخ، وتلقَّيتُ اليومَ رسالةَ "نظيف" المفصَّلة، ونموذجًا من طِباعة الجهاز، وحصل في الوقت نفسِه أنْ أخبرَني مَن يقومون على خدمتي بأنه قد شُرِع برفع الأذان المحمدي على المآذن في "أسكي شَهِر"، وبأن الرجل الذي أَمَر الرقيبَ بإهانتك قد تلقى صفعةً، وتوافَقَ ذلك مع نزولِ غيثِ رحمةٍ أفرَحَ قلوبَنا وأدخل عليها السرورَ والانشراح بعد طولِ حُزنٍ وبكاء؛ فهذا التوافق والتطابق فألُ خيرٍ إن شاء الله.
٭٭٭